الأقسامبحار الأنواركتاب الاحتجاج
بحار الأنوار

﴿‏فَكَفَرُوا بِهِ‏﴾ أي لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار و المهيمن عليها ﴿‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏﴾ عاقبة كفرهم ﴿‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ‏﴾ أي يوم بدر و قيل يوم الفتح ﴿‏وَ أَبْصِرْهُمْ‏﴾ على ما ينالهم حينئذ ﴿‏فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏﴾ ما قضينا لك من التأييد و النصرة و الثواب في الآخرة ﴿‏أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ‏﴾ روي أنه لما نزل ﴿‏فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏﴾ قالوا متى هذا فنزل ﴿‏فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ‏﴾ فإذا نزل العذاب بفنائهم ﴿‏فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ‏﴾ أي فبئس صباح المنذرين صباحهم. و في قوله ﴿‏فِي عِزَّةٍ‏﴾ أي استكبار عن الحق ﴿‏وَ شِقاقٍ‏﴾ خلاف لله و لرسوله ﴿‏فَنادَوْا‏﴾ استغاثة أو توبة و استغفارا ﴿‏وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ‏﴾ أي ليس الحين حين مناص و لا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد و قيل هي النافية للجنس أي و لا حين مناص لهم و قيل للفعل و النصب بإضماره أي و لا أرى حين مناص. - و قال الطبرسي (رحمه الله) قال المفسرون إن أشراف قريش و هم خمسة و عشرون منهم الوليد بن المغيرة و هو أكبرهم و أبو جهل و أبي و أمية ابنا خلف و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و النضر بن الحارث أتوا أبا طالب و قالوا أنت شيخنا و كبيرنا و قد أتيناك تقضي بيننا و بين ابن أخيك فإنه سفه أحلامنا و شتم آلهتنا فدعا أبو طالب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و قال يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك فقال ما ذا يسألونني قالوا دعنا و آلهتنا ندعك و إلهك فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)أ تعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب و العجم فقال له أبو جهل لله أبوك نعطيك ذلك و عشر أمثالها فقال قولوا لا إله إلا الله فقاموا و قالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً فنزلت هذه الآيات. و رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)اسْتَعْبَرَ ثُمَّ قَالَ يَا عَمِّ وَ اللَّهِ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَ الْقَمَرُ فِي شِمَالِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْقَوْلَ حَتَّى أُنْفِذَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ امْضِ لِأَمْرِكَ فَوَ اللَّهِ لَا أَخْذُلُكَ أَبَداً. و قال البيضاوي ﴿‏وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ‏﴾ أي و انطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿‏أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا‏﴾ و اثبتوا ﴿‏عَلى آلِهَتِكُمْ‏﴾ على عبادتها ﴿‏إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ‏﴾ إن هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له أو إن هذا الرأي الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة و الترفع على العرب و العجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد أو إن دينكم يطلب ليؤخذ منكم ﴿‏ما سَمِعْنا بِهذا‏﴾ بالذي يقوله ﴿‏فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ‏﴾ في الملة التي أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هو آخر الملل فإن النصارى يثلثون و يجوز أن يكون حالا من هذا أي ما سمعنا من أهل الكتاب و لا الكهان بالتوحيد كائنا في الملة المترقبة ﴿‏إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ‏﴾ كذب اختلقه ﴿‏أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ‏﴾ بل أ عندهم خزائن رحمته و في تصرفهم حتى يتخيروا للنبوة من شاءوا ﴿‏أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ‏﴾ أي ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها ﴿‏فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ‏﴾ أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه و يدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يستصوبونه و السبب في الأصل هو الوصلة و قيل المراد بالأسباب السماوات لأنها أسباب الحوادث السفلية ﴿‏جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ‏﴾ أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل مهزوم مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الإلهية أو فلا تكترث بما يقولون. ﴿‏قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ‏﴾ أي ما أنبأتكم به من أني نذير من عقوبة من هذه صفته و أنه واحد في الألوهية و قيل ما بعده من نبإ آدم ﴿‏ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏﴾ فإن إخباره عن تقاول الملائكة و ما جرى بينهم على ما وردت في الكتب المتقدمة من غير سماع و مطالعة كتاب لا يتصور إلا بالوحي ﴿‏وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ‏﴾ المتصنعين بما لست من أهله على ما عرفتم من حالي فأنتحل النبوة و أتقول القرآن ﴿‏بَعْدَ حِينٍ‏﴾ بعد الموت أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام. و في قوله ﴿‏وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ‏﴾ يحتمل المتخذين من الكفرة و المتخذين من الملائكة و عيسى و الأصنام على حذف الراجع و إضمار المشركين من غير ذكر لدلالة المساق عليهم و هو مبتدأ خبره على الأول ﴿‏ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏﴾ بإضمار القول أو ﴿‏إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ‏﴾ و هو متعين على الثاني و على هذا يكون القول المضمر بما في حيزه حالا أو بدلا من الصلة و زلفى مصدر أو حال ﴿‏لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً‏﴾ كما زعموا ﴿‏لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ‏﴾ إذ لا موجود سواه إلا و هو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين و وجوب استناد ما عدا الواجب إليه و من البين أن المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الولد له ثم قرر ذلك بقوله ﴿‏سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ‏﴾ فإن الألوهية الحقيقية تتبع الوجوب المستلزم للوحدة الذاتية و هي تنافي المماثلة فضلا عن التولد لأن كل واحد من المثلين مركب من الحقيقة المشتركة و التعين المخصوص و القهارية المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد ﴿‏نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ‏﴾ أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه أو ربه الذي كان يتضرع إليه. ﴿‏أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ‏﴾ خبره محذوف دل عليه قوله ﴿‏فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ‏﴾ أي من أجل ذكره. ﴿‏ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا‏﴾ للمشرك و الموحد ﴿‏رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ‏﴾ مثل المشرك على ما يدعيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته و يتنازعوا فيه بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه و يتعاورونه في المهام المختلفة في تحيره و توزع قلبه و الموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى ﴿‏وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ‏﴾ كانت الكفار تخيفه بالأوثان التي كانوا يعبدونها قالوا أ ما تخاف أن تهلكك آلهتنا و قيل إنه لما قصد خالد لكسر العزى بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا إياك يا خالد فبأسها شديد فضرب خالد أنفها بالفأس فهشمها فقال كفرانك يا عزى لا سبحانك سبحان من أهانك ﴿‏أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً‏﴾ من شفاعة ﴿‏وَ لا يَعْقِلُونَ‏﴾ جواب هذا الاستفهام محذوف أي أ و لو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم شفعاء و تعبدونهم راجين شفاعتهم ﴿‏قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً‏﴾ أي لا يشفع أحد إلا بإذنه ﴿‏وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ‏﴾ أي نفرت و قيل انقبضت. و قال البيضاوي ﴿‏وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ‏﴾ أي القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه أو العزائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ و لعله ما هو أنجى و أسلم كالإنابة و المواظبة على الطاعة ﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ‏﴾ عام في كل مجادل مبطل و إن نزلت في مشركي مكة أو اليهود حين قالوا لست صاحبنا بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البر و البحر و تسير معه الأنهار ﴿‏إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ‏﴾ إلا تكبر عن الحق و تعظم عن التفكر و التعلم أو إرادة الرئاسة أو إن النبوة و الملك لا يكون إلا لهم ﴿‏ما هُمْ بِبالِغِيهِ‏﴾ ببالغي دفع الآيات أو المراد ﴿‏لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ‏﴾ فمن قدر على خلقها أولا من غير أصل قدر على خلق الإنسان ثانيا من أصل. ﴿‏فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ‏﴾ أي بالعذاب في الدنيا و الآخرة ﴿‏قُضِيَ بِالْحَقِ‏﴾ بإنجاء المحق و تعذيب المبطل ﴿‏وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ‏﴾ المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها. و في قوله ﴿‏قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ‏﴾ أي في أغطية و هذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه و اعتقاده و مج أسماعهم له و امتناع مواصلتهم و موافقتهم للرسول ﴿‏فَاعْمَلْ‏﴾ على دينك أو في إبطال أمرنا ﴿‏إِنَّنا عامِلُونَ‏﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك. و قال الطبرسي (رحمه الله) قيل إن أبا جهل رفع ثوبا بينه و بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا محمد أنت من ذاك الجانب و نحن من هذا الجانب فاعمل أنت على دينك و مذهبك إننا عاملون على ديننا و مذهبنا ﴿‏فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ‏﴾ أي لا تميلوا عن سبيله و توجهوا إليه بالطاعة. و في قوله ﴿‏وَ الْغَوْا فِيهِ‏﴾ أي عارضوه باللغو و الباطل و بما لا يعتد به من الكلام ﴿‏لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏﴾ أي لتغلبوه باللغو و الباطل و لا يتمكن أصحابه من الاستماع و قيل الغوا فيه بالتخليط في القول و المكاء و الصفير و قيل معناه ارفعوا أصواتكم في وجهه بالشعر و الرجز عن ابن عباس و السدي لما عجزوا عن معارضة القرآن احتالوا في اللبس على غيرهم و تواصوا بترك استماعه و الإلغاء عند قراءته. و قال البيضاوي في قوله ﴿‏وَ ما يُلَقَّاها‏﴾ أي ما يلقى هذه السجية و هي مقابلة الإساءة بالإحسان ﴿‏إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا‏﴾ فإنها تحبس النفس عن الانتقام ﴿‏وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏﴾ من الخير و كمال النفس و قيل الحظ العظيم الجنة. ﴿‏وَ لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا‏﴾ جواب لقولهم هلا نزل القرآن بلغة العجم ﴿‏لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ‏﴾ بينت بلسان نفقهه ﴿‏ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌ‏﴾ أ كلام أعجمي و مخاطب عربي إنكار مقرر للتخصيص ﴿‏أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ‏﴾ هو تمثيل لهم في عدم قبولهم و استماعهم له بمن تصيح به من مسافة بعيدة. ﴿‏شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ‏﴾ أي شرع لكم دين نوح على نبينا و آله و (عليه السلام) و محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و من بينهما من أرباب الشرائع عليهم الصلاة و السلام و هو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله ﴿‏أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ‏﴾ و هو الإيمان بما يجب تصديقه و الطاعة فيه أحكام الله ﴿‏وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏﴾ و لا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع فمختلفة ﴿‏وَ ما تَفَرَّقُوا‏﴾ يعني الأمم السالفة و قيل أهل الكتاب ﴿‏وَ إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ‏﴾ يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب ﴿‏فَلِذلِكَ‏﴾ أي فلأجل ذلك التفرق أو الكتاب أو العلم الذي أوتيته ﴿‏لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ‏﴾ أي لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر و لم يبق للمخاصمة مجال ﴿‏وَ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ‏﴾ في دينه ﴿‏مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ‏﴾ من بعد ما استجاب له الناس و دخلوا فيه أو من بعد ما استجاب الله لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر أو من بعد ما استجاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته و استفتحوا به ﴿‏حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ‏﴾ زائلة باطلة. ﴿‏فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ‏﴾ استبعاد للافتراء عن مثله بالإشعار على أنه إنما يجترئ عليه من كان مختوما على قلبه جاهلا بربه و كأنه قال إن يشإ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه و قيل ﴿‏يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ‏﴾ يمسك القرآن و الوحي عنه أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم. ﴿‏وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا‏﴾ يعني ما أوحى إليه و سماه روحا لأن القلوب تحيا به و قيل جبرئيل(عليه السلام)و المعنى أرسلناه إليك بالوحي ﴿‏ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ‏﴾ أي قبل الوحي و هو دليل على أنه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع و قيل المراد هو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع ﴿‏وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً‏﴾ أي الروح أو الكتاب أو الإيمان. و في قوله ﴿‏وَ إِنَّهُ‏﴾ عطف على إنا ﴿‏فِي أُمِّ الْكِتابِ‏﴾ في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية ﴿‏لَدَيْنا‏﴾ محفوظا عندنا عن التغيير ﴿‏لَعَلِيٌ‏﴾ رفيع الشأن في الكتب السماوية لكونه معجزا من بينها ﴿‏حَكِيمٌ‏﴾ ذو حكمة بالغة أو محكم لا ينسخه غيره ﴿‏أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً‏﴾ أ فنذوده و نبعده عنكم مجاز من قولهم ضرب الغرائب عن الحوض و الفاء للعطف على محذوف أي أ نهملكم فنضرب عنكم الذكر و صفحا مصدر من غير لفظه فإن تنحية الذكر عنهم إعراض أو مفعول له أو حال بمعنى صافحين و أصله أن تولي الشيء صفحة عنقك و قيل إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفا ﴿‏أَنْ كُنْتُمْ‏﴾ أي لئن كنتم ﴿‏فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً‏﴾ أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مخبرا عنهم ﴿‏وَ مَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ‏﴾ و سلف في القرآن قصتهم العجيبة و فيه وعد للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)و وعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين ﴿‏وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً‏﴾ أي ولدا فقالوا الملائكة بنات الله و لعله سماه جزءا كما سمي بعضا لأنه بضعة من الوالد دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته ﴿‏وَ هُوَ كَظِيمٌ‏﴾ مملوء قلبه من الكرب ﴿‏أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ‏﴾ أي أو جعلوا له أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات ﴿‏وَ هُوَ فِي الْخِصامِ‏﴾ في المجادلة ﴿‏غَيْرُ مُبِينٍ‏﴾ مقرر لما يدعيه من نقصان العقل و ضعف الرأي ﴿‏وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً‏﴾ كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم و هو جعلهم أكمل العباد و أكرمهم على الله أنقصهم رأيا و أخسهم صنفا ﴿‏أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ‏﴾ أ حضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثا فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة. ﴿‏كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ‏﴾ أي من قبل القرآن ﴿‏قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ‏﴾ أي أ تتبعون آباءكم و لو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم و هو حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير أو خطاب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و يؤيد الأول أنه قرأ ابن عامر و حفص قال و قوله ﴿‏قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ‏﴾ أي و إن كان أهدى إقناطا للنذير من أن ينظروا و يتفكروا فيه ﴿‏بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ‏﴾ المعاصرين للرسول من قريش ﴿‏وَ آباءَهُمْ‏﴾ بالمد في العمر و النعمة فاغتروا بذلك و انهمكوا في الشهوات. و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى ﴿‏وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏﴾ يعنون بالقريتين مكة و الطائف و بالرجل منهما الوليد بن المغيرة من مكة و عروة بن مسعود الثقفي من الطائف و قيل عتبة بن ربيعة من مكة و ابن عبد ياليل من الطائف و قيل الوليد بن المغيرة من مكة و حبيب بن عمرو الثقفي من الطائف عن ابن عباس و إنما قالوا ذلك لأن الرجلين كانا عظيمين في قومهما و ذوي الأموال الجسيمة فيهما فدخلت الشبهة عليهم حتى اعتقدوا أن من كان كذلك كان أولى بالنبوة فقال سبحانه ردا عليهم ﴿‏أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ‏﴾ يعني النبوة بين الخلق ثم قال ﴿‏نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا‏﴾ أي نحن قسمنا الرزق في المعيشة على حسب ما علمنا من مصالح عبادنا فليس لأحد أن يتحكم في شيء من ذلك فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق فكذلك اصطفينا للرسالة من شئنا ﴿‏وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ‏﴾ أي أفقرنا البعض و أغنينا البعض و لم نفوض ذلك إليهم مع قلة خطره فكيف نفوض اختيار النبوة إليهم مع عظم محلها و شرف قدرها ﴿‏لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا‏﴾ معناه أن الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق و السعة زيادة على ما فيه من المصلحة أن في ذلك تسخيرا من بعض العباد لبعض بإحواجهم إليهم ليستخدم بعضهم بعضا فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم و قيل معناه ليملك بعضهم بعضا بما لهم فيتخذونهم عبيدا و مماليك ﴿‏وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏﴾ أي الثواب أو الجنة أو النبوة ﴿‏فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ‏﴾ أي فإما نتوفينك فإنا منتقمون من أمتك بعدك ﴿‏أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ‏﴾ أي في حياتك ما وعدناهم من العذاب ﴿‏فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ‏﴾ أي قادرون على الانتقام منهم و عقوبتهم في حياتك و بعد وفاتك قال الحسن و قتادة إن الله أكرم نبيه بأن لم يره تلك النقمة و لم ير في أمته إلا ما قرت به عينه و قد كان بعده نقمة شديدة. و - قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)أُرِيَ مَا يَلْقَى أُمَّتُهُ بَعْدَهُ فَمَا زَالَ مُنْقَبِضاً وَ لَمْ يَنْبَسِطْ ضَاحِكاً حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى. وَ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُ قَالَ إِنِّي لَأَدْنَاهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى قَالَ لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمُوهَا لَتَعْرِفُنَّنِي فِي الْكَتِيبَةِ الَّتِي تُضَارِبُكُمْ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَلْفِهِ فَقَالَ أَوْ عَلِيٌّ أَوْ عَلِيٌّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَرَأَيْنَا أَنَّ جَبْرَئِيلَ(عليه السلام)غَمَزَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام. قيل إن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أري الانتقام منهم و هو ما كان من نقمة الله من المشركين يوم بدر بعد أن أخرجوه من مكة ﴿‏وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ‏﴾ أي شرف ﴿‏وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ‏﴾ عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف و قيل عن القرآن و عما يلزمكم من القيام بحقه ﴿‏وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا‏﴾ أي سل مؤمني أهل الكتاب و التقدير سل أمم من أرسلنا و قيل معناه و سل الأنبياء و هم الذين جمعوا له ليلة الأسرى و كانوا سبعين نبيا منهم موسى و عيسى على نبينا و آله و (عليهما السلام) و لم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم. و في قوله تعالى ﴿‏وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا‏﴾ اختلف في المراد وجوه أحدها أن معناه و لما وصف ابن مريم شبها في العذاب بالآلهة أي فيما قالوه و على زعمهم و ذلك أنه لما نزل قوله ﴿‏إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ‏﴾ قال المشركون قد رضينا أن تكون آلهتنا حيث يكون عيسى و ذلك قوله ﴿‏إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ‏﴾ أي يضجون ضجيج المجادلة حيث خاصموك و هو قوله ﴿‏وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ‏﴾ أي ليست آلهتنا خيرا من عيسى فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا عن ابن عباس و مقاتل. و ثانيها أن معناه لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم في قوله ﴿‏إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ‏﴾ اعترض على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك قوم من كفار قريش فنزلت. و ثالثها أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لما مدح المسيح و أمه و أنه كآدم في الخاصية قالوا إن محمدا يريد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى عن قتادة. و رابعها مَا رَوَاهُ سَادَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ(عليهم السلام)عَنْ عَلِيٍّ(عليه السلام)أَنَّهُ قَالَ: جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَوْماً فَوَجَدْتُهُ فِي مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّمَا مَثَلُكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ أَحَبَّهُ قَوْمٌ فَأَفْرَطُوا فِي حُبِّهِ فَهَلَكُوا وَ أَبْغَضَهُ قَوْمٌ وَ أَفْرَطُوا فِي بُغْضِهِ فَهَلَكُوا وَ اقْتَصَدَ فِيهِ قَوْمٌ فَنَجَوْا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَ ضَحِكُوا وَ قَالُوا يُشَبِّهُهُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ فَنَزَلَتْ.. ﴿‏وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ‏﴾ أي المسيح أو محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)أو علي(عليه السلام)﴿‏لَجَعَلْنا مِنْكُمْ‏﴾ أي بدلا منكم معاشر بني آدم ﴿‏مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ‏﴾ بني آدم. ﴿‏أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ‏﴾ أي بل أبرموا أمرا في كيد محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و المكر به ﴿‏فَإِنَّا مُبْرِمُونَ‏﴾ أي محكمون أمرا في مجازاتهم ﴿‏أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ‏﴾ السر ما يضمره الإنسان في نفسه و لا يظهره لغيره و النجوى ما يحدث به المحدث غيره في الخفية. و قال البيضاوي ﴿‏قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ‏﴾ فإن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يكون أعلم بالله و بما يصح له و ما لا يصح له و أولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه و من حق تعظيم الوالد تعظيم ولده و لا يلزم من ذلك صحة كينونة الولد و عبادته له إذ المحال قد يستلزم المحال و قيل معناه إن كان له ولد في زعمكم ﴿‏فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ‏﴾ لله الموحدين له أو الآنفين منه أو من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه أو ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة ﴿‏فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ‏﴾ يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره ﴿‏وَ قِيلِهِ‏﴾ و قول الرسول و نصبه للعطف على سرهم أو على محل الساعة أو لإضمار فعله أي قال قيله و جره عاصم و حمزة عطفا على الساعة ﴿‏فَاصْفَحْ عَنْهُمْ‏﴾ فأعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم ﴿‏وَ قُلْ سَلامٌ‏﴾ تسلم منكم و متاركة. و في قوله سبحانه ﴿‏فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ‏﴾ أي بعد آيات الله و تقديم اسم الله للمبالغة و التعظيم كما في أعجبني زيد و كرمه أو بعد حديث الله و هو القرآن و آياته دلائله المتلوة أو القرآن و العطف لتغاير الوصفين ﴿‏قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا‏﴾ أي يعفوا و يصفحوا ﴿‏لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ‏﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعدائه من قولهم أيام العرب لوقائعهم أو لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لنصر المؤمنين و ثوابهم و وعدهم بها و قيل إنها منسوخة بآية القتال ﴿‏لِيَجْزِيَ قَوْماً‏﴾ علة للأمر ﴿‏ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ‏﴾ أي طريقة ﴿‏مِنَ الْأَمْرِ‏﴾ أي أمر الدين ﴿‏هذا‏﴾ أي القرآن أو اتباع الشريعة ﴿‏بَصائِرُ لِلنَّاسِ‏﴾ بينات تبصرهم وجه الفلاح. ﴿‏أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ‏﴾ أي ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه يعبده و قرئ آلهة هواه لأنه كان أحدهم يستحسن حجرا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه ﴿‏وَ قالُوا ما هِيَ‏﴾ ما الحياة أو الحال ﴿‏إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا‏﴾ التي نحن فيها ﴿‏نَمُوتُ وَ نَحْيا‏﴾ نكون أمواتا و نطفا و ما قبلها و نحيا بعد ذلك أو نموت بأنفسنا و نحيا ببقاء أولادنا أو يموت بعضنا و يحيا بعض أو يصيبنا الموت و الحياة فيها و ليس وراء ذلك حياة و يحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان ﴿‏وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ‏﴾ إلا مرور الزمان ﴿‏وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ‏﴾ يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك و ما يتعلق بها على الاستقلال أو إنكار البعث أو كليهما ﴿‏إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏﴾ إذ لا دليل لهم عليه و إنما قالوه بناء على التقليد و الإنكار لما لم يحسوا به. و في قوله ﴿‏وَ أَجَلٍ مُسَمًّى‏﴾ و بتقدير الأجل ينتهي إليه الكل و هو يوم القيامة أو كل واحد و هو آخر مدة بقائه المقدر له ﴿‏أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ‏﴾ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين هل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة أو الأمر بها ﴿‏وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ‏﴾ إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم فضلا أن يعلم سرائرهم و يراعي مصالحهم ﴿‏إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ‏﴾ ما دامت الدنيا ﴿‏وَ هُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ‏﴾ لأنهم إما جمادات و إما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم ﴿‏قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ‏﴾ على الفرض ﴿‏فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً‏﴾ أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها فكيف أجترئ عليه و أعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع و لا دفع ضر من قبلكم ﴿‏هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ‏﴾ تندفعون فيه من القدح في آياته ﴿‏قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ‏﴾ بديعا منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه أو أقدر على ما لم يقدروا عليه و هو الإتيان بالمقترحات كلها ﴿‏وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ‏﴾ أي عبد الله بن سلام و قيل موسى على نبينا و آله و (عليه السلام) و شهادته ما في التوراة من نعت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿‏عَلى مِثْلِهِ‏﴾ مثل القرآن و هو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة لها أو مثل ذلك و هو كونه من عند الله ﴿‏إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏﴾ استئناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم و دليل على الجواب المحذوف مثل أ لستم ظالمين ﴿‏وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا‏﴾ لأجلهم ﴿‏لَوْ كانَ خَيْراً‏﴾ الإيمان أو ما أتى به محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿‏ما سَبَقُونا إِلَيْهِ‏﴾ و هم سقاط إذ عامتهم فقراء و موال و رعاة و إنما قاله قريش و قيل بنو عامر و غطفان و أسد و أشجع لما أسلم جهينة و مزنة و أسلم و غفار أو اليهود حين أسلم ابن سلام و أصحابه ﴿‏بَلاغٌ‏﴾ أي هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ أي كفاية أو تبليغ من الرسول. و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى ﴿‏مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ‏﴾ أي أخرجك أهلها و المعنى كم من رجال هم أشد من أهل مكة ﴿‏أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ‏﴾ أي على يقين من دينه و على حجة واضحة من اعتقاده في التوحيد و الشرائع ﴿‏كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ‏﴾ هم المشركون و قيل هم المنافقون و هو المروي عن أبي جعفر(عليه السلام)﴿‏وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ‏﴾ يعني المنافقين ﴿‏قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏﴾ يعني الذين آتاهم الله العلم و الفهم من المؤمنين - عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ عَلِيٍّ(عليه السلام)قَالَ: إِنَّا كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَيُخْبِرُنَا بِالْوَحْيِ فَأَعِيهِ أَنَا وَ مَنْ يَعِيهِ فَإِذَا خَرَجْنَا قَالُوا ﴿‏ما ذا قالَ آنِفاً‏﴾ أي أي شيء قال الساعة و إنما قالوا استهزاء و إظهارا إنا لم نشتغل بوعيه و فهمه و قيل إنما قالوا ذلك لأنهم لم يفهموا معناه و لم يعلموا ما سمعوه و قيل بل قالوا ذلك تحقيرا لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)أي لم يقل شيئا فيه فائدة و يحتمل أيضا أن يكونوا سألوا رياء و نفاقا أي لم يذهب عني من قوله إلا هذا فما ذا قال أعده علي لأحفظه. و في قوله ﴿‏وَ تُعَزِّرُوهُ‏﴾ أي تنصروه بالسيف و اللسان ﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ‏﴾ المراد بيعة الحديبية و هي بيعة الرضوان. و في قوله ﴿‏لَعَنِتُّمْ‏﴾ أي لوقعتم في عنت و هو الإثم و الهلاك ﴿‏قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا‏﴾ هم قوم من بني أسد أتوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في سنة جدبة و أظهروا الإسلام و لم يكونوا مؤمنين في السر إنما كانوا يطلبون الصدقة فأمره الله سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له فقال ﴿‏قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا‏﴾ أي لم تصدقوا على الحقيقة في الباطن ﴿‏وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا‏﴾ أي استسلمنا مخافة السبي و …

بحار الأنوار — كتاب الاحتجاج · احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن الكريم

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.