الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ نبينا (ص)
بحار الأنوار

وَ رُوِيَ حَدِيثُ حَلِيمَةَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍأَوْرَدْتُهَا أَيْضاً لِفَوَائِدَ فِيهَا وَ هِيَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ سَبَبِهَا أَنَّ اللَّهَ أَجْدَبَ الْبِلَادَ وَ الزَّمَانَ فَدَخَلَ ذَلِكَ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَ كَانَتْ حَلِيمَةُ تُحَدِّثُ عَنْ زَمَانِهَا وَ تَقُولُ كَانَ النَّاسُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي جَهْدٍ شَدِيدٍ وَ كُنَّا أَهْلَ بَيْتٍ مُجْدِبِينَ وَ كُنْتُ امْرَأَةً طَوَّافَةً أَطُوفُ الْبَرَارِيَ وَ الْجِبَالَ أَلْتَمِسُ الْحَشِيشَ وَ النَّبَاتَ فَكُنْتُ لَا أَمَرُّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ إِلَّا قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ بِي هَذَا الْجَهْدَ وَ الْبَلَاءَ وَ لَمَّا وُلِدَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)خَرَجْتُ إِلَى نَاحِيَةِ مَكَّةَ وَ لَمْ أَكُنْ ذُقْتُ شَيْئاً مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَ كُنْتُ أَلْتَوِي كَمَا تَلْتَوِي الْحَيَّةُ وَ كُنْتُ وَلَدْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ غُلَاماً فَلَمْ أَدْرِ أَ جَهْدَ الْوِلَادَةِ أَشْكُو أَمْ جَهْدَ نَفْسِي فَلَمَّا بِتُّ لَيْلَتِي تِلْكَ أَتَانِي رَجُلٌ فِي مَنَامِي فَحَمَلَنِي حَتَّى قَذَفَنِي فِي مَاءٍ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَ قَالَ يَا حَلِيمَةُ أَكْثِرِي مِنْ شُرْبِ هَذَا الْمَاءِ لِيَكْثُرَ لَبَنُكِ فَقَدْ أَتَاكِ الْعِزُّ وَ غَنَاءُ الدَّهْرِ تَعْرِفِينَنِي قُلْتُ لَا قَالَ أَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كُنْتِ تَحْمَدِينَهُ فِي سَرَّائِكِ وَ ضَرَّائِكِ فَانْطَلِقِي إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَإِنَّ لَكِ فِيهَا رِزْقاً وَاسِعاً اكْتُمِي شَأْنَكِ وَ لَا تُخْبِرِي أَحَداً ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَدَرَّ اللَّهُ لَكِ اللَّبَنَ وَ أَكْثَرَ لَكِ الرِّزْقَ فَانْتَبَهْتُ وَ أَنَا أَجْمَلُ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ لَا أُطِيقُ أَنْ أُسْبِلَثَدْيَيَّ كَأَنَّهُمَا الْجَرُّ الْعَظِيمُ يَتَسَيَّبُمِنْهُمَا لَبَنٌ وَ أَرَى النَّاسَ حَوْلِي مِنْ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ وَ رِجَالِهِمْ فِي جَهْدٍ مِنَ الْعَيْشِ إِنَّمَا كُنَّا نَرَى الْبُطُونَ لَازِقَةً بِالظُّهُورِ وَ الْأَلْوَانَ شَاحِبَةًمُتَغَيِّرَةً لَا نَرَى فِي الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ شَيْئاً وَ لَا فِي الْأَرْضِ شَجَراً وَ إِنَّمَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَنِيناً كَأَنِينِ الْمَرْضَى وَ كَادَتِ الْعَرَبِ أَنْ تَهْلِكَ هُزَالًا وَ جُوعاً فَلَمَّا أَصْبَحَتْ حَلِيمَةُ وَ إِنَّهَا لَفِي جَهْدٍ مِنَ الْعَيْشِ وَ تَغَيُّرٍ مِنَ الْحَالِ وَ قَدْ أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ تُشْبِهُ بَنَاتِ الْمُلُوكِ قُلْنَ إِنَّ لَهَا شَأْناً عَظِيماً ثُمَّ أَحْدَقْنَ بِي يَسْأَلْنَنِي عَنْ قِصَّتِي فَكُنْتُ لَا أُحِيرُ جَوَاباً فَكَتَمْتُ شَأْنِي لِأَنِّي بِذَلِكَ كُنْتُ أُمِرْتُ وَ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ فِي بَنِي سَعْدٍ ذَاتُ زَوْجٍ إِلَّا وَضَعَتْ غُلَاماً وَ رَأَيْتُ الرُّءُوسَ الْمُشْتَعِلَةَ بِالشَّيْبِ قَدْ عَادَتْ سُوداً لِبَرَكَةِ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتاً يُنَادِي أَلَا إِنَّ قُرَيْشاً قَدْ وَضَعَتِ الْعَامَ كُلُّ بُطُونِهَا وَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى نِسَاءِ الْعَامِ أَنْ يَلِدْنَ الْبَنَاتِ مِنْ أَجْلِ مَوْلِدٍ فِي قُرَيْشٍ وَ شَمْسِ النَّهَارِ وَ قَمَرِ اللَّيْلِ فَطُوبَى لِثَدْيٍ أَرْضَعَتْهُ أَلَا فَبَادِرْنَ إِلَيْهِ يَا نِسَاءَ بَنِي سَعْدٍ قَالَتْ فَنَزَلْنَا فِي جَبَلٍ وَ عَزَمْنَا عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ عَلَى جَهْدٍ مِنْهُنَّ وَ مَخْمَصَةٍوَ خَرَجْتُ أَنَا مَعَ بُنَيٍّ لِي عَلَى أَتَانٍ لِي مِعْنَاقٍتُسْمَعُ لَهَا فِي جَوْفِهَا خَضْخَضَةٌقَدْ بَدَا عِظَامُهَا مِنْ سُوءِ حَالِهَا وَ كَانَتْ تَخْفِضُنِي طَوْراً وَ تَرْفَعُنِي آخَرَ وَ مَعِي زَوْجِي فَكُنْتُ فِي طَرِيقِي أَسْمَعُ الْعَجَائِبَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لَا أَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا اسْتَطَالَ إِلَيَّ فَرَحاً وَ قَالَ لِي طُوبَى لِثَدْيِكِ يَا حَلِيمَةُ انْطَلِقِي فَإِنَّكِ سَتَأْتِينَ بِالنُّورِ السَّاطِعِ وَ الْهِلَالِ الْبَدْرِيِّ فَاكْتُمِي شَأْنَكِ وَ كُونِي مِنْ وَرَاءِ الْقَوْمِ فَقَدْ نَزَلَتْ بِشَارَاتُكِ قَالَتْ فَكُنْتُ أَقُولُ لِصَاحِبِي تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ فَيَقُولُ لَا مَا لِي أَرَاكِ كَالْخَائِفَةِ الْوَجِلَةِ تَلْتَفِتِينَ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً مُرِّي أَمَامَكِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ وَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى كُلِّ مَوْلُودٍ بِمَكَّةَ قَالَتْ فَجَعَلْنَا نَجِدُّ فِي الْمَسِيرِ وَ الْأَتَانُ كَأَنَّهَا تَنْزِعُ حَوَافِرَهَا مِنَ الظَّهْرِ نَزْعاً فَبَيْنَا أَنَا فِي مَسِيرِي إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ فِي بَيَاضِ الثَّلْجِ وَ طُولِ النَّخْلَةِ الْبَاسِقَةِ يُنَادِي مِنَ الْجَبَلِ يَا حَلِيمَةُ مُرِّي أَمَامَكِ فَقَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكِ كُلَّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ قَالَتْ حَتَّى إِذَا صِرْنَا عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بِتْنَا لَيْلَتَنَا تِلْكَ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّ عَلَى رَأْسِي شَجَرَةً خَضْرَاءَ قَدْ أَلْقَتْ بِأَغْصَانِهَا حَوْلِي وَ رَأَيْتُ فِي فُرُوعِهَا شَجَرَةً كَالنَّخْلَةِ قَدْ حَمَلَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الرُّطَبِ وَ كَانَ جَمِيعُ مَنْ خَرَجَ مَعِي مِنْ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ حَوْلِي فَقُلْنَ يَا حَلِيمَةُ أَنْتِ الْمَلِكَةُ عَلَيْنَا فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ سَقَطَتْ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فِي حَجْرِي تَمْرَةٌ فَتَنَاوَلْتُهَا وَ وَضَعْتُهَا فِي فَمِي فَوَجَدْتُ لَهَا حَلَاوَةً كَحَلَاوَةِ الْعَسَلِ فَلَمْ أَزَلْ أَجِدُ طَعْمَ ذَلِكَفِي فَمِي حَتَّى فَارَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَلَمَّا أَصْبَحْتُ كَتَمْتُ شَأْنِي قُلْتُ إِنْ قَضَى اللَّهُ لِي أَمْراً فَسَوْفَ يَكُونُ ثُمَّ ارْتَحَلْنَا حَتَّى نَزَلْنَا مَكَّةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ قَدْ سَبَقَنِي نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ وَ كَانَ الصَّبِيُّ الَّذِي مَعِي قَدْ وَلَدْتُهُ لَا يَبْكِي وَ لَا يَتَحَرَّكُ وَ لَا يَطْلُبُ لَبَناً فَكُنْتُ أَقُولُ لِصَاحِبِي هَذَا الصَّبِيُّ مَيِّتٌ لَا مَحَالَةَ فَكُنْتُ إِذَا قُلْتُ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَيَّ الصَّبِيُّ فَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَ يَضْحَكُ فِي وَجْهِي وَ أَنَا مُتَعَجِّبَةٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا تَوَسَّطْنَا مَكَّةَ قُلْتُ لِصَاحِبِي سَلْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ قَدْراً بِمَكَّةَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ فَقُلْتُ لَهُ سَلْ مِنْ أَعْظَمِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ وُلِدَ لَهُ فِي عَامِهِ هَذَا فَقِيلَ لِي آلُ مَخْزُومٍ قَالَتْ فَأَجْلَسْتُ صَاحِبِي فِي الرَّحْلِ وَ انْطَلَقْتُ إِلَى بَنِي مَخْزُومٍ فَإِذَا أَنَا بِجَمِيعِ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ قَدْ سَبَقْنَنِي إِلَى كُلِّ مَوْلُودٍ بِمَكَّةَ فَبَقِيتُ لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ وَ نَدِمْتُ عَلَى دُخُولِي مَكَّةَ فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ جُمَّتُهُتَضْرِبُ مَنْكِبَهُ يُنَادِي بِنَفْسِهِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ هَلْ بَقِيَ مِنَ الرُّضَّاعِ أَحَدٌ فَإِنَّ عِنْدِي بُنَيّاً لِي يَتِيماً وَ مَا عِنْدَ الْيَتِيمِ مِنَ الْخَيْرِ إِنَّمَا يُلْتَمَسُ كَرَامَةُ الْآبَاءِ قَالَتْ فَوَقَفْتُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ كَالنَّخْلَةِ طُولًا فَقُلْتُ أَنْعِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُنَادِي عِنْدَكَ رَضِيعٌ أُرْضِعُهُ فَقَالَ هَلُمِّي فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ لِي مِنْ أَيْنَ أَنْتِ فَقُلْتُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فَقَالَ لِي إِيهِ إِيهِكَرَمٌ وَ زَجْرٌ ثُمَّ قَالَ لِي مَا اسْمُكِ فَقُلْتُ حَلِيمَةُ فَضَحِكَ وَ قَالَ بَخْ بَخْ خَلَّتَانِ حَسَنَتَانِ سَعْدٌ وَ حِلْمٌ هَاتَانِ خَلَّتَانِ فِيهَا غِنَى الدَّهْرِ وَيْحَكِ يَا حَلِيمَةُ عِنْدِي بُنَيٌّ لِي يَتِيمٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَ قَدْ عَرَضْتُهُ عَلَى جَمِيعِ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ فَأَبَيْنَ أَنْ يَقْبَلْنَهُ وَ أَنَا أَرْجُو أَنْ تَسْعَدِي بِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ إِنِّي مُنْطَلِقَةٌ إِلَى صَاحِبِي وَ مُشَاوَرَتِهِ فِي ذَلِكَ قَالَ لِي إِنَّكِ لَتُرْضِعِينَ غَيْرَ كَارِهَةٍ قَالَتْ قُلْتُ بِاللَّهِ لَأَرْجِعَنَّ إِلَيْكَ قَالَتْ فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَلَمَّا أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ كَأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ فَرَحاً ثُمَّ قَالَ لِي يَا حَلِيمَةُ بَادِرِي إِلَيْهِ لَا يَسْبِقُكِ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَالَتْ وَ كَانَ مَعِيَ ابْنُ أُخْتٍ لِي يَتِيمٌ قَالَ هَيْهَاتَ إِنِّي أَرَاكُمْ لَا تُصِيبُونَ فِي سَفَرِكُمْ هَذَا خَيْراً هَؤُلَاءِ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ يَرْجِعْنَ بِالرَّضَاعِ وَ الشَّرَفِ وَ تَرْجِعُونَ أَنْتُمْ بِالْيَتِيمِ قَالَتْ فَأَرَدْتُ وَ اللَّهِ لِأَرْجِعَإِلَيْهِ فَكَأَنَّ اللَّهَ قَذَفَ فِي قَلْبِي إِنْ فَارَقَكِ مُحَمَّدٌ لَا تُفْلِحِينَ وَ أَخَذَتْنِي الْحَمِيَّةُ وَ قُلْتُ هَؤُلَاءِ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ يَرْجِعْنَ بِالرَّضَاعِ وَ الشَّرَفِ وَ أَرْجِعُ أَنَا بِلَا رَضَاعٍ وَ اللَّهِ لَآخُذَنَّهُ وَ إِنْ كَانَ يَتِيماً فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ خَيْراً قَالَتْ فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقُلْتُ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ الْكَرِيمُ هَلُمَّ الصَّبِيَّ قَالَ هَلْ نَشِطْتِ لِأَخْذِهِ قَالَتْ قُلْتُ نَعَمْ فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِداً وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَرْوَةِ وَ الْحَطِيمِ أَسْعِدْهَا بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ مَرَّ بَيْنَ يَدَيَّ يَجُرُّ حُلَّتَهُ فَرَحاً حَتَّى دَخَلَ بِي عَلَى آمِنَةَ أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ مَا رَأَيْتُ فِي الْآدَمِيِّينَ أَجْمَلَ وَجْهاً مِنْهَا هِلَالِيَّةً بَدْرِيَّةً فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ ضَحِكَتْ فِي وَجْهِي وَ قَالَتِ ادْخُلِي يَا حَلِيمَةُ فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتاً كَانَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَإِذَا أَنَا بِهِ وَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ إِذَا طَلَعَتْ فِي يَوْمِ دَيْجَانِهَافَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ اسْتَدَرَّكُلُّ عِرْقٍ فِي جَسَدِي بِالضَّرَبَانِ فَنَاوَلَتْنِي النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَلَمَّا أَنْ وَضَعْتُهُ فِي حَجْرِي فَتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ إِلَيَّ فَسَطَعَ مِنْهُمَا نُورٌ كَنُورِ الْبَرْقِ إِذَا خَرَجَ مِنْ خِلَالِ السَّحَابَ فَأَلْقَمْتُهُ ثَدْيِيَ الْأَيْمَنَ فَشَرِبَ مِنْهُ سَاعَةً ثُمَّ حَوَّلْتُهُ إِلَى الْأَيْسَرِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَ جَعَلَ يَمِيلُ إِلَى الْيُمْنَى فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ أُلْهِمَ الْعَدْلَ فِي رَضَاعِهِ عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَرِيكاً فَنَاصَفَهُ عَدْلًا وَ كَانَتِ الثَّدْيُ الْيُمْنَى تَدِرُّ لِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ الثَّدْيُ الْيُسْرَى تَدِرُّلِابْنِي وَ كَانَ ابْنِي لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَدْ شَرِبَ وَ كُنْتُ كَثِيراً مَا أَسْبِقُ إِلَى مَسْحِ شَفَتَيْهِ فَكُنْتُ أَسْبِقُ إِلَى ذَلِكَ فَنَامَ فِي حَجْرِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَ هُوَ كَالنَّائِمِ فَلَمْ أَتَمَالَكْ فَرَحاً وَ أَخَذَتْنِي الْعَجَلَةُ بِالرُّجُوعِ إِلَى صَاحِبِي فَلَمَّا أَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ صَاحِبِي لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ قَامَ وَ سَجَدَ وَ قَالَ يَا حَلِيمَةُ مَا رَأَيْتُ فِي الْآدَمِيِّينَ أَجْمَلَ وَجْهاً مِنْ هَذَا قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ وَ طَابَ النَّوْمُ وَ هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ انْتَبَهْتُ فَإِذَا بِهِ وَ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ نُورٌ مُتَلَأْلِئٌ وَ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْضَرُ فَأَنْبَهْتُ صَاحِبِي وَ قُلْتُ وَيْحَكَ أَ لَا تَرَى إِلَى هَذَا الْمَوْلُودِ قَالَتْ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ لِي يَا حَلِيمَةُ اكْتُمِي شَأْنَهُ فَقَدْ أَخَذْتِ شَجَرَةً كَرِيمَةً لَا يَذْهَبُ رَسْمُهَا أَبَداً قَالَتْ فَأَقَمْنَا بِمَكَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَ أَنَا أَدْخُلُ عَلَى آمِنَةَ فَلَمَّا عَزَمْنَا عَلَى الْخُرُوجِ دَعَتْنِي آمِنَةُ فَقَالَتْ لَا تَخْرُجِي مِنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ حَتَّى تُعْلِمِينِي فَإِنَّ لِي فِيكِ وَصَايَا أُوصِيكِ بِهَا قَالَتْ فَبِتْنَا فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ انْتَبَهْتُ لِأَقْضِيَ حَاجَةً فَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ قَاعِدٌ عِنْدَ رَأْسِهِ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَأَنْبَهْتُ صَاحِبِي رُوَيْداً فَقُلْتُ انْظُرْ إِلَى الْعَجَبِ الْعَجِيبِ قَالَ اسْكُتِي وَ اكْتُمِي شَأْنَكِ فَمُنْذُ وُلِدَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أَصْبَحَتْ أَحْبَارُ الدُّنْيَا عَلَى أَقْدَامِهَا قِيَاماً لَا يَهْنَئُهَا عَيْشُ النَّهَارِ وَ لَا نَوْمُ اللَّيْلِ وَ مَا رَجَعَ أَحَدٌ مِنَ الْبِلَادِ أَغْنَى مِنَّا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا مِنَ الْغَدِ وَ عَزَمْنَا عَلَى الْخُرُوجِ رَكِبْتُ أَتَانِي وَ حَمَلْتُ بَيْنَ يَدَيَّ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ خَرَجَتْ مَعِي آمِنَةُ تُشَيِّعُنِي فَجَعَلَتِ الْأَتَانُ تَضْرِبُ بِيَدِهَا وَ رِجْلِهَا الْأَرْضَ وَ تَرْفَعُ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَرِحَةً مُسْتَبْشِرَةً ثُمَّ تَحَوَّلَتْ بِي نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَسَجَدْتُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ حَتَّى اسْتَوَيْنَا مَعَ الرَّكْبِ سَبَقَتِ الْأَتَانُ كُلَّ دَوَابِّهِمْ فَقَالَتْ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ أَ لَيْسَ هَذَا أَتَانَكِ الَّتِي كَانَتْ تَخْفِضُكِ طَوْراً وَ تَرْفَعُكِ آخَرَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقُلْنَ بِاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْناً عَظِيماً فَكُنْتُ أَسْمَعُ الْأَتَانَ تَقُولُ إِي وَ اللَّهِ إِنَّ لِي لَشَأْناً ثُمَّ شَأْناً أَحْيَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ مَوْتِي وَ رَدَّ عَلَيَّ سِمَنِي بَعْدَ هُزَالِي وَيْحَكُنَّ يَا نِسَاءَ بَنِي سَعْدٍ إِنَّكُنَّ لَفِي غَفْلَةٍ أَ تَدْرِينَ مَنْ حَمَلْتُ حَمَلْتُ سَيِّدَ الْعَرَبِ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَهَذَا رَبِيعُ الدُّنْيَا وَ زَهْرَةُ الْآخِرَةِ وَ أَنَا أُنَادَى مِنْ كُلِّ جَانِبٍ اسْتَغْنَيْتِ يَا حَلِيمَةُ آخِرَ دَهْرِكِ فَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ قَالَتْ فَمَرَرْتُ بِرَاعٍ يَرْعَى غَنَماً لَهُ فَلَمَّا نَظَرَتِ الْغَنَمُ إِلَيَّ جَعَلْنَ يَسْتَقْبِلْنَ وَ تَعْدُو إِلَيَّ كَمَا تَعْدُو سِخَالُهَافَسَمِعْتُ مِنْ بَيْنِهَا قَائِلًا يَقُولُ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكِ يَا حَلِيمَةُ أَ تَدْرِينَ مَا حَمَلْتِ هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى كُلِّ وُلْدِ آدَمَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ قَالَتْ فَشَيَّعَتْنِي أُمُّهُ سَاعَةً وَ أَوْصَتْنِي فِيهِ بِوَصَايَا وَ رَجَعَتْ كَالْبَاكِيَةِ قَالَتْ وَ لَيْسَ كُلُّ الَّذِي رَأَيْتُ فِي طَرِيقِي أُحْسِنُ وَصْفَهُ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَنْزِلْ مَنْزِلًا إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ عُشْباً وَ خَيْراً كَثِيراً وَ أَشْجَاراً قَدْ حَمَلَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الثَّمَرِ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ مَنْزِلَ بَنِي سَعْدٍ وَ مَا نَعْلَمُ وَ اللَّهِ أَنَّ أَرْضاً كَانَتْ أَجْدَبَ مِنْهَا وَ لَا أَقَلَّ خَيْراً وَ كَانَتْ لَنَا غُنَيْمَاتٌ دَبِرَاتٌمَهْزُولَاتٌ فَلَمَّا صَارَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي مَنْزِلِي صَارَتْ غَنَمِي تَرُوحُ شِبَاعاً حَافِلَةً تَحْمِلُ وَ تَضَعُ وَ تَدِرُّ وَ تُحْلَبُ وَ لَا تَدِرُّ فِي بَنِي سَعْدٍ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي فَجَمَعَتْ بَنُو سَعْدٍ رُعَاتَهَا وَ قَالُوا لَهُمْ مَا بَالُ أَغْنَامِ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ تَحْمِلُ وَ تَضَعُ وَ تَدِرُّ وَ تُحْلَبُ وَ أَغْنَامُنَا لَا تَحْمِلُ وَ لَا تَضَعُ وَ لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ اسْرَحُوا حَيْثُ تَسْرَحُ رُعَاةُ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ حَتَّى تَرُوحَ غَنَمُكُمْشِبَاعاً حَافِلَةً قَالَتْ فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَ الْبَرَكَةَ وَ الْفَضْلَ وَ الْخَيْرَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حَتَّى كُنَّا نَتَفَضَّلُ عَلَى قَوْمِنَا وَ صَارُوا يَعِيشُونَ فِي أَكْنَافِنَا فَكُنْتُ أَرَى مِنْ يَوْمِهِعَجَباً مَا رَأَيْتُ لَهُ بَوْلًا قَطُّ وَ لَا غَسَلْتُ لَهُ وُضُوءاً قَطُّ طَهَارَةً وَ نَظَافَةً وَ ذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أَسْبِقُ إِلَى ذَلِكَ وَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتٌ وَاحِدٌ يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَ لَا يَعُودُ إِلَى وَقْتِهِ مِنَ الْغَدِ وَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُرَى جَسَدُهُ مَكْشُوفاً فَكُنْتُ إِذَا كَشَفْتُ عَنْ جَسَدِهِ يَصِيحُ حَتَّى أَسْتُرَ عَلَيْهِ فَانْتَبَهْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَسَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَمْ أَسْمَعْ كَلَاماً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قُدُّوساً قُدُّوساً وَ قَدْ نَامَتِ الْعُيُونُ وَ الرَّحْمَنُلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌوَ هُوَ عِنْدَ أَوَّلِ مَا تَكَلَّمَ فَكُنْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ وَ كَانَ يَشِبُّ شَبَاباً لَا يُشْبِهُ الْغِلْمَانَ وَ لَمْ يَبْكِ قَطُّ وَ لَمْ يُسِئْ خُلُقَهُ وَ لَمْ يَتَنَاوَلْ بِيَسَارِهِ وَ كَانَ يَتَنَاوَلُ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْطِقَ لَمْ يَمَسَّ شَيْئاً إِلَّا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَكُنْتُ مَعَهُ فِي كُلِّ دَعَةٍوَ عَيْشٍ وَ سُرُورٍ وَ كُنْتُ قَدِ اجْتَنَبْتُ الزَّوْجَ لَا أَغْتَسِلُ مِنْهُ هَيْبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)حَتَّى تَمَّتْ لَهُ سَنَتَانِ كَامِلَتَانِ وَ قَدْ ثَمَّرَاللَّهُ لَنَا الْأَمْوَالَ وَ أَكْثَرَ لَنَا مِنَ الْخَيْرِ فَكَانَتْ تَحْمِلُ لَنَا الْأَغْنَامُ وَ تَنْبُتُ لَنَا الْأَرْضُ وَ قَدْ أَلْقَى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ فَبَيْنَا هُوَ قَاعِدٌ فِي حَجْرِي إِذَا مَرَّتْبِهِ غُنَيْمَاتِي فَأَقْبَلَتْ شَاةٌ مِنَ الْغَنَمِ حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ وَ قَبَّلَتْ رَأْسَهُ فَرَجَعَتْ إِلَى صُوَيْحِبَاتِهَا وَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ نُورٌ كَنُورِ الشَّمْسِ فَيَغْشَاهُ ثُمَّ يَنْجَلِي عَنْهُ وَ كَانَ أَخَوَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ يَخْرُجَانِ فَيَمُرَّانِ بِالْغِلْمَانِ فَيَلْعَبَانِ مَعَهُمْ وَ إِذَا رَآهُمْ مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله وسلم)اجْتَنَبَهُمْ وَ أَخَذَ بِيَدِ أَخَوَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ قَالَ لِي يَوْماً يَا أُمَّاهْ مَا لِي لَا أَرَى أَخَوَيَّ بِالنَّهَارِ قُلْتُ لَهُ يَا بُنَيَّ إِنَّهُمَا يَرْعَيَانِ غُنَيْمَاتٍ قَالَ فَمَا لِي لَا أَخْرُجُ مَعَهُمَا قُلْتُ لَهُ تُحِبُّ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَصْبَحَ دَهَّنْتُهُ وَ كَحَلْتُهُ وَ عَلَّقْتُ فِي عُنُقِهِ خَيْطاً فِيهِ جَزْعٌ يَمَانِيَّةٌ فَنَزَعَهَا ثُمَّ قَالَ لِي مَهْلًا يَا أُمَّاهْ فَإِنَّ مَعِي مَنْ يَحْفَظُنِي قَالَتْ ثُمَّ دَعَوْتُ بِابْنَيَّ فَقُلْتُ لَهُمَا أُوصِيكُمَا بِمُحَمَّدٍ خَيْراً لَا تُفَارِقَاهُ وَ لْيَكُنْ نُصْبَ أَعْيُنِكُمَا قَالَتْ فَخَرَجَ مَعَ أَخَوَيْهِ فِي الْغَنَمِ فَبَيْنَا هُمْ يَتَرَامَوْنَ بِالْجَلَّةِ يَعْنِي الْبَعْرَ إِذْ هَبَطَ جَبْرَائِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ مَعَهُمَا طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَاءٌ وَ ثَلْجٌ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنَ الْغَنَمِ وَ الصَّبِيَّةِ فَأَضْجَعَاهُ وَ شَقَّا بَطْنَهُ وَ شَرَحَا صَدْرَهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ نُكْتَةً سَوْدَاءَ وَ غَسَلَاهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَ الثَّلْجِ وَ حَشَيَا بَطْنَهُ نُوراً وَ مَسَحَا عَلَيْهِ فَعَادَ كَمَا كَانَ قَالَتْ فَلَمَّا رَأَى أَخَوَاهُ ذَلِكَ أَقْبَلَ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ ضَمْرَةُ يَعْدُو وَ قَدْ عَلَاهُ النَّفَسُ وَ هُوَ يَقُولُ يَا أُمَّهْ أَدْرِكِي أَخِي مُحَمَّداً وَ مَا أَرَاكِ تُدْرِكِينَهُ قَالَتْ فَقُلْتُ وَ مَا ذَاكَ قَالَ أَتَاهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ خُضْرٌ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنْ بَيْنِنَا وَ بَيْنِ الْغَنَمِ فَأَضْجَعَاهُ وَ شَقَّا بَطْنَهُ وَ هُمَا يَتَوَطَّئَانِهِ قَالَتْ فَخَرَجْتُ أَنَا وَ أَبُوهُ وَ نِسْوَةٌ مِنَ الْحَيِّ فَإِذَا أَنَا بِهِ قَائِماً يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ وَجْهِهِ فَالْتَزَمْتُهُ وَ الْتَزَمَهُ أَبُوهُ وَ وَ اللَّهِ لَكَأَنَّمَا غُمِسَ فِي الْمِسْكِ غَمْسَةً وَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ يَا بُنَيَّ مَا لَكَ قَالَ خَيْرٌ يَا أَبَهْ أَتَانِي رَجُلَانِ انْقَضَّا عَلَيَّ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا يَنْقَضُّ الطَّيْرُفَأَضْجَعَانِي وَ شَقَّا بَطْنِي وَ حَشَيَاهُ بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُمَا مَا رَأَيْتُ أَلْيَنَ مِنْهُ وَ لَا أَطْيَبَ رِيحاً وَ مَسَحَا عَلَى بَطْنِي فَعُدْتُ كَمَا كُنْتُ ثُمَّ وَزَنَانِي بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِي فَرَجَحْتُهُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمَا فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَ وَ طَارَا كَذَلِكَ حَتَّى دَخَلَا السَّمَاءَ قَالَتْ فَحَمَلْنَاهُ إِلَى خِيَمٍ لَنَا فَقَالَ النَّاسُ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى كَاهِنٍ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ يُدَاوِيَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ مَا بِي شَيْءٌ مِمَّا تَذْكُرُونَ وَ إِنِّي أَرَى نَفْسِي سَلِيمَةً وَ فُؤَادِي صَحِيحاً بِحَمْدِ اللَّهِ فَقَالَ النَّاسُ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌمِنَ الْجِنِ قَالَتْ فَغَلَبُونِي عَلَى رَأْيِي حَتَّى انْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى كَاهِنٍ فَقَصَصْتُ قِصَّتَهُ قَالَ دَعِينِي أَنْ أَسْمَعَ مِنَ الْغُلَامِ فَإِنَّ الْغُلَامَ أَبْصَرُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ تَكَلَّمْ يَا غُلَامُ قَالَتْ حَلِيمَةُ فَقَصَّ ابْنِي مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله وسلم)قِصَّتَهُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَوَثَبَ الْكَاهِنُ قَائِماً عَلَى قَدَمَيْهِ وَ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا آلَ الْعَرَبِ يَا آلَ الْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ وَ اقْتُلُونِي مَعَهُ فَإِنَّكُمْ إِنْ تَرَكْتُمُوهُ وَ أَدْرَكَ مُدْرَكَ الرِّجَالِ لَيُسَفِّهَنَّ أَحْلَامَكُمْ وَ لَيُبْدِلَنَّ أَدْيَانَكُمْ وَ لَيَدْعُوَنَّكُمْ إِلَى رَبٍّ لَا تَعْرِفُونَهُ وَ دَيْنٍ تُنْكِرُونَهُ قَالَتْ فَلَمَّا سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ انْتَزَعْتُهُ مِنْ يَدِهِ وَ قُلْتُ أَنْتَ أَعْتَهُوَ أَجَنُّ مِنِ ابْنِي وَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْكَ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ اطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ فَإِنَّا لَا نَقْتُلُ مُحَمَّداً فَاحْتَمَلْتُهُ وَ أَتَيْتُ بِهِ مَنْزِلِي فَمَا بَقِيَ يَوْمَئِذٍ فِي بَنِي سَعْدٍ بَيْتٌ إِلَّا وَ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ. وَ كَانَ يَنْقَضُّ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ طَيْرَانِ أَبْيَضَانِ يَغِيبَانِ فِي ثِيَابِهِ وَ لَا يَظْهَرَانِ فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ ذَلِكَ قَالَ لِي يَا حَلِيمَةُ إِنَّا لَا نَأْمَنُ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ وَ قَدْ خَشِيتُ عَلَيْهِ مِنْ تُبَّاعِالْكَهَنَةِ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَتْ فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى ذَلِكَ سَمِعْتُ صَوْتاً فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُنَادِي ذَهَبَ رَبِيعُ الْخَيْرِ وَ أَمَانُ بَنِي سَعْدٍ هَنِيئاً لِبَطْحَاءِ مَكَّةَ إِذَا كَانَ مِثْلُكَ فِيهَا يَا مُحَمَّدُ فَالْآنَ قَدْ أَمِنَتْ أَنْ تَخْرَبَ أَوْ يُصِيبَهَا بُؤْسٌ بِدُخُولِكَ إِلَيْهَا يَا خَيْرَ الْبَشَرِ قَالَتْ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَكِبْتُ أَتَانِي وَ وَضَعْتُ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بَيْنَ يَدَيَّ فَلَمْ أَكُنْ أَقْدِرُ أُفَارِقُهُ مِمَّا كُنْتُ أُنَادَى يَمْنَةً وَ يَسْرَةً حَتَّى انْتَهَيْتُ بِهِ إِلَى الْبَابِ الْأَعْظَمِ مِنْ أَبْوَابِ مَكَّةَ وَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مُجْتَمِعُونَ فَنَزَلْتُ لِأَقْضِيَ حَاجَةً وَ أَنْزَلْتُ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَغَشِيَتْنِي كَالسَّحَابَةِ الْبَيْضَاءِ وَ سَمِعْتُ وَجْبَةً شَدِيدَةً فَفَزِعْتُ وَ جَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً وَ نَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَصِحْتُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ الْغُلَامَ الْغُلَامَ قَالُوا وَ مَنِ الْغُلَامُ قُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ آمِنَةَ قَالُوا وَ مِنْ أَيْنَ كَانَ مَعَكِ مُحَمَّدٌ لَعَلَّكِ تَحْلُمِينَأَوْ مِنْكِ هَذَيَانٌ قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ مَا حَلَمْتُ وَ إِنِّي لَفِي يَقِينٍ مِنْ أَمْرِي فَجَعَلْتُ أَبْكِي وَ أُنَادِي وَا مُحَمَّدَاهْ فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ كَبِيرٍ فَقَالَ لِي أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ إِنَّ لَكِ لَقِصَّةً عَجِيبَةً قَالَتْ قُلْتُ إِي وَ اللَّهِ لَقِصَّتِي عَجِيبَةٌ مُحَمَّدُ بْنُ آمِنَةَ أَرْضَعْتُهُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍلَا أُفَارِقُهُ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ فَنَعَشَنِيَاللَّهُ بِهِ وَ أَنْضَرَ وَجْهِيوَ مَنَّ عَلَيَّ وَ أَفْضَلَ بِبَرَكَتِهِ حَتَّى إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ بَلَغْتُ بِهِ الْغَايَةَ أَدَّيْتُ إِلَى أُمِّهِ الْأَمَانَةَ لِأَخْرُجَ مِنْ عَهْدِي وَ أَمَانَتِي فَاخْتُلِسَ مِنِّي اخْتِلَاساً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ قَدَمُهُ الْأَرْضَ وَ إِنِّي أَحْلِفُ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ لَئِنْ لَمْ أَجِدْهُ لَأَرْمِيَنَّ بِنَفْسِي مِنْ حَالِقِالْجَبَلِ قَالَتْ وَ قَالَ لِيَ الشَّيْخُ لَا تَبْكِي أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ ادْخُلِي عَلَى هُبَلَ فَتَضَرَّعِي إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ يَرُدُّهُ …

بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · منشئه و رضاعه و ما ظهر من إعجازه عند ذلك إلى نبوته ص

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.