في العدد القوية: قَالَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُكَانَتْ فِي بَنِي سَعْدٍ شَجَرَةٌ يَابِسَةٌ مَا حَمَلَتْ قَطُّ فَنَزَلْنَا يَوْماً عِنْدَهَا وَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي حَجْرِي فَمَا قُمْتُ حَتَّى اخْضَرَّتْ وَ أَثْمَرَتْ بِبَرَكَةٍ مِنْهُ وَ مَا أَعْلَمُ أَنِّي جَلَسْتُ مَوْضِعاً قَطُّ إِلَّا كَانَ لَهُ أَثَرٌ إِمَّا نَبَاتٌ وَ إِمَّا خِصْبٌ وَ لَقَدْ دَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مِسْكِينٍ وَ كَانَتْ سَيِّئَةَ الْحَالِ فَحَمَلَتْهُ فَأَدْخَلَتْهُ مَنْزِلَهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ أَخْصَبَتْ وَ حَسُنَ حَالُهَا فَكَانَتْ تَجِيءُ كُلَّ يَوْمٍ فَتُقَبِّلُ رَأْسَهُ قَالَتْ حَلِيمَةُ مَا نَظَرْتُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ هُوَ نَائِمٌ إِلَّا وَ رَأَيْتُ عَيْنَيْهِ مَفْتُوحَتَيْنِ كَأَنَّهُ يَضْحَكُ وَ كَانَ لَا يُصِيبُهُ حَرٌّ وَ لَا بَرْدٌ قَالَتْ حَلِيمَةُ مَا تَمَنَّيْتُ شَيْئاً قَطُّ فِي مَنْزِلِي إِلَّا أُعْطِيتُهُ مِنَ الْغَدِ وَ لَقَدْ أَخَذَ ذِئْبٌ عُنَيْزَةً لِي فَتَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ حُزْنٌ شَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَمَا شَعَرْتُ إِلَّا وَ الذِّئْبُ وَ الْعُنَيْزَةُ عَلَى ظَهْرِهِ قَدْ رَدَّهَا عَلَيَّ مَا عَقَرَ مِنْهَا شَيْئاً قَالَتْ حَلِيمَةُ مَا أَخْرَجْتُهُ قَطُّ فِي شَمْسٍ إِلَّا وَ سَحَابَةٌ تُظِلُّهُ وَ لَا فِي مَطَرٍ إِلَّا وَ سَحَابَةٌ تَكُنُّهُ مِنَ الْمَطَرِ قَالَتْ حَلِيمَةُ فَمَا زَالَ مِنْ خَيْمَتِي نُورٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يُصِيبُهُمُ الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ فَمَا أَصَابَنِي حَرٌّ وَ لَا بَرْدٌ مُنْذُ كَانَ عِنْدِي وَ لَقَدْ هَمَمْتُ يَوْماً أَنْ أَغْسِلَ رَأْسَهُ فَجِئْتُهُ وَ قَدْ غُسِلَ رَأْسُهُ وَ دُهِّنَ وَ طُيِّبَ وَ مَا غَسَلْتُ لَهُ ثَوْباً قَطُّ وَ كُلَّمَا هَمَمْتُ بِغَسْلِ ثَوْبِهِ سُبِقْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ ثَوْباً غَيْرَهُ جَدِيداً قَالَتْ مَا كُنْتُ أُخْرِجُ لِمُحَمَّدٍ ثَدْيِي إِلَّا وَ سَمِعْتُ لَهُ نَغْمَةً وَ لَا شَرِبَ قَطُّ إِلَّا وَ سَمِعْتُهُ يَنْطِقُ بِشَيْءٍ فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَطَقَ وَ عَقَدَ كَانَ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ إِذَا أَكَلَ وَ فِي آخِرِ مَا يَفْرُغُ مِنْ أَكْلِهِ وَ شُرْبِهِ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ. 13 يل، الفضائل لابن شاذان قَالَ الْوَاقِدِيِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مَاتَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَبَقِيَ(صلى الله عليه وآله وسلم)بِلَا أَبٍ وَ لَا أُمٍّ وَ هُوَ مِنْ أَبْنَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَبَقِيَ يَتِيماً فِي حَجْرِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ مَوْتُ آمِنَةَ لِيُتْمِ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ لَمْ يَأْكُلْ وَ لَمْ يَشْرَبْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَبَعَثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى بِنْتَيْهِ عَاتِكَةَ وَ صَفِيَّةَ وَ قَالَ لَهُمَا خُذَا مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم وَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُكَاءً وَ لَا يَسْكُنُ وَ كَانَتْ عَاتِكَةُ تُلْعِقُهُ عَسَلًا صَافِياً مَعَ الثَّرِيدِ وَ هُوَ لَا يَزْدَادُ إِلَّا تَمَادِياً فِي الْبُكَاءِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَضَجِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لِعَاتِكَةَ فَلَعَلَّهُ يَقْبَلُ ثَدْيَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَ يُرْضِعْنَ وَلَدِي وَ قُرَّةَ عَيْنِي فَبَعَثَتْ عَاتِكَةُ بِالْجَوَارِي وَ الْعَبِيدِ نَحْوَ نِسَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَ قُرَيْشٍ وَ دَعَتْهُنَّ إِلَى رَضَاعِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَجِئْنَ إِلَى عَاتِكَةَ وَ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهَا فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَ سِتِّينَ جَارِيَةً مِنْ بَنَاتِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَتَقَدَّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَ وَضَعْنَ ثَدْيَهُنَّ فِي فَمِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَمَا قَبِلَ مِنْهُنَّ أَحَداً وَ بَقِينَ مُتَحَيِّرَاتٍ وَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَالِساً فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِنَّ وَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُكَاءً وَ حُزْناً فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَهْمُوماً وَ قَعَدَ عِنْدَ سِتَارَةِ الْكَعْبَةِ وَ رَأْسُهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ ثَكْلَاءُ وَ إِذَا بِعَقِيلِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَ قَدْ أَقْبَلَ وَ هُوَ شَيْخُ قُرَيْشٍ وَ أَسَنُّهُمْ فَلَمَّا رَأَى عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَغْمُوماً قَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَارِثِ مَا لِي أَرَاكَ مَغْمُوماً قَالَ يَا سَيِّدَ قُرَيْشٍ إِنَّ نَافِلَتِي يَبْكِي وَ لَا يَسْكُنُ شَوْقاً إِلَى اللَّبَنِ مِنْ حِينَ مَاتَتْ أُمُّهُ وَ أَنَا لَا أَتَهَنَّأُ بِطَعَامٍ وَ لَا شَرَابٍ وَ عَرَضْتُ عَلَيْهِ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَ فَتَحَيَّرْتُ وَ انْقَطَعَتْ حِيلَتِي فَقَالَ عَقِيلٌ يَا أَبَا الْحَارِثِ إِنِّي لَأَعْرِفُ فِي أَرْبَعَةٍ وَ أَرْبَعِينَ صِنْدِيداً مِنْ صَنَادِيدِ الْعَرَبِ امْرَأَةً عَاقِلَةً هِيَ أَفْصَحُ لِسَاناً وَ أَصْبَحُ وَجْهاً وَ أَرْفَعُ حَسَباً وَ نَسَباً وَ هِيَ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سُخْنَةَ بْنِ نَاصِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ زَهْرِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أكدد [أُدَدَ بْنِ يشخب [يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ نَبْتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا سَيِّدَ قُرَيْشٍ لَقَدْ نَبَّهْتَنِي لِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَ فَرَّجْتَ عَنِّي ثُمَّ دَعَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِغُلَامٍ اسْمُهُ شَمَرْدَلٌ وَ قَالَ لَهُ قُمْ يَا غُلَامُ وَ ارْكَبْ نَاقَتَكَ وَ اخْرُجْ نَحْوَ حَيِّ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَ ادْعُ لِي أَبَا ذُؤَيْبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ الْعَدَوِيَّ فَذَهَبَ الْغُلَامُ وَ اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِ نَاقَتِهِ وَ كَانَ حَيُّ بَنِي سَعْدٍ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا فِي طَرِيقِ جُدَّةَ قَالَ فَذَهَبَ الْغُلَامُ نَحْوَ حَيِّ بَنِي سَعْدٍ فَلَحِقَ بِهِمْ وَ إِذَا خَيْمَتُهُمْ مِنْ مِسْحٍ وَ خُوصٍ وَ كَذَلِكَ خِيَمُ الْأَعْرَابِ وَ الْبَوَادِي فَدَخَلَ شَمَرْدَلٌ الْحَيَّ وَ سَأَلَ عَنْ خَيْمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَعْطَوْهُ الْأَثَرَ فَذَهَبَ شَمَرْدَلٌ إِلَى الْخَيْمَةِ فَإِذَا بِخَيْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَ إِذَا عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ غُلَامٌ أَسْوَدُ فَاسْتَأْذَنَ شَمَرْدَلٌ فِي الدُّخُولِ فَدَخَلَ الْغُلَامُ وَ قَالَ أَنْعِمْ صَبَاحاً يَا أَبَا ذُؤَيْبٍ قَالَ فَحَيَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُ مَا الْخَبَرُ يَا شَمَرْدَلُ فَقَالَ اعْلَمْ يَا سَيِّدِي أَنَّ مَوْلَايَ أَبَا الْحَارِثِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَدْ وَجَّهَنِي نَحْوَكَ وَ هُوَ يَدْعُوكَ فَإِنْ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي أَنْ تُجِيبَهُ فَافْعَلْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ وَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ سَاعَتِهِ وَ دَعَا بِمِفْتَاحِ الْخِزَانَةِ فَأُعْطِيَ الْمِفْتَاحَ فَفَتَحَ بَابَ الْخِزَانَةِ وَ أَخْرَجَ مِنْهَا جَوْشَنَهُ فَأَفْرَغَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَ أَخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ دِرْعاً فَاضِلًا فَأَفْرَغَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَوْقَ جَوْشَنِهِ وَ اسْتَخْرَجَ بَيْضَةً عَادِيَةً فَقَلَّبَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَ تَقَلَّدَ بِسَيْفَيْنِ وَ اعْتَقَلَ رُمْحاً وَ دَعَا بِنَجِيبٍ فَرَكِبَهُ وَ جَاءَ نَحْوَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمَّا دَخَلَ تَقَدَّمَ شَمَرْدَلٌ وَ أَخْبَرَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَ كَانَ جَالِساً مَعَ رُؤَسَاءِ مَكَّةَ مِثْلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَ جَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَبْدَ اللَّهِ قَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَ اسْتَقْبَلَهُ وَ عَانَقَهُ وَ صَافَحَهُ وَ أَقْعَدَهُ إِلَى جَنْبِهِ وَ أَلْزَقَ رُكْبَتَيْهِ بِرُكْبَتَيْهِ وَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى اسْتَرَاحَ ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا أَبَا ذُؤَيْبٍ أَ تَدْرِي بِمَا دَعَوْتُكَ قَالَ يَا سَيِّدِي وَ سَيِّدَ قُرَيْشٍ وَ رَئِيسَ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى تَقُولَ فَأَسْمَعَ مِنْكَ وَ أَعْمَلَ بِأَحْسَنِهِ قَالَ اعْلَمْ يَا أَبَا ذُؤَيْبٍ أَنَّ نَافِلَتِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَاتَ أَبُوهُ وَ لَمْ يَبِنْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ ثُمَّ مَاتَتْ أُمُّهُ وَ هُوَ ابْنُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَ هُوَ لَا يَسْكُنُ مِنَ الْبُكَاءِ عَيْمَةً إِلَى اللَّبَنِ وَ قَدْ أَحْضَرْتُ عِنْدَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ جَارِيَةً مِنْ أَشْرَفِ وَ أَجَلِّ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَبَناً وَ الْآنَ سَمِعْنَا أَنَّ لَكَ بِنْتاً ذَاتَ لَبَنٍ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُنْفِذَهَا لِتُرْضِعَ وَلَدِي مُحَمَّداً فَإِنْ قَبِلَ لَبَنَهَا فَقَدْ جَاءَتْكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَ عَلَيَّ غِنَاكَ وَ غِنَى أَهْلِكَ وَ عَشِيرَتِكَ وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَى مِمَّا رَأَيْتَ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرِهَا فَافْعَلْ فَفَرِحَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَحاً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا الْحَارِثِ إِنَّ لِي بِنْتَيْنِ فَأَيَّتَهُمَا تُرِيدُ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أُرِيدُ أَكْمَلَهُمَا عَقْلًا وَ أَكْثَرَهُمَا لَبَناً وَ أَصْوَنَهُمَا عِرْضاً فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَاتِيكَ حَلِيمَةُ لَمْ تَكُنْ كَأَخَوَاتِهَا بَلْ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَكْمَلَ عَقْلًا وَ أَتَمَّ فَهْماً وَ أَفْصَحَ لِسَاناً وَ أَثَجَّ لَبَناً وَ أَصْدَقَ لَهْجَةً وَ أَرْحَمَ قَلْباً مِنْهُنَّ جُمَعَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ رَبِّ السَّمَاءِ مَا أُرِيدُ إِلَّا ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ فَقَامَ مِنْ سَاعَتِهِ وَ اسْتَوَى عَلَى مَتْنِ جَوَادِهِ وَ أَخَذَ نَحْوَ بَنِي سَعْدٍ بَعْدَ أَنْ أَضَافَهُ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ دَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَلِيمَةَ وَ قَالَ لَهَا أَبْشِرِي فَقَدْ جَاءَتْكِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا فَقَالَتْ حَلِيمَةُ مَا الْخَبَرُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ اعْلَمِي أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَئِيسَ قُرَيْشٍ وَ سَيِّدَ بَنِي هَاشِمٍ سَأَلَنِي إِنْفَاذَكِ إِلَيْهِ لِتُرْضِعِي وَلَدَهُ وَ تُبَشِّرِي بِالْعَطَاءِ الْجَزِيلِ فَفَرِحَتْ حَلِيمَةُ بِذَلِكَ وَ قَامَتْ مِنْ وَقْتِهَا وَ سَاعَتِهَا وَ اغْتَسَلَتْ وَ تَطَيَّبَتْ وَ تَبَخَّرَتْ وَ فَرَغَتْ مِنْ زِينَتِهَا فَلَمَّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَ زَيَّنَ نَاقَتَهُ فَرَكِبَتْ عَلَيْهَا حَلِيمَةُ وَ رَكِبَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَسَهُ وَ كَذَلِكَ زَوْجُهَا بَكْرُ بْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ وَ خَرَجُوا مِنْ دَارِهِمْ فِي دَاجٍ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا أَصْبَحُوا كَانُوا عَلَى بَابِ مَكَّةَ وَ دَخَلُوهَا وَ ذَهَبَتْ إِلَى دَارِ عَاتِكَةَ وَ كَانَتْ تُلَاطِفُ مُحَمَّداً وَ تُلْعِقُهُ الْعَسَلَ وَ الزُّبْدَ الطَّرِيَّ فَلَمَّا دَخَلَتِ الدَّارَ وَ سَمِعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِمَجِيئِهَا جَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ وَ دَخَلَ الدَّارَ وَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ حَلِيمَةَ فَفَتَحَتْ حَلِيمَةُ جَيْبَهَا وَ أَخْرَجَتْ ثَدْيَهَا الْأَيْسَرَ وَ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهَا وَ وَضَعَتْ ثَدْيَهَا فِي فَمِهِ وَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)تَرَكَ ثَدْيَهَا الْأَيْسَرَ وَ اضْطَرَبَ إِلَى ثَدْيِهَا الْأَيْمَنِ فَأَخَذَتْ حَلِيمَةُ ثَدْيَهَا الْأَيْمَنَ مِنْ يَدِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ وَضَعَتْ ثَدْيَهَا الْأَيْسَرَ فِي فَمِهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ ثَدْيَهَا الْأَيْمَنَ كَانَ جَهَاماً لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَبَنٌ وَ خَافَتْ حَلِيمَةُ أَنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِذَا مَصَّ الثَّدْيَ وَ لَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئاً لَا يَأْخُذُ بَعْدَهُ الْأَيْسَرَ فَيَأْمُرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِإِخْرَاجِهَا مِنَ الدَّارِ فَلَمَّا أَلَحَّتْ عَلَى النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنْ يَأْخُذَ الْأَيْسَرَ وَ النَّبِيُّ يَمِيلُ إِلَى الْأَيْمَنِ فَصَاحَتْ عَلَيْهِ وَ قَالَتْ يَا وَلَدِي مُصَّ الْأَيْمَنَ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ جَهَامٌ يَابِسٌ لَا شَيْءَ فِيهِ قَالَ فَلَمَّا مَصَّ النَّبِيُّ الْأَيْمَنَ امْتَلَأَ فَانْفَتَحَ بِاللَّبَنِ حَتَّى مَلَأَ شِدْقَيْهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ بِبَرَكَتِهِ فَضَجَّتْ حَلِيمَةُ وَ قَالَتْ وَا عَجَبَاهْ مِنْكَ يَا وَلَدِي وَ حَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ رَبَّيْتُ بِثَدْيِ الْأَيْسَرِ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَداً وَ مَا ذَاقُوا مِنْ ثَدْيِيَ الْأَيْمَنِ شَيْئاً وَ الْآنَ قَدِ انْفَتَحَ بِبَرَكَتِكَ وَ أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ فَأَمَرَهَا بِكِتْمَانِ ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَكُونِينَ عِنْدِي فَآمُرُ لَكِ بِإِفْرَاغِ قَصْرٍ بِجَنْبِ قَصْرِي وَ أُعْطِيكِ كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ دَسْتَ ثِيَابٍ رُومِيَّةٍ وَ كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ أَمْنَانِ خُبْزٍ حُوَّارَى وَ لَحْماً مَشْوِيّاً قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهَا عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ أَوْحَى لَهَا أَنْ لَا تُقِيمِي عِنْدَهُ قَالَتْ يَا أَبَا الْحَارِثِ لَوْ جَعَلْتَ لِي مَالَ الدُّنْيَا مَا أَقَمْتُ عِنْدَكَ وَ لَا تَرَكْتُ الزَّوْجَ وَ الْأَوْلَادَ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَأَدْفَعُ إِلَيْكَ مُحَمَّداً عَلَى شَرْطَيْنِ قَالَتْ وَ مَا الشرطين [الشَّرْطَانِ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تُحْسِنِي إِلَيْهِ وَ تُنَوِّمِيهِ إِلَى جَنْبِكَ وَ تُدَثِّرِيهِ بِيَمِينِكِ وَ تُوَسِّدِيهِ بِيَسَارِكِ وَ لَا تَنْبِذِيهِ وَرَاءَ ظَهْرِكِ قَالَتْ حَلِيمَةُ وَ حَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ إِنِّي مُنْذُ وَقَعَ عَلَيْهِ نَظَرِي قَدْ ثَبَتَ حُبُّهُ فِي فُؤَادِي فَلَكَ السَّمْعُ وَ الطَّاعَةُ يَا أَبَا الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ وَ أَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ تَحْمِلِيهِ إِلَيَّ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ حَتَّى أَتَمَتَّعَ بِرُؤْيَتِهِ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ قَالَتْ أَفْعَلُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تَغْسِلَ رَأْسَ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَغَسَلَتْ رَأْسَهُ وَ لَفَّفَتْهُ فِي خِرَقِ السُّنْدُسِ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَ أَخَذَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ قَالَ لَهَا يَا حَلِيمَةُ نَمْضِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَتَّى أُسَلِّمَهُ إِلَيْكِ فِيهِ فَحَمَلَهُ عَلَى سَاعِدِهِ وَ دَخَلَ وَ طَافَ بِالنَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)سَبْعاً وَ هُوَ عَلَى سَاعِدِهِ مُلَفَّفاً بِخِرَقِ السُّنْدُسِ ثُمَّ إِنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ أَرْبَعِينَ ثَوْباً مِنْ خَوَاصِّ كِسْوَتِهِ وَ وَهَبَ لَهَا أَرْبَعَ جَوَارٍ رُومِيَّةٍ وَ حُلَلَ سُنْدُسٍ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ أَتَى بِالنَّاقَةِ فَرَكِبَتْهَا حَلِيمَةُ وَ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي حَجْرِهَا وَ شَيَّعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى خَارِجِ مَكَّةَ ثُمَّ أَخَذَتْ حَلِيمَةُ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَى جَنْبِهَا مِنْ دَاخِلِ خِمَارِهَا فَلَمَّا بَلَغَتْ حَلِيمَةُ حَيَّ بَنِي سَعْدٍ كَشَفَتْ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَبْرَقَ مِنْ وَجَنَاتِهِ نُورٌ فَارْتَفَعَ فِي الْهَوَاءِ طُولًا وَ عَرْضاً إِلَى أَعْنَانِ السَّمَاءِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا رَأَى الْخَلْقُ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِي حَيِّ بَنِي سَعْدٍ صَغِيرٌ وَ لَا كَبِيرٌ وَ لَا شَيْخٌ وَ لَا شَابٌّ إِلَّا اسْتَقْبَلُوا حَلِيمَةَ وَ هَنَّئُوهَا بِمَا رَزَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكَرَامَةِ الْكُبْرَى فَذَهَبَتْ حَلِيمَةُ إِلَى بَابِ خَيْمَتِهَا وَ بَرَكَتِ النَّاقَةُ وَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي حَجْرِهَا فَمَا وَضَعَتْهُ عِنْدَ الصَّغِيرِ إِلَّا حَمَلَهُ الْكَبِيرُ وَ مَا وَضَعَتْهُ عِنْدَ الْكَبِيرِ إِلَّا وَ أَخَذَهُ الصَّغِيرُ وَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم. قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَبَقِيَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عِنْدَ حَلِيمَةَ تُرْضِعُهُ وَ كَانَتْ تَقُولُ يَا وَلَدِي وَ رَبِّ السَّمَاءِ إِنَّكَ لَعِنْدِي أَعَزُّ مِنْ وَلَدَيَّ ضَمْرَةَ وَ قُرَّةَ [قُرَّةُ عَيْنِي أَ تَرَى أَعِيشُ حَتَّى أَرَاكَ كَبِيراً كَمَا رَأَيْتُكَ صَغِيراً وَ كَانَتْ تُؤْثِرُ مُحَمَّداً عَلَى أَوْلَادِهَا جِدّاً وَ لَا تُفَارِقُهُ سَاعَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ قَالَتْ حَلِيمَةُ وَ اللَّهِ مَا غَسَلْتُ لِمُحَمَّدٍ ثَوْباً مِنْ بَوْلٍ وَ لَا غَائِطٍ بَلْ كَانَ إِذَا جَاءَ وَقْتُ حَاجَتِهِ يَنْقَلِبُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ حَتَّى تَعْلَمَ حَلِيمَةُ بِذَلِكَ وَ تَأْخُذُهُ وَ تَخْدُمُهُ حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَ لَا شَمِمْتُ وَ رَبِّ السَّمَاءِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَائِحَةَ النَّتْنِ قَطُّ بَلْ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ شَيْءٌ يَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَ الْكَافُورِ قَالَتْ حَلِيمَةُ فَلَمَّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)تِسْعَةُ أَشْهُرٍ مَا رَأَيْتُ مَا يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تَبْتَلِعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَلِهَذَا لَمْ أَرَهُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ لَمَّا كَمَلَتْ لَهُ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ قَامَتْ حَلِيمَةُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ قَعَدَتْ عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ مُنْتَظِرَةً لِانْتِبَاهِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لِتُزَيِّنَهُ وَ تَحْمِلَهُ إِلَى عِنْدِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ فَلَمْ يَنْتَبِهِ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ أَبْطَأَ الْخُرُوجُ مِنَ الْخَيْمَةِ إِلَى حَلِيمَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مَغْسُولَ الرَّأْسِ مُسَرَّحَ الذَّوَائِبِ وَ قَدْ زُوِّقَ جَبِينُهُ وَ ذَقَنُهُ وَ عَلَيْهِ أَلْوَانُ الثِّيَابِ مِنَ السُّنْدُسِ وَ الْإِسْتَبْرَقِ فَتَعَجَّبَتْ حَلِيمَةُ مِنْ زِينَةِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ مِنْ لِبَاسِهِ مِمَّا رَأَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ يَا وَلَدِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ وَ الزِّينَةُ الْكَامِلَةُ فَقَالَ لَهَا مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَمَّا الثِّيَابُ فَمِنَ الْجَنَّةِ وَ أَمَّا الزِّينَةِ فَمِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ فَتَعَجَّبَتْ حَلِيمَةُ مِنْ ذَلِكَ عَجَباً شَدِيداً ثُمَّ حَمَلَتْهُ إِلَى جَدِّهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَامَ إِلَيْهِ وَ اعْتَنَقَهُ وَ أَخَذَهُ إِلَى حَجْرِهِ فَقَالَ لَهُ يَا وَلَدِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ وَ الزِّينَةُ الْكَامِلَةُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَا جَدِّ اسْتَخْبِرْ ذَلِكَ مِنْ حَلِيمَةَ فَكَلَّمَتْهُ حَلِيمَةُ وَ قَالَتْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِنَا فَأَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلِيمَةَ أَنْ تَكْتُمَ ذَلِكَ وَ أَمَرَ لَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ عَشَرَةِ دُسُوتِ ثِيَابٍ وَ جَارِيَةٍ رُومِيَّةٍ فَخَرَجَتْ حَلِيمَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَرِحَةً مَسْرُورَةً إِلَى حَيِّهَا. قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْراً كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ خَمْسِ سِنِينَ لِإِتْمَامِ وَقَارَةِ جِسْمِهِ وَ مَلَاحَةِ بَدَنِهِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا حَمَلَتْ حَلِيمَةُ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَى حَيِّهَا حِينَ أَخَذَتْهُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ كَانَ لَهَا اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ رَأْساً مِنَ الْمَوَاشِي فَوَضَعَتْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كُلُّ شَاةٍ تَوْأَماً بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَ لَهَا أَلْفٌ وَ ثَلَاثُونَ رَأْساً مِنَ الشَّاغِيَةِ وَ الرَّاغِيَةِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِخْوَةٌ مِنَ الرَّضَاعَةِ يَخْرُجُونَ بِالنَّهَارِ إِلَى الرِّعَايَةِ وَ يَعُودُونَ بِاللَّيْلِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَرَجَعُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ مَغْمُومِينَ فَلَمَّا دَخَلُوا الدَّارَ قَالَتْ لَهُمْ حَلِيمَةُ مَا لِي أَرَاكُمْ مَغْمُومِينَ قَالُوا يَا أُمَّنَا إِنَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَاءَ ذِئْبٌ وَ أَخَذَ شَاتَيْنِ مِنْ شِيَاهِنَا وَ ذَهَبَ بِهِمَا فَقَالَتْ حَلِيمَةُ الْخَلَفُ وَ الْخَيْرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَسَمِعَ النَّبِيُّ قَوْلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ لَا عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَسْتَرْجِعُ الشَّاتَيْنِ مِنَ الذِّئْبِ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ ضَمْرَةُ وَا عَجَبَا مِنْكَ يَا أَخِي قَدْ أَخَذَهُمَا بِالْأَمْسِ فَكَيْفَ تَسْتَرْجِعُهُمَا بِالْيَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنَّهُ صَغِيرٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَامَ ضَمْرَةُ وَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى كَتِفِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مُرَّ بِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ الذِّئْبُ فِيهِ الشَّاتَيْنِ قَالَ فَذَهَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عَنْ كَتِفِ أَخِيهِ ضَمْرَةَ وَ سَجَدَ سَجْدَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَ قَالَ إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ تَعْلَمُ حَقَّ حَلِيمَةَ عَلَيَّ وَ قَدْ تَعَدَّى ذِئْبٌ عَلَى مَوَاشِيهَا فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُلْزِمَ الذِّئْبَ بِرَدِّ الْمَوَاشِي إِلَيَّ قَالَ فَمَا اسْتَتَمَّ دُعَاءَهُ حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الذِّئْبِ أَنْ يَرُدَّ الْمَوَاشِيَ إِلَى صَاحِبِهَا. قَالَ الْوَاقِدِيُّ إِنَّ الذِّئْبَ لَمَّا ذَهَبَ بِالشَّاتَيْنِ حِينَ أَخَذَهُمَا نَادَى مُنَادٍ يَا أَيُّهَا الذِّئْبُ احْذَرِ اللَّهَ وَ بَأْسَهُ وَ عُقُوبَتَهُ وَ احْفَظِ الشَّاتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَخَذْتَهُمَا حَتَّى تَرُدَّهُمَا عَلَى خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَلَمَّا سَمِعَ الذِّئْبُ النِّدَاءَ تَحَيَّرَ وَ دَهِشَ وَ وَكَّلَ بِهِمَا رَاعِياً يَرْعَاهُمَا إِلَى الصَّبَاحِ فَلَمَّا حَضَرَ النَّبِيُّ(عليه السلام)وَ دَعَا بِدُعَائِهِ قَامَ الذِّئْبُ وَ رَدَّهُمَا وَ قَبَّلَ قَدَمَ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْذِرْنِي فَإِنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُمَا لَكَ فَأَخَذَ ضَمْرَةُ الشَّاتَيْنِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُمَا شَيْءٌ فَقَالَ ضَمْرَةُ يَا مُحَمَّدُ مَا أَعْجَبَ شَأْنَكَ وَ أَنْفَذَ أَمْرَكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَأَمَرَهُمْ بِكِتْمَانِهِ فَكَتَمُوهُ مَخَافَةَ أَنْ يَحْسُدَهُ قُرَيْشٌ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)سَنَتَيْنِ وَ نَظَرَ إِلَى حَلِيمَةَ وَ قَالَ لَهَا مَا لِي لَا أَرَى إِخْوَتِي بِالنَّهَارِ وَ أَرَاهُمْ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ لَهُ يَا سَيِّدِي سَأَلْتَنِي عَنْ إِخْوَتِكَ وَ هُمْ يَخْرُجُونَ فِي النَّهَارِ إِلَى الرِّعَاءِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَا أُمَّاهْ أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ مَعَهُمْ إِلَى الرِّعَاءِ وَ أَنْظُرَ إِلَى الْبَرِّ وَ السَّهْلِ وَ الْجَبَلِ وَ أَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ تَشْرَبُ اللَّبَنَ مِنْ أُمَّهَاتِهَا وَ أَنْظُرَ إِلَى الْقَطَائِعِ وَ إِلَى عَجَائِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ وَ أَعْتَبِرَ مِنْ ذَلِكِ وَ أَعْرِفَ الْمَنْفَعَةَ مِنَ الْمَضَرَّةِ فَقَالَتْ لَهُ حَلِيمَةُ أَ فَتُحِبُّ يَا وَلَدِي ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّانِيَ قَامَتْ حَلِيمَةُ فَغَسَلَتْ رَأْسَ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ سَرَّحَتْ شَعْرَهُ وَ دَهَنَتْهُ وَ مَشَطَتْهُ وَ أَلْبَسَتْهُ ثِيَاباً فَاخِرَةً وَ جَعَلَتْ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَيْنِ مِنْ حِذَاءِ مَكَّةَ وَ عَمَدَتْ إِلَى سَلَّةٍ وَ جَعَلَتْ فِيهَا أَطْعِمَةً جَيِّدَةً وَ بَعَثَتْهُ مَعَ أَوْلَادِهَا وَ قَالَتْ لَهُمْ يَا أَوْلَادِي أُوصِيكُمْ بِسَيِّدِي مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنْ تَحْفَظُوهُ وَ إِذَا جَاعَ فَأَطْعِمُوهُ وَ إِذَا عَطِشَ فَاسْقُوهُ فَإِذَا عَيَ فَأَقْعِدُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ عَلَى يَمِينِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ وَ عَنْ يَسَارِهِ ضَمْرَةُ وَ قُرَّةُ قُدَّامَهُ وَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بَيْنَهُمْ كَالْبَدْرِ بَيْنَ النُّجُومِ فَمَا بَقِيَ حَجَرٌ وَ لَا مَدَرٌ إِلَّا وَ هُمْ يُنَادُونَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَحْمَدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَامِدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَحْمُودُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْقَوْلِ الْعَدْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِكَ وَ الْوَيْلُ لِمَنْ كَفَرَ بِكَ وَ رَدَّ عَلَيْكَ حَرْفاً تَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ وَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَرُدُّ (عليهم السلام) وَ قَدْ تَحَيَّرَ الَّذِينَ مَعَهُ مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ الْعَجَائِبِ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَصَابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِسْتِحْيَائِيلَ أَنْ مُدَّ فَوْقَ رَأْسِ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)سَحَابَةً بَيْضَاءَ فَمَدَّهَا فَأَرْسَلَتْ عَزَالِيَهَا كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ وَ رَشَّ الْقَطْرُ عَلَى السَّهْلِ وَ الْجَبَلِ وَ لَمْ تَقْطُرْ عَلَى رَأْسِ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَطْرَةٌ وَ سَالَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرِ الْأَوْدِيَةُ وَ صَارَ الْوَحَلُ فِي الْأَرْضِ مَا خَلَا طَرِيقَ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ كَانَ يَنْزِلُ مِنْ تِلْكَ السَّحَابَةِ رِيشُ الزَّعْفَرَانِ وَ …
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · منشئه و رضاعه و ما ظهر من إعجازه عند ذلك إلى نبوته ص