القتل ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ﴾ أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم ﴿شَيْئاً﴾ قالوا فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يحلفون أنهم مؤمنون صادقون في دعواهم الإيمان فأنزل الله سبحانه ﴿قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي أ تخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه و المعنى أنه سبحانه عالم بذلك فلا يحتاج إلى إخباركم به و كان هؤلاء يقولون آمنا بك من غير قتال و قاتلك بنو فلان فقال سبحانه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أي بأن أسلموا. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أي قوة كعاد و ثمود ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ فخرقوا في البلاد و تصرفوا فيها أو جالوا في الأرض كل مجال حذر الموت و أصل التنقيب التنقير عن الشيء و البحث عنه ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي لهم من الله أو من الموت و قيل الضمير في نقبوا لأهل مكة أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصا حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي قلب واع يتفكر في حقائقه ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ و أصغى لاستماعه ﴿وَ هُوَ شَهِيدٌ﴾ حاضر بذهنه ليفهم معانيه أو شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره و ينزجر بزواجره ﴿وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي بمسلط تقهرهم على الإيمان أو تفعل بهم ما تريد و إنما أنت داع. ﴿أَ تَواصَوْا بِهِ﴾ أي كان الأولين و الآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوه جميعا ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن مجادلتهم ﴿فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ على الإعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ. ﴿فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بحمد الله و إنعامه ﴿بِكاهِنٍ وَ لا مَجْنُونٍ﴾ كما يقولون ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ما يقلق النفوس من حوادث الدهر و قيل المنون الموت ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ﴾ عقولهم ﴿بِهذا﴾ التناقض في القول فإن الكاهن يكون ذا فتنة و دقة نظر و المجنون مغطى عقله و الشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل و لا يتأتى ذلك من المجنون ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ مجاوزون الحد في العناد ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم و عنادهم ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أم أحدثوا و قدروا من غير محدث و مقدر فلذلك لا يعبدونه أو من أجل لا شيء من عبادة و مجازاة ﴿أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ يؤيد الأول فإن معناه أم خلقوا أنفسهم و لذلك عقبه بقوله ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ﴾ و أم في هذه الآيات منقطعة و معنى الهمزة فيها الإنكار ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ أي إذا سئلوا من خلقكم و من خلق السماوات و الأرض قالوا الله إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوة من شاءوا أو خزائن علمه حتى يختاروا لها من شاءوا ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الغالبون على الأشياء يدبرونها كيف شاءوا ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ مرتقى إلى السماء ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً﴾ على تبليغ الرسالة ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ من التزام غرم ﴿مُثْقَلُونَ﴾ محملون الثقل فلذلك زهدوا في اتباعك ﴿وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً﴾ قطعة ﴿مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا﴾ من فرط طغيانهم و عنادهم ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ هذا سحاب تراكم بعضها على بعض ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ في حفظنا بحيث نراك و نكلؤك. و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى ﴿أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ أي أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله و تعبدون معها الملائكة و تزعمون أن الملائكة بنات الله و قيل معناه أ فرأيتم أيها الزاعمون أن اللات و العزى و منات بنات الله لأنه كان منهم من يقول إنما نعبد هؤلاء لأنهم بنات الله و قيل زعموا أن الملائكة بنات الله و صوروا أصنامهم على صورهم و عبدوها من دون الله و اشتقوا لها أسماء من أسماء الله فقالوا اللات من الله و العزى من العزيز و قيل إن اللات صنم كانت ثقيف تعبده و العزى صنم أيضا و قيل إنها كانت شجرة سمرة عظيمة لغطفان يعبدونها فبعث إليها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خالد بن الوليد فقطعها و قال يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك عن مجاهد و قال قتادة كانت مناة صنما لهذيل بين مكة و المدينة و قال الضحاك و الكلبي كانت في الكعبة لهذيل و خزاعة يعبدها أهل مكة و قيل اللات و العزى و مناة أصنام من حجارة كانت في الكعبة يعبدونها و معنى الآية أخبروني عن هذه الأصنام هل ضرت أو نفعت أو فعلت ما يجب أن يعدل بالله ثم قال سبحانه منكرا على كفار قريش قولهم الملائكة بنات الله و كذلك الأصنام ﴿أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي جائرة غير معتدلة يعني أن القسمة التي قسمتم من نسبة الإناث إلى الله و إيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة. و في قوله ﴿أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ و نزلت الآيات السبع في عثمان بن عفان كان يتصدق و ينفق ماله فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ما هذا الذي تصنع يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان إن لي ذنوبا و إني أطلب بما أصنع رضا الله و أرجو عفوه فقال له عبد الله أعطني ناقتك برحلها و أنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه و أشهد عليه و أمسك عن الصدقة فنزلت ﴿أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أي يوم أحد حين ترك المركز و أعطى قليلا ثم قطع نفقته إلى قوله ﴿سَوْفَ يُرى﴾ فعاد عثمان إلى ما كان عليه عن ابن عباس و جماعة من المفسرين. و قيل نزلت في الوليد بن المغيرة و كان قد اتبع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على دينه فعيره المشركون و قالوا تركت دين الأشياخ و ضللتهم و زعمت أنهم في النار قال إني خشيت عذاب الله فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئا من ماله و رجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ففعل فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل و منعه تمام ما ضمن له فنزلت ﴿أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ عن الإيمان ﴿وَ أَعْطى﴾ صاحبه الضامن ﴿قَلِيلًا وَ أَكْدى﴾ أي بخل بالباقي عن مجاهد و ابن زيد. و قيل نزلت في العاص بن وائل السهمي و ذلك أنه ربما كان يوافق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض الأمور عن السدي و قيل نزلت في رجل قال لأهله جهزوني حتى أنطلق إلى هذا الرجل يريد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فتجهز و خرج فلقيه رجل من الكفار فقال له أين تريد فقال محمدا(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي أصيب من خيره قال له الرجل أعطني جهازك و أحمل عنك إثمك عن عطاء بن يسار و قيل نزلت في أبي جهل و ذلك أنه قال و الله ما يأمرنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله ﴿وَ أَعْطى قَلِيلًا وَ أَكْدى﴾ أي لم يؤمن به عن محمد بن كعب. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي مطرد و هو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة حتى قالوا ذلك أو محكم من المرة أو مستبشع من استمر إذ اشتدت مرارته أو مار ذاهب لا يبقى ﴿وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ منته إلى غاية من خذلان أو نصرة في الدنيا و شقاوة أو سعادة في الآخرة. ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ جماعة أمرنا مجتمع ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ ممتنع لا نرام أو منتصر من الأعداء لا نغلب أو متناصر ينصر بعضنا بعضا ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي الأدبار و إفراده لإرادة الجنس أو لأن كل واحد يولي دبره و قد وقع ذلك يوم بدر ﴿وَ لَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ﴾ أي أشباهكم في الكفر ممن قبلكم. و في قوله تعالى ﴿أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف ﴿أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ تبذرون حبه ﴿أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ تنبتونه ﴿لَجَعَلْناهُ حُطاماً﴾ هشيما ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون أو تندمون على اجتهادكم فيه أو على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه و التفكه التنقل بصنوف الفاكهة و قد استعير للتنقل بالحديث ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ لملزمون غرامة ما أنفقنا أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا رزقنا ﴿أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ من السحاب واحدته مزنة و قيل المزن السحاب الأبيض و ماؤه أعذب ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً﴾ ملحا أو من الأجيج فإنه يحرق الفم ﴿فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ﴾ أمثال هذه النعم الضرورية ﴿أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ تقدحون ﴿أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ يعني الشجرة التي منه الزناد ﴿نَحْنُ جَعَلْناها﴾ جعلنا نار الزناد ﴿تَذْكِرَةً﴾ تبصرة في أمر البعث أو في الظلام أو تذكيرا أو أنموذجا لنار جهنم ﴿وَ مَتاعاً﴾ و منفعة ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ للذين ينزلون القواء و هي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ فأحدث التسبيح بذكر اسمه أو بذكره ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أو فأقسم و لا مزيدة للتأكيد أو فلانا أقسم فحذف المبتدأ و أشبع فتحة لام الابتداء و يدل عليه أنه قرئ فلأقسم أو فلا رد لكلام يخالف المقسم عليه ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها أو بمنازلها و مجاريها و قيل النجوم نجوم القرآن و مواقعها أوقات نزولها ﴿وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ لما في القسم به من الدلالة على عظيم القدرة و كمال الحكمة و فرط الرحمة ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ كثير النفع ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ مصون و هو اللوح ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورات الجسمانية و هم الملائكة أو لا يمس القرآن إلا المطهرون من الأحداث فيكون نفيا بمعنى نهي أو لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر ﴿أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه و لا يتصلب فيه تهاونا به ﴿وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكر رزقكم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي بمانحه حيث تنسبونه إلى الأنواء. ﴿أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أ لم يأت وقته يقال أنى الأمر يأني أنيا و أنا و إنا إذا جاء أناه ﴿وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ﴾ أي القرآن و هو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر و يجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ أي فطال عليهم الزمان بطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم و بين أنبيائهم. و قال الطبرسي (رحمه الله) قيل إن قوله تعالى ﴿أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة و ذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا حدثنا عما في التوراة فإن فيها عجائب فنزلت ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ فخبرهم أن هذا القرآن أحسن القصص و أنفع لهم من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزلت ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً﴾ الآية فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسألوا سلمان فنزلت هذه الآية عن الكلبي و مقاتل و قيل نزلت في المؤمنين و قال ابن مسعود ما كان بين إسلامنا و بين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا و قيل إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن بهذه الآية عن ابن عباس و قيل كانت الصحابة بمكة مجدبين فلما هاجروا أصابوا الريف و النعمة فتغيروا عما كانوا عليه فقست قلوبهم و الواجب أن يزدادوا الإيمان و اليقين و الإخلاص في طول صحبة الكتاب عن محمد بن كعب. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي بالرسل المتقدمة ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما نهاكم منه ﴿وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ نصيبين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لإيمانكم بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و إيمانكم بمن قبله و لا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق و إن كان منسوخا ببركة الإسلام و قيل الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره ﴿وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ يريد المذكور في قوله ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ أي ليعلموا و لا مزيدة و يؤيده أنه قرئ ليعلم و لكي يعلم و لأن يعلم بإدغام النون في الياء ﴿أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أن هي المخففة و المعنى أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله لأنهم لم يؤمنوا برسوله و هو مشروط بالإيمان به أو لا يقدرون على شيء من فضله فضلا أن يتصرفوا في أعظمه و هو النبوة فيخصونها بمن أرادوا و قيل لا غير مزيدة و المعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي و المؤمنون به على شيء من فضل الله و لا ينالونه فيكون ﴿وَ أَنَّ الْفَضْلَ﴾ عطفا على أن لا يعلم. و في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ﴾ يعادونهما فإن كلا من المتعاديين في حد غير حد الآخر أو يضعون و يختارون حدودا غير حدودهما كبتوا أخزوا أو أهلكوا و أصل الكبت الكب. ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ أي والوا ﴿قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني اليهود ﴿ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لا مِنْهُمْ﴾ لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك ﴿وَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ و هو ادعاء الإسلام ﴿وَ هُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن المحلوف عليه كذب و رُوِيَ أَنَّهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)كَانَ فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجُرَاتِهِ فَقَالَ يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبَّارٍ وَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطَانٍ فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نتيل [نُفَيْلٍ الْمُنَافِقُ وَ كَانَ أَزْرَقَ فَقَالَ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ عَلَامَ تَشْتِمُنِي أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا فَعَلَ ثُمَّ جَاءَ بِأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا فَنَزَلَتْ.. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ﴾ أي التي حلفوا بها ﴿جُنَّةً﴾ وقاية دون دمائهم و أموالهم ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصدوا الناس في خلال أمنهم عن دين الله بالتحريش و التثبيط ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أي استولى عليهم. و في قوله ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني عامة الكفار أو اليهود إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ لكفرهم بها أو لعلمهم بأنه لا حظ لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالآيات ﴿كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ أن يبعثوا أو يثابوا أو ينالهم خير منهم. و قال الطبرسي (رحمه الله) ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ يعني العرب و كانت أمة أمية لا تكتب و لا تقرأ و لم يبعث إليهم نبي و قيل يعني أهل مكة لأن مكة تسمى أم القرى ﴿وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ﴾ الكتاب القرآن و الحكمة الشرائع و قيل إن الحكمة تعم الكتاب و السنة و كل ما أراده الله تعالى ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا﴾ أي سموا يهودا ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ أي إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم أنصار الله و أن الله ينصركم ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنكم أبناء الله و أحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه و - رُوِيَ أَنَّهُ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ: لَوْ تَمَنَّوْا لَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ.. و قال البيضاوي في قوله ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا﴾ يعني بالذكر جبرئيل(عليه السلام)لكثرة ذكره أو لنزوله بالذكر و هو القرآن أو لأنه مذكور في السماوات أو ذا ذكر أي شرف أو محمدا(صلى الله عليه وآله وسلم)لمواظبته على تلاوة القرآن أو تبليغه و عبر عن إرساله بالإنزال ترشيحا أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه و أبدل عنه رسولا للبيان أو أراد به القرآن و رسولا منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكر أو الرسول مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة. و في قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ لينة ليسهل لكم السلوك فيها ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ أي في جوانبها أو جبالها ﴿فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ تضطرب ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي كيف إنذاري ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي إنكاري عليهم بإنزال العذاب ﴿صافَّاتٍ﴾ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها ﴿وَ يَقْبِضْنَ﴾ و يضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحرك ﴿ما يُمْسِكُهُنَ﴾ في الجو على خلاف الطبع ﴿إِلَّا الرَّحْمنُ﴾ الشامل رحمته كل شيء بأن خلقهن على أشكال و خصائص هيأتهن للجري في الهواء ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أي الآلهة ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ بإمساك المطر و سائر الأسباب المحصلة و الموصلة له إليكم ﴿أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ﴾ يقال كببته فأكب و معنى مكبا أنه يعثر كل ساعة و يخر لوجهه لوعورة طريقه و لذلك قابله بقوله ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ سالما من العثار ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مستوي الأجزاء أو الجهة و المراد تمثيل المشرك و الموحد بالسالكين و الدينين بالمسلكين و قيل المراد بالمكب الأعمى فإنه يعتسف فينكب و بالسوي البصير و قيل من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار و من يمشي سويا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي غائرا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء مصدر وصف به ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ جار أو ظاهر سهل المأخذ. ﴿ن﴾ من أسماء الحروف و قيل اسم الحوت و المراد به الجنس أو اليهموت و هو الذي عليه الأرض أو الدواة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أسود يكتب به ﴿وَ الْقَلَمِ﴾ هو الذي خط اللوح أو الذي يخط به أقسم به لكثرة فوائده ﴿وَ ما يَسْطُرُونَ﴾ و ما يكتبون ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جواب القسم و المعنى ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة و حصافة الرأي ﴿وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً﴾ على الاحتمال أو الإبلاغ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ مقطوع أو ممنون به عليك من الناس ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أيكم الذي فتن بالجنون و الباء مزيدة أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول و المجلود أو بأي الفريقين منكم المجنون أ بفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ بأن تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك أو توافقهم فيه أحيانا ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ فيلاينونك بترك الطعن و الموافقة ﴿وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ كثير الحلف في الحق و الباطل ﴿مَهِينٍ﴾ حقير الرأي ﴿هَمَّازٍ﴾ عياب ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ نقال للحديث على وجه السعاية ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يمنع الناس عن الخير من الإيمان و الإنفاق و العمل الصالح ﴿مُعْتَدٍ﴾ متجاوز في الظلم ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الآثام ﴿عُتُلٍ﴾ جاف غليظ ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ بعد ما عد من مثالبه ﴿زَنِيمٍ﴾ دعي قيل هو الوليد بن المغيرة ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده و قيل الأخنس بن شريق أصله في ثقيف و عداده في زهرة ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي قال ذلك حينئذ لأن كان متمولا مستظهرا بالبنين من فرط غروره لكن العامل مدلول قال لا نفسه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله و يجوز أن يكون علة للا تطع أي لا تطع من هذه مثالبه لأن كان ذا مال ﴿سَنَسِمُهُ﴾ بالكي ﴿عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ على الأنف و قد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره و قيل هو عبارة عن أن يذله غاية الإذلال أو يسود وجهه يوم القيامة. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أي إن لكم ما تختارونه و تشتهونه و أصله أن لكم بالفتح لأنه المدروس فلما جئت باللام كسرت و تخير الشيء و اختياره أخذ خيره ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا﴾ عهود مؤكدة بالأيمان ﴿بالِغَةٌ﴾ متناهية في التوكيد ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم أو ببالغة أي أيمان علينا تبلغ ذلك اليوم ﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ جواب القسم ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ بذلك الحكم قائم يدعيه و يصححه ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ في هذا القول ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دعواهم إذ لا أقل من التقليد ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سندنيهم من العذاب درجة درجة بالإمهال و إدامة الصحة و ازدياد النعمة ﴿وَ أُمْلِي لَهُمْ﴾ و أمهلهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لا يدفع بشيء و إنما سمي إنعامه استدراجا بالكيد لأنه في صورته ﴿وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ ﴿بِأَبْصارِهِمْ﴾ إن هي المخففة و اللام دليلها و المعنى أنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزرا أي غضبا بحيث يكادون يزلون قدمك و يرمونك. و في قوله ﴿بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ﴾ أي بالمشاهدات و المغيبات و ذلك يتناول الخالق و المخلوقات بأسرها ﴿وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ﴾ سمي الافتراء تقولا لأنه قول متكلف ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ بيمينه ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ أي نياط قلبه بضرب عنقه و هو تصوير لإهلاكه بأفظع ما تفعله الملوك بمن يغضبون عليه و هو أن يأخذ القتال بيمينه و يكفحه بالسيف و يضرب جيده و قيل اليمين بمعنى القوة ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ﴾ عن القتل أو المقتول ﴿حاجِزِينَ﴾ دافعين وصف لأحد فإنه عام و الخطاب للناس ﴿وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ إذا رأوا ثواب المؤمنين به ﴿وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ لليقين الذي لا ريب فيه. و في قوله ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ﴾ أي نهلكهم و نأتي بخلق أمثل منهم أو نعطي محمدا(عليه السلام)بدلكم و هو خير منكم و هم الأنصار ﴿وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ منحرفا و ملتجأ ﴿إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ﴾ استثناء من قوله ﴿لا أَمْلِكُ﴾ فإن التبليغ إرشاد و إنفاع أو من ﴿مُلْتَحَداً﴾ أو معناه أن لا أبلغ بلاغا و ما قبله دليل الجواب ﴿وَ رِسالاتِهِ﴾ عطف على بلاغا. ﴿وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي انقطع إليه بالعبادة و جرد نفسك عما سواه ﴿وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا﴾ بأن تجانبهم و تدانيهم و لا تكافئهم و تكل أمرهم إلى الله ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أرباب التنعم يريد صناديد قريش. ﴿ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ نزل في الوليد بن المغيرة و وحيدا حال من الياء أي ذرني وحدي معه فأنا أكفيكه أو من التاء أي و من خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد أو من العائد المحذوف أي من خلقته فريدا لا مال له و لا ولد أو ذم فإنه كان ملقبا به فسماه الله تهكما به أو أراد أنه وحيد في الشرارة أو عن أبيه لأنه كان زنيما ﴿وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً﴾ مبسوطا كثيرا أو ممددا بالنماء و كان له الزرع و الضرع و التجارة ﴿وَ بَنِينَ شُهُوداً﴾ حضورا معه بمكة يتمتع بلقائهم لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بنعمته و لا يحتاج أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه أو في المحافل و الأندية لوجاهتهم قيل كان له عشرة بنين أو أكثر كلهم رجال فأسلم منهم ثلاثة خالد و عمارة و هشام ﴿وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ و بسطت له الرئاسة و الجاه العريض حتى لقب ريحانة قريش و الوحيد أي باستحقاق الرئاسة و التقدم ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ على ما أوتيه و هو استبعاد لطمعه إما لأنه لا مزيد على ما أوتي أو لأنه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم و معاندة المنعم و لذلك قال ﴿كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ فإنه ردع له عن الطمع و تعليل للردع على سبيل الاستئناف بمعاندة آيات المنعم قيل ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله حتى هلك ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ سأغشيه عقبة شاقة المصعد و هو مثل لما يلقى من الشدائد و - عَنْهُ(عليه السلام)الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصَّعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أَبَداً.. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ﴾ تعليل للوعيد أو بيان للعناد و المعنى فكر فيما يخيل طعنا في القرآن و قدر في نفسه ما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تعجيب من تقديره استهزاء به أو لأنه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه من قولهم قتله الله ما أشجعه. رُوِيَ أَنَّهُ مَرَّ بِالنَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ هُوَ يَقْرَأُ حم السَّجْدَةَ فَأَتَى قَوْمَهُ وَ قَالَ قَدْ سَمِعْتُ مِنْ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)آنِفاً كَلَاماً مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً وَ إِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَ إِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ وَ إِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ وَ إِنَّهُ لَيَعْلُو وَ لَا يُعْلَى فَقَالَ قُرَيْشٌ صَبَأَ الْوَلِيدُ فَقَالَ ابْنُ أَخِيهِ أَبُو جَهْلٍ أَنَا أَكْفِيكُمُوهُ فَقَعَدَ إِلَيْهِ حَزِيناً وَ كَلَّمَهُ بِمَا أَحْمَاهُ فَقَامَ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ تَزْعُمُونَ أَنَّ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)مَجْنُونٌ فَهَلْ رَأَيْتُمُوهُ يُخْنَقُ وَ تَقُولُونَ إِنَّهُ كَاهِنٌ فَهَلْ رَأَيْتُمُوهُ يَتَكَهَّنُ وَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ شَاعِرٌ فَهَلْ رَأَيْتُمُوهُ يَتَعَاطَى شِعْراً فَقَالُوا لَا فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا سَاحِرٌ أَ مَا رَأَيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ وَ مَوَالِيهِ فَفَرِحُوا بِهِ وَ تَفَرَّقُوا مُسْتَعْجِبِينَ مِنْهُ.. ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تكرير للمبالغة ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أي في أمر القرآن مرة بعد أخرى ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا و لم يدر ما يقول أو نظر إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و قطب وجهه ﴿وَ بَسَرَ﴾ إتباع لعبس ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ عن الحق أو الرسول ﴿وَ اسْتَكْبَرَ﴾ عن اتباعه ﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ يروى و يتعلم ﴿وَ ما هِيَ﴾ أي سقر أو عدة الخزنة أو السورة ﴿إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ إلا تذكرة لهم ﴿كَلَّا﴾ ردع لمن أنكرها أو إنكار لأن يتذكروا بها ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ لإحدى البلايا الكبر ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ بدل من ﴿لِلْبَشَرِ﴾ أي نذيرا للمتمكنين من السبق إلى الخير أو التخلف عنه أو لمن شاء خبر لأن يتقدم. ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ شبههم في إعراضهم و نفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة فرت من قسورة أي أسد ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ …
بحار الأنوار — كتاب الاحتجاج · احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن الكريم