الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ نبينا (ص)
بحار الأنوار

حبر لهمو كان في قرية من قرى الأردن و كانوا يقتبسون من علمه و كان ممن عمر في زمانه فقصده القوم فلما وصلوا إليه قال لهم ما الذي أزعجكم قالوا له إنا نظرنا في كتبنا فوجدنا صفة هذا الرجل السفاك الذي تقاتل معه الأملاك و ما نلقى عند ظهوره من الأهوال و الهلاك و قد جئناك نشاورك في أمره قبل ظهوره و علو ذكره قال يا قوم إن من أراد إبطال ما أراد الله فهو جاهل مغرور و إنه لكائن بكم و هذا الذي ذكرتم قد سبق أمره عند الله فكيف تقدرون على إبطاله و هو مبطل كهانة الكهان و مزيل دولة الصلبان و سيكون له وزير و قريب فلما سمعوا كلامه خافوا و حاروا فقام حبر من أحبارهم يقال له هيوبا بن داحورا و كان كافرا متمردا شديد البأس فقال لهم هذا رجل قد كبر و خرف و قل عقله فلا تسمعوا من قوله ثم قال لهم أ رأيتم الشجرة إذا قطعت من أصلها فهل تعود خضرا قالوا لا قال فإن قتلتم صاحبكم هذا الذي يخرج من صلبه هذا المولود فما الذي تخافون منه فقوموا هذه الساعة و خذوا معكم تجارة و سيروا إلى البلد الذي هو فيها يعني مكة فإذا وصلتم دبرتم الحيلة في هلاكه فتبعوا قوله و قالوا له أنت سيدنا قال لهم افعلوا ما آمركم به و أنا معكم بسيفي و رمحي و لكن ما أسير معكم حتى تعاهدوني فيعمد كل واحد منكم إلى سيفه ليسقيه سما فأجابوه إلى ذلك و افترقوا ثم اجتمعوا بأيلة و خرجوا بجمالهم محملة بالتجارة و ساروا حتى وصلوا مكة فلما دخلوها سمعوا من ورائهم صوتا و هو يقول. قصدتم لأزر القوم في السر و الجهر. تريدون مكرا بالمعظم في القدر. و من غالب الرحمن لا شك أنه. سيرميه باريه بقاصمة الظهر. ستضحون يا شر الأنام كأنكم. نعام أسيقت للذباحة و النحر فلما سمعوا كلام الهاتف هالهم ذلك و هموا بالرجوع فقال لهم هيوبا لا تخافوا من كلام هذا الهاتف فإن هذا الوادي قد كثر فيه الكهان و الشياطين و إن هذا الهاتف هو شيطان قد علم قصدكم فعند ذلك تبادر القوم فكان كل من لقاهم يحدثهم بحسن عبد الله و جماله فوقع في قلوبهم الكمد و الحسد فجعلوا يسومون متاعهم و لا يبيعون منه شيئا و إنما يريدون بذلك المقام بمكة و الحيلة في قتل عبد الله فأقبل يوما عبد المطلب و هو قابض على يد ولده عبد الله و مر باليهود و كان عبد الله قد رأى رؤيا أفزعته فخرج مرعوبا إلى أبيه فقال ما أصابك يا بني قال رؤيا هالتني قال رأيت سيوفا مجردة في أيدي قردة و هم قعود على أدبارهم و أنا أنظر إليهم و هم يهزون السيوف و يشيرون بها إليّ فعلوت عنها في الهواء فبينما أنا كذلك و إذا بنار قد نزلت من السماء فزادتني خوفا و قلت كيف خلاصي منها فبينما أنا كذلك و إذا بالنار قد وقعت على القردة فأحرقتهم عن آخرهم فزادني ذلك رعبا فقال له أبوه وقاك الله يا بني شر ما تحاذر من الحساد و الأضداد فإن الناس يحسدونك على هذا النور الذي في وجهك و لكن لو اجتمعت أهل الأرض إنسها و جنها لم يقدروا على شيء لأنه وديعة من الله عز و جل لخاتم الأنبياء و هاهنا أحبار اليهود من الشام و فيهم الحكمة و المعرفة فقم معي حتى أقص عليهم رؤياك فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله و دخلا عليهم فلما نظر إليه الأحبار و هو كأنه البدر المنير نظر بعضهم إلى بعض و قالوا هذا الذي نطلبه فقال لهم عبد المطلب يا معاشر اليهود جئنا إليكم نخبركم برؤيا رآها ولدي هذا فقالوا له و ما ذا فقص عليهم الرؤيا فزادهم حنقا عليه و قال له هيوبا أيها السيد إنها أضغاث أحلام و أنتم سادات كرام ليس لكم معاند و لا مضاد ثم انصرف عبد المطلب بولده و أقاموا بعد ذلك أياما يريدون الحيلة فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا و كان عبد الله مغرما بالصيد و كان إذا خرج إلى الصيد لا يرجع إلا ليلا و كان يخرج مع أبيه فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا حتى خرج ذات يوم وحده فخرجوا وراءه من حيث لا يشعر بهم أحد فقال لهم هيوبا ما انتظاركم و قد خرج الذي تطلبونه فقالوا له إنا نخاف من فتيان مكة و فرسان بني هاشم و هم لا يطاقون و قد ذلت لهم العمالقة و غيرهم و نخشى أن يشعروا بنا فلما سمع هيوبا مقالتهم قال خاب سعيكم فإذا كنتم هكذا فما الذي أتى بكم إلى هاهنا فلا بد من قتل هذا الغلام و لو طال عليكم المقام و لم تجدوا يوما مثل هذا اليوم فإذا قتلناه و خفتم التهمة به فعلي ديته و كانوا قد بعثوا عبدا من عبيدهم ينظر إلى أين يتوجه عبد الله فرجع العبد و أخبرهم أنه قد غاب بين الجبال و الشعاب و قد خرج من العمران و ليس عنده إنسان فعزم القوم على ما أملوه و جعلوا نصفا عند الأمتعة و النصف الآخر أخذوا السيوف تحت ثيابهم و خرجوا قاصدين عبد الله و العبد أمامهم حتى أوقفهم عليه و كان عبد الله قد صاد حمار وحش و هو يسلخه فنظر إلى القوم و قد أقبلوا عليه فقال لهم هيوبا هذا صاحبكم الذي خرجتم من أوطانكم في طلبه فما أحس عبد الله إلا و قد أحاطوا به و كانوا قد افترقوا فرقتين و قالوا للذين خلفوهم عند متاعهم إذا دعوناكم أجيبونا مسرعين فلما أشرفوا على عبد الله و قد سدوا الطرقات و زعموا أنهم قد حكموا عليه فرفع عبد الله رأسه إلى السماء و دعا الله تعالى و أقبل إليهم و قال يا قوم ما شأنكم فو الله ما بسطت يدي إلى واحد منكم بمكروه أبدا فتطالبوني به و لا غصبت مالا قط و لا قتلت أحدا فأقتل به فما حاجتكم فإن يكن سبقت مني فعلة سوء إليكم فأخبروني حتى أعرفها و اليهود يومئذ تلثموا و لم يبين منهم إلا حماليق الحدق فلم يردوا عليه جوابا و أشار بعضهم إلى بعض و هموا بالهجوم عليه فجعل نبلة في كبد قوسه و رمى بها نحوهم فأصابت رجلا منهم فوقع ميتا ثم رماهم بأربع نبال أصابت أربعة رجال فاشتغلوا عنه بأنفسهم فأخذ الخامسة ليرميهم بها و أنشأ يقول. و لي همة تعلو على كل همة. و قلب صبور لا يروع من الحرب.و لي نبلة أرمي بها كل ضيغم. فتنفذ في اللبات و النحر و القلب. فأربعة منها أصابت لأربع. و لو كاثروني صلت بالطعن و الضرب. أخذت نبالي ثم أرسلت بعضها. فصارت كبرق لاح في خلل السحب. فلما سمعوا ذلك منه قال له هيوبا يا فتى احبس عنا نبالك فقد أسرفت في فعالك و لقد قتلت منا رجالا من غير ذنب و لا سابقة سبقت منا إليك و نحن قوم تجار و نحن الذين وقفت علينا بالأمس مع أبيك و كان لنا عبد قد هرب منا فلما رأيناك أنكرناك فعند ما عرفناك أنك عبد الله فنحن ما لنا معك طلابة و إنك لأعز الخلق علينا و أكرمهم لدينا فامض لسبيلك فقد سمحنا لك بما فعلت فينا فقال لهم يا ويلكم ما الذي تبين لكم مني أني عبدكم فهل عبدكم مثلي أو صفته صفتي أو له نور كنوري فقالوا له إنما دخلنا الشك و أنت متباعد عنا فلما قربت منا عرفناك فاسمح لنا بما كان منا إليك فإنا سمحنا لك بما كان و إن كان و أعظم من ذلك أنك قتلت منا رجالا لا ذنب لهم و نحن حيث أكلنا طعام أبيك و شربنا شرابه فنحن لك شاكرون و أنت أولى بكتمان ما كان اليوم منا فلما سمع عبد الله كلامهم زعم أنه حق و هو خديعة ثم إنه ركب جواده و أخذ قوسه و عطف إلى ناحية المضيق فلما رآه القوم قد أقبل عليهم يريد الخروج بادروا إليه بأجمعهم و جعلوا يرمونه بالحجارة و قاموا إليه بالسيوف فجعل يكر فيهم كرة بعد كرة فعند ذلك صاح فيهم هيوبا فتبادروا إليه بأجمعهم و هو يكر فيهم يمينا و شمالا و كلما رمى رجلا خر صريعا و نزل عبد الله عن فرسه و استند إلى المضيق و قد أقبلوا إليه من كل جانب يرمونه بالحجارة فبينما هم في المعركة و إذا هم برجال قد أقبلوا بأيديهم السيوف مشهورة و هم عراة مسرعون نحوهم فإذا هم بنو هاشم و أبو طالب و فتيان مكة و كان في أولهم أبو طالب و حمزة و العباس فعند ذلك ناداه أبوه فقال يا بني هذا تأويل رؤياك من قبل فما استتم كلامه حتى أحاط بعبد الله إخوته و أقاربه. قال البكري و كان قد أخبرهم بالخبر رجل يقال له وهب بن عبد مناف لأنه أشرف عليهم في المعركة فهم أن ينزل فخاف على نفسه من كثرتهم فأتى إلى الحرم و نادى في بني هاشم فلما رآهم اليهود أيقنوا بالهلاك و قالوا لعبد الله إنما أردنا أن نعلم حقيقة الحال فقال لهم عبد الله هيهات لقد أجهدتم أنفسكم في هلاكي فهرب منهم جماعة و التجئوا إلى جبل و ظنوا أنهم قد نجوا فإذا أتاهم أمر الله فسقطت عليهم قطعة من الجبل فسدت عليهم المضيق فلم يجدوا مهربا و لحقهم عبد المطلب و أصحابه و الفرقة التي كانت من الجانب الآخر مع هيوبا قتلوا منهم أناسا كثيرة و قال رجل منهم دعونا نصل مكة و افعلوا فينا ما تريدون فإن لنا مع الناس أمتعة و أموالا كنا قد أخفيناها و أنتم أحق بها خذوها و لا تقتلونا فكتفوهم عن آخرهم و أقبلوا بهم إلى مكة و أقبل عبد المطلب على ولده يقبله و يقول يا ولدي لو لا وهب بن عبد مناف أخبرنا بأمرك ما كنا علمنا و لكن الله تعالى يحفظك فلما أشرفوا على مكة خرج الناس يهنئونهم بالسلامة و إذا باليهود مكتوفين فجعل جملة الناس يرمونهم بالحجارة فقام لهم عبد المطلب و قال أرسلوا بهم إلى دار وهب حتى يستقصوا على أموالهم و لم يبق لهم شيء فأرسلوهم إلى دار وهب فلما كان في تلك الليلة أقبل وهب على زوجته برة بنت عبد العزى و قال لها يا برة لقد رأيت اليوم عجبا من عبد الله ما رأيته من أحد و هو يكر على هؤلاء القوم و كلما رماهم بنبلة قتل منهم إنسانا و هو أجمل الناس وجها مما خصه الله تعالى من الضياء الساطع فامضي إلى أبيه و اخطبيه لابنتنا و اعرضيها عليه فعسى أن يقبلها فإن قبلها سعدنا سعادة عظيمة قالت له يا وهب إن رؤساء مكة و أبطال الحرم و أشراف البطحاء قد رغبوا فيه فأبى عن ذلك و قد كاتبه ملوك الشام و العراق على ذلك فأبى عليهم فكيف يتزوج بابنتنا و هي قليلة المال قال لها إن لي عليهم اليد أنني أخبرتهم بأمر عبد الله مع هذا اليهود ثم إن برة قامت و لبست أفخر أثوابها و خرجت حتى أتت دار عبد المطلب فوجدته يحدث أولاده بالخبر فقالت أنعم الله مساءكم و دامت نعماؤكم فرد عليها عبد المطلب التحية و الإكرام و قال لها لقد سلف لبعلك اليوم علينا يد لا نقدر أن نكافيه أبدا و له أياد بالغة بذلك و سنجازيه بما فعل إن شاء الله تعالى فطمعت برة في كلامه ثم قال بلغي بعلك عنا التحية و الإكرام و قولي له إن كان له لدينا حاجة تقضى إن شاء الله مهما كانت فقالت له برة يا أبا الحارث قد طلبنا تعجيل المسرة و قد علمنا أن ملوك الشام و العراق و غيرهم تطاولت إليكم و قد رغبوا في ولدكم يطلبون أولادكم و أنواركم المضيئة و نحن أيضا طمعنا فيمن طمع في ولدكم عبد الله و رجوناه مثل من رجا و قد رجا وهب أن يكون عبد الله بعلا لابنتنا و قد جئناكم طامعين و راغبين في النور الذي في وجه ولدكم عبد الله و نسألكم أن تقبلونا فإن كان مالها قليلا فعلينا ما نجملها به و هي هدية منا لابنك عبد الله فلما سمع عبد المطلب كلامها نظر إلى ولده و كان قبل ذلك إذا عرض عليه التزويج من بنات الملوك يظهر في وجهه الامتناع و قال أبوه ما تقول يا بني فيما سمعت فو الله ما في بنات أهل مكة مثلها لأنها محتشمة في نفسها طاهرة مطهرة عاقلة ديّنة فسكت عبد الله و لم يرد جوابا فعلم أبوه أنه قد مال إليها فقال عبد المطلب قد قبلنا دعوتكم و أجبنا و رضينا بابنتكم قالت فاطمة زوجة عبد المطلب أنا أمضي معك إليها حتى أنظر إلى آمنة فإن كانت تصلح لولدي رضينا بها فرجعت برة مسرورة بما سمعت ثم سارت إلى زوجها مسرعة و بشرته و سمعت أم آمنة هاتفا في الطريق يقول بخ بخ لكم يا معشر أهل الصفا قد قرب خروج المصطفى فدخلت على زوجها فقال و ما وراءك قالت لقد سعدت سعادة علا قدرك في جملة العالمين اعلم أن عبد المطلب قد رضي بابنتك و لكن مع الفرح ترحة قال و ما هي قالت إن فاطمة خارجة تنظر إلى ابنتك آمنة فإن رضيت بها و إلا لم يكن شيئا و إني أخاف أن لا ترضى بها فقال لها وهب بن عبد مناف اخرجي هذه الساعة إلى ابنتك و زينيها و ألبسيها أفخر الثياب و قلديها أفخر ما عندك فعسى و لعل فعمدت برة إلى بنتها و ألبستها أفخر ما عندها من الثياب و الحلي و ضفرت شعرها و أرخت ذوائبها على أكتافها و قالت لها يا ابنتي إذا أتتك فاطمة فتأدبي لها أحسن الأدب و ارغبي في النور الذي في وجه ولدها عبد الله فبينما هما في ذلك إذ أقبلت فاطمة و خرج وهب من المنزل و إذا بعبد المطلب فأدخلوا فاطمة فقامت لها آمنة إجلالا و تعظيما و رحبت بها أحسن المرحب فنظرت إليها فاطمة و إذا بها قد كساها الله جمالا لا يوصف فلما رأت فاطمة ذلك الحسن و الجمال و قد أضاء من نور وجهها ذلك المجلس قالت فاطمة يا برة ما كنت عهدت أن آمنة على هذه الصورة و لقد رأيتها قبل ذلك مرارا فقالت برة يا فاطمة كل ذلك ببركتكم علينا ثم خاطبت فاطمة آمنة و إذا هي أفصح نساء أهل مكة فقامت فاطمة و أتت إلى عبد المطلب و عبد الله و قالت يا ولدي ما في بنات العرب مثلها أبدا و لقد ارتضيتها و إن الله تعالى لا يودع هذا النور إلا في مثل هذه. و لما وقع الحديث بين وهب و بين عبد المطلب في أمر ابنته آمنة قال وهب يا أبا الحارث هذه آمنة هدية مني إليك بغير صداق معجل و لا مؤجل فقال عبد المطلب جزيت خيرا و لا بد من صداق و يكون بيننا و بينك من يشهد به من قومنا ثم إن عبد المطلب هم أن يمد إليه شيئا من المال ليصلح به شأنها إذ سمع همهمة و أصواتا فوثب وهب و سيفه مسلول ثم قاموا جميعا قال أبو الحسن البكري و كان سبب ذلك أن اليهود الذين كانوا محبوسين في دار وهب خدعهم الشيطان و زين لهم هيوبا أنكم مقتولون لا محالة فقوموا جميعا و خاطروا بأنفسكم على عبد المطلب و ابنه عبد الله فإن الموت قد وقع بكم و اهربوا على وجوهكم ثم إن هيوبا تمطى في كتافه فقطعه ثم حل جملة أصحابه فلما خصلهم قالوا بم نهجم عليهم و ليس معنا سلاح فقال هيوبا نهجم عليهم بالحجارة هجمة رجل واحد و هم غافلون فسار القوم و أقبلوا و عبد المطلب و ولده عبد الله و وهب في دار وهب و المصباح عندهم و اليهود يرونهم و هم لا يرون اليهود فرموهم بالحجارة التي كانت معهم فرد الله تعالى عليهم الحجارة فهشمت وجوههم و منهم من وقع حجره في رأسه و منهم من وقع في صدره و ذلك بقدرة الله تعالى لأجل النور الذي في وجه عبد الله فحمل عليهم عبد المطلب و من كان معه فقتلوهم عن آخرهم و كان عبد المطلب لا يفارقه سيفه حيث ما توجه و بعد ذلك خرج عبد المطلب و ولده و زوجته إلى منزلهم و قالوا يا وهب إذا كان في غداة غد جمعنا قومنا و قومك ليشهدون بما يكون من الصداق فقال جزاك الله خيرا فلما طلع الفجر أرسل عبد المطلب إلى بني عمه ليحضروا خطبتهم و لبس عبد المطلب أفخر أثوابه و جمع وهب أيضا قرابته و بني عمه فاجتمعوا في الأبطح فلما أشرف عليهم الناس قاموا إجلالا لعبد المطلب و أولاده فلما استقر بهم المجلس خطبوا خطبتهم و عقدوا عقد النكاح و قام عبد المطلب فيهم خطيبا فقال الحمد لله حمد الشاكرين حمدا أستوجبه بما أنعم علينا و أعطانا و جعلنا لبيته جيرانا و لحرمه سكانا و ألقى محبتنا في قلوب عباده و شرفنا على جميع الأمم و وقانا شر الآفات و النقم و الحمد لله الذي أحل لنا النكاح و حرم علينا السفاح و أمرنا بالاتصال و حرم علينا الحرام اعلموا أن ولدنا عبد الله هذا الذي تعرفونه قد خطب فتاتكم آمنة بصداق معجل و مؤجل كذا و كذا فهل رضيتم بذلك من ولدنا قال وهب قد رضينا منكم فقال عبد المطلب اشهدوا يا من حضر ثم تصافحوا و تهانوا و تصافقوا و تعانقوا و أولم عبد المطلب وليمة عظيمة فيها جميع أهل مكة و أوديتها و شعابها و سوادها فأقام الناس في مكة أربعة أيام. قال أبو الحسن البكري و لما تزوج عبد الله بآمنة أقامت معه زمانا و النور في وجهه لم يزل حتى نفذت مشية الله تعالى و قدرته و أراد أن يخرج خيرة خلقه محمدا رسول الله و أن يشرف به الأرض و ينورها بعد ظلامها و يطهرها بعد تنجيسها أمر الله تعالى جبرئيل(عليه السلام)أن ينادي في جنة المأوى أن الله جل جلاله قد تمت كلمته و مشيته و أن الذي وعده من ظهور البشير النذير السراج المنير الذي يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يدعو إلى الله و هو صاحب الأمانة و الصيانة يظهر نوره في البلاد و يكون رحمة على العباد و من أحبه بشر بالشرف و الحباء و من أبغضه بسوء القضاء و هو الذي عرض عليكم من قبل أن يخلق آدم(عليه السلام)الذي يسمى في السماء أحمد و في الأرض محمدا و في الجنة أبا القاسم فأجابته الملائكة بالتسبيح و التهليل و التقديس و التكبير لله رب العالمين و فتحت أبواب الجنان و غلقت أبواب النيران و أشرفت الحور العين و سبحت الأطيار على رءوس الأشجار فلما فرغ جبريل من أهل السماوات أمره الله أن ينزل في مائة ألف من الملائكة إلى أقطار الأرض و إلى جبل قاف و إلى خازن السحاب و جملة ما خلق الله يبشرهم بخروج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم نزل إلى الأرض السابعة فأخبرهم بخبره و من أراد الله به خيرا ألهمه محبته و من أراد به شرا ألهمه بغضه و زلزلت الشياطين و صفدت و طردت عن الأماكن التي كانوا يسترقون فيها السمع و رجموا بالشهب. قال صاحب الحديث و لما كانت ليلة الجمعة عشية عرفة و كان عبد الله قد خرج هو و إخوته و أبوه فبينما هم سائرون و إذا بنهر عظيم فيه ماء زلال و لم يكن قبل ذلك اليوم هناك ماء فبقي عبد المطلب و أولاده متعجبين فبينما عبد الله كذلك إذ نودي يا عبد الله اشرب من هذا النهر فشرب منه و إذا هو أبرد من الثلج و أحلى من العسل و أزكى من المسك فنهض مسرعا و التفت إلى إخوته فلم يروا للنهر أثرا فتعجبوا منه ثم إن عبد الله مضى مسرعا إلى منزله فرأته آمنة طائشا فقالت له ما بالك صرف الله عنك الطوارق فقال لها قومي فتطهري و تطيبي و تعطري و اغتسلي فعسى الله أن يستودعك هذا النور فقامت و فعلت ما أمرها ثم جاءت إليه فغشيها تلك الليلة المباركة فحملت برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فانتقل النور من وجه عبد الله في ساعته إلى آمنة بنت وهب قالت آمنة لما دنا مني و لا مسني أضاء منه نور ساطع و ضياء لامع فأنارت منه السماء و الأرض فأدهشني ما رأيت و كانت آمنة بعد ذلك يرى النور في وجهها كأنه المرآة المضيئة.

بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · بدء خلقه و ما جرى له في الميثاق و بدء نوره و ظهوره(ص)من لدن آدم(ع)و بيان حال (1) آبائه العظام و أجداده الكرام لا سيما عبد المطلب و والديه عليهم الصلاة و السلام و بعض أحوال العرب في الجاهلية و قصة الفيل و بعض النوادر

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.