الأقسامبحار الأنواركتاب النبوة
بحار الأنوار

في تفسير العياشي: عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ﴿‏فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما‏﴾ قَالَ هُوَ آدَمُ وَ حَوَّاءُ إِنَّهُ كَانَ شِرْكُهُمَا شِرْكَ طَاعَةٍ وَ لَيْسَ شِرْكَ عِبَادَةٍ. وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَ لَمْ يَكُنْ شِرْكَ عِبَادَةٍ. تحقيق مقام لرفع إبهام اعلم أن الخبر الأول لعله صدر على وجه التقية لاشتهار تلك القصة بين المخالفين و كذا الخبر الثاني و الرابع و إن أمكن توجيههما بوجه و الخبر الثالث هو المعول عليه و اختاره أكثر المفسرين من الفريقين. قال الرازي المروي عن ابن عباس ﴿‏هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ‏﴾ و هي نفس آدم ﴿‏وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها‏﴾ أي حواء خلقها الله من ضلع آدم من غير أذى ﴿‏فَلَمَّا تَغَشَّاها‏﴾ آدم ﴿‏حَمَلَتْ حَمْلًا‏﴾ ﴿‏فَلَمَّا أَثْقَلَتْ‏﴾ أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل و قال ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلبا أو بهيمة و ما يدريك من أين يخرج أ من دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك فخافت حواء و ذكرت ذلك لآدم(عليه السلام)فلم يزالا من هم من ذلك ثم أتاها و قال إن سألت الله أن يجعله صالحا سويا مثلك و يسهل خروجه من بطنك و تسميه عبد الحارث و كان إبليس في الملائكة الحارث فذلك قوله ﴿‏فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما‏﴾ أي لما آتاهما الله ولدا سويا صالحا جعلا له شريكا أي جعل آدم و حواء له شريكا و المراد به عبد الحارث هذا تمام القصة و اعلم أن هذا التأويل فاسد و يدل عليه وجوه. الأول أنه تعالى قال ﴿‏فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏﴾ و ذلك يدل على أن الذين أتوا بالشرك جماعة. الثاني أنه تعالى قال بعده ﴿‏أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ‏﴾ و هذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى و ما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر. الثالث لو كان المراد إبليس لقال أ تشركون من لا يخلق شيئا و لم يقل ما لا يخلق شيئا لأن العاقل إنما يذكر بصيغة من. الرابع أن آدم(عليه السلام)كان من أشد الناس معرفة بإبليس و كان عالما بجميع الأسماء كما قال تعالى ﴿‏وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها‏﴾ فكان لا بد و أن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث فمع العداوة الشديدة التي بينه و بين آدم و مع علمه بأن اسمه هو الحارث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحارث و كيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم. الخامس أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير و الصلاح فجاء إنسان و دعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره و أنكر عليه أشد الإنكار فآدم(عليه السلام)مع نبوته و علمه الكثير الذي حصل من قوله ﴿‏وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها‏﴾ و تجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس كيف لم يتنبه لهذا الغدر و كيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها. السادس أن بتقدير أن آدم(عليه السلام)سماه بعبد الحارث فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له أو جعله صفة له بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحارث و مخلوق من قبله فإن كان الأول لم يكن هذا شركا بالله لأن أسماء الأعلام و الألقاب لا يفيد في المسميات فائدة فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك و إن كان الثاني كان هذا قولا بأن آدم(عليه السلام)اعتقد أن لله شريكا في الخلق و الإيجاد و التكوين و ذلك يوجب الجزم بتكفير آدم(عليه السلام)و ذلك لا يقوله عاقل فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد و يجب على المسلم العاقل أن لا يلتفت إليه. إذا عرفت هذا فنقول في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد. التأويل الأول ما ذكره القفال فقال إنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل و بيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم و قولهم بالشرك و تقدير هذا الكلام كأنه تعالى يقول هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة و جعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية فلما تغشى الزوج الزوجة و ظهر الحمل دعا الزوج و الزوجة أنهما إن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لآلائك و نعمائك فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا جعل الزوج و الزوجة لله شركاء فيما آتاهما لأنهم تارة ينسبون هذا الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين و تارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين و تارة إلى الأصنام و الأوثان كما هو قول عبدة الأصنام ثم قال ﴿‏فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏﴾ أي تبرأ الله عن ذلك الشرك و هذا جواب في غاية الصحة و السداد. التأويل الثاني أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله و هم القصي و المراد من قوله هو الذي خلقكم من نفس قصي و جعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طالبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف و عبد العزى و عبد قصي و عبد اللات و جعل الضمير في يشركون لهما و لأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك. التأويل الثالث أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم(عليه السلام)و على هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه. الأول أن المشركين كانوا يقولون إن آدم(عليه السلام)كان يعبد الأصنام و يرجع في طلب الخير و الشر إليها فذكر تعالى قصة آدم و حواء و حكى عنهما أنهما قالا ﴿‏لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏﴾ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدا صالحا سويا لاشتغلوا بشكر تلك النعمة ثم قال ﴿‏فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ‏﴾ فقوله ﴿‏جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ‏﴾ ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار و التبعيد و التقدير فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ثم قال ﴿‏فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏﴾ أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك و ينسبونه إلى آدم(عليه السلام)و نظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقال لذلك المنعم أن ذلك المنعم عليه يقصد إساءتك و إيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم فعلت في حق فلان كذا و أحسنت إليه بكذا و كذا ثم إنه يقابلني بالشر و الإساءة على سبيل النفي و التبعيد فكذا هاهنا. الوجه الثاني في الجواب أن نقول إن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم و حواء و لا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله ﴿‏فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما‏﴾ فنقول التقدير فلما آتاهما ولدا صالحا سويا جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه و كذا فيما آتاهما أولادهما و نظيره قوله ﴿‏وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ‏﴾ أي و اسأل أهل القرية. فإن قيل فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله ﴿‏جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ‏﴾ قلنا لأن ولده قسمان ذكر و أنثى فقوله جعلا المراد الذكر و الأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين و نوعين و مرة عبر عنهم بلفظ الجمع و هو قوله ﴿‏فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏﴾ الوجه الثالث في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله ﴿‏جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما‏﴾ عائد إلى آدم و حواء إلا أنه تعالى لما آتاهما ذلك الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفا على خدمة الله و طاعته و عبوديته على الإطلاق ثم بدا لهما في ذلك فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا و منافعها و تارة كانوا يأمرونه بخدمة الله و طاعته و هذا العمل و إن كان منا قربة و طاعة إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلهذا قال الله تعالى ﴿‏فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏﴾ و المراد من هذه الآية ما نقل عنه(عليه السلام)أنه قال حاكيا عن الله سبحانه أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته و شركته و على هذا التقدير فالإشكال زائل. الوجه الرابع في التأويل أن نقول سلمنا صحة تلك القصة المذكورة إلا أنا نقول أنهم سموا بعبد الحارث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة و المرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحارث و قد سمي المنعم عليه عبيدا للمنعم يقال في المثل أنا عبد من تعلمت منه حرفا فآدم و حواء سميا ذلك الولد تنبيها على أنه إنما سلم عن الآفات ببركة دعائه و هذا لا يقدح في كونه عبدا لله من جهة أنه مملوكه و مخلوقه إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم(عليه السلام)معاتبا في هذا العمل انتهى. و قد ذكر الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في تفسيره و السيد المرتضى (قدس الله روحه) في كتاب الغرر و الدرر و كتاب تنزيه الأنبياء وجوها أخر و فيما ذكرناه كفاية.

بحار الأنوار — كتاب النبوة · تأويل قوله تعالى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.