الأقسامبحار الأنواركتاب الاحتجاج
بحار الأنوار

في قوله ﴿‏وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ‏﴾ لما بين الله سبحانه كراهتهم لحكمه قالوا للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و الله لو أمرتنا بالخروج من ديارنا و أموالنا لفعلنا فنزلت و المعنى حلفوا بالله أغلظ أيمانهم و قدر طاقتهم أنك إن أمرتنا بالخروج إلى غزواتك لخرجنا ﴿‏قُلْ‏﴾ لهم ﴿‏لا تُقْسِمُوا‏﴾ أي لا تحلفوا و تم الكلام ﴿‏طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ‏﴾ أي طاعة حسنة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خالصة صادقة أفضل و أحسن من قسمكم و قيل معناه ليكن منكم طاعة ﴿‏فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ‏﴾ أي كلف و أمر. و في قوله ﴿‏وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏﴾ قالوا أعان محمد على هذا القرآن عداس مولى خويطب بن عبد العزى و يسار غلام العلاء بن الحضرمي و حبر مولى عامر و كانوا من أهل الكتاب و قيل إنهم قالوا أعانه قوم من اليهود ﴿‏فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً‏﴾ أي شركا و كذبا و إنما اكتفى بذلك في جوابهم لتقدم ذكر التحدي و عجزهم عن الإتيان بمثله ﴿‏وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏﴾ أي هذه أحاديث المتقدمين و ما سطروه في كتبهم ﴿‏اكْتَتَبَها‏﴾ انتسخها و قيل استكتبها ﴿‏فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا‏﴾ أي تملى عليه طرفي نهاره حتى يحفظها و ينسخها. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿‏قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏﴾ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته و تضمنه إخبارا عن مغيبات مستقبلة و أشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار فكيف يجعلونه أساطير الأولين ﴿‏وَ قالُوا‏﴾ ﴿‏ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ‏﴾ كما نأكل ﴿‏وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ‏﴾ لطلب المعاش كما نمشي و ذلك لعمههم و قصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية و إنما هو بأحوال نفسانية. و في قوله ﴿‏وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ‏﴾ أي الناس ﴿‏لِبَعْضٍ فِتْنَةً‏﴾ أي ابتلاء و من ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء و المرسلين بالمرسل إليهم ﴿‏أَ تَصْبِرُونَ‏﴾ علة للجعل و المعنى و جعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم يصبر و في قوله ﴿‏كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ‏﴾ أي كذلك أنزلناه متفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه و فهمه لأن حاله يخالف حال موسى و داود و عيسى حيث كان أميا و كانوا يكتبون فلو ألقي إليه جملة لتعيا بحفظه و لأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة و خوض في المعنى و لأنه إذا نزل منجما و هو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه و لأنه إذا نزل به جبرئيل(عليه السلام)حالا بعد حال يثبت به فؤاده و منها معرفة الناسخ و المنسوخ و منها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة ﴿‏وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا‏﴾ أي و قرأناه عليك شيئا بعد شيء على تؤدة و تمهل في عشرين سنة أو في ثلاث و عشرين سنة ﴿‏وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ‏﴾ بسؤال عجيب ﴿‏إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِ‏﴾ الدامغ له في جوابه ﴿‏وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً‏﴾ أي ما هو أحسن بيانا أو معنى من سؤالهم أو لا يأتونك بحال عجيبة يقولون هلا كانت هذه حاله إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا و ما هو أحسن كشفا لما بعثت له. و في قوله ﴿‏وَ كانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً‏﴾ يظاهر الشيطان بالعداوة و الشرك ﴿‏إِلَّا مَنْ شاءَ‏﴾ أي إلا فعل من شاء ﴿‏أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا‏﴾ أن يتقرب إليه فصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله و استثناه منه قلعا لشبهة الطمع و إظهارا لغاية الشفقة حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب و التخلص عن العقاب أجرا وافيا مرضيا به مقصورا عليه و قيل الاستثناء منقطع معناه لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل. و في قوله ﴿‏إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً‏﴾ أي دلالة ملجئة إلى الإيمان أو بلية قاسرة إليه ﴿‏فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏﴾ أقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع و ترك الخبر على أصله و قيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم و قيل المراد بها الرؤساء أو الجماعات ﴿‏مِنْ كُلِّ زَوْجٍ‏﴾ صنف ﴿‏كَرِيمٍ‏﴾ محمود كثير المنفعة. و في قوله ﴿‏وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ‏﴾ أي و إن ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدمة ﴿‏أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً‏﴾ على صحة القرآن أو نبوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿‏أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ‏﴾ أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم ﴿‏وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ‏﴾ كما هو زيادة في إعجازه أو بلغة العجم ﴿‏فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ‏﴾ لفرط عنادهم و استكبارهم أو لعدم فهمهم و استنكافهم من اتباع العجم ﴿‏كَذلِكَ سَلَكْناهُ‏﴾ أي أدخلنا القرآن ﴿‏وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ‏﴾ أي بالقرآن ﴿‏الشَّياطِينُ‏﴾ كما يزعمه بعض المشركين ﴿‏وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ‏﴾ إنزال ذلك و لا يقدرون عليه إنهم مصروفون عن استماع القرآن ممنوعون بالشهب ﴿‏وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏﴾ الأقرب منهم فالأقرب فإن الاهتمام بشأنهم أهمّ و - رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ صَعِدَ الصَّفَا وَ نَادَاهُمْ فَخِذاً فَخِذاً حَتَّى اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ خَيْلًا أَ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنيِ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ﴿‏وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏﴾ لين جانبك لهم مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط ﴿‏الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ‏﴾ إلى التهجد ﴿‏وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏﴾ و ترددك في تصفح أحوال المجتهدين كما رُوِيَ أَنَّهُ(عليه السلام)لَمَّا نُسِخَ فَرْضُ قِيَامِ اللَّيْلِ طَافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أَصْحَابِهِ لِيَنْظُرَ مَا يَصْنَعُونَ حِرْصاً عَلَى كَثْرَةِ طَاعَاتِهِمْ فَوَجَدَهَا كَبُيُوتِ الزَّنَابِيرِ لِمَا سَمِعَ مِنْ دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَ التَّلَاوَةِ. أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام و الركوع و السجود و القعود إذا أممتهم ﴿‏تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏﴾ لما بين أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك بأن بين أن محمدا لا يصلح أن يتنزلوا عليه من وجهين أحدهما أنه إنما يكون على شرير كذاب كثير الإثم فإن اتصال الإنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب و التواد و حال محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)على خلاف ذلك و ثانيهما قوله ﴿‏يُلْقُونَ السَّمْعَ‏﴾ أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا و أمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها و لا كذلك محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى و قد طابق كلها و قد فسر الأكثر بالكل لقوله ﴿‏عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ‏﴾ و الأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجني و قيل الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملإ الأعلى قبل أن رجموا فيخطفون منهم بعض المغيبات و يوحون به إلى أوليائهم أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم. و في قوله ﴿‏بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏﴾ أي عن الحق الذي هو التوحيد و في قوله ﴿‏لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ‏﴾ لو لا الأولى امتناعية و الثاني تحضيضية و المعنى لو لا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم و معاصيهم ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها و نكون من المصدقين ما أرسلناك ﴿‏هُوَ أَهْدى مِنْهُما‏﴾ أي مما أنزل على موسى و علي ﴿‏وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ‏﴾ أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال ليتصل التذكير أو في النظم ليتقرر الدعوة بالحجة و المواعظ بالمواعيد و النصائح بالعبر و في قوله ﴿‏جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ‏﴾ أي ما يصيبهم من أذيتهم في الصرف عن الإيمان ﴿‏كَعَذابِ اللَّهِ‏﴾ في الصرف عن الكفر ﴿‏وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ‏﴾ فتح و غنيمة ﴿‏لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‏﴾ في الدين فأشركونا فيه و المراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين ﴿‏وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ‏﴾ أي أثقال ما اقترفته أنفسهم ﴿‏وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ‏﴾ و أثقالا أخر معها لما تسببوا له بالإضلال و الحمل على المعاصي من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء. و في قوله ﴿‏مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ‏﴾ فيما اتخذوه معتمدا و متكلا ﴿‏كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً‏﴾ فيما نسجه من الخور و الوهن بل ذلك أوهن فإن لهذا حقيقة و انتفاعا ما أو مثلهم بالإضافة إلى الموحد كمثله بالإضافة إلى رجل يبني بيتا من حجر و جص و يجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم سماه به تحقيقا للتمثيل فيكون المعنى و إن أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم و في قوله ﴿‏وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏﴾ أي بالخصلة التي هي أحسن كمعارضة الخشونة باللين و الغضب بالكظم و قيل منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشد منه و جوابه أنه آخر الدواء و قيل المراد به ذوو العهد منهم ﴿‏إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ‏﴾ بالإفراط في الاعتداء و العناد أو بإثبات الولد و قولهم ﴿‏يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ‏﴾ أو بنبذ العهد و منع الجزية ﴿‏فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏﴾ هم عبد الله بن سلام و أضرابه أو من تقدم عهد الرسول من أهل الكتاب ﴿‏وَ مِنْ هؤُلاءِ‏﴾ أي و من العرب أو أهل مكة أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتاب. و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى ﴿‏فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏﴾ هم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و المؤمنون به لأنهم حفظوه و وعوه و قيل هم الأئمة من آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)عن أبي جعفر و أبي عبد الله(عليه السلام)﴿‏وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ‏﴾ أي يقتل الناس بعضهم بعضا فيما حولهم و هم آمنون في الحرم ﴿‏أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ‏﴾ أي يصدقون بعبادة الأصنام و هي باطلة مضمحلة. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿‏وَ أَثارُوا الْأَرْضَ‏﴾ أي قلبوا وجهها لاستنباط المياه و استخراج المعادن و زرع البذور و غيرها. و في قوله ﴿‏ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا‏﴾ في عبادة الأصنام ﴿‏مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏﴾ أي منتزعا من أحواله التي هي أقرب الأمور إليكم ﴿‏هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ‏﴾ من الأموال و غيرها ﴿‏فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ‏﴾ فتكونون سواء أنتم و هم فيه شركاء يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنه بشر مثلكم و أنها معارة لكم ﴿‏تَخافُونَهُمْ‏﴾ أن تستبدوا بتصرف فيه ﴿‏كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏﴾ كما تخاف الأحرار بعضهم من بعض ﴿‏كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ‏﴾ نبينها ﴿‏لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏﴾ يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال ﴿‏لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ‏﴾ اللام فيه للعاقبة و قيل للأمر بمعنى التهديد كقوله ﴿‏فَتَمَتَّعُوا‏﴾ غير أنه التفت فيه مبالغة ﴿‏فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏﴾ عاقبة تمتعكم﴿‏أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً‏﴾ أي حجة و قيل ذا سلطان أي ملكا معه برهان ﴿‏فَهُوَ يَتَكَلَّمُ‏﴾ تكلم دلالة كقوله ﴿‏كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ‏﴾ أو نطق ﴿‏بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏﴾ بإشراكهم و صحته أو بالأمر الذي بسببه يشركون في ألوهيته. و في قوله ﴿‏فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا‏﴾ أي فرأوا الأثر أو الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم و قيل السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر ﴿‏فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏﴾ و الكفار مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم ﴿‏وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏﴾ قيد الحكم به ليكون أشد استحالة فإن الأصم المقبل و إن لم يسمع الكلام تفطن منه بواسطة الحركات شيئا ﴿‏وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ‏﴾ سماهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الأبصار أو لعمي قلوبهم ﴿‏وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ‏﴾ أي و لا يحملنك على الخفة و القلق ﴿‏الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ‏﴾ بتكذيبهم. و قال الطبرسي (رحمه الله) نزل قوله ﴿‏وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ‏﴾ في النضر بن الحارث كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم و يحدث بها قريشا و يقول لهم إن محمدا(صلى الله عليه وآله وسلم)يحدثكم بحديث عاد و ثمود و أنا أحدثكم بحديث رستم و إسفنديار و أخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه و يتركون استماع القرآن عن الكلبي و قيل نزل في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا و نهارا عن ابن عباس و أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء و هو قول ابن عباس و ابن مسعود و - هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (صلوات الله عليهم) قَالُوا مِنْهُ الْغِنَاءُ. و - رُوِيَ أَيْضاً عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الطَّعْنُ فِي الْحَقِّ وَ الِاسْتِهْزَاءُ بِهِ. و ما كان أبو جهل و أصحابه يجيئون به إذ قال يا معشر قريش أ لا أطعمكم من الزقوم الذي يخوفكم به صاحبكم ثم أرسل إلى زبد و تمر و قال هذا هو الزقوم الذي يخوفكم به - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)وَ مِنْهُ الْغِنَاءُ. فعلى هذا فإنه يدخل فيه كل شيء يلهي عن سبيل الله و عن طاعته ﴿‏وَ يَتَّخِذَها‏﴾ أي آيات القرآن أو سبيل الله ﴿‏هُزُواً‏﴾ يستهزئ بها ﴿‏كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً‏﴾ أي ثقلا يمنعه عن سماع الآيات. و في قوله ﴿‏بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها‏﴾ إذ لو كان لها عمد لرأيتموها لأنها لو كانت تكون أجساما عظاما حتى يصح منها أن تقل السماوات و لو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر فكان يتسلسل فإذا لا عمد لها و قيل إن المراد بغير عمد مرئية و المعنى أن لها عمدا لا ترونها ﴿‏وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ‏﴾ أي جبالا ثابتة ﴿‏أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ‏﴾ أي كراهة أن تميد بكم. و في قوله ﴿‏أَ وَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ‏﴾ جواب لو محذوف تقديره أ و لو كان الشيطان يدعوهم ﴿‏إِلى عَذابِ السَّعِيرِ‏﴾ لاتبعوهم ﴿‏وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ‏﴾ أي و من يخلص دينه لله و يقصد في أفعاله التقرب إلى الله ﴿‏وَ هُوَ مُحْسِنٌ‏﴾ فيها فيفعلها على موجب العلم و مقتضى الشرع ﴿‏فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏﴾ أي فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي ﴿‏لَا انْفِصامَ لَها وَ إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ‏﴾ أي و إلى الله يرجع أواخر الأمور على وجه لا يكون لأحد التصرف فيها بالأمر و النهي. و في قوله ﴿‏كَالظُّلَلِ‏﴾ شبه الموج بالسحاب الذي يركب بعضه على بعض و قيل يريد كالجبال ﴿‏فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ‏﴾ أي عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له - روى السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الناس إلا أربعة نفر قال اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة عكرمة بن أبي جهل و عبد الله بن أخطل و قيس بن سبابة و عبد الله بن أبي سرح. فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة فقال أهل السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا فقال عكرمة لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أني آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما فجاء فأسلم و الختر أقبح الغدر. و في قوله ﴿‏ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ‏﴾ يعني قريشا إذ لم يأتهم نبي قبل نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم)و إن أتى غيرهم من قبائل العرب مثل خالد بن سنان العبسي و قيل يعني أهل الفترة بين عيسى و محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يأتهم نبي قبله ﴿‏فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏﴾ أي فيما قدره ستة أيام ﴿‏ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ‏﴾ بالقهر و الاستعلاء. و في قوله ﴿‏أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ‏﴾ أي سيئ العذاب ﴿‏أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏﴾ كيف أحاطت بهم و ذلك أن الإنسان حيثما نظر رأى السماء و الأرض قدامه و خلفه و عن يمينه و شماله فلا يقدر على الخروج منها ﴿‏كِسَفاً مِنَ السَّماءِ‏﴾ أي قطعة منها تغطيهم و تهلكهم. ﴿‏وَ ما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ‏﴾ أي ليس له سبحانه منهم معاون على خلق السماوات و الأرض و لا على شيء من الأشياء ﴿‏وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏﴾ إنما قال ذلك على وجه الإنصاف في الحجاج دون الشك كما يقول القائل أحدنا كاذب و إن كان هو عالما بالكاذب ﴿‏ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا‏﴾ أي يحكم بالحق. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿‏قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ‏﴾ أي لأرى بأي صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة و هو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم زيادة في تبكيتهم ﴿‏وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏﴾ أي إلا رسالة عامة لهم من الكف فإنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم أو إلا جامعا لهم في الإبلاغ فهي حال من الكاف و التاء للمبالغة ﴿‏وَ ما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها‏﴾ فيها دليل على صحة الإشراك ﴿‏وَ ما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ‏﴾ يدعوهم إليه و ينذرهم على تركه و قد بان من قبل أن لا وجه له فمن أين وقع لهم هذه الشبهة ﴿‏قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ‏﴾ أرشدكم و أنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دل عليه ﴿‏أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ‏﴾ و هو القيام من مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أو الانتصاب في الأمر خالصا لوجه الله معرضا عن المراء و التقليد ﴿‏مَثْنى وَ فُرادى‏﴾ متفرقين اثنين اثنين و واحدا واحدا فإن الازدحام يشوش الخاطر و يخلط القول ﴿‏ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا‏﴾ في أمر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و ما جاء به لتعلموا حقيقته ﴿‏ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ‏﴾ فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك أو استئناف منبه لهم على أن ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه فإنه لا يدعه أن يتصدى لادعاء أمر خطير من غير وثوق ببرهان فيفتضح على رءوس الأشهاد و يلقي نفسه إلى الهلاك فكيف و قد انضم إليه معجزات كثيرة و قيل ما استفهامية و المعنى ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون ﴿‏قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ‏﴾ أي شيء سألتكم من أجر على الرسالة ﴿‏فَهُوَ لَكُمْ‏﴾ و المراد نفي السؤال و قيل ما موصولة يراد بها ما سألهم بقوله ﴿‏ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا‏﴾ و قوله ﴿‏لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏﴾ و اتخاذ السبيل ينفعهم و قرباه قرباهم ﴿‏قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ‏﴾ يلقيه و ينزله على من يجتبيه من عباده أو يرمي الباطل فيدمغه أو يرمي به إلى أقطار الأرض فيكون وعدا بإظهار الإسلام ﴿‏وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ‏﴾ أي زهق الباطل أي الشرك بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء و لا إعادة و قيل الباطل إبليس أو الصنم و المعنى لا ينشئ خلقا و لا يعيده أو لا يبدئ خيرا لأهله و لا يعيده و قيل ما استفهامية منتصبة بما بعده. و في قوله ﴿‏أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً‏﴾ أي كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق و استحسن الأعمال و استقبحها على ما هي عليه فحذف الجواب لدلالة ﴿‏فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ‏﴾ و قيل تقديره أ فمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة فحذف الجواب لدلالة ﴿‏فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ‏﴾ عليه و معناه فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم و إصرارهم على التكذيب ﴿‏ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ‏﴾ هو لفافة النواة ﴿‏وَ لَوْ سَمِعُوا‏﴾ على سبيل الفرض ﴿‏مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ‏﴾ لعدم قدرتهم على الإنفاع أو لتبريهم منكم مما تدعون لهم ﴿‏وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ‏﴾ بإشراككم لهم يقرون ببطلانه أو يقولون ما كنتم إيانا تعبدون ﴿‏وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‏﴾ و لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير عالم به أخبرك و هو الله سبحانه فإنه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين ﴿‏وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ‏﴾ الكافر و المؤمن و قيل مثلان للصنم و لله عز و جل ﴿‏وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ‏﴾ و لا الباطل و لا الحق ﴿‏وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ‏﴾ و لا الثواب و لا العقاب ﴿‏وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ‏﴾ تمثيل آخر للمؤمنين و الكافرين أبلغ من الأول و لذلك كرر الفعل و قيل للعلماء و الجهلاء ﴿‏إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ‏﴾ هدايته فيوفقه لفهم آياته و الاتعاظ بعظاته ﴿‏وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ‏﴾ ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات و مبالغة في إقناطه عنهم ﴿‏بِالْبَيِّناتِ‏﴾ بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم ﴿‏وَ بِالزُّبُرِ‏﴾ كصحف إبراهيم ﴿‏وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ‏﴾ كالتوراة و الإنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع و يجوز أن يراد بهما واحد و العطف لتغاير الوصفين ﴿‏أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً‏﴾ ينطق على أنا اتخذنا شركاء ﴿‏فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ‏﴾ على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية و يجوز أن يكون هم للمشركين ﴿‏وَ لا يَحِيقُ‏﴾ أي لا يحيط ﴿‏فَهَلْ يَنْظُرُونَ‏﴾ ينتظرون ﴿‏إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ‏﴾ سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم ﴿‏فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ‏﴾ ﴿‏تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا‏﴾ أي لا يبدلها بجعل غير التعذيب تعذيبا و لا يحولها بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم. و في قوله ﴿‏وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ‏﴾ الوقائع التي خلت و العذاب المعد في الآخرة أو نوازل السماء و نوائب الأرض كقوله ﴿‏أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏﴾ أو عذاب الدنيا و عذاب الآخرة أو عكسه أو ما تقدم من الذنوب و ما تأخر ﴿‏وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏﴾ على محاويجكم ﴿‏قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏﴾ بالصانع يعني معطلة كانوا بمكة ﴿‏لِلَّذِينَ آمَنُوا‏﴾ تهكما بهم من إقرارهم به و تعليقهم الأمور بمشيته ﴿‏أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ‏﴾ على زعمكم و قيل قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين إيهاما بأن الله لما كان قادرا أن يطعمهم و لم يطعمهم فنحن أحق بذلك و هذا من فرط جهالتهم فإن الله تعالى يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء و توفيقهم له. ﴿‏وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ‏﴾ رد لقولهم إن محمدا(صلى الله عليه وآله وسلم)شاعر أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن فإنه غير مقفى و لا موزون و ليس معناه ما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة و المنفرة ﴿‏وَ ما يَنْبَغِي لَهُ‏﴾ و ما يصح له الشعر و لا يتأتى له إن أراد قرضه على ما اختبرتم طبعه نحوا من أربعين سنة و قوله أنا النبي لا كذب. و أنا ابن عبد المطلب. و قوله هل أنت إلا إصبع دميت. و في سبيل الله ما لقيت. اتفاقي من غير تكلف و قصد منه إلى ذلك و قد يقع مثله كثيرا في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرا هذا و قد روي أنه حرك الباءين و كسر التاء الأولى بلا إشباع و سكن الثانية و قيل الضمير للقرآن أي و ما يصح للقرآن أن يكون شعرا ﴿‏إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ‏﴾ عظة و إرشاد من الله ﴿‏وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ‏﴾ و كتاب سماوي يتلى في المعابد ظاهر أنه ليس كلام البشر لما فيه من الإعجاز ﴿‏لِيُنْذِرَ‏﴾ القرآن أو الرسول ﴿‏مَنْ كانَ حَيًّا‏﴾ عاقلا فهما فإن الغافل كالميت أو مؤمنا في علم الله فإن الحياة الأبدية بالإيمان و تخصيص الإنذار به لأنه المنتفع به ﴿‏وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ‏﴾ و يجب كلمة العذاب ﴿‏عَلَى الْكافِرِينَ‏﴾ المصرين على الكفر ﴿‏وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً‏﴾ أشركوها به في العبادة ﴿‏لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ‏﴾ رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم من الأمور و الأمر بالعكس لأنه ﴿‏لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ‏﴾ معدون لحفظهم و الذب عنهم أو محضرون أثرهم في النار. و في قوله ﴿‏فَاسْتَفْتِهِمْ‏﴾ أي فاستخبرهم و الضمير لمشركي مكة أو لبني آدم ﴿‏أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا‏﴾ يعني ما ذكر من الملائكة و السماء و الأرض و ما بينهما و المشارق و الكواكب و الشهب الثواقب و من لتغليب العقلاء ﴿‏إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ‏﴾ و المراد إثبات المعاد و رد استحالتهم بأن استحالة ذلك إما لعدم قابلية المادة و مادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي و هما باقيان قابلان للانضمام بعد و قد علموا أن الإنسان الأول إنما تولد منه إما لاعترافهم بحدوث العالم أو بقصة آدم على نبينا و آله و (عليه السلام) و شاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط مواقعة فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك و إما لعدم قدرة الفاعل فإن من قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتد به بالإضافة إليها سيما و من ذلك بدأهم أولا و قدرته ذاتية لا تتغير ﴿‏بَلْ عَجِبْتَ‏﴾ من قدرة الله و إنكارهم البعث ﴿‏وَ يَسْخَرُونَ‏﴾ من تعجبك و تقريرك للبعث. ﴿‏وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً‏﴾ يعني الملائكة ذكرهم باسم جنسهم وضعا منهم أن يبلغوا هذه المرتبة و قيل قالوا إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة و قيل قالوا الله و الشيطان أخوان ﴿‏وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ‏﴾ أن الكفرة أو الإنس أو الجنة إن فسرت بغير الملائكة ﴿‏لَمُحْضَرُونَ‏﴾ في العذاب ﴿‏سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ‏﴾ من الولد و النسب ﴿‏إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏﴾ استثناء من المحضرين منقطع أو متصل إن فسر الضمير بما يعمهم و ما بينهما اعتراض أو من يصفون ﴿‏فَإِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ‏﴾ عود إلى خطابهم ﴿‏ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏﴾ أي على الله ﴿‏بِفاتِنِينَ‏﴾ مفسدين الناس بإغوائهم ﴿‏إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ‏﴾ إلا من سبق في علم الله تعالى أنه من أهل النار و يصلاها لا محالة و أنتم ضمير لهم و لآلهتهم غلب فيه المخاطب على الغائب و يجوز أن يكون ﴿‏وَ ما تَعْبُدُونَ‏﴾ لما فيه من معنى المقارنة سادا مسد الخبر أي إنكم و آلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها ما أنتم على ما تعبدونه بفاتنين بباعثين على طريق الفتنة إلا ضالا مستوجبا للنار مثلكم ﴿‏وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ‏﴾ حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم و المعنى و ما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة و العبادة و الانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم و يحتمل أن يكون هذا و ما قبله من قوله ﴿‏سُبْحانَ اللَّهِ‏﴾ من كلامهم ليتصل بقوله ﴿‏وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ‏﴾ في أداء الطاعة و منازل الخدمة ﴿‏وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏﴾ المنزهون الله عما لا يليق به ﴿‏وَ إِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ‏﴾ يعني مشركي قريش ﴿‏لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ‏﴾ كتابا من الكتب التي نزلت عليهم ﴿‏لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ‏﴾ لأخلصنا العبادة له و لم نخالف مثلهم …

بحار الأنوار — كتاب الاحتجاج · احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن الكريم

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.