أَقُولُ رَوَى السَّيِّدُ فِي كِتَابِ سَعْدِ السُّعُودِ أَنَّهُ رَأَى فِي صُحُفِ إِدْرِيسَ(عليه السلام)أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلَتْ آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ نُورٍ وَ أَدْخَلُوهُمَا الْجَنَّةَ- فَوُضِعَا فِي وَسَطِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ إِقَامَةِ آدَمَ ع- خَمْسَ سَاعَاتٍ مِنْ نَهَارِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الْجَنَّةِ وَ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَ ذَكَرَ حَدِيثَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَ هُبُوطِ آدَمَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ عَلَى جَبَلٍ اسْمُهُ بَاسِمٌ عَلَى وَادٍ اسْمُهُ نَهِيلٌ بَيْنَ الدَّهْنَجِ وَ الْمَنْدَلِ بَلَدَيِ الْهِنْدِ وَ هَبَطَتْ حَوَّاءُ بِجُدَّةَ وَ مُعَايَنَةِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ لَهُمَا ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا قَدْ بِتُّمَا لَيْلَتَكُمَا هَذِهِ لَا يَعْرِفُ أَحَدُكُمَا مَكَانَ صَاحِبِهِ وَ أَنْتُمَا بِعَيْنِي وَ حِفْظِي أَنَا جَامِعٌ بَيْنَكُمَا فِي عَافِيَةٍ وَ إِنَّ أَفْضَلَ أَوْقَاتِ الْعِبَادِ الْوَقْتُ الَّذِي أَدْخَلْتُكَ وَ زَوْجَتَكَ الْجَنَّةَ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَسَبَّحْتُمَانِي فِيهَا فَكَتَبْتُهَا صَلَاةً وَ سَمَّيْتُهَا لِذَلِكَ الْأُولَى وَ كَانَتْ فِي أَفْضَلِ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَهْبَطْتُكُمَا إِلَى الْأَرْضِ وَقْتَ الْعَصْرِ فَسَبَّحْتُمَانِي فِيهَا فَكَتَبْتُهَا لَكُمَا أَيْضاً صَلَاةً وَ سَمَّيْتُهَا لِذَلِكَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ غَابَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّيْتَ لِي فِيهَا فَسَمَّيْتُهَا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ جَلَسْتَ لِي حِينَ غَابَ الشَّفَقُ فَسَمَّيْتُهَا صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَ قَدْ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَ عَلَى نَسْلِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ خَمْسِينَ رَكْعَةً فِيهَا مِائَةُ سَجْدَةٍ فَصَلِّهَا يَا آدَمُ أَكْتُبْ لَكَ وَ لِمَنْ صَلَّاهَا مِنْ نَسْلِكَ أَلْفَيْنِ وَ خَمْسَمِائَةِ صَلَاةٍ وَ هَذَا شَهْرُ نَيْسَانَ الْمُبَارَكُ فَصُمْهُ لِي فَصَامَ آدَمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرِ نَيْسَانَ وَ ذَكَرَ حَدِيثَ فُطُورِهِ وَ حَدِيثَ حَجِّ آدَمَ(عليه السلام)إِلَى الْكَعْبَةِ وَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَ سُؤَالِ الْمَلَائِكَةِ أَنْ يُشْرِكَهَا مَعَهُ وَ أَنَّهُ قَالَ الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ فَشَرَّكَهَا اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ وَ نَادَتِ الْجِبَالُ يَا آدَمُ اجْعَلْ لَنَا فِي بِنَاءِ قَوَاعِدِ بَيْتِ اللَّهِ نَصِيباً فَقَالَ مَا لِي فِيهِ مِنْ أَمْرٍ الْأَمْرُ إِلَى رَبِّ الْبَيْتِ يُشْرِكُ فِيهِ مَنْ أَحَبَّ فَأَذِنَ اللَّهُ لِلْجِبَالِ بِذَلِكَ فَابْتَدَرَ كُلُّ جَبَلٍ مِنْهَا بِحِجَارَةٍ مِنْهُ وَ كَانَ أَوَّلَ جَبَلٍ شَقَّ بِحِجَارَةٍ مِنْهُ أَبُو قُبَيْسٍ لِقُرْبِهِ مِنْهُ ثُمَّ حِرَاءُ ثُمَّ ثَوْرٌ ثُمَّ ثَبِيرٌ ثُمَّ وَرِقَانُ ثُمَّ حَمُّونُ ثُمَّ صَبْرَارُ ثُمَّ أُحُدٌ ثُمَّ طُورُ سَيْنَاءَ ثُمَّ طُورُ دَيْنَا ثُمَّ لُبْنَانُ ثُمَّ جُودِيُ وَ أَمَرَ اللَّهُ آدَمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ جَبَلٍ حَجَراً فَيَضَعَهُ فِي الْأَسَاسِ فَفَعَلَ ثُمَّ ذَكَرَ شَرْحَ حَجِّ آدَمَ(عليه السلام)وَ اجْتِمَاعِهِ بِحَوَّاءَ وَ قَبُولِ تَوْبَتِهِمَا وَ حَدِيثِ هَابِيلَ وَ قَابِيلَ وَ أَوْلَادِ آدَمَ وَ أَوْلَادُهُمْ مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ بَطْناً فِي سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِهِ وَ حَدِيثِ وَصِيَّتِهِ إِلَى شَيْثٍ بَعْدَ قَتْلِ هَابِيلَ. تذنيب اعلم أن أعظم شُبَهِ المخطئة للأنبياء(عليه السلام)التي تمسكوا بها قصة آدم(عليه السلام)و استدلوا بما ورد فيها بوجوه. الأول أنه كان عاصيا لقوله تعالى ﴿وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ و العاصي لا بد أن يكون صاحب كبيرة لقوله تعالى ﴿وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ و لأن العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا صاحب الكبيرة. و أجاب عنه السيد علم الهدى رضي الله عنه بأن المعصية مخالفة الأمر و الأمر من الحكيم تعالى يكون بالواجب و بالندب و ليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب و لهذا يقولون أمرت فلانا بكذا و كذا من الخير فعصاني و خالفني و إن لم يكن ما أمر به واجبا و اعترض عليه بأنه مجاز و الأصل في الإطلاق الحقيقة و أجيب بمنع كونه مجازا فيه و الأظهر أن يقال على تقدير تسليم كونه مجازا لا بد من أن يصار إليه عند معارضة الأدلة القطعية بل قد يرتكب المجاز عند معارضة دليل ظني أيضا. و أجاب المجوزون للذنب عليهم(عليه السلام)قبل النبوة بأن آدم(عليه السلام)لم يكن نبيا حين صدرت المعصية عنه ثم بعد ذلك صار نبيا و لا محذور فيه و أجيب أيضا بأن المعصية كانت عن آدم(عليه السلام)في الجنة لا في الأرض التي هي دار التكليف فلا يلزم صدور المعصية عنهم(عليه السلام)قبل النبوة و لا بعدها في دار التكليف و قد عرفت مما أوردنا في باب العصمة ضعفهما و عدم استقامتهما على أصول الإمامية مع أن الأخير لا ينطبق على شيء من المذاهب و قد ذكرنا هاهنا تأويل الخبرين اللذين يوهمانهما و أجيب أيضا بأن معصيته كانت من الصغائر المكفرة دون الكبائر و هو جواب أكثر المعتزلة و قد عرفت ضعفه. و أجيب أيضا بأنه لما نهي عن الأكل من الشجرة ظن أن النهي عن عين الشجرة لا عن نوعها و كان الله سبحانه أراد نهيه عن نوعها و لكنه لم يقل لهما لا تقربا هذه الشجرة و لا ما كان من جنسها و اللفظة قد يراد بها النوع - كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَرِيرٍ وَ ذَهَبَ وَ قَالَ: هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى رِجَالِ أُمَّتِي. و كان ظنه ذلك لأن إبليس حلف لهما بالله كاذبا إنه لهما لمن الناصحين و لم يكن شاهد قبل ذلك من يحلف بالله كذلك فأكل من شجرة أخرى من نوعها و كان ذلك من قبيل الخطاء في الاجتهاد و ليس من كبائر الذنوب التي يستحق بها دخول النار. و اعترض عليه بوجوه. أولها أن اسم الإشارة موضوع للأشخاص و الإشارة به إلى النوع مجاز فإذا حمل آدم على نبينا و آله و (عليه السلام) اللفظ على حقيقته فأي خطاء يلحقه و لما ذا أخرج من الجنة و أجيب عنه بأن اللفظ و إن كان موضوعا للشخص إلا أنه كان قد قرنه بما يدل على أن المراد به النوع. و ثانيها أنه سبحانه لو كلفه على الوجه المذكور من دون قرينة تدل على المراد لزم تكليف ما لا يطاق و مع القرينة يلزمه الإخلال بالنظر و التقصير في المعرفة و يلزمه الخطأ قصدا فلم يفد هذا الجواب إلا تغيير الخطيئة و كون الخطيئة على تقدير صغيرة أو ارتكابا لخلاف الأولى و على غيره كبيرة تعسف و أجيب بأنه(عليه السلام)لعله عرف القرينة في وقت الخطاب ثم غفل عنها و نسي لطول المدة أو غيره كما قال تعالى ﴿وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ و هذا مبني على سهوهم و هو منفي عنهم و قد وردت الأخبار بأن المراد بالنسيان الترك. و ثالثها أن الأنبياء(عليهم السلام)لا يجوز عليهم الاجتهاد و العمل بالظن لتمكنهم من العلم و العمل بالظن مع التمكن من تحصيل العلم غير جائز عقلا و شرعا و يمكن الجواب بأنا لا نسلم أن آدم على نبينا و آله و(عليه السلام)كان وقت الخطاب نبيا كما يدل عليه الرواية فلا محذور في عمله بالظن حينئذ فإن تمكنه من العلم و اليقين ممنوع و فيه إشكال. الوجه الثاني أنه تعالى سماه غاويا بقوله ﴿فَغَوى﴾ و الغي خلاف الرشد لقوله تعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ﴾ و الغاوي يكون صاحب كبيرة خصوصا إذا وقع تأكيدا للعاصي و أجاب السيد (رحمه الله) بأن معنى غوى أنه خاب لأنا نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم فإذا خالف الأمر و لم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحق بالامتناع و لا شبهة في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة قال الشاعر. فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره. و من يغو لا يعدم على الغي لائما. انتهى و قال الجوهري الغي الضلال و الخيبة و قال خاب الرجل يخيب خيبة إذا لم ينل ما طلب و في المثل الهيبة خيبة و قال الجزري في حديث موسى و آدم على نبينا و آله و (عليهما السلام) لأغويت الناس أي خيبتهم يقال غوى الرجل إذا خاب و أغواه غيره و حينئذ لا يكون قوله تعالى ﴿فَغَوى﴾ تأكيدا للعصيان بل يكون المعنى ترك ما أمر به ندبا فحرم من الثواب الذي كان يستحقه لو فعله. و يمكن أن يجاب على تقدير كون الغواية بمعنى الضلال و ضد الرشاد بأن الرشد هو التوصل بشيء إلى شيء و سلوك طريقة موصلة إلى المطلوب فمن ارتكب ما يبعده عن مطلوبه كان ضالا غاويا و لو كان بمخالفة أمر ندبي أو ارتكاب نهي تنزيهي و لذا يقال لكل من بعد عن الطريق أنه ضل و لو سلم أن الغواية لا يستعمل حقيقة إلا فيما زعمه المستدل نقول لا بد من حمله في الآية على ما ذكرناه و لو على سبيل المجاز لدلائل العصمة و أجيب أيضا بأن غوى هاهنا بمعنى بشم من كثرة الأكل أي اتخم. و قال السيد رضي الله عنه في جواب المسائل التي وردت عليه من الري فإن قالوا ما المانع من أن يريد و عصى أي لم يفعل الواجب من الكف عن الشجرة و الواجب يستحق بالإخلال به حرمان الثواب كالفعل المندوب إليه فكيف رجحتم ما ذهبتم إليه على ما ذهبنا نحن قلنا الترجيح لقولنا ظاهر إذ الظاهر من قوله تعالى ﴿عَصى﴾... ﴿فَغَوى﴾ أن الذي دخلته الفاء جزاء على المعصية و أنه كل الجزاء المستحق بالمعصية لأن الظاهر من قول القائل سرق فقطع و قذف فجلد ثمانين أن ذلك جميع الجزاء لا بعضه و كذلك إذا قال القائل من دخل داري فله درهم حملناه على أن الدرهم جميع جزائه و لا يستحق بالدخول سواه و من لم يفعل الواجب استحق الذم و العقاب و حرمان الثواب و من لم يفعل المندوب إليه فهو غير مستحق لشيء كان تركه للندب سببا فيه إلا حرمان الثواب فقط و بينا أن من لم يفعل الواجب ليس كذلك و إذا كان الظاهر يقتضي أن ما دخلته الفاء جميع الجزاء على ذلك السبب لم يلق إلا بما قلناه دون ما ذهبوا إليه و هذا واضح لمن تدبره الوجه الثالث أنه(عليه السلام)تاب و التائب مذنب أما أنه تائب فلقوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ و أما أن التائب مذنب فلأن التائب هو النادم على فعل الذنب و النادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلا للذنب فإن كذب في ذلك الأخبار فهو مذنب بالكذب و إن صدق فيه فهو المطلوب و أجاب عنه السيد رضي الله عنه بأن التوبة عندنا و على أصولها غير موجبة لإسقاط العقاب و إنما يسقط الله تعالى العقاب عندنا تفضيلا و الذي توجبه التوبة هو استحقاق الثواب فقبولها على هذا الوجه هو ضمان الثواب عليها فمعنى قوله ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أنه ضمن ثوابها و لا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم على نبينا و آله و (عليه السلام) صغيرة من هذا الوجه لأنه إذا قيل له كيف تقبل توبته و يغفر له و معصيته في الأصل وقعت مكفرة لا يستحق عليها شيئا من العقاب لم يكن له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه و التوبة قد يحسن أن يقع ممن لم يعهد من نفسه قبيحا على سبيل الانقطاع إلى الله و الرجوع إليه و يكون وجه حسنها في هذا الموضع استحقاق الثواب بها أو كونها لطفا كما يحسن أن يقع ممن يقطع على أنه غير مستحق للعقاب و أن التوبة لا تؤثر في إسقاط شيء يستحقه من العقاب و لهذا جوزوا التوبة من الصغائر و إن لم تكن مؤثرة في إسقاط ذم و لا عقاب انتهى. و يدل على أن التوبة لا توجب إسقاط العقاب كثير من عبارات الأدعية المأثورة ثم إنا لو سلمنا أن التوبة مما يوجب إسقاط العقاب نحمل التوبة هاهنا على المجاز لما عرفت سابقا. الوجه الرابع أنه تعالى سماه ظالما بقوله ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ و هو سمى نفسه ظالما في قوله ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ و الظالم ملعون لقوله ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ و من استحق اللعن فهو صاحب الكبيرة. و أجاب السيد (رحمه الله) بأن معنى قولهما ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ أنا نقصنا أنفسنا و بخسناها ما كنا نستحقه من الثواب بفعل ما أريد منا و حرمنا تلك الفائدة الجليلة من التعظيم و ذلك الثواب و إن لم يكن مستحقا قبل أن يفعل الطاعة التي يستحق بها فهو في حكم المستحق فيجوز أن يوصف من فوته نفسه بأنه ظالم لها كما يوصف بذلك من فوت نفسه المنافع المستحقة و هذا هو معنى قوله تعالى ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ انتهى. و الظلم في الأصل وضع الشيء غير موضعه قال الجوهري و يقال من أشبه أباه فما ظلم و قيل أصل الظلم انتقاص الحق قال الله تعالى ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي لم تنقص و قال الجزري في حديث ابن زمل لزموا الطريق فلم يظلموه. أي لم يعدلوا عنه يقال أخذ في طريق فما ظلم يمينا و شمالا فظهر أن الوصف بالظلم لا يستلزم ما ادعاه المستدل إذ لا شك في أن مخالفة أمره سبحانه وضع للشيء في غير موضعه و موجب لنقص الثواب و عدول عن الطريق المؤدي إلى المراد و أما ما استدل به على أن الظالم ملعون فباطل إذ وقع هذا في موضعين من القرآن أحدهما في الأعراف ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ و ثانيهما في هود و فيها كما ذكر إلا أن آخر الآية فيها هكذا ﴿وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ و على أي حال لا يدل على لعن مطلق الظالمين بل لا يدل على لعن صاحب الكبيرة أيضا من المسلمين على أن اللعن أيضا لا يدل على كون الفعل كبيرة لورود الأخبار بلعن صاحب الصغيرة بل من ارتكب النهي التنزيهي أيضا إذ اللعن الطرد و الإبعاد عن الرحمة و البعد عنها يحصل بترك المندوب و فعل المكروه أيضا لكن لما غلب استعماله في المشركين و الكفار لا يجوز استعماله في صلحاء المؤمنين قطعا و في فساقهم إشكال و الأولى الترك. الوجه الخامس أنه ارتكب المنهي عنه في قوله تعالى ﴿وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ و قوله تعالى ﴿أَ لَمْ أَنْهَكُما﴾ و ارتكاب المنهي عنه كبيرة. و الجواب أن النهي كما يكون للتحريم يكون للتنزيه و لو ثبت أنه حقيقة في التحريم حملناه على المجاز لدلائل العصمة على أن شيوع استعماله في التنزيه يمنع من حمله على المعنى الحقيقي بلا قرينة و أما ما ادعاه من كون ارتكاب المنهي عنه كبيرة مطلقا فلا يخفى فساده. الوجه السادس أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان و إزلاله جزاء على ما أقدم عليه و ذلك يدل على كونه فاعلا للكبيرة و أجيب بأن ما ذكر إنما يكون عقوبة إذا كان على سبيل الاستخفاف و الإهانة و لعله كان على وجه المصلحة بأن يكون الله تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم في الجنة ما لم يتناول من الشجرة فإذا تناول منها تغيرت المصلحة و صار إخراجه عنها و تكليفه في دار غيرها هو المصلحة و كذا القول في سلب اللباس. الوجه السابع أنه لو لا مغفرة الله إياه لكان من الخاسرين لقوله ﴿وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ و ذلك يقتضي كونه صاحب كبيرة و الجواب أن الخسران ضد الربح و لا شك أن من نقص ثوابه فقد خسر فالخسران الذي كان يستعيذ منه هو نقص الثواب على تقدير عدم قبول التوبة. و إنما بسطنا الكلام في هذا المقام و نسينا ما عهدنا من العزم على الاختصار التام لأن شبهات المخالفين في هذا الباب قد تعلقت بقلوب الخاص و العام و عمدة ما تمسكوا به هو خطيئة آدم على نبينا و آله و (عليه السلام) و أيضا ما ذكرنا هاهنا أكثره يجري فيما نسبوا إلى سائر الأنبياء لهم التحية و الإكرام و على نبينا و آله و عليهم صلوات الله الملك العلام.
بحار الأنوار — كتاب النبوة · ارتكاب ترك الأولى و معناه و كيفيته و كيفية قبول توبته و الكلمات التي تلقاها من ربه