أَضَاءَ لَهُمَا الْأَرْضُ أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَ الْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ فَمَنْ رَاكِبُ الْحِمَارِ وَ مَنْ رَاكِبُ الْجَمَلِ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لَا أَعْرِفُهُمَا فَخَبِّرْنِي بِهِمَا قَالَ(عليه السلام)أَمَّا رَاكِبُ الْحِمَارِ فَعِيسَى وَ أَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ فَمُحَمَّدٌ أَ تُنْكِرُ هَذَا مِنَ التَّوْرَاةِ قَالَ لَا مَا أُنْكِرُهُ ثُمَّ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)هَلْ تَعْرِفُ حيقوقَ النَّبِيَّ قَالَ نَعَمْ إِنِّي بِهِ لَعَارِفٌ قَالَ(عليه السلام)فَإِنَّهُ قَالَ وَ كِتَابُكُمْ يَنْطِقُ بِهِ جَاءَ اللَّهُ بِالْبَيَانِ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ وَ امْتَلَأَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْ تَسْبِيحِ أَحْمَدَ وَ أُمَّتُهُ يَحْمِلُ خَيْلَهُ فِي الْبَحْرِ كَمَا يَحْمِلُ فِي الْبَرِّ يَأْتِينَا بِكِتَابٍ جَدِيدٍ بَعْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ أَ تَعْرِفُ هَذَا وَ تُؤْمِنُ بِهِ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ قَدْ قَالَ ذَلِكَ حيقوقُ النَّبِيُّ وَ لَا نُنْكِرُ قَوْلَهُ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)فَقَدْ قَالَ دَاوُدُ فِي زَبُورِهِ وَ أَنْتَ تَقْرَؤُهُ اللَّهُمَّ ابْعَثْ مُقِيمَ السُّنَّةِ بَعْدَ الْفَتْرَةِ فَهَلْ تَعْرِفُ نَبِيّاً أَقَامَ السُّنَّةَ بَعْدَ الْفَتْرَةِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ هَذَا قَوْلُ دَاوُدَ نَعْرِفُهُ وَ لَا نُنْكِرُهُ وَ لَكِنْ عَنَى بِذَلِكَ عِيسَى وَ أَيَّامُهُ هِيَ الْفَتْرَةُ قَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)جَهِلْتَ أَنَّ عِيسَى لَمْ يُخَالِفِ السُّنَّةَ وَ كَانَ مُوَافِقاً لِسُنَّةِ التَّوْرَاةِ حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ فِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبٌ أَنَّ ابْنَ الْبَرَّةِ ذَاهِبٌ وَ الْبَارِقْلِيطَا جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ يُخَفِّفُ الْآصَارَ وَ يُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ أَنَا جِئْتُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَ هُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ أَ تُؤْمِنُ بِهَذَا فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ نَعَمْ لَا أُنْكِرُهُ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)يَا رَأْسَ الْجَالُوتِ أَسْأَلُكَ عَنْ نَبِيِّكَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَقَالَ سَلْ قَالَ(عليه السلام)مَا الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ مُوسَى ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ قَالَ الْيَهُودِيُّ إِنَّهُ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ قَالَ لَهُ مِثْلَ مَا ذَا قَالَ مِثْلَ فَلْقِ الْبَحْرِ وَ قَلْبِهِ الْعَصَا حَيَّةً تَسْعَى وَ ضَرْبِهِ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ الْعُيُونُ وَ إِخْرَاجِهِ يَدَهُ بَيْضَاءَ لِلنَّاظِرِينَ وَ عَلَامَاتٍ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهَا قَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)صَدَقْتَ فِي أَنَّهُ كَانَتْ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ إِنَّهُ جَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ أَ فَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ ثُمَّ جَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ وَجَبَ عَلَيْكُمْ تَصْدِيقُهُ قَالَ لَا لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ لِمَكَانِهِ مِنْ رَبِّهِ وَ قُرْبِهِ مِنْهُ وَ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ مَنِ ادَّعَاهَا حَتَّى يَأْتِيَ مِنَ الْأَعْلَامِ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)فَكَيْفَ أَقْرَرْتُمْ بِالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مُوسَى وَ لَمْ يَفْلِقُوا الْبَحْرَ وَ لَمْ يَفْجُرُوا مِنَ الْحَجَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْناً وَ لَمْ يُخْرِجُوا بِأَيْدِيهِمْ مِثْلَ إِخْرَاجِ مُوسَى يَدَهُ بَيْضَاءَ وَ لَمْ يَقْلِبُوا الْعَصَا حَيَّةً تَسْعَى قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ قَدْ خَبَّرْتُكَ أَنَّهُ مَتَى مَا جَاءُوا عَلَى نُبُوَّتِهِمْ مِنَ الْآيَاتِ بِمَا لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ وَ لَوْ جَاءُوا بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ مُوسَى أَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ قَالَ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)يَا رَأْسَ الْجَالُوتِ فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ قَدْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ يُقَالُ إِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَ لَمْ نَشْهَدْهُ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)أَ رَأَيْتَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ شَاهَدْتَهُ أَ لَيْسَ إِنَّمَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ مُوسَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ بَلَى قَالَ فَكَذَلِكَ أَيْضاً أَتَتْكُمُ الْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِمَا فَعَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَكَيْفَ صَدَّقْتُمْ بِمُوسَى وَ لَمْ تُصَدِّقُوا بِعِيسَى فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)وَ كَذَلِكَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ مَا جَاءَ بِهِ وَ أَمْرُ كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتِيماً فَقِيراً رَاعِياً أَجِيراً لَمْ يَتَعَلَّمْ كِتَاباً وَ لَمْ يَخْتَلِفْ إِلَى مُعَلِّمٍ ثُمَّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي فِيهِ قِصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَخْبَارُهُمْ حَرْفاً حَرْفاً وَ أَخْبَارُ مَنْ مَضَى وَ مَنْ بَقِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بْأَسْرَارِهِمْ وَ مَا يَعْمَلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَ جَاءَ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى قَالَ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا خَبَرُ عِيسَى وَ لَا خَبَرُ مُحَمَّدٍ وَ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقِرَّ لَهُمَا بِمَا لَمْ يَصِحَّ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)فَالشَّاهِدُ الَّذِي شَهِدَ لِعِيسَى وَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا شَاهِدُ زُورٍ فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً ثُمَّ دَعَا بِالْهِرْبِذِ الْأَكْبَرِ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)أَخْبِرْنِي عَنْ زَرْدَهُشْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مَا حُجَّتُكَ عَلَى نُبُوَّتِهِ قَالَ إِنَّهُ أَتَى بِمَا لَمْ يَأْتِنَا بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَ لَمْ نَشْهَدْهُ وَ لَكِنَّ الْأَخْبَارَ مِنْ أَسْلَافِنَا وَرَدَتْ عَلَيْنَا بِأَنَّهُ أَحَلَّ لَنَا مَا لَمْ يُحِلَّهُ غَيْرُهُ فَاتَّبَعْنَاهُ قَالَ أَ فَلَيْسَ إِنَّمَا أَتَتْكُمُ الْأَخْبَارُ فَاتَّبَعْتُمُوهُ قَالَ بَلَى قَالَ فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ أَتَتْهُمُ الْأَخْبَارُ بِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّونَ وَ أَتَى بِهِ مُوسَى وَ عِيسَى وَ مُحَمَّدٌ (صلوات الله عليهم) فَمَا عُذْرُكُمْ فِي تَرْكِ الْإِقْرَارِ لَهُمْ إِذْ كُنْتُمْ إِنَّمَا أَقْرَرْتُمْ بِزَرْدْهُشْتَ مِنْ قِبَلِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِأَنَّهُ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيْرُهُ فَانْقَطَعَ الْهِرْبِذُ مَكَانَهُ فَقَالَ الرِّضَا(عليه السلام)يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ وَ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ فَلْيَسْأَلْ غَيْرَ مُحْتَشِمٍ فَقَامَ إِلَيْهِ عِمْرَانُ الصَّابِئُ وَ كَانَ وَاحِداً مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ يَا عَالِمَ النَّاسِ لَوْ لَا أَنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى مَسْأَلَتِكَ لَمْ أَقْدِمْ عَلَيْكَ بِالْمَسَائِلِ فَلَقَدْ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ وَ الْبَصْرَةَ وَ الشَّامَ وَ الْجَزِيرَةَ وَ لَقِيتُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَلَمْ أَقَعْ عَلَى أَحَدٍ يُثْبِتُ لِي وَاحِداً لَيْسَ غَيْرَهُ قَائِماً بِوَحْدَانِيَّتِهِ أَ فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)إِنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ عِمْرَانُ الصَّابِئُ فَأَنْتَ هُوَ قَالَ أَنَا هُوَ قَالَ سَلْ يَا عِمْرَانُ وَ عَلَيْكَ بِالنَّصَفَةِ وَ إِيَّاكَ وَ الْخَطَلَ وَ الْجَوْرَ قَالَ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي مَا أُرِيدُ إِلَّا أَنْ تُثْبِتَ لِي شَيْئاً أَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا أَجُوزُهُ قَالَ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَازْدَحَمَ النَّاسُ وَ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ عِمْرَانُ الصَّابِئُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَائِنِ الْأَوَّلِ وَ عَمَّا خَلَقَ قَالَ سَأَلْتَ فَافْهَمْ أَمَّا الْوَاحِدُ فَلَمْ يَزَلْ وَاحِداً كَائِناً لَا شَيْءَ مَعَهُ بِلَا حُدُودٍ وَ لَا أَعْرَاضٍ وَ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً مُبْتَدِعاً مُخْتَلِفاً بِأَعْرَاضٍ وَ حُدُودٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا فِي شَيْءٍ أَقَامَهُ وَ لَا فِي شَيْءٍ حَدَّهُ وَ لَا عَلَى شَيْءٍ حَذَاهُ وَ مَثَّلَهُ لَهُ فَجَعَلَ الْخَلْقَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ صَفْوَةً وَ غَيْرَ صَفْوَةٍ وَ اخْتِلَافاً وَ ائْتِلَافاً وَ أَلْوَاناً وَ ذَوْقاً وَ طَعْماً لَا لِحَاجَةٍ كَانَتْ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ وَ لَا لِفَضْلِ مَنْزِلَةٍ لَا يَبْلُغُهَا إِلَّا بِهِ وَ لَا رَأَى لِنَفْسِهِ فِيمَا خَلَقَ زِيَادَةً وَ لَا نُقْصَاناً تَعْقِلُ هَذَا يَا عِمْرَانُ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي قَالَ وَ اعْلَمْ يَا عِمْرَانُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ لَمْ يَخْلُقْ إِلَّا مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَاجَتِهِ وَ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُقَ أَضْعَافَ مَا خَلَقَ لِأَنَّ الْأَعْوَانَ كُلَّمَا كَثُرُوا كَانَ صَاحِبُهُمْ أَقْوَى وَ الْحَاجَةُ يَا عِمْرَانُ لَا يَسَعُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ مِنَ الْخَلْقِ شَيْئاً إِلَّا حَدَثَتْ فِيهِ حَاجَةٌ أُخْرَى وَ لِذَلِكَ أَقُولُ لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ لِحَاجَةٍ وَ لَكِنْ نَقَلَ بِالْخَلْقِ الْحَوَائِجَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِلَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى مَنْ فَضَّلَ وَ لَا نَقِمَةٍ مِنْهُ عَلَى مَنْ أَذَلَّ فَلِهَذَا خَلَقَ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي هَلْ كَانَ الْكَائِنُ مَعْلُوماً فِي نَفْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)إِنَّمَا يَكُونُ الْمَعْلَمَةُ بِالشَّيْءِ لِنَفْيِ خِلَافِهِ وَ لِيَكُونَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ بِمَا نُفِيَ عَنْهُ مَوْجُوداً وَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ يُخَالِفُهُ فَتَدْعُوهُ الْحَاجَةُ إِلَى نَفْيِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَحْدِيدِ مَا عَلِمَ مِنْهَا أَ فَهِمْتَ يَا عِمْرَانُ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي فَأَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمَ مَا عَلِمَ أَ بِضَمِيرٍ أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)أَ رَأَيْتَ إِذَا عَلِمَ بِضَمِيرٍ هَلْ تَجِدُ بُدّاً مِنْ أَنْ تَجْعَلَ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ حَدّاً تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَعْرِفَةُ قَالَ عِمْرَانُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)فَمَا ذَلِكَ الضَّمِيرُ فَانْقَطَعَ عِمْرَانُ وَ لَمْ يُحِرْ جَوَاباً قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)لَا بَأْسَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنِ الضَّمِيرِ نَفْسِهِ تَعْرِفُهُ بِضَمِيرٍ آخَرَ فَقُلْتَ نَعَمْ أَفْسَدْتَ عَلَيْكَ قَوْلَكَ وَ دَعْوَاكَ يَا عِمْرَانُ أَ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ يُوصَفُ بِضَمِيرٍ وَ لَيْسَ يُقَالُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلٍ وَ عَمَلٍ وَ صُنْعٍ وَ لَيْسَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ مَذَاهِبُ وَ تَجْرِبَةٌ كَمَذَاهِبِ الْمَخْلُوقِينَ وَ تَجْرِبَتِهِمْ فَاعْقِلْ ذَلِكَ وَ ابْنِ عَلَيْهِ مَا عَلِمْتَ صَوَاباً قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنْ حُدُودِ خَلْقِهِ كَيْفَ هِيَ وَ مَا مَعَانِيهَا وَ عَلَى كَمْ نَوْعٍ تَكُونُ قَالَ قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمْ إِنَّ حُدُودَ خَلْقِهِ عَلَى سِتَّةِ أَنْوَاعٍ مَلْمُوسٍ وَ مَوْزُونٍ وَ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ وَ مَا لَا ذَوْقَ لَهُ وَ هُوَ الرُّوحُ وَ مِنْهَا مَنْظُورٌ إِلَيْهِ وَ لَيْسَ لَهُ وَزْنٌ وَ لَا لَمْسٌ وَ لَا حِسٌّ وَ لَا لَوْنٌ وَ لَا ذَوْقٌ وَ التَّقْدِيرُ وَ الْأَعْرَاضُ وَ الصُّوَرُ وَ الطُّولُ وَ الْعَرْضُ وَ مِنْهَا الْعَمَلُ وَ الْحَرَكَاتُ الَّتِي تَصْنَعُ الْأَشْيَاءَ وَ تَعْمَلُهَا وَ تُغَيِّرُهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ تَزِيدُهَا وَ تَنُقُصُهَا فَأَمَّا الْأَعْمَالُ وَ الْحَرَكَاتُ فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ لِأَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الشَّيْءِ انْطَلَقَ بِالْحَرَكَةِ وَ بَقِيَ الْأَثَرُ وَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ الَّذِي يَذْهَبُ وَ يَبْقَى أَثَرُهُ قَالَ لَهُ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْخَالِقِ إِذَا كَانَ وَاحِداً لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ أَ لَيْسَ قَدْ تَغَيَّرَ بِخَلْقِهِ الْخَلْقَ قَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)لَمْ يَتَغَيَّرْ عَزَّ وَ جَلَّ بِخَلْقِ الْخَلْقِ وَ لَكِنَّ الْخَلْقَ يَتَغَيَّرُ بِتَغْيِيرِهِ قَالَ عِمْرَانُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ عَرَفْنَاهُ قَالَ بِغَيْرِهِ قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ غَيْرُهُ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)مَشِيَّتُهُ وَ اسْمُهُ وَ صِفَتُهُ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ كُلُّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ قَالَ هُوَ نُورٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ هَادٍ لِخَلْقِهِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَيْسَ لَكَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ تَوْحِيدِي إِيَّاهُ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَيْسَ قَدْ كَانَ سَاكِتاً قَبْلَ الْخَلْقِ لَا يَنْطِقُ ثُمَّ نَطَقَ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)لَا يَكُونُ السُّكُوتُ إِلَّا عَنْ نُطْقٍ قَبْلَهُ وَ الْمَثَلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلسِّرَاجِ هُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْطِقُ وَ لَا يُقَالُ إِنَّ السِّرَاجَ لَيُضِيءُ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ بِنَا لِأَنَّ الضَّوْءَ مِنَ السِّرَاجِ لَيْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ وَ لَا كَوْنٍ وَ إِنَّمَا هُوَ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَهُ فَلَمَّا اسْتَضَاءَ لَنَا قُلْنَا قَدْ أَضَاءَ لَنَا حَتَّى اسْتَضَأْنَا بِهِ فَبِهَذَا تَسْتَبْصِرُ أَمْرَكَ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي فَإِنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدِي أَنَّ الْكَائِنَ قَدْ تَغَيَّرَ فِي فِعْلِهِ عَنْ حَالِهِ بِخَلْقِهِ الْخَلْقَ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)أَحَلْتَ يَا عِمْرَانُ فِي قَوْلِكَ إِنَّ الْكَائِنَ يَتَغَيَّرُ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ حَتَّى يُصِيبَ الذَّاتَ مِنْهُ مَا يُغَيِّرُهُ يَا عِمْرَانُ هَلْ تَجِدُ النَّارَ يُغَيِّرُهَا تَغَيُّرُ نَفْسِهَا أَوْ هَلْ تَجِدُ الْحَرَارَةَ تُحْرِقُ نَفْسَهَا أَوْ هَلْ رَأَيْتَ بَصِيراً قَطُّ رَأَى بَصَرَهُ قَالَ عِمْرَانُ لَمْ أَرَ هَذَا أَ لَا تُخْبِرُنِي يَا سَيِّدِي أَ هُوَ فِي الْخَلْقِ أَمِ الْخَلْقُ فِيهِ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)جَلَّ يَا عِمْرَانُ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ فِي الْخَلْقِ وَ لَا الْخَلْقُ فِيهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَ سَأُعَلِّمُكَ مَا تَعْرِفُهُ بِهِ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمِرْآةِ أَنْتَ فِيهَا أَمْ هِيَ فِيكَ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَدْلَلْتَ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ قَالَ عِمْرَانُ بِضَوْءٍ بَيْنِي وَ بَيْنَهَا قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)هَلْ تَرَى مِنْ ذَلِكَ الضَّوْءِ فِي الْمِرْآةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَرَاهُ فِي عَيْنِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)فَأَرِنَاهُ فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً قَالَ(عليه السلام)فَلَا أَرَى النُّورَ إِلَّا وَ قَدْ دَلَّكَ وَ دَلَّ الْمِرْآةُ عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْكُمَا وَ لِهَذَا أَمْثَالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذَا لَا يَجِدُ الْجَاهِلُ فِيهَا مَقَالًا وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ الصَّلَاةُ قَدْ حَضَرَتْ فَقَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي لَا تَقْطَعْ عَلَيَّ مَسْأَلَتِي فَقَدْ رَقَّ قَلْبِي قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)نُصَلِّي وَ نَعُودُ فَنَهَضَ وَ نَهَضَ الْمَأْمُونُ فَصَلَّى الرِّضَا(عليه السلام)دَاخِلًا وَ صَلَّى النَّاسُ خَارِجاً خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ثُمَّ خَرَجَا فَعَادَ الرِّضَا(عليه السلام)إِلَى مَجْلِسِهِ وَ دَعَا بِعِمْرَانَ فَقَالَ سَلْ يَا عِمْرَانُ قَالَ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يُوَحَّدُ بِحَقِيقَةٍ أَوْ يُوَحَّدُ بِوَصْفٍ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)إِنَّ اللَّهَ الْمُبْدِئُ الْوَاحِدُ الْكَائِنُ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَاحِداً لَا شَيْءَ مَعَهُ فَرْداً لَا ثَانِيَ مَعَهُ لَا مَعْلُوماً وَ لَا مَجْهُولًا وَ لَا مُحْكَماً وَ لَا مُتَشَابِهاً وَ لَا مَذْكُوراً وَ لَا مَنْسِيّاً وَ لَا شَيْئاً يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ وَ لَا مِنْ وَقْتٍ كَانَ وَ لَا إِلَى وَقْتٍ يَكُونُ وَ لَا بِشَيْءٍ قَامَ وَ لَا إِلَى شَيْءٍ يَقُومُ وَ لَا إِلَى شَيْءٍ اسْتَنَدَ وَ لَا فِي شَيْءٍ اسْتَكَنَّ وَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ الْخَلْقِ إِذْ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ مَا أُوقِعَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُلِ فَهِيَ صِفَاتٌ مُحْدَثَةٌ وَ تَرْجَمَةٌ يَفْهَمُ بِهَا مَنْ فَهِمَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِبْدَاعَ وَ الْمَشِيَّةَ وَ الْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَ أَسْمَاؤُهَا ثَلَاثَةٌ وَ كَانَ أَوَّلُ إِبْدَاعِهِ وَ إِرَادَتِهِ وَ مَشِيَّتِهِ الْحُرُوفَ الَّتِي جَعَلَهَا أَصْلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَ دَلِيلًا عَلَى كُلِّ مُدْرَكٍ وَ فَاصِلًا لِكُلِّ مُشْكِلٍ وَ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ تَفْرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنِ اسْمِ حَقٍّ وَ بَاطِلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ مَفْعُولٍ أَوْ مَعْنًى أَوْ غَيْرِ مَعْنًى وَ عَلَيْهَا اجْتَمَعَتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا وَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْحُرُوفِ فِي إِبْدَاعِهِ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا يَتَنَاهَى وَ لَا وُجُودَ لَهَا لِأَنَّهَا مُبْدَعَةٌ بِالْإِبْدَاعِ وَ النُّورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَوَّلُ فِعْلِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْحُرُوفُ هِيَ الْمَفْعُولُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَ هِيَ الْحُرُوفُ الَّتِي عَلَيْهَا الْكَلَامُ وَ الْعِبَارَاتُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَّمَهَا خَلْقَهُ وَ هِيَ ثَلَاثَةٌ وَ ثَلَاثُونَ حَرْفاً فَمِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى لُغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَ الْعِشْرِينَ اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى لُغَاتِ السُّرْيَانِيَّةِ وَ الْعِبْرَانِيَّةِ وَ مِنْهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ مُتَحَرِّفَةٍ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ مِنَ الْعَجَمِ لِأَقَالِيمِ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَ هِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ تَحَرَّفَتْ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَ الْعِشْرِينَ الْحَرْفَ مِنَ اللُّغَاتِ فَصَارَتِ الْحُرُوفُ ثَلَاثَةً وَ ثَلَاثِينَ حَرْفاً فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْمُخْتَلِفَةُ فَحُجَجٌ لَا يَجُوزُ ذِكْرُهَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ جَعَلَ الْحُرُوفَ بَعْدَ إِحْصَائِهَا وَ إِحْكَامِ عِدَّتِهَا فِعْلًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ كُنْ فَيَكُونُ وَ كُنْ مِنْهُ صُنْعٌ وَ مَا يَكُونُ بِهِ الْمَصْنُوعُ فَالْخَلْقُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْإِبْدَاعُ لَا وَزْنَ لَهُ وَ لَا حَرَكَةَ وَ لَا سَمْعَ وَ لَا لَوْنَ وَ لَا حِسَّ وَ الْخَلْقُ الثَّانِي الْحُرُوفُ لَا وَزْنَ لَهَا وَ لَا لَوْنَ وَ هِيَ مَسْمُوعَةٌ مَوْصُوفَةٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهَا وَ الْخَلْقُ الثَّالِثُ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا مَحْسُوساً مَلْمُوساً ذَا ذَوْقٍ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ وَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَابِقٌ لِلْإِبْدَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ شَيْءٌ وَ لَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ وَ الْإِبْدَاعُ سَابِقٌ لِلْحُرُوفِ وَ الْحُرُوفُ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهَا قَالَ الْمَأْمُونُ وَ كَيْفَ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهَا قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يَجْمَعُ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنًى أَبَداً فَإِذَا أَلَّفَ مِنْهَا أَحْرُفاً أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يُؤَلِّفْهَا لِغَيْرِ مَعْنًى وَ لَمْ يَكُ إِلَّا لِمَعْنًى مُحْدَثٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئاً قَالَ عِمْرَانُ فَكَيْفَ لَنَا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)أَمَّا الْمَعْرِفَةُ فَوَجْهُ ذَلِكَ وَ بَيَانُهُ أَنَّكَ تَذْكُرُ الْحُرُوفَ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهَا غَيْرَ نَفْسِهَا ذَكَرْتَهَا فَرْداً فَقُلْتَ أ ب ت ث ج ح خ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا فَإِذَا أَلَّفْتَهَا وَ جَمَعْتَ مِنْهَا أَحْرُفاً وَ جَعَلْتَهَا اسْماً وَ صِفَةً لِمَعْنَى مَا طَلَبْتَ وَ وَجْهِ مَا عَنَيْتَ كَانَتْ دَلِيلَةً عَلَى مَعَانِيهَا دَاعِيَةً إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا أَ فَهِمْتَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَكُونُ صِفَةٌ لِغَيْرِ مَوْصُوفٍ وَ لَا اسْمٌ لِغَيْرِ مَعْنًى وَ لَا حَدٌّ لِغَيْرِ مَحْدُودٍ وَ الصِّفَاتُ وَ الْأَسْمَاءُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَ الْوُجُودِ وَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِحَاطَةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ التَّرْبِيعُ وَ التَّثْلِيثُ وَ التَّسْدِيسُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ تُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ بِالصِّفَاتِ وَ الْأَسْمَاءِ وَ لَا تُدْرَكُ بِالتَّحْدِيدِ بِالطُّولِ وَ الْعَرْضِ وَ الْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ وَ اللَّوْنِ وَ الْوَزْنِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ لَيْسَ يَحُلُّ بِاللَّهِ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ بِمَعْرِفَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالضَّرُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَ لَكِنْ يُدَلُّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِصِفَاتِهِ وَ يُدْرَكُ بِأَسْمَائِهِ وَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِخَلْقِهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ فِي ذَلِكَ الطَّالِبُ الْمُرْتَادُ إِلَى رُؤْيَةِ عَيْنٍ وَ لَا اسْتِمَاعِ أُذُنٍ وَ لَا لَمْسِ كَفٍّ وَ لَا إِحَاطَةٍ بِقَلْبٍ فَلَوْ كَانَتْ صِفَاتُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَ أَسْمَاؤُهُ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَ الْمَعْلَمَةُ مِنَ الْخَلْقِ لَا تُدْرِكُهُ لِمَعْنَاهُ كَانَتِ الْعِبَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ لِأَسْمَائِهِ وَ صِفَاتِهِ دُونَ مَعْنَاهُ فَلَوْ لَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْمَعْبُودُ الْمُوَحَّدُ غَيْرَ اللَّهِ لِأَنَّ صِفَاتِهِ وَ أَسْمَاءَهُ غَيْرُهُ أَ فَهِمْتَ قَالَ نَعَمْ يَا سَيِّدِي زِدْنِي قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)إِيَّاكَ وَ قَوْلَ الْجُهَّالِ أَهْلِ الْعَمَى وَ الضَّلَالِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ مَوْجُودٌ فِي الْآخِرَةِ لِلْحِسَابِ وَ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الدُّنْيَا لِلطَّاعَةِ وَ الرَّجَاءِ وَ لَوْ كَانَ فِي الْوُجُودِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَقْصٌ وَ اهْتِضَامٌ لَمْ يُوجَدْ فِي الْآخِرَةِ أَبَداً وَ لَكِنَّ الْقَوْمَ تَاهُوا وَ عَمُوا وَ صَمُّوا عَنِ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا يَعْنِي أَعْمَى عَنِ الْحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ وَ قَدْ عَلِمَ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَا هُنَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا هَاهُنَا مَنْ أَخَذَ عِلْمَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ وَ طَلَبَ وُجُودَهُ وَ إِدْرَاكَهُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَزْدَدْ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا بُعْداً لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ عِلْمَ ذَلِكَ خَاصَّةً عِنْدَ قَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ يَعْلَمُونَ وَ يَفْهَمُونَ قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِبْدَاعِ أَ خَلْقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ خَلْقٍ قَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)بَلْ خَلْقٌ سَاكِنٌ لَا يُدْرَكُ بِالسُّكُونِ وَ إِنَّمَا صَارَ خَلْقاً لِأَنَّهُ شَيْءٌ مُحْدَثٌ وَ اللَّهُ الَّذِي أَحْدَثَهُ فَصَارَ خَلْقاً لَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَلْقُهُ لَا ثَالِثَ بَيْنَهُمَا وَ لَا ثَالِثَ غَيْرُهُمَا فَمَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَعْدُ أَنْ يَكُونَ خَلْقَهُ وَ قَدْ يَكُونُ الْخَلْقُ سَاكِناً وَ مُتَحَرِّكاً وَ مُخْتَلِفاً وَ مُؤْتَلِفاً وَ مَعْلُوماً وَ مُتَشَابِهاً وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ حَدٌّ فَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا أَوْجَدَتْكَ الْحَوَاسُّ فَهُوَ مَعْنًى مُدْرَكٌ لِلْحَوَاسِّ وَ كُلُّ حَاسَّةٍ تَدُلُّ عَلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا فِي إِدْرَاكِهَا وَ الْفَهْمُ مِنَ الْقَلْبِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَ لَا تَحْدِيدٍ خَلَقَ خَلْقاً مُقَدَّراً بِتَحْدِيدٍ وَ تَقْدِيرٍ وَ كَانَ الَّذِي خَلَقَ خَلْقَيْنِ اثْنَيْنِ التَّقْدِيرَ وَ الْمُقَدَّرَ وَ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْنٌ وَ لَا وَزْنٌ وَ لَا ذَوْقٌ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا يُدْرَكُ بِالْآخَرِ وَ جَعَلَهُمَا مُدْرَكَيْنِ بِنَفْسِهِمَا وَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً فَرْداً قَائِماً بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِلَّذِي أَرَادَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَ إِثْبَاتِ وُجُودِهِ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَرْدٌ وَاحِدٌ لَا ثَانِيَ مَعَهُ يُقِيمُهُ وَ لَا يَعْضُدُهُ وَ لَا يَكُنُّهُ وَ الْخَلْقُ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَشِيَّتِهِ وَ إِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَاهُوا وَ تَحَيَّرُوا وَ طَلَبُوا الْخَلَاصَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِالظُّلْمَةِ فِي وَصْفِهِمُ اللَّهَ بِصِفَةِ أَنْفُسِهِمْ فَازْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً وَ لَوْ وَصَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِصِفَاتِهِ وَ وَصَفُوا الْمَخْلُوقِينَ بِصِفَاتِهِمْ لَقَالُوا بِالْفَهْمِ وَ الْيَقِينِ وَ لَمَا اخْتَلَفُوا فَلَمَّا طَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَيَّرُوا فِيهِ ارْتَبَكُوا فِيهِ ﴿وَ …
بحار الأنوار — كتاب الاحتجاج · مناظرات الرضا علي بن موسى (صلوات الله عليه) و احتجاجه على أرباب الملل المختلفة و الأديان المتشتتة في مجلس المأمون و غيره