الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ نبينا (ص)
بحار الأنوار

الحرم و أنشأت تقول. يا أيها الناعون أفضل من مشى. الفاضل بن الفاضل بن الفاضل. أسد الثرى ما زال يحمي أهله. من ظالم أو معتد بالباطل. ماضي العزيمة أروع ذي همة. عليا وجود كالسحاب الهاطل. زين العشيرة كلها و عمادها. عند الهزاهز طاعن بالذابل.إن السميدع قد مضىفي بلدة. بالشام بين صحاصح و جنادل. قال فلما فرغت من شعرها أتت إليهم بنته الشعثاء فحثت التراب على وجههم و قالت بئس العشيرة أنتم ضيعوا سيدهم و أسلموا عمادهم أ ما كان هاشم مشفقا عليكم إذا نزل به الموت أن تحملوه إلى بلده و عشيرته حتى نشاهده و أنشأت بعد ذلك تقول. يا عين جودي و سحيدمعك الهطلا. على كريم ثوى في الشام ثم خلا. زين الورى ذاك الذي سن القرى. كرما و لم ير في يديه مذ نشأ بخلا. قال فلما فرغت من شعرها أقبلت ابنة الطليعة حليلة هاشم تقول. ألا يا أيها الركب الذين تركتموا. كريمكم بالشام رهن مقام. أ لم تعرفوا ما قدره و فخاره. ألا إنكم أولي الورى بملام. أيا عبرتي سحي عليه فقد مضى. أخو الجود و الأضياف تحت رخام. قال و كان آخر من رثاه من بناته رقية فإنها جعلت تندب و تقول. عين جودي بالبكاء و العويل. لأخ الفضل و السخاء الفضيل. طيب الأصل في العزيمة ماض. سمهريفي النائبات أصيل. قال فبكى القوم عند ذلك و فكوا كتابه و قرءوه فجددوا حزنهم ثم قدموا أخاه المطلب و سودوه عليهم فقال إن أخي عبد شمس أكبر مني و أحق بهذا الأمر فقال عبد شمس و ايم الله إنك خليفة أخي هاشم قال فرضوا أهل مكة بذلك و سلموا لهلواء نزار و مفاتيح الكعبة و السقاية و الرفادة و دار الندوة و قوس إسماعيل(عليه السلام)و نعل شيث(عليه السلام)و قميص إبراهيم(عليه السلام)و خاتم نوح(عليه السلام)و ما كان في أيديهم من مكارم الأنبياء و أقام المطلب أيامافلما اشتد بسلمى الحمل و جاءها المخاض و هي لا تجد ألما إذ سمعت هاتفا يقول. يا زينة النساء من بني النجار. بالله اسدلي عليه بالأستار. و احجبيه عن أعين النظار. كي تسعدي في جملة الأقطار. قال فلما سمعت شعر الهاتف أغلقت بابها و أسدلت سترها و كتمت أمرها فبينما هي تعالج نفسها إذ نظرت إلى حجاب من نور قد ضرب عليها من البيت إلى عنان السماء و حبس الله عنها الشيطان الرجيم فولدت شيبة الحمد و قامت و تولت أمرهاو لما وضعته سطع منهنور شعشعاني و كان ذلك النور نور رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فضحك و تبسمفتعجبت أمه من ذلك ثم نظرت إليه فإذا هي بشعرة بيضاء تلوح في رأسه فقالت نعم أنت شيبة كما سميت ثم إن سلمى درجته في ثوب من صوف و قمطته و هيأته و لم تعلم به أحدا من قومها حتى مضت له أيام و صارت تلاعبه و يهش إليها فلما كمل له شهر علم الناس فأقبلت القوابل إليها فوجدوها تلاعبهفلما صار له شهران مشى و لم يكن على اليهود أشد منهو أكثر ضررا و كانوا إذا نظروا إليه امتلئوا غيظا و خنقالما يعلمون بما سيظهر منه من تدميرهم و خراب أوطانهم و ديارهم و قطع آثارهمو كانت أمه إذا ركبت ركب معها أبطال الأوس و الخزرج و كانت مطاعة بينهمو كان إذا خرج يلعب يقفونالناس من حوله يفرحون به أولادهمو كانت أمه لا تأمن عليه أحدا فلما تم له سبع سنين اشتد حبله و قوي بأسه و تبين للناس فضله و كان يحمل الشيء الثقيل و يأخذ الصبي و يصرعه فلم يشكوه إلى أمه و كان يهشم عظامهم. قال أبو الحسن البكري بلغنا أن رجلا من بني الحارث دخل يثرب في حاجةفإذا هو بابن هاشم يلعب مع الصبيان قد غمرهم بنوره فوقف الرجل ينظرإلى الصبي و هو يقول ما أسعد من أنت في ديارهم ساكن و كان يلعب و هو يقول أنا ابن زمزم و الصفا أنا ابن هاشم و كفى قال فناداه الرجل يا فتى فأجاب و قال ما تريد يا عم قال ما اسمك قال شيبة بن هاشم بن عبد مناف مات أبي و جفوني عمومتي و بقيت مع أمي و أخوالي فمن أين أقبلت يا عم قال من مكة قال و هل أنت متحمل لي رسالةو متقلد لي أمانة قال الحارث و حق أبي و أبيك إني فاعل ما تأمرني به قال يا عم إذا رجعت إلى بلدك سالما و رأيت بني عبد مناف فأقرئهم مني السلام و قل لهم إن معي رسالة غلام يتيم مات أبوه و جفوه عمومته يا بني عبد مناف ما أسرع ما نسيتم وصية هاشم و ضيعتم نسله و إذا هبت الريح تحمل روائحكم إلي قال فبكى الرجل و استوى على مطيته و أرسل زمامهاحتى قدم مكة فلم يكن له همة إلا رسالة الغلام ثم أتى مجلس بني عبد مناف فوجدهم جلوسا فأنعمهم صباحا و قال يا أهل الفضل و الأشراف يا بني عبد مناف أراكم قد غفلتم عن عزكم و تركتم مصباحكم يستضيء به غيركم قالوا و ما ذلك فأخبرهم بوصية ابن أخيهم فقالوا و ايم الله ما ظننا أنه صار إلى هذا الأمر فقال لهم الحارث و إنهليعجز الفصحاء عن فصاحته و يعجز اللبيب عن خطابهو إنه لفصيح اللسان جري الجنان يتحير في كلامه اللبيب فائق على العلماء عاقل أديب إلى عقله الكفاية و إلى جماله النهاية فقال عمه المطلب بن عبد مناف شعرا. أقسمت بالسلف الماضين من مضر. و هاشم الفاضل المشهور في الأمم. لأمضين إليه الآن مجتهدا. و أقطعن إليه البيد في الظلم. السيد الماجد المشهور من مضر. نور الأنام و أهل البيت و الحرم. قال و كان المطلب أشد أهل زمانه بأسا في الشجاعة فقال له إخوته نخشى عليك إن علمت أمه لم تدعه يخرج معكلأنها شرطت على أخيك ذلك فقال يا قوم إن لي في ذلك أمرا أدبره ثم إنه تهيأ للخروج و أفرغ على نفسه لأمةحربه و ركب مطيته و خرج و قد أخفى نفسه خوفا أن يشعر به أحد فيخبر سلمى ثم أقبل يجد السير حتى أقبلعلى مدينة يثرب و قد ضيق لثامه و دخل المدينة فوجد شيبة يلعب فعرفه بالنور الذي أودعه الله فيه و هو قد رفع صخرة عظيمة و قال أنا ابن هاشم المعروف بالعظائم فلما سمع كلامه عمه أناخ مطيته و ناداه ادن مني يا ابن أخي فأسرع إليه شيبة فقال له من أنت يا هذا فقد مال قلبي إليك و أظنك أحد عمومتي فقال له أنا عمك المطلب و أسبل عبرتهو جعل يقبله و قال يا ابن أخي أحب أن تمضي معي إلى بلد أبيك و عمومتك و تكون في دار عزك فقال نعم فركب المطلب و ركب شيبة معه و سارا فقال له شيبة يا عم أسرع بنا لأني أخشى أن يعلموابنا أمي و عشيرتها فيلحقوا بنافيأخذوني قهرا أ ما علمت أنه يركب لركوبها أبطال الأوس و الخزرج فقال له يا ابن أخي في الله الكفايةثم سارا و ركبا الجادة الكبرى حتى أدركهم المساء بذي الحليفة فنزلا و سقيا مطيتهما ثم إن المطلب ركب مطيةو أخذ ابن أخيه شيبة قدامه و أرسل زمامها و سارا فبينما هما كذلك إذ سمعا صهيل الخيل و قعقعةاللجم و همهمة الرجال في جوف الليل فقال المطلب يا ابن أخي دهيناو رب الكعبة فما نصنع قال شيبة أ لم أقل لك إن القوم يلحقون بنا فانحرف بنا عن الجادة إلى الطريق السفلى قال المطلب و كيف يخفى أمرنا عليهم و نورك يدل علينا قال استر وجهيفعسى أن يخفى أمرنا عليهم قال فأخذ المطلب ثوبا و طواه ثلاث طيات و ستر به وجهه و إذا بالنور علا من وجهه كما كان فقال يا ابن أخي إن لك شأنا عظيما عند الله فإن الذي أعطاك هذا النور يصرف عناكل محذور قال فبينا هو يخاطب ابن أخيه إذ أدركتهما الخيل و كانوا من اليهود فلما رأوا شيبة علموا أنه هو الذي يخرج من ذريته من يسومهم سوء العذاب و يكون خراب ديارهم على يديه و قد بلغهمفي ذلك اليوم أن شيبة قد خرج هو و عمه و لا ثالث لهما فأدركهم الطمع في قتله فخرجوا و خرج معهم سيدمن سادات اليهود يقال له دحية و كان له ولد يقال له لاطية فخرج يوما يلعب مع الصبيان فأخذ شيبة عظم بعير و ضرب به ابن دحية فهشم رأسه و شجه شجة موضحةو قال له يا ابن اليهودية قد قرب أجلكو دنا خراب دياركم فبلغ الخبر إلى أبيه دحية فامتلأ غيظا فلما علم أنه قد خرج مع عمه نادى يا معاشر اليهود هذا الغلام الذي تخشونه قد خرج مع عمه و ما لهما ثالث فأسرعوا إليه و اقتلوه فخرجوا و كان عددهم سبعين فارسا فلحقوا بشيبة و عمه فقال لعمه شيبة يا عم أنزلني حتى أراك قدرة الله تعالى فأنزله عمه فقصده القومفجثا على الطريق و جعل يمرغ وجهه في التراب و يدعو و يقول في دعائه يا رب الظلام الغامر و الفلك الدائريا رب السبع الطباق يا مقسم الأرزاق أسألك بحق الشفيع المشفع و النور المستودع أن ترد عنا كيد أعدائنا فما استتم دعاؤه حتى كادت الخيل تهجم عليهم فوقفت الخيل فقال ابن دحية لاطية يا ابن هاشماصرف عنا هذا الخطاب و كثرة الجواب فنحن لا نشك فيك يا ابن عبد مناف فأنتم الساداتاعلموا أنا ما خرجنا طالبين كيدكم و لكن خرجنا كي نردك إلى أمك فلقد كنت مصباح بلدتنا فقال شيبة أراكم تنظرون إلي بعين مغضب فكيف تكون في قلوبكم المحبة لي لكن لما رأيتم قدرة الله تعالى قلتم هذا الكلام و تركهم و سار إلى عمه فقال له المطلب يا ابن أخي إن لك عند الله شأنا ثم جعل يقبله و سارا و سار القوم راجعين قال لهم لاطية أ لم تعلموا أن هؤلاء معدن السحر قالوا بلى قال يا بني إسرائيل يا أمة الكليم قد سحركم هذا الغلام و عمه فدعونا نترجل فاتبعوهم من ورائهم شاهرين سيوفهم و قصدوا شيبة فلما قربوا قال المطلب الآن قد حققت الحقائقو أخذ المطلب قوسه و جعل فيه سهما و رمىبها اليهود فقتل بها عبد لاطية فأتاه سيده و قد مات و قد أخذ أخرى و رمى بها فأصابت رجلا آخر فقتله فصاحوا بأجمعهم و هموا بالرجوع فقال لهم لاطية عار عليكم الرجوع عن اثنين فإلى متى يصيبون منا بنبلهم فلا بد أن يفرغ نبلهم و نقتلهم و لم يكنفي القوم أشجع منه و كان من يهود خيبر فعند ذلك حملوا عليهما حملة رجل واحد و جاء لاطية إلى المطلب و قال قف لي أكلمك بما فيه المصلحة و نرجععنكم قال شيبة يا عم إن القوم قد عزموا علينا فقال المطلب يا معاشر اليهود ليس فيكم شفيق و لا حبيب و المقام له بين عمومته خير له فانصرفوا راجعين فقال لهم لاطية كيف يرجع هذا الجمع خائبا و نحن قد خرجنا و مرادنا أن نرده إلى أمه فقال لهم المطلب أنتم قوم ظالمونلقد أكثرتم الكلام و أطلتم الملام ثم قال المطلب إنما غرضي أن تمضي إلى عمومتك فإن كنت تعرف من القوم الصدق فارجع معهم حتى تكبر و تبلغ مبالغ الرجال ثم تعود إلى بلد عمومتك قال يا عم لا يغرنك كلامهم إنهم أعداؤنا قال عمه صدقت قال ثم إن المطلب قال لهم يا حزب الشيطان بنا تمكرون و علينا تحتالون إنما ساقكم إلينا آجالكم فمن شاءمنكم أن يبرز إلى القتال فليبرز فلما سمعوا كلام المطلب قال لهم لاطية أ ما تعلمون أن هذا فارس بني عبد مناف الذي يفرق العرب من يبرز إليه فلهعندي مائة نخلة حاملة ليس فيها ذكر فقال له رجل يقال له جميع من بني قريظة و كان للاطية عليه دين أنا أبرز إليه و اترك دينك عني قال نعم و لك مثله فاشهدوا يا من حضر ثم خرج جميع إلى المطلب و هو لا يعلم به حتى قرب منه فقال له المطلب لا أشك أنه قد ساقك قصر أجلك ثم ضربه بالسيف فقال خذها و أنا المطلب بن عبد مناف فمات من ساعته فأقبل اليهود و أحاطوا به فلما رأى لاطية ما حل بأصحابه غضب غضبا شديدا و قال من يبرز إليه فلهعندي ما يريد فقال له غلاب ما لهذا البطل إلا بطل مثله ابرز إليه أنت قال نعم أنا أبرز إليه و جرد سيفه و دنا من المطلب فتقاتلا من أول النهار حتى مضى من الليل أكثرهو اليهود فرحون إذ برز لاطية للمطلب هذا و عينا شيبة يهملان دموعا خوفا على عمه المطلب فبينا هم كذلك و إذا بغبرة قد ثارت كأنهاالليل المظلمو قد سدت الأفق و إذا بصهيل الخيل و قعقعة اللجم و اصطفاق الأسنة و إذا هم أربعمائة و هم فرسان الأوس و الخزرج و قد أقبلوا من المدينة مع سلمى و أبيها فلما نظرت إلى اليهود مجتمعين على حرب المطلب صاحت بهم صيحة عظيمة و قالت يا ويلكم ما هذا الفعال فهم لاطية بالهزيمة فقال له المطلب إلى أين يا عدو الله الفرارمن الموت ثم ضربه بالسيف على عاتقه فقسمه نصفين و عجل الله بروحه إلى النار و بئس القرار و جالت الفرسان على اليهود فما كان إلا قليلا حتى بادجميع اليهود فعند ذلك عطفوا على المطلب و السيف مشهور في يده و قد دفع القوس إلى ابن أخيه فلما جالت الكتائب خافت سلمى على ولدها فأومأت إلى القوم و كانت مطاعة فيهم فأمسكوا عن القتال فتقدمت سلمى إلى المطلب و نادته و قالت من الهاجم على مرابط الأسد و الخاطف من اللبوة شبلها قال المطلب هو من يزيده شرفا على شرفه و عزا إلى عزه و هو أشفق عليه منكم و أنا أرجو أن يكون صاحب الحرم و المتولي على الأمم و أنا عمه المطلب فلما سمعت كلامه قالت مرحباو أهلا و سهلا و لم لا تستأذني في حملك ولدنا من بلدنا و أنا قد شرطت على أبيه إن رزقت منه ولدا يكون عندي و لا يفارقني فقال لها المطلب كان ذلك ثم أقبلت على ولدها و قالت يا ولدي خرجت مع عمك و تركتني و الآن إن أردت أن ترجع معي فارجع و إن اخترت عمك فامض راشدا فلما سمع كلام أمه أطرق إلى الأرض فقالت له أمه يا بني لم تسكت و أنت طلق اللسان جريء الجنان فو حق أبيك إني لا أمنعك عن شهوتك و إن عز علي فراقك يا ولدي فرفع رأسه و قد سبقته العبرة فقال يا أماه أخشى مخالفتك لأنه محرم علي عصياني لك و لكن أحب مجاورة بيت ربي و أنظر إلى عمومتي و عشيرتي فإن أمرتني بالمسير سرت و إلا رجعت فعند ذلك بكت و قالت له إذا كان كذلك فقد سمحت لك برضى مني و قد كنت مستأنسة بغرتكفلا تنسني و لا تقطع أخبارك عني ثم قبلته و ودعته و قالت يا ابن عبد مناف قد سلمت إليك الوديعة التي استودعنيها أخوك هاشم بالعهد و الميثاق فاحتفظ بها فإذا بلغ ولدي مبالغ الرجال و لم أكن حاضرة فانظروا بمن تزوجونه فقال لها المطلب تكرمت بما فعلت و أجملت فيما وصفتو نحن لا ننسى حقك ما حيينا ثم عطف عليها يودعها فقالت سلمى خذوا من هذا الثياب و الخيل ما تريدون فشكرها المطلب و أردف ابن أخيه و سارا حتى قربا من مكة فأضاءت شعابهاو أنارت الكعبة فأقبلت الناس ينظرون إليه و إذا هم بالمطلب يحمل ابن أخيه فسألوه عنه و قالوا من هذا يا ابن عبد مناف الذي قد أضاءت به البلاد فقال لهم المطلب هذا عبد لي فقالوا ما أجمل هذا العبد فسموه الناس من ذلك عبد المطلب و أقبل إلى منزله و كتم أمره و قد عجب الناس منه و من نوره و هم لا يعلمون أنه جد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم إنه ظهرت لهآيات و معجزات و مناقب و دلالات تدل على النبوة. و قال أبو الحسن البكري حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما قدم المطلب و شيبة إلى الحرم و كان بين عينيه نور رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت قريش تتبرك به فإذا أصابتهم مصيبة أو نزلت بهم نازلة أو دهمهم طارقأو نزل بهم قحط توسلوا بنور رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيكشف الله عنهم ما نزل بهم قال و كان أعجب نازلة نزلت بهم و أعجب آية ظهرت لهم ما جرى من أصحاب الفيل و هو أبرهة بن الصباح و كان ملك اليمن و قيل ملك الحبشةالذي ذكره الله في كتابه العزيز و كان قد أشرف منه أهل مكة على الهلاك و قد حلف أنه يقطع آثارهم و يهدم الكعبة و يرمي بأحجارها في بحر جدة و يحفر أساسها فكشفه الله عن البيت و أهله ببركة عبد المطلب جد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال صاحب الحديث فأما ما اجتمعت عليه الروايات و أصحاب الحديث أنه نزلت جماعة من أهل مكة بأرض الحبشة في تجارة فدخلوا في كنيسة من كنائس النصارى و أوقدوا بها نارا يصطلون عليها و يصلحون بها طعاما لهم و رحلوا لم يطفئوها فهبت ريح فأحرقت جميع ما في الكنيسة فلما دخلوا قالوا من فعل هذا قالوا كانبها تجار من عرب مكة فأخبروا بذلك النجاشي و كان ملك اليمن أو ملك الحبشة و الله أعلم قال ما أحرق معبدنا إلا العرب فغضب لذلك غضبا شديدا و قال لأحرقن معبدهم كما أحرقوا معبدنا فأرسل وزيره أبرهة بن الصباح و أرسل معه أربعمائة فيل و أرسل معه مائة ألف مقاتل و قال له امض إلى كعبتهم و انقضها حجرا حجرا و ارمها في بحر جدة و اقتل رجالهم و انهب أموالهم و ذراريهم و لا تترك لهم رجالا قال فأمر المنادي ينادي في الجيوش بالمسير إلى مكة و اجتمعوا من كل جانب و مكان و أعدوا ما يصلح للسفر من الزاد و الماء و العدد و السلاح و الدواب و أمرهم بالمسير قال فسار القوم و جعل في مقدمة الجيوش رجلا من أخيار دولته يقال له الأسود بن مقصودو أمره بالمسير أمامه و معه عشرون ألف فارس و قال امض بمن معك و انزل على الكعبة و خذ رجالها و نساءها و لا تقتل منهم أحدا حتى آتيك فإني أريد أن أعذبهم عذابا شديدا لم يعذب به أحد من العالمين قال فسار بجيشه سيرا عنيفا يقطع الفيافي و القفار و يجوز السهل و الوعار و لم يقروا و لم يهدءواحتى نزلوا ببطن مكة فلما سمع أهل مكة أنه قد نزل بهم صاحب الفيل جمعوا أموالهم و أهليهم و دوابهم و هموا بالخروج من مكة هاربين من أصحاب الفيل فلما نظر إليهم عبد المطلب قال لهم يا قوم أ يجمل منكمهذا الأمر و إنه لعار عليكم خروجكم عن كعبتكم قالوا له إن الملك أقسم بمعبوده أن لا بد له من ذلك أن يهدم الكعبة و يرمي أحجارها في البحر و يذبح أطفالها و يرمل نساءها و يقتل رجالها فاتركنا نخرج قبل أن يحل بنا الويل فقال لهم عبد المطلب إن الكعبة لا يصلون إليها لأن لها مانعا يمنعهم عنها و صادا يصدهم عنها فإن أنتم التجأتم إليها و اعتصمتم بها فهو خير لكم فلم تطمئن القلوبإلى كلامه و غلب عليهم الخوف و الجزع و خرجوا هاربين يطلبون الشعاب و منهم من طلب الجبال و منهم من ركب البحر قال فعند ذلك قالوا لعبد المطلب ما يمنعك أن تهرب مع الناس قال أستحيي من الله أن أهرب عن بيته و حرمه فو الله لا برحت من مكاني و لا نأيتعن بيت ربي حتى يحكم الله بما يشاء قال و لم يبق يومئذ بمكة إلا عبد المطلب و أقاربه و هم غير آمنين على أنفسهم فلما نظر عبد المطلب إلى الكعبة خالية و ديارها خاوية قال اللهم أنت أنيس المستوحشين و لا وحشة معك فالبيت بيتك و الحرم حرمك و الدار دارك و نحن جيرانك تمنع عنه ما تشاءو رب الدار أولى بالدار قال و أقام الأسود بن مقصود بجيشه حتى ورد عليه أبرهة بن الصباح و معه بقية الجيش و هم أربعمائة فيلفكدر المياه و حطم المراعي و سد المسالك و الفجاجو حطموا الأرض فأضر بهم العطش و الجوع لكثرتهم فشكوا ذلك إلى أبرهة فقال لهم سيروا إلى مكة مسرعين فنزلوا بالأبطحو ساقوا جميع المواشي و كانت لعبد المطلب ثمانون ناقة حمراء فأخذها القوم و تقاسموهاو سبق بعض الرعاة فأخبر عبد المطلب بذلك فقال الحمد لله هي مال الله و ضيافة لأهل بيته و زواره و حجاجه فإن سلمهافهي له و إن ردها إلينا فهي إحسانه و هي عارية عندنا ثم إن عبد المطلب لبس قميصه و تردى برداء لوي و تحزمبمنطقة الخليل(عليه السلام)و تنكب قوس إسماعيل(عليه السلام)و استوى على مطيته و عزم على الخروج فقام إليه أقاربه و قالوا له أين تريد قال إلىهذا الرجل الظالم الذي أخذ مال الله عز و جل و تعرض لحرم الله قالوا ما كنا بالذي نطلق سبيلك حتى تمضي إليه لأن هذا مثل البحر من دخله غرق و أنت اعتصمت برب الكعبة و اعتصمنا معك و رضينا لأنفسنا ما رضيت لنفسك أما الخروج من الحرم إلى شر الأمم فما نسمح لك بذلك قال يا قوم إني أعلم من فضل ربي ما لا تعلمون فخلوا سبيلي فإني سأرجع إليكم عن قريب فخلوا سبيله فمرت به مطيته كالريح فلما أشرف على القوم نظروا إليه من بعيد فإذا هو كالبدر إذا بدا و الصبح إذا أسفر فلما عاينوه من قريب بهتوا فيه فجاءوه و قد حبس الله أيديهم عنه فقالوا له منأنت أيها الرجل الجميل الطلعة المليح الغرة من أنت يا ذا النور الساطع و الضياء اللامع فإن كنت من هذه البلدة نسألك أن ترد عن قربناشفقة منا عليك فقال لهم إني أريد الملك فقالوا له إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك من قومك أحدا فقال لهم عبد المطلب إني قد أتيته قاصدا فعند ذلك تصارخت القوم و قال بعضهم لبعض ما رأينا مثل هذا الرجل في الجمال و الكمال إلا أنه ناقص العقل نحن نقول إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك أحدا من أهل هذه البلدة و هو يقول لا بد لي منه قال فخلوا سبيله فمضى قاصدا إلى الملك فأوصلوا خبره إلى الملك و قالوا أيها الملك قد قدم علينا رجل صفته كذا و كذا من أهل مكة و لم يفزع و لم يجزع فقال الملك علي به فو حق ما أعتقده من ديني لو سألني أهل الأرض ما قبلت فيه سؤالا قال فعند ذلك أقبلوا إلى عبد المطلب ليأتوا به قال لهم عبد المطلب إني قادم إلى الملك بنفسي فأمر الملك قومه أن يشهروا السلاح و يجردوا السيوف و جعل الملك على رأسه تاجا و شد عمامته على جبينه و أمر سياس الفيل أن يحضروه فأحضروه و كان فيهم فيل يقال له المذمومو كان قد ركبوا على رأسه قرنين من حديد لو نطح جبلا راسيا بهما لألقاه و كانواقد علقوا على خرطومه سيفين هنديين و علموه الحرب و وقف سياسه من ورائه فقال لهم الملك إذا رأيتموني قد أشرت لكمعند دخول هذا المكي فأطلقوه عليه حتى يدوسه بكلكلهقال فدخل عليهم عبد المطلب و هم صفوف ينظرون ما يأمرهم الملك في عبد المطلب و هم باهتون و هو لا يلتفت إلى أحد منهم حتى جاوز أصحاب الفيل فأمرهم الملك بإطلاق الفيل فأطلقوه فلما قرب من عبد المطلب برك الفيل إلى الأرض و جثا على ركبتيه و سكن ارتجاجه و كان قبل ذلك إذا أحضره سياسهعلى القتال تحمر عيناه و يضرب بخرطومه و فيه سيفان فلما قرب من عبد المطلب سكن و لم يفعل شيئا فتعجب الملك و أصحابه من ذلك و ألقى الله في قلبه الجزع و الفزع و ارتعدت فرائصه و رق قلبه فأقبل على عبد المطلب حتى أجلسه بجانبه و رحب به و التفت إلى الأسود بن مقصود و قال أي شيء يطلب هذا الرجل المكي فأقضي حاجته و قد كان الملك يحلف على هلاكه قبل ذلك ثم قال له الملك من أنت و ما اسمك فما رأيت أجمل منك وجها و لا أحسن منك بهجة و لك عندي ما سألت و لو سألتني الرجوع عن بلدك لفعلتفقال له عبد المطلب لا أسألك في شيء من ذلك إلا أن قومك أغاروا علينا و أخذوا لي ثمانين ناقة و كنت قد أعددتها للحجاج الذين يقصدوننا من جميع النواحي فإن رأيت أن تردها علي فافعل فأمر الملك رجاله بإحضارهنثم قال الملك هل لك من حاجة غيرها فاسألني فيهافقال عبد المطلب أيها الملك ما أريد غير هذه فقال له الملك فلم لا تسألني في بلدكفإني أقسمت لأهدمن كعبتكم و أقتل رجالكم لكن لعظم قدرك عندنا لو سألتني فيها قبلت سؤالكفقال عبد المطلب لا أسألك في شيء من ذلك قال و لم ذلك قال إن لها مانعا يمنعها غيري فقال الملك اعلم ياعبد المطلب إني أخرج على أثرك بجنودي و رجالي فنخرب الكعبة و نواحيها و أقتل سكانها فقال له عبد المطلب إن قدرت فافعل قال فانصرف عبد المطلب و مر على الفيل المذموم فلما نظر الفيل إلى عبد المطلب سجد له فقام الوزراء و الحجاب يلومون الملك في أمر عبد المطلب كيف خلى سبيله فقال لهم الملك ويحكم لا تلوموني أ لم تروا كيف سجد له الفيل بين يديه و الله لقد وقع لهذا الرجل في قلبي هيبة عظيمة و لكن أشيروا علي بما يكون من هذا الأمر فقالوا لا بد لنا أن نسير إلى مكة فنخربها و نرمي أحجارها في بحر جدة فعند ذلك أمر الملك بالجموع و الجيوش أن تزحف إلى مكةو لما وصل عبد المطلب بالنوق إلى مكة خرج إليه أقاربه و بنو عمه يهنئونه بالسلامة و قد كانوا آيسوا منه فلما نظروا إليه فرحوا به و جعلوا يتعلقون به و يقبلون يديه و قالوا الحمد لله الذي حماك و حفظك بهذا النور الحسن ثم سألوه عن الجيش فأخبرهم بقصته و خبر الفيل فقالوا له ما الذي تأمرنا به فقال يا قوم اخرجوا إلى جبل أبي قبيس حتى ينفذ الله حكمه و مشيته قال فخرج القوم بأولادهم و نسائهم و دوابهم و خرج عبد المطلب و بنو عمه و إخوته و أقاربه و أخرج مفاتيح الكعبة إلى جبل أبي قبيس و جعل يسير بهم إلى الصفا و يدعو و يبكي و يتوسل بنور محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و جعل يقول يا رب إليك المهرب و أنت المطلب أسألك بالكعبة العلياء ذات الحج و الموقف العظيم المقرب يا رب ارم الأعادي بسهام العطبحتى يكونوا كالحصيد المنقلب ثم رجع و أتى إلى باب البيت فأخذ بحلقته و هو يقول. لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم و محالهم عدوا محالك إن كنت تاركهم و كعبتنا فأمر ما بدا لك جروا جميع بلادهم و الفيل كي يسبوا عيالك عمدوا جمالك بكيدهم جهلا و ما راقبوا جلالك فانصر على آل الصليب و عابديه اليوم آلك. و قال أيضا شعرا. يا رب لا أرجو لهم سواكا. يا رب فامنع منهم حماكا. إن عدو البيت من عاداكا. امنعهم أن يخربوا قراكا و إذا بهاتف يسمع صوته و لا يرى شخصه و هو يقول قد أجبت دعوتك و بلغت مسرتك إكراما للنور الذي في وجهك فنظر يمينا و شمالا فلم ير أحدا ثم قال لمن معه و هم على جبل أبي قبيس و قد نشروا شعورهم و هم يبتهلون بالدعاء و يستبشرون بالإجابة ثم قال أبشروا فإني رأيت النور الذي في وجهي قد علا و إنما كان ذلك كاشفا لما طرقكم ففرح القوم و تضرعوا إلى الله تعالى فبينما هم كذلك إذا أشرفت عليهم غبرة القومو تقاربت الصفوف و لاح لهم بريق الأسنة ثم انكشف الغبار عن الفيل فنظروا إليه كأنه الجبل العظيم و قد ألبسوه الحديد و زينوه بزينة فاشتد قلقهم و انهملت عبراتهم و تضرع عبد المطلب و دعا فو الله ما أتم عبد المطلب دعاءه و تضرعه حتى وقف الفيل مكانه فصرخت عليه الفيالةو زجرته الساسة فلم يلتفت إليهم فوقفت الجيوش و دهشوا فقال الأسود بن مقصود و هو على الساقةما الخبر قالوا إن الفيل قد وقف فقال للساسة اضربوه فضربوه فما حال و لا زال فتعجبوا من ذلك ثم أمرهم أن يعطفوا رأسه ففعلوا فهرول راجعا فأمر برده فردوه فوقف فقال الأسود سحروا فيلكم ثم بعث إلى الملك و أعلمه بذلك فقال له أشر علينا فبعث أبرهة إلى ابن مقصود فقال ليس من جرب كمن لا يجرب ابعث للقوم رسولاو اطلب الصلح و لا تخبرهم بأمر الفيل لئلا يكون طريقا لطمعهم فيكم و اطلب منهم رجالا بعدد من قتل مناو يقومون لنا بما أفسدوا من كنيستنا فإذا فعلوا ذلك رجعنا عنهم قال فلما دخل رسول أبرهة على الأسود و كان اسمه حناطة الحميريو كان يهزم الجيوش وحده و كان له خلقة هائلة فقال له الأسود هل لك أن تكون أنت الرسول إليهم فعسى أن يكون الصلح على يديك فقال حناطة ها أنا سائر إليهم فإن صالحونا و إلا رجعت برءوسهم ثم سار و هو معجب بنفسه فسأل عن سيد قريش فقالوا هو الشيبة النجارو كان عبد المطلب قد رآه و علم أنه رسول من القوم فلما نظر حناطة إلى عبد المطلب دهش و حار فقال له عبد المطلب ما الذي أتى بك قال يا مولاي إن أبرهة قد عرف فضلكم و وهب لكم الحرم و البيت و قد أرسل إليك أن تقوم بدية من قتل له أو تسلم من رجالك بعددهمثم تقوم له بثمن ما عدم من الكنيسة فإذا فعلتم هذا رجع عنكمفقال عبد المطلب أ يؤخذ البريء بالسقيم و نحن من شيمتنا الأمانة و الصيانة و نقبض أيدينا عن المظالم و نصرف جوارحناعن المآثم فبلغ صاحبك عنا ذلك و أما هذا البيت فقد سبق مني القول فيه إن له ربا يمنع عنه فو الله ما كبر علي ما جمعتموه من الرجال فإن أراد صاحبك المسير فليسر و إن أراد المقام فليقم قال فلما سمع حناطة كلامه غضب و أراد أن يقتل عبد المطلب فظهر لعبد المطلب ما في وجهه فلم يمهله دون أن قبض على محزمه و مراق بطنه و شالهو ضرب به الأرض و قال و عزة ربي لو لا أنك رسول لأهلكتك قبل أن تأتي صاحبك فرجع حناطة إلى الأسود و أعلمه بما كان من أمره ثم قال هؤلاء قوم قد غلتدماؤهم و الرأي عندي أن تراسل القوم بعد هذا و اعلم أن مكة خلية من أهلهافأسرع إلى الغنيمة. قال الراوي فأمر الجيوش بالزحف فساروا نحو الحرم فلما قربوا منه جاءهم أمر الله من حيث لا يشعرون و إذا هم بأفواج من الطير كالسحابة المترادفة يتبع بعضها بعضا و هي كأمثال الخطاطيف يحملكل طير ثلاثة أحجار أحدها في منقاره و اثنين بين رجليه كالعدس و كبيرها كالحمص و قد تعالت الطيور و ارتفعت و امتدت فوق العسكرو انتشرت بطولهم و عرضهم فلما نظر القوم إلى ذلك خافوا و قالوا ما هذه الطيور التي لم نر مثلها قبل هذا اليوم فقال الأسود ما عليكم بأس لأنها طير تحمل رزقها لفراخها ثم قال علي بقوسي و نبلي حتى أردها عنكم فأخذ قوسه و أراد الرمي فتصارخت الطيور مستأذنة لربها في هلاك القوم فما أتمتصراخها حتى فتحت …

بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · بدء خلقه و ما جرى له في الميثاق و بدء نوره و ظهوره(ص)من لدن آدم(ع)و بيان حال (1) آبائه العظام و أجداده الكرام لا سيما عبد المطلب و والديه عليهم الصلاة و السلام و بعض أحوال العرب في الجاهلية و قصة الفيل و بعض النوادر

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.