أَقُولُ قَالَ الْكَازِرُونِيُّ فِي الْمُنْتَقَى رُوِيَ أَنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّ كَانَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَرَابَةٌ وَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهَا وَ كَانَ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهَا أَصَابَتْهُ بِخَيْرٍ فَوَجَّهَتْهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ فِي تِجَارَةٍ إِلَى بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فَأَحَبَّ خُزَيْمَةُ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)حُبّاً شَدِيداً فَكَانَ لَا يُفَارِقُهُ فِي نَوْمِهِ وَ لَا فِي يَقَظَتِهِ فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بَيْنَ الشَّامِ وَ الْحِجَازِ قَامَ عَلَى مَيْسَرَةَ بَعِيرَانِ لِخَدِيجَةَ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي أَوَّلِ الرَّكْبِ فَخَافَ مَيْسَرَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَ عَلَى الْبَعِيرَيْنِ فَانْطَلَقَ يَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَى الْبَعِيرَيْنِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى أَخْفَافِهِمَا وَ عَوَّذَهُمَا فَانْطَلَقَ الْبَعِيرَانِ يَسْعَيَانِ فِي أَوَّلِ الرَّكْبِ لَهُمَا رُغَاءٌ فَلَمَّا رَأَى خُزَيْمَةُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَأْناً عَظِيماً فَحَرَصَ عَلَى لُزُومِهِ وَ مُحَافَظَتِهِ وَ سَارُوا حَتَّى إِذَا دَخَلُوا الشَّامَ نَزَلُوا بِرَاهِبٍ مِنْ رُهْبَانِ الشَّامِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)تَحْتَ شَجَرَةٍ وَ نَزَلَ النَّاسُ مُتَفَرِّقِينَ وَ كَانَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي نَزَلَ تَحْتَهَا شَجَرَةً يَابِسَةً قَحِلَةً قَدْ تَسَاقَطَ وَرَقُهَا وَ نَخِرَ عُودُهَا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ اطْمَأَنَّ تَحْتَهَا أَنْوَرَتْ وَ أَشْرَقَتْ وَ اعْشَوْشَبَ مَا حَوْلَهَا وَ أَيْنَعَ ثَمَرُهَا وَ تَدَلَّتْ أَغْصَانُهَا فَرَفْرَفَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ كَانَ ذَلِكَ بِعَيْنِ الرَّاهِبِ فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنِ انْحَدَرَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَقَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى فَقَالَ إِلَيْكَ عَنِّي ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ فَمَا تَكَلَّمَتِ الْعَرَبُ بِكَلِمَةٍ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَ كَانَ ذَلِكَ مَكْراً مِنَ الرَّاهِبِ وَ كَانَ مَعَهُ حِينَ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ رَقٌ أَبْيَضُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ فِيهِ مَرَّةً وَ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله) أُخْرَى ثُمَّ أَكَبَّ يَنْظُرُ فِيهِ مَلِيّاً فَقَالَ هُوَ هُوَ وَ مُنْزِلِ الْإِنْجِيلِ فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ خُزَيْمَةُ ظَنَّ أَنَّ الرَّاهِبَ يُرِيدُ بِالنَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَكْراً فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى قَائِمَةِ سَيْفِهِ فَانْتَزَعَهُ وَ جَعَلَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا آلَ غَالِبٍ فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ يَقُولُونَ مَا الَّذِي رَاعَكَ فَلَمَّا نَظَرَ الرَّاهِبُ إِلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ يَسْعَى إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَدَخَلَهَا وَ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهَا ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ يَا قَوْمِ مَا الَّذِي رَاعَكُمْ مِنِّي فَوَ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَا نَزَلَ بِي رَكْبٌ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ وَ إِنِّي لَأَجِدُ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ أَنَّ النَّازِلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي تَحْتَهَا رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)هُوَ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُبْعَثُ بِالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ وَ بِالذَّبْحِ الْأَكْبَرِ وَ هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَمَنْ أَطَاعَهُ نَجَا وَ مَنْ عَصَاهُ غَوَى ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ مَا تَكُونُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ أَ رجلا [رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ لَا وَ لَكِنْ خَادِمٌ لَهُ وَ حَدَّثَهُ بِحَدِيثِ الْبَعِيرَيْنِ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي يُبْعَثُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَ إِنِّي مُفَوِّضٌ إِلَيْكَ أَمْراً وَ مُسْتَكْتِمُكَ خَبَراً وَ عَاهِدٌ إِلَيْكَ عَهْداً فَقَالَ مَا هُوَ فَإِنِّي سَامِعٌ لِقَوْلِكَ وَ كَاتِمٌ لِسِرِّكَ وَ مُطِيعٌ لِأَمْرِكَ فَقَالَ إِنِّي أَجِدُ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ أَنَّهُ يَظْهَرُ عَلَى الْبِلَادِ وَ يُنْصَرُ عَلَى الْعِبَادِ وَ لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ وَ لَا تُدْرَكُ لَهُ غَايَةٌ وَ إِنَّ لَهُ أَعْدَاءً أَكْثَرُهُمُ الْيَهُودُ أَعْدَاءُ اللَّهِ فَاحْذَرْهُمْ عَلَيْهِ فَأَسَرَّ خُزَيْمَةُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرَى فِيكَ شَيْئاً مَا رَأَيْتُهُ فِي أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِنِّي لَأَحْسَبُكَ النَّبِيَّ الَّذِي يُذْكَرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ تِهَامَةَ وَ إِنَّكَ لَصَرِيحٌ فِي مِيلَادِكَ وَ الْأَمِينُ فِي أَنْفُسِ قَوْمِكَ وَ إِنِّي لَأَرَى عَلَيْكَ مِنَ النَّاسِ مَحَبَّةً وَ إِنِّي مُصَدِّقُكَ فِي قَوْلِكَ وَ نَاصِرُكَ عَلَى عَدُوِّكَ فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَ الشَّامَ فَقَضَوْا بِهَا حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا ثُمَّ قَالَ فَأَرْسَلَتْ خَدِيجَةُ إِلَى عَمِّهَا عَمْرِو بْنِ أَسَدٍ لِيُزَوِّجَهَا فَحَضَرَ وَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) فِي عُمُومَتِهِ فَتَزَوَّجَهَا وَ هُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ خَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَ قَدْ رَوَى قَوْمٌ أَنَّهُ زَوَّجَهَا أَبُوهَا فِي حَالِ سُكْرِهِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ هَذَا غَلَطٌ وَ الصَّحِيحُ أَنَّ عَمَّهَا زَوَّجَهَا وَ أَنَّ أَبَاهَا مَاتَ قَبْلَ الْفِجَارِ. وَ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ خَطَبَ يَوْمَئِذٍ وَ ذَكَرَ مَا مَرَّ فَلَمَّا أَتَمَّ أَبُو طَالِبٍ خُطْبَتَهُ تَكَلَّمَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا كَمَا ذَكَرْتَ وَ فَضَّلَنَا عَلَى مَا عَدَّدْتَ فَنَحْنُ سَادَةُ الْعَرَبِ وَ قَادَتُهَا وَ أَنْتُمْ أَهْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا تُنْكِرُ الْعَشِيرَةُ فَضْلَكُمْ وَ لَا يَرُدُّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فَخْرَكُمْ وَ شَرَفَكُمْ وَ قَدْ رَغِبْنَا بِالاتِّصَالِ بِحَبْلِكُمْ وَ شَرَفِكُمْ فَاشْهَدُوا عَلَيَّ مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ بِأَنِّي قَدْ زَوَّجْتُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ سَكَتَ وَرَقَةُ وَ تَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ وَ قَالَ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَشْرَكَكَ عَمُّهَا فَقَالَ عَمُّهَا اشْهَدُوا عَلَيَّ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي قَدْ أَنْكَحْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَ شَهِدَ عَلَيَّ بِذَلِكَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ فَأَمَرَتْ خَدِيجَةُ جَوَارِيَهَا أَنْ يَرْقُصْنَ وَ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَ قَالَتْ يَا مُحَمَّدُ مُرْ عَمَّكَ أَبَا طَالِبٍ يَنْحَرْ بَكْرَةً مِنْ بَكَرَاتِكَ وَ أَطْعِمِ النَّاسَ عَلَى الْبَابِ وَ هَلُمَّ فَقِلْ مَعَ أَهْلِكَ فَأَطْعَمَ النَّاسَ وَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ مَعَ أَهْلِهِ خَدِيجَةَ. - 19- أقول قال أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار مرّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يوما بمنزل خديجة بنت خويلد و هي جالسة في ملإ من نسائها و جواريها و خدمها و كان عندها حبرٌ من أحبار اليهود فلما مرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)نظر إليه ذلك الحبر و قال يا خديجة اعلمي أنه قد مرّ الآن ببابك شابّ حدث السن فأمري من يأتي به فأرسلت إليه جارية من جواريها و قالت يا سيدي مولاتي تطلبك فأقبل و دخل منزل خديجة فقالت أيها الحبر هذا الذي أشرت إليه قال نعم هذا محمد بن عبد الله قال له الحبر اكشف لي عن بطنك فكشف له فلما رآه قال هذا و الله خاتم النبوة فقالت له خديجة لو رآك عمه و أنت تفتشه لحلت عليك منه نازلة البلاء و إن أعمامه ليحذرون عليه من أحبار اليهود فقال الحبر و من يقدر على محمد هذا بسوء هذا و حقّ الكليم رسول الملك العظيم في آخر الزمان فطوبى لمن يكون له بعلا و تكون له زوجة و أهلا فقد حازت شرف الدنيا و الآخرة فتعجبت خديجة و انصرف محمد و قد اشتغل قلب خديجة بنت خويلد بحبّه و كانت خديجة ملكة عظيمة و كان لها من الأموال و المواشي شيء لا يحصى فقالت أيها الحبر بم عرفت محمدا أنه نبي قال وجدت صفاته في التوراة أنه المبعوث آخر الزمان يموت أبوه و أمّه و يكفله جدّه و عمّه و سوف يتزوّج بامرأة من قريش سيّدة قومها و أميرة عشيرتها و أشار بيده إلى خديجة ثم بعد ذلك قال لها احفظي ما أقول لك يا خديجة و أنشأ يقول. يا خديجة لا تنسي الآن قولي. و خذي منه غاية المحصول. يا خديجة هذا النبي بلا شكّ. هكذا قد قرأت في الإنجيل. سوف يأتي من الإله بوحي. ثم يجبىمن الإله بالتنزيل. و يزوجه بالفخار و يحظى. في الورى شامخا على كل جيل. فلما سمعت خديجة ما نطق به الحبر تعلق قلبها بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و كتمت أمرها فلما خرج من عندها قال اجتهدي أن لا يفوتك محمد فهو الشرف في الدنيا و الآخرة و كان لخديجة عمّ يقال له ورقة و كان قد قرأ الكتب كلّها و كان عالما حبرا و كان يعرف صفات النبي الخارج في آخر الزمان و كان عند ورقة أنه يتزوّج بامرأة سيّدة من قريش تسود قومها و تنفق عليه مالها و تمكنه من نفسها و تساعده على كل الأمور فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالا من خديجة فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة و كان يقول لها يا خديجة سوف تتّصلين برجل يكون أشرف أهل الأرض و السماء و كان لخديجة في كلّ ناحية عبيد و مواشي حتى قيل إن لها أزيد من ثمانين ألف جمل متفرّقة في كلّ مكان و كان لها في كلّ ناحية تجارة و في كلّ بلد مال مثل مصر و الحبشة و غيرها و كان أبو طالب رضي الله عنه قد كبر و ضعف عن كثرة السفر و ترك ذلك من حيث كفل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فدخل عليه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ذات يوم فوجده مهموما فقال ما لي أراك يا عمّ مهموما فقال يا ابن أخي اعلم أنه لا مال لنا و قد اشتدّ الزمان علينا و ليس لنا مادّة و أنا قد كبرت و ضعف جسمي و قل ما بيدي و أريد أن أنزل إلى ضريحي و أريد أن أرى لك زوجة تسر قلبي يا ولدي لتسكن إليها و معيشة يرجع نفعها إليك فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ما عندك يا عم من الرأي قال اعلم يا ابن أخي أن هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس و هي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة و يسافرون به فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها و نسألها أن تعطيك مالا تتجر فيه فقال نعم قم إليها و افعل ما بدا لك. قال أبو الحسن البكري لما اجتمع بنو عبد المطلب قال أبو طالب لإخوته امضوا بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتى نسألها أن تعطي محمدا مالا يتجر به فقاموا من وقتهم و ساعتهم و ساروا إلى دار خديجة و كان لخديجة دار واسعة تسع أهل مكة جميعا و قد جعلت أعلاها قبة من الحرير الأزرق و قد رقمت في جوانبها صفة الشمس و القمر و النجوم و قد ربطته من حبال الإبريسم و أوتاد من الفولاد و كانت قد تزوجت برجلين أحدهما اسمه أبو شهاب و هو عمرو الكندي و الثاني اسمه عتيق بن عائذ فلما ماتا خطبها عقبة بن أبي معيط و الصلت بن أبي يهاب و كان لكل واحد منهما أربعمائة عبد و أمة و خطبها أبو جهل بن هشام و أبو سفيان و خديجة لا ترغب في واحد منهم و كان قد تولع قلبها بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لما سمعت من الأحبار و الرهبان و الكهان و ما يذكرونه من الدلالات و ما رأت قريش من الآيات فكانت تقول سعدت من تكون لمحمد قرينة فإنه يزين صاحبه و ازداد بها الوجد و لج بها الشوق فبعثت إلى عمها ورقة بن نوفل فقالت له يا عم أريد أن أتزوج و ما أدري بمن يكون و قد أكثر علي الناس و قلبي لا يقبل منهم أحدا فقال لها ورقة يا خديجة أ لا أعلمك بحديث غريب و أمر عجيب قالت و ما هو يا عم قال عندي كتاب من عهد عيسى(عليه السلام)فيه طلاسم و عزائم أعزم بها على ماء و تأخذينه و تغسلين به ثم أكتب كتابا فيه كلمات من الزبور و كلمات من الإنجيل فتضعيه تحت رأسك عند النوم و أنت على فراشك ملتفة بثيابك فإن الذي يكون زوجك يأتيك في منامك حتى تعرفيه باسمه و كنيته فقالت افعل يا عم قال حبا و كرامة و كتب الكتاب و أعطاها إياه و فعلت ما أمرها به و نامت فرأت كان قد جاء إليها رجل لا بالطويل الشاهق و لا بالقصير اللاذق أدعج العينين أزج الحاجبين أحور المقلتين عقيقي الشفتين مورد الخدين أزهر اللون مليح الكون معتدل القامة تظله الغمامة بين كتفيه علامة راكب على فرس من نور مزمم [مزموم بسلسلة من ذهب على ظهره سرج من العقيان مرصع بالدر و الجوهر له وجه كوجه الآدميين منشق الذنب له أرجل كالبقر خطوته مد البصر و هو يرقل بالراكب و كان خروجه من دار أبي طالب فلما رأته خديجة ضمته إلى صدرها و أجلسته في حجرها و لم تنم باقي ليلتها إلى أن أقبلت إلى عمها ورقة و قالت أنعمت صباحا يا عم قال و أنت لقيت نجاحا فلعلك رأيت شيئا في منامك قالت رأيت رجلا صفته كذا و كذا فعندها قال ورقة يا خديجة إن صدقت رؤياك تسعدين و ترشدين فإن الذي رأيته متوج بتاج الكرامة الشفيع في العصاة يوم القيامة سيد العرب و العجم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قالت و كيف لي بما تقول يا عم و أنا كما يقول الشاعر أسير إليكم قاصدا لأزوركم. و قد قصرت بي عند ذاك رواحلي. و ملك الأماني خدعة غير أنني. أعلل حد الحادثات بباطل. أحمل برق الشرق شوقا إليكم. و أسأل ريح الغرب رد رسائلي. قال فزاد بها الوجد و كانت إذا خلت بنفسها فاضت عبرتها أسفا و جرت دمعتها لهفا و هي تقول كم أستر الوجد و الأجفان تهتكه. و أطلق الشوق و الإغضاءتمسكه. جفاني القلب لما أن تملكه. غيري فوا أسفا لو كنت أملكه. ما ضر من لم يدع مني سوى رمقي. لو كان يسمح بالباقي فيتركه. قال الراوي و أعجب ما رأيت في هذا الأمر العجيب و الحديث الغريب أن خديجة لم تفرغ من شعرها إلا و قد طرق الباب فقالت لجاريتها انزلي و انظري من بالباب لعل هذا خبر من الأحباب ثم أنشأ يقول أيا ريح الجنوب لعل علم. من الأحباب يطفئ بعض حري. و لم لا حملوك إلي منهم. سلاما أشتريه و لو بعمري. و حق ودادهم إني كتوم. و إني لا أبوح لهم بسري. أراني الله وصلهم قريبا. و كم يسر أتى من بعد عسر. فيوم من فراقكم كشهر. و شهر من وصالكم كدهر. قال ثم نزلت الجارية و إذا أولاد عبد المطلب بالباب فرجعت إلى خديجة و قالت يا سيدتي إن بالباب سادات العرب ذوي المعالي و الرتب أولاد عبد المطلب فرمقت خديجة رمق الهوى و نزل بها دهش الجوى و قالت افتحي لهم الباب و أخبري ميسرة يعتد لهم المساند و الوسائد فإني أرجو أن يكونوا قد أتوني بحبيبي محمد ثم قالت شعرا ألذّ حياتي وصلكم و لقاكم. و لست ألذّ العيش حتى أراكم. و ما استحسنت عيني من الناس غيركم. و لا لذّ في قلبي حبيب سواكم. على الرأس و العينين جملة سعيكم. و من ذا الذي في فعلكم قد عصاكم.فها أنا محسوبعليكم بأجمعي. و روحي و مالي يا حبيبي فداكم. و ما غيركم في الحب يسكن مهجتي. و إن شئتم تفتيش قلبي فهاكم. قال صاحب الحديث و بسط لهم ميسرة المجلس بأنواع الفرش فما استقر بالقوم الجلوس إلا و قد قدم لهم أصناف الطعام و الفواكه من الطائف و الشام فأكلوا و أخذوا في الحديث فقالت لهم خديجة من وراء الحجاب بصوت عذب و كلام رطب يا سادات مكة أضاءت بكم الديار و أشرقت بكم الأنوار فلعل لكم حاجة فتقضى أو ملمة فتمضى فإن حوائجكم مقضية و قناديلكم مضيئة فقال أبو طالب رضي الله عنه جئناك في حاجة يعود نفعها إليك و بركتها عليك قالت يا سيدي و ما ذلك قال جئناك في أمر ابن أخي محمد فلما سمعت ذلك غاب رشدها عن الوجود و أيقنت بحصول المقصود و قالت شعرا بذكركم يطفئ الفؤاد من الوقد. و رؤيتكم فيها شفا أعين الرمد. و من قال إني أشتفيمن هواكم. فقد كذبوا لو مت فيه من الوجد. و ما لي لا أملأ سرورا بقربكم. و قد كنت مشتاقا إليكم على البعد. تشابه سري في هواكم و خاطري. فأبدي الذي أخفي و أخفي الذي أبدي. ثم قالت بعد ذلك يا سيدي أين محمد حتى نسمع ما يقول قال العباس رضي الله عنه أنا آتيكم به فنهض و سار يطلبه من الأبطح فلم يجده فالتفت يمينا و شمالا فقالوا ما تريد فقال أريد محمدا فقالوا له في جبل حرى فسار إليه فإذا هو فيه نائما في مرقد إبراهيم الخليل(عليه السلام)ملتفّا ببرده و عند رأسه ثعبان عظيم في فمه طاقة ريحان يروّحه بها فلمّا نظر إليه العباس قال خفت عليه من الثعبان فجذبت سيفي و هممت بالثعبان فحمل الثعبان على العباس فلما رأى العباس ذلك صاح من وقته أدركني يا ابن أخي ففتح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عينيه فذهب الثعبان كأنه لم يكن فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ما لي أرى سيفك مسلولا قال رأيت هذا الثعبان عندك فسللت سيفي و قصدته خوفا عليك منه فعرفت في نفسي الغلبة فصحت بك فلما فتحت عينك ذهب كأنه لم يكن فتبسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قال يا عم ليس هذا بثعبان و لكنه ملك من الملائكة و لقد رأيته مرارا و خاطبته جهارا و قال لي يا محمد إني ملك من عند ربي موكل بحراستك في الليل و النهار من كيد الأعداء و الأشرار قال ما ينكر فضلك يا محمد فقال له سر معي إلى دار خديجة بنت خويلد تكون أمينا على أموالها تسير بها حيث شئت قال أريد الشام قال ذلك إليك فسار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و العباس إلى بيت خديجة و كان من عادته(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أراد زيارة قوم سبقه النور إلى بيتهم فسبقه النور إلى بيت خديجة فقالت لعبدها ميسرة كيف غفلت عن الخيمة حتى عبرت الشمس إلى المجلس قال لست بغافل عنها و خرج فلم يجد تغير وتد و لا طنب و نظر إلى العباس فوجده قد أقبل هو و النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)معه فرجع و قال لها يا مولاتي هذا الذي رأيته من أنوار محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فجاءت خديجة لتنظر إلى محمد فلما دخل المجلس نهض أعمامه إجلالا له و أجلسوه في أوساطهم فلما استقرّ بهم الجلوس قدمت لهم خديجة الطعام فأكلوا ثم قالت خديجة يا سيدي أنست بك الديار و أضاءت بك الأقدار و أشرقت من طلعتك الأنوار أ ترضى أن تكون أمينا على أموالي تسير بها حيث شئت قال نعم رضيت ثم قال أريد الشام قالت ذلك إليك و إني قد جعلت لمن يسير على أموالي مائة وقيّة من الذهب الأحمر و مائة وُقيّة من الفضة البيضاء و جملين و راحلتين فهل أنت راض فقال أبو طالب رضي الله عنه رضي و رضينا و أنت يا خديجة محتاجة إليه لأنه من حين خلق ما وقف له العرب على صبوة و إنه مكين أمين قالت خديجة تحسن يا سيدي تشدّ على الجمل و ترفع عليه الأحمال قال نعم قالت يا ميسرة ايتني ببعير حتى أنظر كيف يشدّ عليه محمد فخرج ميسرة و أتى ببعير شديد المراس قويّ البأس لم يجسر أحد من الرعاة أن يخرجه من بين الإبل لشدّة بأسه فأدناه ليركبه فهدر و شقشق و احمرّت عيناه فقال له العباس ما كان عندك أهون من هذا البعير تريد أن تمتحن به ابن أخينا فعند ذلك قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)دعه يا عمّ فلما سمع البعير كلام البشير النذير برك على قدمي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و جعل يمرغ وجهه على قدمي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و نطق بكلام فصيح و قال من مثلي و قد لمس ظهري سيد المرسلين فقلن النسوة اللاتي كنّ عند خديجة ما هذا إلا سحر عظيم قد أحكمه هذا اليتيم قالت لهم خديجة ليس هذا سحرا و إنما هو آيات بينات و كرامات ظاهرات ثم قالت نطق البعير بفضل أحمد مخبرا. هذا الذي شرفت به أمّ القرى. هذا محمد خير مبعوث أتى. فهو الشفيع و خير من وطأ الثرى. يا حاسديه تمزّقوا من غيظكم. فهو الحبيب و لا سواه في الورى. قال و خرج أولاد عبد المطلب و أخذوا في أُهبة السفر فالتفتت خديجة إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله) و قالت يا سيدي ما معك غير هذه الثياب فليست هذه تصلح للسفر فقال لست أملك غيرها فبكت خديجة و قالت عندي يا سيدي ما يصلح للسفر غير أنهن طوال فامهل حتى أقصرها لك فقال هلمّي بها و كان(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا لبس القصير يطول و إذا لبس الطويل يقصر كأنّه مفصل عليه فأخرجت له ثوبين من قباطي مصر و جبّة عدنيّة و بردة يمنيّة و عمامة عراقيّة و خفين من الأديم و قضيب خيزران فلبس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الثياب و خرج كأنه البدر في تمامه فلما نظرت إليه جعلت تقول أوتيت من شرف الجمال فنونا. و لقد فتنت بها القلوب فتونا. قد كونت للحسن فيك جواهر. فيها دعيت الجوهر المكنونا. يا من أعارالظبي في لفتاته. للحسن جيدا ساميا و جفونا. انظر إلى جسمي النحيل و كيف قد. أجريت من دمع العيون عيونا. أسهرت عيني في هواك صبابة. و ملئت قلبي لوعةو جنونا. ثم قالت يا سيدي عندك ما تركب عليه قال إذا تعبت ركبت أي بعير أردت قالت و ما يحملني على ذلك لا كانت الأموال دونك يا محمد ثم قالت لعبدها ميسرة ايتني بناقتي الصهباء حتى يركبها سيدي محمد فأتى بها ميسرة و هي تزيد على الأوصاف لا يلحقها في سيرها تعب و لا يصيبها نصب كأنها خيمة مضروبة أو قبة منصوبة ثم التفتت إلى ميسرة و ناصح و قالت لهما اعلما أنني قد أرسلت إليكما أمينا على أموالي و إنه أمير قريش و سيدها فلا يد على يده فإن باع لا يمنع و إن ترك لا يؤم و ليكن كلامكما له بلطف و أدب و لا يعلو كلامكما على كلامه قال عبدها ميسرة و الله يا سيدتي إن لمحمد عندي محبة عظيمة قديمة و الآن قد تضاعف لمحبتك له ثم إن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودع خديجة و ركب راحلته و خرج و ميسرة و ناصح بين يديه و عين الله ناظرة إليه فعندها قالت خديجة شعرا قلب المحب إلى الأحباب مجذوب. و جسمه بيد الأسقام منهوب. و قائل كيف طعم الحب قلت له. الحب عذب و لكن فيه تعذيب. أقذى [أفذي الذين على خدي لبعدهم. دمي و دمعي مسفوح و مسكوب. ما في الخيام و قد سارت ركابهم. إلا محب له في القلب محبوب. كأنما يوسف في كل ناحية. و الحز في كل بيت فيه يعقوب. ثم إن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سار مجدا للسير إلى الأبطح فوجد القوم مجتمعين و هم لقدومه منتظرون فلما نظروا إلى جمال سيد المرسلين و قد فاق الخلق أجمعين فرح المحب و اغتم الحاسد و ظهر الحسد و الكمد فيمن سبقت له الشقاوة من المكذبين و زادت عقيدة من سبقت له السعادة من المؤمنين فلما نظر العباس إليهم أنشأ يقول يا مخجل الشمس و البدر المنير إذا. تبسم الثغر لمع البرق منه أضا. كم معجزات رأينا منك قد ظهرت. يا سيدا ذكره يشفى به المرضى. فلما نظر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أموال خديجة على الأرض و لم يحمل منها شيء زعق على العبيد و قال ما الذي منعكم عن شد رحالكم قالوا يا سيدنا لقلة عددنا و كثرة أموالنا فأبرك راحلته و نزل و لوى ذيله في دور منطقته و صار يزعق بالبعير فيقول بإذن الله تعالى فتعجب الناس من فعله فنظر العباس إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قد احمرت وجناته من العرق فقال كيف أخلي الشمس تقرح هذا الوجه الكريم فعمد إلى خشبة و قال لأتخذن منها حجفة تظل محمدا من حر الشمس فارتجت الأقطار و تجلى الملك الجبار و أمر الأمين جبرئيل(عليه السلام)أن يهبط [اهبط إلى رضوان خازن الجنان و قل له يخرج لك الغمامة التي خلقتها لحبيبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن أخلق آدم بألفي عام و انشرها على رأس حبيبي محمد فلما رأوها شخصت نحوها الأبصار و قال العباس إن محمدا لكريم على ربه و لقد استغنى عن حجفتي ثم أنشأ يقول وقف الهوى بي حيث كنتفليس لي. متقدم عنكم و لا متأخر. ثم سار القوم حتى نزلوا بجحفة الوداع و حطوا رحالهم حتى يلحق بهم المتأخرون فقال مطعم بن عدي يا قوم إنكم سائرون إلى أرض كثيرة المهامة و الأوعار و ليس لكم مقدم تستشيرون به و ترجعون إلى أمره و الرأي عندي أنكم تقدمون عليكم رجلا لتستندوا إلى رأيه و ترجعوا إلى أمره عن المنازع و المخالف قالوا نعم ما أشرت به فقال بنو مخزوم نحن نقدم علينا أخانا عمرو بن هشام المخزومي و قال بنو عدي نحن نقدم علينا أميرنا مطعم بن عدي و قال بنو النضر نحن نقدم علينا أميرنا النضر بن الحارث و قال بنو زهرة نحن نقدم علينا أميرنا أحيحة بن الجلاح و قال بنو لوي نحن نقدم علينا أبا سفيان صخر بن حرب و قال ميسرة و الله ما نقدم علينا إلا سيدنا محمد بن عبد الله و قال بنو هاشم و نحن أيضا نقدم علينا محمدا فقال أبو جهل لئن قدمتم علينا محمدا لأضعن هذا السيف في بطني و أخرجه من ظهري فقبض حمزة على سيفه و قال يا وغد الرجال و يا نذل الأفعال و الله ما أريد إلا أن يقطع الله يديك و رجليك و يعمي عينيك فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اغمد سيفك يا عماه و لا تستفتحوا سفركم بالشر دعوهم يسيرون أول النهار و نحن نسير آخره فإن التقدم لقريش و كان(صلى الله عليه وآله وسلم)أول من تكلم بهذه الكلمة و سار أبو جهل و من يلوذ به و قد استغنم من بني هاشم الفرصة و هو ينشد و يقول لقد ضلت حلوم بني قصي. و قد زعموا بتسييداليتيم. كان ساقطا في دين أو حسب فهو نذل. في المصدر: و قد استغنموا الفرصة. بتسديد خ ل. و راموا للخلافةغير كفو. فكيف يكون ذا الأمر العظيم. و إني فيهم ليث حمي. بمصقول و لي جد كريم. فلو قصدوا عبيدة أو ظليما. و صخر الحرب ذا الشرف القديم. لكنا راضيين لهم و كنا. لهم تبعا على خلف ذميم. فأجابه العباس يقول ألا أيها الوغد الذي رام ثلبنا. أ تثلب قرنافي الرجال كريم. أ تثلب يأويك الكريم أخا التقى. حبيب لرب العالمين عظيم. و لو لا رجال قد عرفنا محلهم. و هم عندنا في مجدب و مقيم. لدارت سيوف يفلق الهام حدها. بأيدي رجال كالليوث تقيم. حماة كماة كالأسود ضراغم. إذا برزوا ردوا لكل زعيم. ثم إن القوم ساروا إلى أن بعدوا عن مكة فنزلوا بواد يقال له واد الأمواه لأنه مجتمع السيولو أنهار الشام و منه تنبع عيون الحجاز فنزل به القوم و حطوا رحالهم و إذا بالسحاب قد اجتمعفقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ما أخوفني على أهل هذا الوادي أن يدهمهمالسيل فيذهب بجميع أموالهم و الرأيعندي أن نستند إلى هذا الجبل قال له العباس نعم ما رأيت يا ابن أخي فأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن ينادي في القافلة أن ينقلوا رحالهم إلى نحو الجبلمخافة السيل ففعلوا إلا رجلا من بني جمحيقال له مصعب و كان له مال كثير فأبى أن يتغيرمن مكانه و قال يا قوم ما أضعف قلوبكم تنهزمون عن شيء لم تروه و لم تعاينوه فما استتم كلامه إلا و قد ترادفت السحاب و البرق و نزل السيل و امتلأ الوادي من الحافة إلى الحافةو أصبح الجمحي و أمواله كأنه لم يكن و أقام القوم في ذلك المكان أربعة أيام و السيل يزداد فقال ميسرة يا سيدي هذه السيول لا تنقطع إلى شهر و لا تقطعه السفارو إن أقمنا هاهنا أضر بنا المقام و يفرق الزاد و الرأيعندي أن نرجع إلى مكة فلم يجبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى ذلك ثم نام فرأى في منامه ملكا يقول له يا محمد لا تحزن إذا كان غداة غد مر قومك بالرحيل و قف على شفير الوادي فإذا رأيت الطير الأبيض قد خط بجناحه فاتبع الخط و أنت تقول بسم الله و بالله و أمر قومك أن يقولوا هذه الكلمة فمن قالها سلم و من حاد عنها غرق فاستيقظ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و هو فرح مسرور ثم أمر ميسرة أن ينادي في الناس بالرحيل فرحلوا و شد ميسرة رحاله فقال الناس يا ميسرة و كيف نسير و هذا الماء لا تقطعه إلا السفن فقال أما أنا فإن محمدا أمرني و أنا لا أخالفه فقال القوم و نحن أيضا لا نخالفه فبادر القوم و تقدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و وقف على شفير الوادي و إذا بالطير الأبيض قد أقبل من ذروة الجبل و خط بجناحيه خطا أبيض يلمع فشمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أذياله و اقتحم الماء و هو يقول بسم الله و بالله فلم يصل الماء إلى نصف ساقه و نادى أيها الناس لا يدخل أحد منكم الماء حتى يقول هذه الكلمة فمن قالها سلم و من حاد عنها هلك فاقتحم القوم الماء و هم يقولون الكلمةو لم يتأخر من القوم سوى رجلين أحدهما من بني جمح و الآخر من بني عدي فقال العدوي بسم الله و بالله و قال الجمحي بسم اللات و العزى فغرق الجمحي و أمواله و سلم العدوي و أمواله فقال القوم للعدوي ما بال صاحبك غرق قال إنه قد عوج لسانه و خالف قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فغرق فاغتم …
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · تزوجه(ص)بخديجة رضي الله عنها و فضائلها و بعض أحوالها