في المناقب لابن شهرآشوب: عِكْرِمَةُ قَالَ: كَانَ يُوضَعُ فِرَاشٌ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِجْلَالًا لَهُ وَ كَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ حَتَّى يَخْرُجَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَجْلِسُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَعُوا ابْنِي فَوَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ لَشَأْناً عَظِيماً إِنِّي أَرَى أَنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ وَ هُوَ سَيِّدُكُمْ ثُمَّ يَحْمِلُهُ فَيَجْلِسُهُ مَعَهُ وَ يَمْسَحُ ظَهْرَهُ وَ يُقَبِّلُهُ وَ يُوصِيهِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ. 80 فض، كتاب الروضة قال الواقدي كان في زمان عبد المطلب رجل يقال له سيف بن ذي يَزَن و كان من ملوك اليمن و قد أنفذ ابنه إلى مكة والياً من قبله و تقدم إليه باستعمال العدل و الإنصاف ففعل ما أمره به أبوه ثم إن عبد المطلب دعا برؤساء قريش مثل عتبة بن ربيعة و مثل الوليد بن المغيرة و عقبة بن أبي معيط و أمية بن خلف و رؤساء بني هاشم فاجتمعوا في دار الندوة فلما قعدوا و أخذوا مراتبهم فتكلم عبد المطلب و قال اعلموا أني قد دبرت تدبيرا فقال المشايخ و ما دبرت يا رئيس قريش و كبير بني هاشم فقال يا قوم إنكم تحتاجون أن تخرجوا معي نحو سيف بن ذي يَزَن لتهنيته في ولايته و هلاك عدوه ليكون أرفق بنا و أميل إلينا فقالوا له بأجمعهم نعم ما رأيت و نعم ما دبرت قال فخرج عبد المطلب و معه سبعة و عشرون رجلا على نوق جياد نحو اليمن فلما وصلوا إلى سيف بن ذي يَزَن بعد أيام سألوا عن الوصول إليه قالوا لهم إن الملك في القصر الوردي و كان من عاداته في أوان الورد أن يدخل قصر غمدان و لا يخرج إلا بعد نيف و أربعين يوما و لا يصل إليه ذو حاجة و لا زائر و أنتم قصدتم الملك في أيام الورد فذهب عبد المطلب إلى باب بستانه و كان لقصر غمدان في وسط البستان أبواب و كان لهذا البستان باب يفتح إلى البرية و قد وكل بذلك البستان بوابا واحدا فقال عبد المطلب لأصحابه لعلنا يتهيأ لنا الدخول بحيلة و لا يتهيأ إلا هي فقال القوم صدقت قال الواقدي ثم إن عبد المطلب نزل و أخذ نحو الباب فنظر إلى البواب و سلم عليه فقال له يا بواب دعني أن أدخل هذا البستان فقال البواب وا عجبا منك ما أقل فهمك و أضعف رأيك أ مصروع أنت فقال له عبد المطلب ما رأيت من جنوني فقال له البواب ما علمت أن سيف بن ذي يزن في القصر مع جواريه و خدمه قاعدا فإن بصر بك في بستانه أمر بقتلك و إن سفك دمك عنده أهون من شربة ماء فقال له عبد المطلب دعني أدخل و يكون من الملك إلي ما يكون فقال له البواب يا مغلوب العقل إن الملك في القصر و عيناه للباب و البواب إنه قدر ما يرمق أن يأمر بقتلك فقال عقيل بن أبي وقاص يا أبا الحارث أ ما علمت أن المصابيح لا تضيء إلا بالدهن فقال عبد المطلب صدقت قال الواقدي ثم إن عبد المطلب دعا بكيس من أديم فيه ألف دينار و قال بعد أن صب الكيس بين يدي البواب يا هذا إن تركتني أدخل البستان جعلت هذا برّي إليك فاقبل صلتي و خل سبيلي فلما نظر البواب إلى الدرهم خر مبهوتا و قال له البواب يا شيخ إن دخلت و نظر إليك و سألك عن كيفية دخولك ما أنت قائل قال عبد المطلب أقول له كان البواب نائما و شرط عليه عبد المطلب أن لا يكذبه إن دعاه الملك للمسألة فيقول غفوت و ليس لي بدخوله علم قال نعم فقال عبد المطلب إن كذبتني في هذا صدقت الملك عن الصلة التي وصلتك بها فقال له البواب ادخل يا شيخ فدخل عبد المطلب البستان و كان قصر غمدان في وسط الميدان و البستان كأنه جنة من الجنان قد حف بالورد و الياسمين و أنواع الرياحين و الفواكه و فيه أنهار جارية وسطه و إذا سيف بن ذي يزن قد اتكأ على عمود المنظرة من قصره فلما نظر إلى عبد المطلب غضب و قال لغلمانه من ذا الذي دخل علي بغير إذني ايتوني به سريعا فسعى إليه الغلمان و الخدم فاختطفوه من البستان فلما دخل عبد المطلب عليه رأى قصرا مبنيا على حجر مطلّى بطلاء الوردي منقشا بنقش اللازوردي و ورد على أمثال الورد و رأى عن يمين الملك و عن شماله و بين يديه من الجواري ما لا عدد لهن و رأى بقرب الملك عمودا من عقيق أحمر و له رأس من ياقوت أزرق مجوف محشى بالمسك و رأى عن يساره تورا من ذهب أحمر و على فخذه سيف نقمته مكتوب عليه بماء الذهب شعر. رب ليث مدجج كان يحمي. ألف قرن منغمد الأغمادي. و خميس ملفف بخميس. بددالدهر جمعهم في البلاد. قال الواقدي فوقف عبد المطلب بين يديه و لم يتكلم له الملك و لا عبد المطلب حتى كرع الملك في التور الذي بين يديه فلما فرغ من شربه نظر إليه و كان سيف قد شاهد عبد المطلب قبل هذا و لكنه أنكره حتى استنطقه فقال له الملك من الرجل فقال أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان حتى بلغ آدم(عليه السلام)فقال له الملك أنت ابن أختي فقال نعم أيها الملك أنا ابن أختك و ذلك أن سيف بن ذي يزن كان من آل قحطان و آل قحطان من الأخ و آل إسماعيل من الأخت فعلم سيف بن ذي يزن أن عبد المطلب ابن أخته فقال سيف أهلا و سهلا و ناقة و رحلا و مد الملك يده إلى عبد المطلب و كذلك عبد المطلب إلى نحو الملك فأمره الملك بالقعود و كناه بأبي الحارث أنتم معاشر أهل الشار رجال الليل و النهار و غيوث الجدب و الغلاء و ليوث الحرب بضرب الطلا ثم قال يا أبا الحارث فيم جئت فقال له عبد المطلب نحن جيران بيت الله الحرام و سدنة البيت و قد جئت إليك و أصحابي بالباب لنهنئك بولايتك و ما فوضه الله تعالى من النصر لك و أجراه على يديك من هلاك عدوك فالحمد لله الذي نصرك و أقر عينيك و أفلج حجتك و أقر عيوننا بخذلان عدوك فأطال الله تعالى في سوابغ نعمه مدتك و هنأك بما منحك و وصلها بالكرامة الأبدية فلا خيب دعائي فيك أيها الملك ففرح سيف بدعائه و استقر له بالمحبة بما سمع من تهنيته ثم أمره أن يصير هو و من معه بالباب من أصحابه إلى دار الضيافة إلى أن يؤمر بإحضارهم بعد هذا اليوم إلى مجلسه فمضى و حجابه و خدمه بين يديه إلى حيث أمرهم و خرج عبد المطلب و استوى على جمله و اتبعه أصحابه و بين يديه غلمان الملك و حوله حتى أنزلوه و أصحابه الدار و بالغوا بالتوصية به و بأصحابه فأمر الملك أن يجري عليهم في كل يوم ألف درهم بيض فبقي عبد المطلب في دار الضيافة سريرا حتى تصرمت أيام الورد فلما كان في اليوم الذي أراد فيه مجلسه للتسليم عليه و النظر في أمره ذكر عبد المطلب في شطر من ليلته فأمر بإحضاره وحده فدخل عليه الرسول فأمره و أعلمه بمراد الملك منه فقام معه إليه فإذا الملك في مجلسه وحده فقال لخدمه تباعدوا عنا فلم يبق في المجلس غير الملك و عبد المطلب و ثالثهم رب العزة تبارك و تعالى فقال له الملك يا أبا الحارث إن من آرائي أن أفوض إليك علما كنت كتمته عن غيرك و أريد أن أضعه عندك فإنك موضع ذلك و أريد أن تطويه و تكتمه إلى أن يظهره الله تعالى فقال عبد المطلب السمع و الطاعة للملك و كذا الظن بك فقال الملك اعلم يا أبا الحارث أن بأرضكم غلاما حسن الوجه و البدن جميل القد و القامة بين كتفيه شامة المبعوث من تهامة أنبت الله تعالى على رأسه شجرة النبوة و ظللته الغمامة صاحب الشفاعة يوم القيامة مكتوب بخاتم النبوة على كتفيه سطران لا إله إلا الله و الثاني محمد رسول الله و الله تعالى أمات أمه و أباه و تكون تربيته على جده و عمه و أني وجدت في كتب بني إسرائيل صفته أبين و أشرح من القمر بين الكواكب و أني أراك جده فقال عبد المطلب أنا جده أيها الملك فقال الملك مرحبا بك و سهلا يا أبا الحارث ثم قال له الملك أشهدك على نفسي يا أبا الحارث أني مؤمن به و بما يأتي به من عند ربه ثم تأوه سيف ثلاث مرات بأن يراه فكان ينصره و ينظره يتعجب منه الطير في الهواء ثم قال يا أبا الحارث عليك بكتمان ما ألقيت عليك و لا تظهره إلى أن يظهره الله تعالى فقال عبد المطلب السمع و الطاعة للملك و نظر عبد المطلب في لحية سيف بن ذي يزن سوادا و بياضا و خرج من عنده و قد وعده في الحباء في غد ليرحلوا إلى أرض الحرم إن شاء الله تعالى فلما رجع إلى أصحابه وجدهم وجلين شاحبين و قد أكثروا الفكر فيه حين دعاه الملك في مثل ساعته التي دعاه فيها فقالوا له ما كان يريد الملك منك قال عبد المطلب يسألني عن رسوم مكة و آثارها و لم يخبر عبد المطلب أحدا بما كان بينه و بين الملك و غدا عليهم رسول الملك من غد يحضرهم مجلسه فتطيبوا و تزينوا و دخلوا القصر و عبد المطلب يقدمهم فدخلوا عليه فنظر عبد المطلب فإذا برأسه و لحيته حالكا فقال له عبد المطلب إني تركتك أبيض اللحية فما هذا فقال له الملك إني أستعمل الخضاب فقال أصحاب عبد المطلب إن رأى الملك أن يرانا أهلا لذلك الخضاب فليفعل قال فأمر الملك أن يؤخذ بهم إلى الحمام و كان القوم بيض الرءوس و اللحاء فخضبوا هناك فخرجوا و لشعورهم بريق كأسود ما يكون من الشعر و يقال إن سيفا أول من خضب رأسه و لحيته قال الواقدي ثم إن الملك أمر لكل واحد منهم ببدرة بيض فحمل كل واحد منهم على دابة و بغل و أمر لكل واحد منهم بجارية و غلام و بتخت ثياب فاخرة و لعبد المطلب بضعفي ما وهب لهم ثم دعا الملك بفرسه العقاب و بغلته الشهباء و ناقته العضباء و قال يا أبا الحارث إن الذي أسلمه إليك أمانة في عنقك تحفظها إلى أن تسلمها إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا بلغ مبلغ الرجال فقال له اعلم أني ما طلبت على ظهر هذه الفرس شيئا إلا وجدته و ما قصدني عدو و أنا راكب عليها إلا نجاني الله تعالى منه و أما البغلة فإني كنت أقطع بها الدكداك و الجبال لحسن سيرها و لا أنزل عنها ليلي و نهاري فأمره أن يتحفظ و يجعلها لي تذكرة و بلغه عني التحية الكثيرة فقال عبد المطلب السمع و الطاعة لأمر الملك ثم ودعوه و خرجوا نحو الحرم حتى دخلوا مكة فوقعت الصيحة في البلد بقدومهم فخرج الناس يستقبلونهم و خرج أولاد عبد المطلب و قعد النبي على صخرة و قد ألقى كمه على وجهه لئلا تناله الشمس حتى تقارب عبد المطلب فنظر أولاده إليه و قالوا يا أبانا خرجت إلى اليمن شيخا و رجعت شابا قال نعم أيها الفتيان سأخبركم بما ذكرتم ثم قال لهم أين سيدي محمد فقالوا إنه قعد في بعض الطريق ينتظركم ثم إن عبد المطلب سار نحوه حتى وصل إليه مع أصحابه فنزل عن مركوبه و عانقه و قبل ما بين عينيه و قال له إن هذا الفرس و البغلة و الناقة أهداها إليك سيف بن ذي يزن و يقرأ عليك التحية الطيبة ثم أمر أن يحمل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على الفرس فلما استوى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على ظهر الفرس انتشط و صهل صهيلا شديدا فرحا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و نسب هذا الفرس أنه عقاب بن ينزوب بن قابل بن بطال بن زاد الراكب بن الكفاح بن الجنح بن موج بن ميمون بن ريح أمر الله تعالى قال كن فكان بأمره. قال الواقدي و أخذ أبو طالب بلجام فرسه و حف برسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أعمامه فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)خلوا عني فإن ربي يحفظني و يكلؤني فخلوا عنه فدخل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مكة على حالته فشاع خبره في قريش و بني هاشم فتعجب من أمره الخلق و بقي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فرحا مسرورا عند عبد المطلب. قال الواقدي و دب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و درج و أتى عليه ثمان سنين و ثمانية أشهر و ثمانية أيام فعندها اعتل عبد المطلب علة شديدة فأمر أن يحمل سريره إلى عند البيت الحرام و ينصب هناك عند أستار الكعبة و كان لعبد المطلب سرير من خيزران أسود ورثه من جده عبد مناف و كان السرير له شبكات من عاج و آبنوس و صندل و عود أحسن ما يكون إحكاما و هيئة و أمر عبد المطلب أن يزين السرير بألوان الفرش و الديباج الرقاق و أمر أن ينصب فوق سريره فسطاط من ديباج أحمر ففعل ذلك و حمل عبد المطلب إلى بيت الله الحرام و نام على ذلك السرير المزين و قعد حوله أولاده و كان له من البنين عشرة أنفس فمات منهم عبد الله و بقي بعده تسعة أنفس شجعان يعد كل واحد منهم بألف و قعدوا حوله و حفوا بعبد المطلب يبكون و دموعهم تتقاطر كالمطر و قعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و اجتمعت عند عبد المطلب بطون العرب و كبار قريش مصطفون ما منهم أحد إلا و عيناه تهملان بالدموع فعند ذلك ظهر أبو لهب لعنه الله و أخزاه و أخذ برأس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لينحيه عن عبد المطلب فصاح عبد المطلب و انتهره و قال له مه يا عبد العزى أنت من عداوتك لا تنفك من إظهارك ببغضك لولدي محمد اقعد مكانك و أمسك عنه و قام أبو لهب و قعد عند رجل عبد المطلب خجلا مخذولا لأن أبا لهب كان من الفراعنة المبغضين لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم مال عبد المطلب إلى جنبه و أقبل بوجهه على أبي طالب لأنه لم يكن في أولاد عبد المطلب أرفق منه برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و لا أميل منه ثم أنشأ يقول شعر. أوصيك يا عبد مناف بعدي. بموحد بعد أبيه فردي. فارقه و هو ضجيع المهدي. فكنت كالأم له في الوجدي. قد كنت ألصقه الحشى و الكبدي. حتى إذا خفت فراق الوحدي. أوصيك أرجى أهلنا بالرفدي. يا ابن الذي غيبته في اللحدي. بالكره مني ثم لا بالعمدي. و خيرة الله يشاء في العبدي. ثم قال عبد المطلب يا أبا طالب إنني ألقي إليك بعد وصيتي قال أبو طالب ما هي قال يا بني أوصيك بعدي بقرة عيني محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و أنت تعلم محله مني و مقامه لدي فأكرمه بأجل الكرامة و يكون عندك ليله و نهاره و ما دمت في الدنيا الله ثم الله في حبيبه ثم قال لأولاده أكرموا و جللوا محمدا(صلى الله عليه وآله وسلم)و كونوا عند إعزازه و إكرامه فسترون منه أمرا عظيما عليا و سترون آخر أمره ما أنا أصفه لكم عند بلوغه فقالوا بأجمعهم السمع و الطاعة يا أبانا نفديه بأنفسنا و أموالنا و نحن له فدية قال أبو طالب قد أوصيتنا بمن هو أفضل مني و من إخواني قال نعم و لم يكن في أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أرفق من أبي طالب قديما و حديثا في أمر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم قال إن نفسي و مالي دونه فداء أنازع معاديه و أنصر مواليه فلا يهمنك أمره. قال الواقدي ثم إن عبد المطلب غمض عينيه و فتحهما و نظر قريشا و قال يا قوم أ ليس حقي عليكم واجبا فقالوا بأجمعهم نعم حقك على الكبير و الصغير واجب فنعم القائد و نعم السائق فينا كنت فجزاك الله تعالى عنا خيرا و يهون عليك سكرات الموت و غفر لك ما سلف من ذنوبك فقال عبد المطلب أوصيك بولدي محمد بن عبد الله(عليه السلام)فأحلوه محل الكرامة فيكم و بروه و لا تجفوه و لا تستقبلوه بما يكره فقالوا بأجمعهم قد سمعنا منك و أطعناك فيه ثم قال لهم عبد المطلب إن الرئيس عليكم من بعدي الوليد بن المغيرة أبو عبد الشمس بن أبي العاص بن نقية بن عبد شمس بن عبد مناف فضجت الخلق بأجمعهم و قالوا قبلنا أمرك فنعم ما رأيته رأيا و نعم ما خلفته فينا بعدك و صارت قريش و بنو هاشم تحت ركاب الوليد بن المغيرة فعند ذلك تغير وجه عبد المطلب و اخضرت أظافير يديه و رجليه و وقع على وجنتيه غبار الموت يكثر التقلب من جنب إلى جنب و مرة يقبض رجلا و يبسط أخرى و الخلائق من قريش و بني هاشم حاضرون و قد صارت مكة في ضجة واحدة و أراد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقوم من عنده ففتح عبد المطلب عينيه و قال يا محمد تريد أن تقوم قال نعم فقال عبد المطلب يا ولدي فإني و حق رب السماء لفي راحة ما دمت عندي قال فقعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فما كان إلا عن قليل حتى قضى نحبه. قال الواقدي ثم قاموا في تغسيله فغسلوه و كفنوه و حنطوه و جعلوه في أعواد المنايا و حملوه إلى ذيل الصفا و ما بقي في مكة شيخ و لا شاب و لا حر و لا عبد من الرجال و النساء إلا و قد ذهبوا إلى جنازته و عظموها و دفنوه فرجع الخلق من جنازته باكين عليه لفقده من مكة فقالت عاتكة بنت عبد المطلب ترثي أباها و تقول. ألا يا عين ويحك فاسعديني. بدمع واكفهطل غزير. على رجل أجل الناس أصلا. و فرعا في المعالي و الظهور. طويل الباع أروع شيظميا. أغر كغرة القمر المنير. و قالت صفية ترثي أباها. أ عيني جودا بالدموع السواكب. على خير شخص من لوي بن غالب. أ عيني جودا عبرة بعد عبرة. على الأسد الضرغام محض الضرائب. و قالت برة بنت عبد المطلب تبكي أباها و ترثيه. أ عيني جودا بالدموع الهواطل. على النحر منيمثل فيض الجداول. و لا تسأما أن تبكيا كل ليلة. و يوم على مولى كريم الشمائل. أبا الحارث الفياض ذو الباع و الندى. رئيس قريش كلها في القبائل. فأسقى مليك الناس موضع قبره. بنوء الثريا ديمة بعد وابل. اذا ظنّ الغنى على الفقير و قالت أروى بنت عبد المطلب ترثي أباها. ألا يا عين ويحك فاسعديني. بويل واكف من بعد ويل. بدمع من دموعك ذو غروب. فقد فارقت ذا كرم و نبل. طويل الباع أروع ذي المعالي. أبوك الخير وارث كل فضل. و قالت آمنة بنت عبد المطلب تبكي أباها و ترثيه. بكت عيني و حق لها البكاء. على سمح السجية و الحياء. على سمح الخليقة أبطحي. كريم الخيم ينميه العلاء. أقب الكشح أروع ذي أصول. له المجد المقدم و الثناء. و كان هو الفتى كرما و جودا. و بأسا حين يشتبك القناء.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · بدء خلقه و ما جرى له في الميثاق و بدء نوره و ظهوره(ص)من لدن آدم(ع)و بيان حال (1) آبائه العظام و أجداده الكرام لا سيما عبد المطلب و والديه عليهم الصلاة و السلام و بعض أحوال العرب في الجاهلية و قصة الفيل و بعض النوادر