في العدد القوية: كِتَابُ التَّذْكِرَةِ وُلِدَ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَخْتُوناً مَسْرُوراً فَأَعْجَبَ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ قَالَ لَيَكُونَنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ فَكَانَ لَهُ أَعْظَمُ شَأْنٍ وَ أَرْفَعُهُ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ شَهِدَ الْفِجَارَ وَ هِيَ حَرْبٌ كَانَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَ قَيْسٍ وَ هُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَ بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ بَعْدَ الْفِجَارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَضِيَتْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي نَصْبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَ كَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ قَبْلَ ذَلِكَ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ وَ لَمْ تَكُنْ تُسْقَفُ فَبَنَتْهَا قُرَيْشٌ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعاً وَ سَقَفَتْهَا وَ كَانَ يُدْعَى فِي قُرَيْشٍ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ وَ خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ وَ لَهُ تِسْعُ سِنِينَ وَ قِيلَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَ نَظَرَ إِلَيْهِ بَحِيرَاءُ الرَّاهِبُ فَقَالَ احْفَظُوا بِهِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَ لَهُ خَمْسٌ وَ عِشْرُونَ سَنَةً وَ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرَيْنِ وَ أَيَّامٍ وَ دَفَعَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِفَاعَةَ السَّعْدِيِّ زَوْجِ حَلِيمَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ وَ هِيَ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَ أُخْتُهُ أَسْمَاءُ وَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ تَحْضُنُهُ وَ سُبِيَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَ مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ لَهُ ثَمَانُ سِنِينَ وَ أَوْصَى بِهِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ دَخَلَ الشِّعْبَ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ وَ قِيلَ بَعْدَ سَبْعٍ لَمَّا حَصَرَتْهُمْ قُرَيْشٌ وَ خَرَجَ مِنْهُ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ مَبْعَثِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي جِوَارِ مَطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ ثُمَّ كَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ مَعَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ كَانَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ خَرَجَ فِي مَوْسِمٍ مِنَ الْمَوَاسِمِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ وَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَقِيَ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ هُمْ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ ناي وَ قُطْنَةُ بْنُ عَامِرٍ وَ عَوْنُ بْنُ الْحَارِثِ وَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ وَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى بَايَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ ثُمَّ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ وَ كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا وَ امْرَأَتَيْنِ وَ اخْتَارَ(صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً لِيَكُونُوا كُفَلَاءَ قَوْمِهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِزَامٍ وَ أَبُو سَاعِدَةَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ الْعَجْلَانُ وَ أَبُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ حَلِيفُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَ سَعْدُ بْنُ خُثَيْمَةَ فَكَانُوا تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَ ثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْسِ وَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ ثُمَّ تَبَايَعَ النَّاسُ ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عَامِرُ بْنُ فِهْرٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ وَ خَلَفَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْ صَفَرٍ وَ أَقَامَ فِي الْغَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ دُخُولُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَنَزَلَ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الهرم [الْهِدْمِ فَأَقَامَ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَجَمَّعَ فِي بَنِي سَالِمٍ فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جَمَّعَهَا(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي الْإِسْلَامِ وَ يُقَالُ في السيرة و الامتاع: نابى. و فيهما: قطبة بن عامر و عوف بن الحارث. إِنَّهُمْ كَانُوا مِائَةَ رَجُلٍ وَ يُقَالُ بَلْ كَانُوا أَرْبَعِينَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَأَقَامَ عِنْدَهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ بَنَى الْمَسْجِدَ فَكَانَ يَبْنِيهِ بِنَفْسِهِ وَ يَبْنِي مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ ثُمَّ بَنَى الْبُيُوتَ وَ كَانَ يُصَلِّي حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ أَرْبَعٍ لِلْمُقِيمِ وَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الثَّانِي بَعْدَ مَقْدَمِهِ بِشَهْرٍ. 20 أقول قال أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذه الأحاديث أنه كان من عادة أهل مكة إذا تم للمولود سبعة أيام التمسوا له مرضعة ترضعه فذكر الناس لعبد المطلب انظر لابنك مرضعة ترضعه فتطاولت النساء لرضاعته و تربيته و كانت آمنة يوما نائمة إلى جانب ولدها فهتف بها هاتف يا آمنة إن أردت مرضعة لابنك ففي نساء بني سعد امرأة تسمى حليمة بنت أبي ذؤيب فتطاولت آمنة إلى ذلك و كان كلما أتتها من النساء تسألهن عن أسمائهن فلم تسمع بذكر حليمة بنت أبي ذؤيب و كان سبب تحريك حليمة لرضاعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أن البلاد التي تلي مكة أصابها قحط و جدب إلا مكة فإنها كانت مخصبة زاهرة ببركة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و كانت العرب تدخل و تنزل بنواحيها من كل مكان فخرجت حليمة مع نساء من بني سعد قالت حليمة كنا نبقى اليوم و اليومين لا نقتات فيه بشيء و كنا قد شاركنا المواشي في مراعيها فكنت ذات ليلة بين النوم و اليقظة و إذا قد أتاني آت و رماني في نهر ماء أبيض من اللبن و أحلى من العسل و قال لي اشربي فشربت ثم ردني إلى مكاني و قال لي يا حليمة عليك ببطحاء مكة فإن لك بها رزقا واسعا و سوف تسعدين ببركة مولود ولد بها و ضرب بيده على صدري و قال أدر الله لك اللبن و جنبك المحق و المحن قالت حليمة فانتبهت و أنا لا أطيق حمل ثديي من كثرة اللبن و اكتسيت حسنا و جمالا و أصبحت بحالة غير الحالة الأولى ففزعت إلي نساء قومي و قلن يا حليمة قد عجبنا من حالك فما الذي حل بك و من أين لك هذا الحسن و الجمال الذي ظهر فيك قالت فكتمت أمري عليهن فتركنني و هن أحسد الناس لي ثم بعد يومين هتف بي هاتف فسمعه بنو سعد عن آخرهم و هو يقول يا نساء بني سعد نزلت عليكم البركات و زالت عنكم الترحات برضاعة مولود ولد بمكة فضّله الواحد الأحد فهنيئا لمن له قصد فلما سمعوا ما قاله الهاتف قالوا إن لهذا المولود شأنا عظيما فرحل بنو سعد عن آخرهم إلى مكة قالت حليمة و لم يبق أحد إلا و قد خرج إلى مكة قالت و كنا أهل بيت فقر و لم يك عندنا شيء نحمل عليه و قد ماتت مواشينا من القحط و كانت حليمة من أطهر نساء قومها و أعفهن و لذلك ارتضاها الله تعالى لترضع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و كانت النساء إذا دخلن على آمنة تسألهن عن أسمائهن فإذا لم تسمع بذكر حليمة تقول ولدي يتيم لا أب له و لا مال فيذهبن عنها فأقبلت حليمة مع بعلها و دخلت مكة و خلفت بعلها خارج البلد و قالت له مكانك حتى أدخل مكة و أسأل عن هذا المولود الذي بشرنا به فلما دخلت حليمة مكة أرشدها الله تعالى إلى أن دخلت على عبد المطلب و هو جالس بالصفا و كان له سرير منصوب عند الكعبة يجلس عليه للقضاء بين الناس فلما أتته قالت له نعمت صباحا أيها السيد فقال لها من أين أنت أيتها المرأة قالت من بني سعد أتينا نطلب رضيعا نتعيش من أجرته و قد أرشدت إليك فقال نعم عندي ولد لم تلد النساء مثله أبدا غير أنه يتيم من أبيه و أنا جده أقوم مقام أبيه فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك و أعطيتك كفايتك فلما سمعت ذلك أمسكت عن الكلام ثم قالت يا سيد بني عبد مناف لي بعل بظهر مكة و هو مالك أمري و أنا أرجع إليه أشاوره في ذلك فإن أمرني بأخذه رجعت إليه و أخذته فقال لها عبد المطلب شأنك فوصلت إلى بعلها و قالت له إني وردت على عبد المطلب فقال عندي مولود أبوه ميت و أنا أقوم مقامه فما تقول قال يرجعن نساء بني سعد بالإحسان و الإكرام و ترجعين أنت بصبي يتيم و كانت جملة نساء بني سعد قد دخلن مكة فمنهن من حصل لها رضيع و منهن من لم يحصل لها شيء فقالت حليمة ترجع نساء بني سعد بالغنائم و أرجع أنا خائبة و أسبلت عبرتها فقال بعلها ارجعي إلى هذا الطفل اليتيم و خذيه فعسى أن يجعل الله فيه خيرا كثيرا فإن جده مشكور بالإحسان فرجعت حليمة فوجدته في مكانه الأول فذكرت له قول زوجها فقام عبد المطلب و مضى بها إلى منزل آمنة و أخبرها بذلك و أعلمها باسمها و قومها فقالت هذه التي أمرت أن أدفع إليها ولدي فقالت لها آمنة أبشري يا حليمة بولدي هذا فو الله ما أخصبت بلادنا إلا ببركة ولدي هذا ثم أدخلتها آمنة البيت الذي فيه المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت حليمة أ توقدين يا آمنة مع ولدك المصباح في النهار قالت لا فو الله من حيث ولد ما أوقدت عنده النار بل هو يغنيني عن المصباح فنظرت حليمة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و هو ملفوف في ثوب من صوف أبيض يفوح منه رائحة المسك و العنبر فوقعت في قلبها محبة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و فرحت و سرت به سرورا عظيما و كان نائما فأشفقت عليه أن توقظه من نومه فأمسكت عنه ساعة فخشيت أن تبطئ على بعلها فمدت يدها إليه لتوقظه ففتح عينيه و جعل يهش لها و يضحك في وجهها فخرج من فمه نور فتعجبت حليمة من ذلك ثم ناولته ثديها اليمنى فرضع فناولته الأخرى فلم يرضع و كان ذلك إلهاما من الله عز و جل ألهمه العدل و الإنصاف من صغره إذ كان لها ابن ترضعه و كان لا يرضع حتى يرضع أخوه ضمرة فرجعت حليمة بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال لها عبد المطلب مهلا يا حليمة حتى نزودك قالت حسبي من الزاد هذا المولود و هو أحب إلي من الذهب و الفضة و من جميع الأطعمة و أعطاها من المال و الزاد و الكسوة فوق الطاقة و الكفاية و أعطتها آمنة كذلك فأخذت عند ذلك آمنة ولدها و قبلته و بكت لفراقه فربط الله على قلبها فدفعته إلى حليمة و قالت يا حليمة احفظي نور عيني و ثمرة فؤادي ثم خرجت حليمة من بيت آمنة و شيعها عبد المطلب قالت حليمة و الله ما مررت بحجر و لا مدر إلا و يهنئوني بما وصل إلي فلما أقبلت على بعلها نظر إلى النور يشرق في غرته فتعجب من ذلك و ألقى الله في قلبه الرحمة له فقال لها يا حليمة قد فضلنا الله بهذا المولود على سائر العالم فلا شك أنه من أبناء الملوك فلما ارتحلت القافلة ركبت حليمة على أتان و جعلت تقول لزوجها لقد سعدنا بهذا المولود سعادة الدنيا و الآخرة. و سمعت آمنة هاتفا يقول. قفي ساعة حتى نشاهد حسنه. قليلا و نمسي في وصال و في قرب. فأين ذهاب الركب عن ساكن الحمى. و أين رواح الصبعن ساكن الشعب. إذا جئت واديه و جئت خيامه. و عاينت بدر الحسن في طيبه قف بي. و طف بالمطايا حول حجره حسنة. و عند طواف العيس يا صاحبي طف بي. كرام الإبل. فعند مليح اللون مهجتي التي. براها الأسىوجدا كما عنده قلبي. قفي يا حليمة ساعة فلعلني. أناشده إذ كان ذا شخصه قربي. إذا طفت يا عيني اليمين تقربا. إلى الله يوم الحج يا مهجتي طف بي. طواف شجي القلب لا شيء مثله. فإن دموعي جاريات من السحب. ألا أيها الركب الميمم قاصدا. إلى ساكن الأحباب هل عندكم حبي قالت حليمة فصارت الأتان تمر كالريح العاصف فبينا نحن سائرون إذ مررنا على أربعين راهبا من نصارى نجران و إذا بواحد يصف لهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و يقول إنه يظهر في هذا الزمان أو قد ظهر بمكة مولود من صفاته كذا و كذا يكونعلى يده خراب دياركم و قطع آثاركم و إذا إبليس قد تصور لهم في صورة إنسان و قال لهم الذي تذكرونه مع هذه المرأة التي مرت بكم قالت حليمة فقاموا إليه و نظروا و إذا النور يخرج من وجهه ثم زعق بهم الشيطان و قال لهم اقتلوه فشهرواسيوفهم و قصدوني فرفع ولدي محمد رأسه إلى السماء شاخصا فإذا هم بداهية عظيمة كالرعد العاصف نزلت إلى الأرض و فتحت أبواب السماء و نزلت منها نيران و إذا بهاتف يقول خاب سعي الكهانقالت حليمة فعاينت نارا قد نزلت فخفت على ولدي منها فنزلت على واديهم فأحرقته و من فيه عن آخرهم فخفت و كدت أن أسقط عن الأتان و كان ذلك أول ما ظهر من فضائله صلى الله عليه وآله وسلم. قال صاحب الحديث إن أول ليلة نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بحي بني سعد اخضرت أرضهم و أثمرت أشجارهم و كانوا في قحط عظيم و كانوا يحبونه لذلك محبة عظيمة و كان إذا مرض منهم مريض يأتون به إليه فيشفىو كثرت معجزاته فكان بنو سعد يقولون يا حليمة لقد أسعدنا الله بولدك هذا قالت و الله ما غسلتله ثوبا قط من نجاسة و كان له وقت يتوضأ فيه و لا يعود إلا إلى الغداة و كنت أسمع منه الحكمة فلما كبر و ترعرعكان يقول الحمد لله الذي أخرجني من أفضل نبات من الشجرة التي خلق منها الأنبياء و كنت أتعجب منه و من كلامه و كان يصبح صغيرا و يمسي كبيراو يزيد في اليوم مثل ما يزيد غيره في الشهر و يزيد في الشهر مثل ما يزيد غيره في السنة حتى كبر و نشأ و لم يكن في زمانه أحسن منه خلقا و لا أيسر منه مئونة و لقد كنا نجعل القليل من الطعام قدامنا و نجتمع عليه و نأخذ يده و نضعها فيه فنأكل و يبقى أكثر الطعام فلما صار ابن سبع سنين قال لأمه حليمة يا أمي أين إخوتي قالت يا بني إنهم يرعون الغنم التي رزقنا الله إياها ببركتك قال يا أماه ما أنصفتني قالت كيف ذلك يا ولدي قال أكون أنا في الظل و إخوتي في الشمس و الحر الشديد و أنا أشرب منها اللبنقالت يا بني أخشى عليك من الحساد و أخاف أن يطرقك طارق فيطلبني بك جدك قال لها لا تخشي علي يا أماه من شيء و لكن إذا كان غداة غد أخرج مع إخوتي فلما رأته و قد عزم على الخروج و هي خائفة عليه عمدت إليه و شدته من وسطه و جعلت في رجليه نعلين و أخذ بيده عكازاو خرج مع إخوته فلما رأى أهل الحي أتوا مسرعين إلى حليمة فقالوا لها كيف يطيبقلبك بخروج هذا البدر و ما يصلح له الرعاية قالت يا قوم ما الذي تأمرونني به و لقد نهيته فلم ينته فأسأل الله تعالى أن يصرف عنه السوء ثم قالت شعرا. يا رب بارك في الغلام الفاضل. محمد سليل ذي الأفاضل. و أبلغه في الأعوام غير آفل. حتى يكون سيد المحافل. فلما كانوقت العشاء أقبل مع إخوته كأنه البدر الطالعفقالت له يا ولدي لقد اشتغلت قلبي بخروجك عني في هذه البرية قالت حليمة و كان في الغنم شاة قد ضربها ولدي ضمرة فكسر رجلها فأقبلت إلى ولدي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)تلوذ به كأنها تشكو إليه فمسح عليها بيده و جعل يتكلم عليها حتى انطلقت مع الأغنام كأنها غزالو كان كل يوم يظهر منه آيات و معجزات و كان إذا قال للغنمسيري سارت و إذا أمرها بالوقوف وقفت و هي مطيعة له فخرج في بعض الأيام مع إخوته و قد وصلوا إلى واد عشيبو كانت الرعاة تهابه لكثرة سباعهو إذا قد أقبل عليهم أسد و هو يزمجر هائل الخلقة فلما وصل إلى الأغنام فتح فاه و هم أن يهجم عليها فتقدم إليه محمد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلما نظر إليه الأسد نكس رأسه و ولى هاربافعند ذلك تقدم إخوته إليه فقال لهم ما شأنكم قالوا لقد خفنا عليك من هذا الأسد و أنت ما خفت منه و كنت تكلمه قال نعم كنت أقول له لا تعود بقرب هذا الوادي بعد هذا اليوم فلما كان بعد ذلك رأت حليمة رؤيا و انتبهت فزعة مرعوبة و قالت لبعلها إن سمعت مني أحمل محمدا إلى جده فإني أخشى أن يطرقه طارق فيعظم مصيبتنا عند جده و لقد رأيت كأن ولدي محمدا مع إخوته كما كان يخرج كل يوم إذ أتاه رجلان عظيمان لم أر أعظم منهما عليهما ثياب من إستبرق و قصداه فجاءه واحد منهما بخنجر و شق به جوفه فانتبهت فزعة مرعوبة و الرأي عندي أن تحمله إلى جده فقال لها إن الذي تذكرينه في حق محمد ممتنع فإنه معصوم من الله تعالىو لقد رأيت الرهبان و الأسد و غيره قالت نعم و لكن لكل شيء آخر و نهايةفكم كبير مات و صغير عاشفقال لها إن منامك الذي رأيتها أضغاث أحلام ثم لما أصبح الصباح و أراد محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يخرج مع إخوته على العادة قالت لا تخرج اليوم يا قرة عيني فإني أحب أن تكون معي هذا اليوم حتى أشبع من النظر إليك فإنك في كل يوم تخرج بكرة و لا تأتي إلا عشية فقال لها و كيف ذلك يا أماه و أي شيء خفت علي منه لا تخافي علي من شيء فلم يقدر أحد أن يصل إلي بسوء و لا ضر و لا نفع إلا الله ربي فخرج مع إخوته و هي راعبة عليه فلما كان وقت القائلة أقبل أولاد حليمة يبكون فخرجت حليمة تعثر في أذيالها حيث سمعت أولادها يبكون و حثت الترابعلى وجهها و شعرها و شهرت بنفسها فقالت ما الذي دهاكم أخبروني قالوا خرجنا نحن و أخونا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و جلسنا تحت شجرة و إذا قد أقبل عليه رجلان عظيمان لم نر مثلهما فلما وصلا إلينا أخذ أخانا محمدا(صلى الله عليه وآله وسلم)من بيننا و مضيا به إلى أعلى الجبل فأضجعه واحد منهما و أخذ سكينا و شق بطنه و أخرج قلبه و أمعاءه و لا شك أنك لا تلحقيه إلا هالكا فعند ذلك لطمت خدها و قالت هذا تأويل رؤياي البارحة وا أسفى عليك يا محمداه وا جزعي عليك يا ولداه يا قرة عيني ثم صرخت في الحي و خرجت و خرج بنو سعد كلهم في أثرها و خرج زوجها الحارث يجر قناته و بيده حربة فلما أشرفوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وجدوه جالسا و الأغنام حوله محيطة به فتبادر القوم إليه و رفعوه و أتوا به و هم يقولون كل شيء تلقاه نحن و أولادنا و أموالنا فداكفجاءت إليه حليمة و أخذته و قبلته و هي تبكي بكاء عظيما و كشفت عن بطنه فلم تر أثرا فيه و لم تر في أثوابه دما فرجعت إلى أولادها و قالت كيف كذبتم على أخيكم فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لا تلوميهمفإني كنت عندهم إذ أتاني رجلان و أخذاني و أضجعاني و أخذ واحد منهما سكينا فشق بها فؤادي و أخرج منه نكتة سوداء و رمى بها و قال لي هذا حظ الشيطان منك يا محمد ثم غسلا فؤادي بالماء و أعاداه كما كان ثم أخرج أحدهما خاتما يشرق منه النور فختم به فؤادي ثم مسح على ما شقه فعاد كما كان ثم قالالي يا محمد لو علمت ما لله عليك من السابقةلقرت عيناك ثم قال أحدهما للآخر زنه فوزنني بعشرة من أمتي فرجحت بهم ثم زاد عشرة فرجحت بهم ثم قاللو وزنته بجميع الأمملرجح بهم ثم عرجا نحو السماء و أنا أنظر إليهما فقالت حليمة لبعلها الرأي أنا نحمل محمدا إلى جده فقال يمنعني من ذلك خبث نفسي من فراقناله و إنه أعز عندنا من الأولاد فلما سمعت كلام بعلها قالت ما يوصل هذا الصبي إلى جده إلا أنا بنفسي ثم أقبلت إليه و قالت يا ولدي إن جدك إليك مشتاق و عمومتك فهل لك أن تسير إليهم قال نعم فقامت حليمة و شدت على راحلتها و ركبت و أخذت محمدا قدامها و سارت طالبة مكة و كان عبد المطلب قد أنفذ إليها أن تحمل ولده إليه فكانت إذا نزلت في هبوط ضمته إليها و إذا رأت راكبا غمتهخوفا عليه إلى أن وصلت حيا من أحياء العرب و كان عندهم كاهن و قد سقط حاجباه على عينيه من طول السنين و الناس عاكفون عليه فلما جازت عليهم غشي عليه فلما أفاق قال يا ويلكم بادروا إلى المرأة التي مرت راكبة و خذوا منها الصبي الذي عندها و اقتلوه قبل أن يخرب بلادكم قالت حليمة و إذا أنا بالرجال قد أقبلوا إلي فوقعت عليهم ريح صرعتهم في الحال فسرت عنهم و لم أحفل بهمو جعلت أسير حتى بلغت إلى مكة فوضعت ولدي محمدا(صلى الله عليه وآله وسلم)عند أناس جلوس و مضيت عنه ناحية لحاجة فسمعت وجبة و صوتا عاليا فالتفت إلى ولدي فلم أره فسألت عنه القوم الذين كانوا جلوسا قالوا ما رأيناه فسألوني عن اسمه فقلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فقلت و حق الكعبة و المقام لئن لم أجده رميت بنفسي من أعلى هذا الحائط حتى أموت و سألتهم و أخذت في جد السؤال فلم تعط خبرا فأخذت جيبها و مزقت أثوابهاو لطمت وجهها و بكت و أكثرت البكاء و حثت التراب على رأسها و جعلت تقول وا ولداه وا قرة عيناه وا ثمرة فؤاداه وا محمداه فبينا هي كذلك إذ خرج إليها شيخ كبير يتوكأ على عصا فقال لها ما قصتك أيتها المرأة فقالت فقدت ولدي محمدا و لم أدر أين مضى قال لها لا تبكين أنا أدلك على من يعلم أين ذهب قالت افعل يا سيدي فمضى قدامها إلى أن أتى الكعبة و طاف على صنم يقال له هبل و قال يا هبل أين محمد فسقط الصنم لما ذكر محمدا فخرج الرجال خائفا قالت حليمة فحسست في نفسي أنه قد أخذه آخذ و ذهب به إلى جده فقصدته مسرعة فلما رآني قال ما قصتك قلت ولدك محمد أتيت به و وضعته على باب مكة أقضي حاجة فرجعت فلم أره فقالإني أخشى أن يكون أخذه بعض الكهان فنادى عبد المطلب يا آل غالب و كانوا يتباركون بهذه الكلمة فلما سمع قريش صوت عبد المطلب أجابوه من كل مكانفقال لهم إن حليمة قد أقبلت بولدي محمد و طرحته على باب الكعبةو مضت لقضاء حاجة لها و عادت فلم تره و أنا أخاف عليه أن يغتاله ساحر أو كاهن فقالوا نحن معك سر بنا أين شئت إن خضت بحرا خضناه و إن ركبت برا ركبناه ثم ركبوا و ساروا فلم يقفوا له على خبر فأتى عبد المطلب إلى الكعبة و طاف بها سبعا و تعلق بأستارها ثم دعا و تضرع في دعائه فسمع هاتفا يقول يا عبد المطلب لا تخف على ولدكو لكن اطلبه بوادي دعايةعند شجرة الموز فمضى عبد المطلب إلى المكان المذكور فوجده قاعدا تحت الشجرة و قد تدلت عليه أثمارهافبادر إليه جده فأخذه و قبله و قال له يا ولدي من أتى بك إلى هذا الموضع قال اختطف بي طيرأبيض و حملني على جناحه و أتى بي إلى هاهنا و قد جعت و عطشت فأكلت من ثمرة هذه الشجرة و شربت من الماء و كان الطائر جبريل(عليه السلام). ثم إنحليمة قالت لعبد المطلب إن ولدك قد صارله عندنا كذا و كذا قال يا حليمة لا بأس عليك امضي إلى أمه و أخبريها بذلك فإنها أخبرتني يوم ولد أنه سطع منه نور صعد إلى السماء. و ذلك قولهتعالى﴿أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾الآية ثم إن عبد المطلب كفل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلىأن رمد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)رمدة شديدة و كان بالجحفة طبيب فوطأ له جده راحلة و سار به إلى الجحفة فلما دخل صاح عبد المطلب أيها الطبيب عندي غلام أريد أن تطب عينه فرفعرأسه و قال له اكشف لي عن وجهه فلما كشف عن وجهه سقطتالصومعة فرفعالراهب رأسه و نادى بالشهادتين و الإقرار بنبوة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم قال و ما عسى أن أقول فيه لا بأس عليه مما نزل به و لكن أيها الشيخ اسمع ما أقول لك إنه سيد العرب بل سيد الأولين و الآخرين و المشفع فيهم يوم الدين تنصره الملائكة المقربون و يأمره الله أن يقاتل من يخالفه و ينصره الله نصرا عزيزا و أشد الناس عليه قومه فقال عبد المطلب يا راهب ما تقول فقال و الذي لا إله إلا هو لئن أدركت زمانه لأنصرنه فاحفظ ولدك فرجع بولدهإلى مكة فأقام بها حتى حضرته الوفاة فأوصى به إلى عمه أبي طالب فكفله أبو طالب و أقبل به إلى منزله و دعا بزوجته فاطمة بنت أسد و كانت شديدة المحبة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)شفيقة عليه فقال لها أبو طالب اعلمي أن هذاابن أخي و هو أعز عندي من نفسي و مالي و إياك أن يتعرض عليهأحد فيما يريد فتبسمت فاطمة من قوله و كانت تؤثره على سائر أولادها و كان لها عقيل و جعفر فقالت له توصيني في ولدي محمد و إنه أحب إلي من نفسي و أولادي ففرح أبو طالب بذلك فجعلت تكرمه على جملة أولادها و لا تجعله يخرج عنها طرفة عين أبدا و كان يطعم من يريد فلا يمنع و قد كان يشب في اليوم ما يشب غيره في السنة و ينمو فتعجبأهل مكة من ذلك و حسنه و جماله فلما نظر أبو طالب إلى حسنه و جماله قال شعرا. نور وجهك الذي فاق في الحسن. على نور شمسنا و الهلال. أنت و الله يا مناي و سؤلي. الذي فاق نوره المتعالي. أنت نور الأنام من هاشم الغر. فقت كل العلا و كل الكمال. و علو الفخار و المجد أيضا. و لقد فقت أهل كل المعالي. ثم بعد ذلك شاع ذكره في البلادثم إنه توجه يوما إلى نحو الكعبة و أهل مكة حولها و كان قد عمروا فيها عمارة و شالواالحجر الأسود من مكانه فلما عزموا أن يردوه إلى مكانه الأول اختلفوا فيمن يرده فكان كل منهم يقول أنا أرده يريد الفخر لنفسه فقال لهم ابن المغيرة يا قوم حكموا في أمركم من يدخل من هذا الباب و أجمعوا على ذلكو إذا بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قد أقبل عليهم فقالوا هذا محمد نعم الصادق الأمين ذو الشرف الأصيلثم نادوه فأقبل عليهم فقالوا قد حكمناك في أمرنا من يحمل الحجر الأسود إلى محله فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)هذه فتنة ايتوني بثوبفأتوه به فقال ضعوا الحجر فوقه و ارفعوه من كل طرف قبيلة فرفعوه إلى مكانه و النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هو الذي وضعه في مكانهفتعجبت القبائل من فعله.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · منشئه و رضاعه و ما ظهر من إعجازه عند ذلك إلى نبوته ص