في تفسير الإمام (عليه السلام): أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَ قَالَ احْذَرُوا أَنْ يَنَالَكُمْ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَ خِلَافِ كِتَابِ اللَّهِ مَا أَصَابَ أَوَائِلَكُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ وَ أُمِرُوا بِأَنْ يَقُولُوهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً عَذَاباً مِنَ السَّماءِ طَاعُوناً نَزَلَ بِهِمْ فَمَاتَ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفاً ثُمَّ أَخَذَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَاتَ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفاً أَيْضاً وَ كَانَ خِلَافُهُمْ أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْ بَلَغُوا الْبَابَ رَأَوْا بَاباً مُرْتَفِعاً فَقَالُوا مَا بَالُنَا نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَرْكَعَ عِنْدَ الدُّخُولِ هَاهُنَا ظَنَنَّا أَنَّهُ بَابٌ مُنْحَطٌّ لَا بُدَّ مِنَ الرُّكُوعِ فِيهِ وَ هَذَا بَابٌ مُرْتَفِعٌ إِلَى مَتَى يَسْخَرُ بِنَا هَؤُلَاءِ يَعْنُونَ مُوسَى وَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَ يُسْجِدُونَنَا فِي الْأَبَاطِيلِ وَ جَعَلُوا أَسْتَاهَهُمْ نَحْوَ الْبَابِ وَ قَالُوا بَدَلَ قَوْلِهِمْ حِطَّةٌ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ حطا سمقانا يَعْنُونَ حِنْطَةً حَمْرَاءَ فَذَلِكَ تَبْدِيلُهُمْ. تتميم قال الثعلبي إن الله عز و جل وعد موسى (عليه السلام) أن يورثه و قومه الأرض المقدسة و هي الشام و كان يسكنها الكنعانيون الجبارون و هم العمالقة من ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وعد الله موسى أن يهلكهم و يجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله بالسير إلى أريحا أرض الشام و هي الأرض المقدسة و قال يا موسى إني قد كتبتها لكم دارا و قرارا فاخرج إليها و جاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم و خذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا ليكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به فاختار موسى النقباء من كل سبط نقيبا و أمره عليهم فسار موسى (عليه السلام) ببني إسرائيل قاصدين أريحا فبعث هؤلاء النقباء إليها يتجسسون له الأخبار و يعلمون علمها و حال أهلها فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عوج بن عناق قال ابن عمر كان طول عوج ثلاثة و عشرين ألف ذراع و ثلاثمائة و ثلاث و ثلاثين ذراعا و ثلث ذراع بذراع الملك و كان عوج يحتجر بالسحاب و يشرب و يتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. - و يروى أنه أتى نوحا (عليه السلام) أيام الطوفان فقال له احملني معك في سفينتك فقال له اذهب يا عدو الله فإني لم أومر بك. و طبق الماء ما على الأرض من جبل و ما جاوز ركبتي عوج و عاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى (عليه السلام) و كان لموسى (عليه السلام) عسكر فرسخ في فرسخ فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم أتى الجبل و قور منه صخرة على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى إليه الهدهد و معه المسن يعني بمنقاره حتى قور الصخرة فانتقبت فوقعت في عنق عوج فطوقته فصرعته فأقبل موسى (عليه السلام) و طوله عشرة أذرع و طول عصاه عشرة أذرع و نزا في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه و هو مصروع بالأرض فقتله قالوا فأقبلت جماعة كثيرة و معهم الخناجر فجهدوا حتى جزوا رأسه فلما قتل وقع على نيل مصر فجسرهم سنة قالوا و كانت أمه عنق و يقال عناق إحدى بنات آدم (عليه السلام) من صلبه فلما لقيهم عوج و على رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر و جعلهم في حجزته و انطلق بهم إلى امرأته و قال انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا فطرحهم بين يديها و قال أ لا أطحنهم برجلي فقالت امرأته لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك فجعلوا يتعرفون أحوالهم و كان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بالخشب و يدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة فلما خرجوا قال بعضهم لبعض يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم شكوا و ارتدوا عن نبي الله و لكن اكتموا شأنهم و أخبروا موسى و هارون فيريان فيه رأيهما فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم انصرفوا إلى موسى (عليه السلام) بعد أربعين يوما و جاءوا بحبة من عنبهم وقر رجل و أخبروا بما رأوا ثم إنهم نكثوا العهد و جعل كل واحد منهم ينهى سبطه و قريبه عن قتالهم و يخبرهم بما رأوا من حالهم إلا رجلان منهم وفيا بما قالا يوشع بن نون و كالب بن يوفنا ختن موسى (عليه السلام) على أخته مريم فلما سمع القوم ذلك من الجواسيس رفعوا أصواتهم بالبكاء و قالوا يا ليتنا متنا في أرض مصر و ليتنا نموت في هذه البرية و لا يدخلنا الله القرية فتكون نساؤنا و أولادنا و أثقالنا غنيمة لهم و جعل الرجل يقول لأصحابه تعالوا نجعل علينا رأسا و ننصرف إلى مصر فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ قال قتادة كانت لهم أجسام طويلة و خلقة عجيبة ليست لغيرهم ﴿وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ﴾ فقال لهم موسى ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾فإن الله عز و جل سيفتحها عليكم و إن الذي أنجاكم و فلق البحر هو الذي يظهركم عليهم فلم يقبلوا و ردوا عليه أمره و هموا بالانصراف إلى مصر فخرق يوشع و كالب ثيابهما و هما اللذان أخبر الله عز و جل عنهما في قوله ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالتوفيق و العصمة ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ يعني قرية الجبارين ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ لأن الله عز و جل منجز وعده و إنا رأيناهم و خبرناهم فكانت أجسامهم قوية و قلوبهم ضعيفة فلا تخشوهم ﴿وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة و عصرهما و قالوا ﴿يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ فغضب موسى و دعا عليهم فقال ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي فاقض و افصل بيننا و بين القوم العاصين و كانت عجلة عجلها موسى (عليه السلام) فظهر الغمام على باب قبة الزمر فأوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) إلى متى يعصيني هذا الشعب و إلى متى لا يصدقون بالآيات لأهلكنهم جميعا و لأجعلن لك شعبا أقوى و أكثر منهم. فقال موسى إلهي لو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا إنما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدسة فقتلهم في البرية و إنك طويل صبرك كثيرة نعمتك و أنت تغفر الذنوب و تحفظ الآباء على الأبناء و الأبناء على الآباء فاغفر لهم و لا توبقهم فقال الله عز و جل قد غفرت لهم بكلمتك و لكن بعد ما سميتهم فاسقين و دعوت عليهم بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع و كالب و لأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة و كانت أربعين يوما و لنلقين جيفهم في هذه القفار و أما بنوهم الذين لم يعلموا الخير و الشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة فذلك قوله تعالى ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ في ستة فراسخ و كانوا ستمائة ألف مقاتل فكانوا يسيرون كل يوم جادين حتى إذا أمسوا و باتوا فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا منه و مات النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر بغتة و كل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع و كالب و لم يدخل أريحا أحد ممن قالوا ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً﴾ فلما هلكوا و انقضت الأربعون السنة و نشأت النواشي من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين و فتح الله لهم.
بحار الأنوار — كتاب النبوة · خروجه (عليه السلام) من الماء مع بني إسرائيل و أحوال التيه