أبو جهل لعنه الله و قومه قالوا ما هذا إلا سحر عظيم فقال له بعض أصحابه يا ابن هشام ما هذا بسحر و لكن و الله ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء أفضل من محمد فلم يرد جوابا و ساروا حتى نزلوا على بئر و كان تنزل عليه العرب في طريق الشامفقال أبو جهل و الله لأجد في نفسي غبنةعظيمة إن رد محمد من سفره هذا سالما و لقد عزمت على قتله و كيف لي بالحيلة في قتله و هو ينظر من ورائه كما ينظر من أمامه و لكن أفعل فسوف تنظرون ثم عمد إلى الرمل و الحصى و ملأ حجره و كبسبه البئر فقال أصحابه و لم تفعل ذلك فقال أريد دفن البئر حتى إذا جاء ركب بني هاشم و قد أجهدهم العطش فيموتوا عن آخرهم فتبادر القوم بالرمل و الحصى و لم يتركوا للبئر أثرا فقال أبو جهل لعنه الله الآن قد بلغت مرادي ثم التفت إلى عبد له اسمه فلاح و قال له خذ هذه الراحلة و هذه القربة و الزاد و اختف تحت الجبلفإذا جاء ركب بني هاشم يقدمهم محمد و قد أجهدهم العطش و التعب و لم يجدوا للبئر أثرا فيموتوا فأتني بخبرهم فإذا أتيتني و بشّرتني بموتهم أعتقتك و زوجتك بمن تريد من أهل مكة فقال حبا و كرامة ثم سار أبو جهل و تأخر العبد كما أمره مولاه و إذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد فتبادر القوم إلى البئر فلم يجدوا له أثرا فضاقت صدورهم و أيقنوا بالهلاك فلاذوا بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال لهم هل هنا موضع يعرف بالماء قالوا نعم بئر قد ردمتبالرمل و الحجارةفمشى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حتى وقف على شفير البئر فرفع طرفه إلى السماء و نادى يا عظيم الأسماء يا باسط الأرض و يا رافع السماء قد أضرّ بنا الظمآء فاسقنا الماء فإذا بالحجارة و الرمل قد تصلصلتو عين الماء قد نبعت و تفجّرت و جرى الماء من تحت أقدامه فسقى القوم دوابّهم و ملئوا قربهم و ساروا و سار العبد إلى مولاه و قال ما وراءك يا فلاح و قال و الله ما أفلح من عادى محمدا و حدّثهم بما عاين منه فامتلأ أبو جهل غيظا و قال للعبد غيب وجهك عني فلا أفلحت أبدا ثم سار حتى وصل واديا من أودية الشام يقال له ذبيان و كان كثير الأشجار إذ خرج من ذلك الوادي ثعبان عظيم كأنه النخلة السحوق ففتح فاه و زفر و خرج من عينيه الشرار فجفلت منه ناقة أبي جهل لعنه الله و لعبت بيديها و رجليها و رمته فكسرت أضلاعه فغشي عليه فلما أفاق قال لعبيده تأخرواإلى جانب الطريق فإذا جاء ركب بني هاشم يتقدمهم محمد قدموه علينا حتى إذا رأت ناقته الثعبان فعسى أن ترميه إلى الأرض فيموت ففعل العبيد ما أمرهم به و إذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يا ابن هشام أراكم قد نزلتم و ليس هو وقت نزولكم فقال له يا محمد و الله قد استحييت أن أتقدم عليك و أنت سيد أهل الصفا و أعلى حسبا و نسبا فتقدم فلعن الله من يبغضك ففرح العباس بذلك و أراد العباس أن يتقدم فنهاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قال ارفق يا عم فما تقديمهم لنا إلا لمكيدة لناثم إنه(صلى الله عليه وآله وسلم)تقدم أمامهم و دخل إلى ذلك الشعب و إذا بالثعبان قد ظهر فجفلت منه ناقة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فزعق بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قال ويحك تصلصل: صوت. كيف تخافين و عليك خاتم الرسل و إمام البشر. ثم التفت إلى الثعبان و قال له ارجع من حيث أتيت و إياك أن تتعرض لأحد من الركبفنطق الثعبان بقدرة الله تعالى و قال السلام عليك يا محمد السلام عليك يا أحمد فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)السلام على من اتبع الهدى و خشي عواقب الردى و أطاع الملك الأعلى فعندها قال يا محمد ما أنا من هوام الأرض و إنما أنا ملك من ملوك الجن و اسمي الهام بن الهيم و قد آمنت على يد أبيك إبراهيم الخليل و سألته الشفاعة فقال هي لولد يظهر من نسلي يقال له محمد و وعدنيأن أجتمع بك في هذا المكان و قد طال بي الانتظار و قد شاهدت المسيح عيسى ابن مريم(عليها السلام)ليلة عرج به إلى السماء و هو يوصي الحواريين باتباعك و الدخول في ملتك و الآن قد جمع الله شملي بك فلا تنسني من الشفاعة يا سيد المرسلين فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لك ذلك علي فعد من حيث جئت و لا تتعرض لأحد من الركب فغاب الثعبان فلما نظر القوم إلى كلامه عجبوا من ذلك و ازداد أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقينا و فرحا و ازداد الجنود [الحسود غيظا و حسدا فأنشأ العباس يقول يا قاصدا نحو الحطيم و زمزم. بلغ فضائل أحمد المتكرم. و اشرح لهم ما عاينت عيناك من. فضل لأحمد و السحاب الأركم. قل و أت بالآياتفي السيل الذي. ملأ الفجاج بسيله المتراكم. و نجا الذي لم يخط قول محمد. و هو الذي أخطأ بوسط جهنم. و البئر لما أن أضر بنا الظماء. فدعا الحبيب إلى الإله المنعم. فاضت عيونا ثم سالت أنهرا. و غدا الحسود بحسرة و تغمغم. و الهام بن الهيم لما أن رأى. خير البرية جاء كالمستسلم. ناداه أحمد فاستجاب ملبيا. و شكا المحبة كالحبيبالمغرم. من عهد إبراهيم ظل مكانه. يرجو الشفاعة خوف جسر جهنم. من ذا يقاس أحمد في الفضل من. كل البرية من فصيح و أعجم. و به توسل في الخطيئة آدم. فليعلم الأخبار من لم يعلم. و لما فرغ العباس من شعره أجابه الزبير و أنشأ يقول شعرا يا للرجال ذوي البصائر و النظر. قوموا انظروا أمرا مهولا قد خطر.هذا بيان صادق في عصرنا. من سيد عالي المراتب مفتخر. آياته قد أعجزت كل الورى. من ذا يقايس عدها أو يختصر. منها الغمام تظله مهما مشى. أنى يسير تظله و إذا خطر. و كذلك الوادي أتى مترادفا. بالسيل يسحب للحجارة و الشجر. و نجا الذي قد طاع قول محمد. و هوى المخالف مستقرا في سقر. و أزال عنا الضيم من حر الظماء. من بعد ما بان التقلقل و الضجر. و البئر فاضت بالمياه و أقبلت. تجري على الأراض أشباه النهر. و الهام فيه عبارة و دلالة. لذوي العقول ذوي البصائر و الفكر. كاد الحسود يذوب مما عاينت. عيناه من فضل لأحمد قد ظهر. يا للرجال ألا انظروا أنواره. تعلو على نور الغزالة و القمر. الله فضل أحمدا و اختاره. و لقد أذل عدوه ثم احتقر. فأجابه حمزة رضي الله عنه يقول ما نالت الحساد فيك مرادهم. طلبوا نقوص الحال منك فزادا. كادوا و ما خافوا عواقب كيدهم. و الكيد مرجعه على من كادا. ما كل من طلب السعادة نالها. بمكيدة أو أن يروم عنادا. يا حاسدين محمدا يا ويلكم. حسدا تمزق منكم الأكبادا. الله فضل أحمدا و اختاره. و لسوف يملكه الورى و بلادا.و ليملأن الأرض من إيمانه. و ليهدين عن الغوى من حادا. قال فشكرهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على ذلك و ساروا جميعا و نزلوا واديا كانوا يتعاهدون فيه الماء قديما فلم يجدوا فيه شيئا من الماء فشمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذراعيه و غمس كفيه في الرمل و رمق السماءو هو يحرك شفتيه فنبع الماء من بين أصابعه تياراو جرى على وجه الأرض أنهارا فقال العباس أمسك يا ابن أخي حذرا من الماء أن يغرق أموالنا ثم شربواو ملئوا قربهم و سقوا دوابهم فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لميسرة لعل عندك شيئا من التمر فأحضره و كان يأكل التمر و يغرس النوى في الأرضفقال له العباس لم تفعل ذلك يا ابن أخي قال يا عم أريد أن أغرسها نخلا قال و متى تطعم قال الساعة نأكل منها و نتزود إن شاء الله تعالى فقال له العباس يا ابن أخي النخلة إذا غرست تثمر في خمس سنينقال يا عم سوف ترى من آيات ربي الكبرى ثم ساروا حتى تواروا عن الوادي فقال يا عمارجع إلى الموضع الذي فيه النخلات و اجمع لنا ما نأكله فمضى العباس فرأى النخلات قد كبرت و تمايلتأثمارها و أزهرتفأوقر منها راحلة و التحق بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان يأكل من التمر و يطعم القوم فصاروا متعجبين من ذلك فقال أبو جهل لعنه الله لا تأكلوا يا قوم مما يصنعه محمد الساحر فأجابه قومه و قالوا يا ابن هشام أقصر عن الكلام فما هذا بسحر ثم سار القوم حتى وصلوا عقبة أيلة و كان بها دير و كان مملوا رهبانا و كان فيهم راهب يرجعون إلى رأيه و عقله يقالله الفيلق بن اليونان بن عبد الصليب و كان يكنى أبا خبير و قد قرأ الكتب و عنده سفر فيه صفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من عهد عيسى ابن مريم(عليها السلام)و كان إذا قرأ الإنجيل على الرهبان و وصل إلى صفات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بكى و قال يا أولادي متى تبشروني بقدوم البشير النذير الذي يبعثه الله من تهامة متوجا بتاج الكرامة تظله الغمامة يشفع في العصاة يوم القيامةفقال له الرهبان لقد قتلت نفسك بالبكاء و الأسف على هذا الذي تذكره و عسى أن يكون قد قرب أوانه فقال إي و الله إنه قد ظهر بالبيت الحرام و دينه عند الله الإسلام فمتى تبشروني بقدومه من أرض الحجاز و هو تظله الغمامة و أنشأ يقول شعرا لئن نظرت عيني جمال أحبتي. وهبت لبشرى الوصل ما ملكت يدي. و ملكته روحي و مالي غيرها. و هذا قليل في محبة أحمد. سألت إلهي أن يمن بقربه. و يجمع شملي بالنبي محمد. قال و ما زال الراهب كلما ذكر الحبيب أكثر النحيب إلى أن حالمنه النظر و زاد به الفكر فعند ذلك أشرف بعض الرهبان و قد أشرقت الأنوار من جبين النبي المختار فنظر الرهبان إلى الأنوار و قد تلألأت من الركب و قد أقبل من الفلا و أشرقو علا تقدمهم سيد الأمم و قد نشرت على رأسه الغمامة فقالوا يا أبا الرهبانهذا ركب قد أقبل من الحجاز فقال يا أولادي و كم ركب قد أقبل و أتى و أنا أعلل نفسي بلعل و عسى قالوا يا أبانا قد رأينا نورا قد علا فقالالآن قد زال الشقاء و ذهب العناء ثم رفع طرفه نحو السماء و قال إلهي و سيدي و مولاي بجاه هذا المحبوب الذي زاد فيه تفكري إلا ما رددت علي بصري فما استتم كلامه حتى رد الله عليه بصره فقال الراهب للرهبان كيف رأيتم جاه هذا المحبوب عند علام الغيوب ثم أنشأ يقول بدا النور من وجه النبي فأشرقا. و أحيا محبا بالصبابة محرقا.و أبرأ عيونا قد عمين من البكاء. و أصبح من سوء المكاره مطلقا. ترى هل ترى عيناي طلعة وجهه. و أصبح من رق الضلالة معتقا. ثم قال يا أولادي إن كان هذا النبي المبعوث في هذا الركب ينزلتحت هذه الشجرة فإنهاتخضر و تثمر فقد جلس تحتها عدة من الأنبياء و هي من عهد عيسى ابن مريم(عليها السلام)يابسة و هذه البئر لم نر فيهاماء فإنه يأتي إليها و يشرب منها فما كان إلا قليلا و إذا الركب قد أقبل و حول البئر قد نزلوا و حطوا الأحمال عن الجمال و كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يحب الخلوة بنفسه فأقبل تحت الشجرة فاخضرت و أثمرت من وقتها و ساعتها فما استقر بهم الجلوس حتى قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فمشى إلى البئر فنظر إليها و استحسن عمارتها و تفل فيها فتفجرت منها عيون كثيرة و نبع منها ماء معين فلما رأى الراهب ذلك قال يا أولادي هذا هو المطلوب فبادروا بصنع الولائم من أحسن الطعام لنتشرف بسيد بني هاشم فإنه سيد الأنام لنأخذ منه الذمةلسائر الرهبان فبادر القوم لأمره طائعين و صنعوا الولائم و قال لهم انزلوا إلى أمير هذا القومو قولوا له إن أبانا يسلم عليك و يقول لك إنه قد عملوليمة و هو يسألك أن تجيبه و تأكل من زاده فنزل بعض الرهبان فما رأى أحسن من أبي جهل لعنه الله و لم ير رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبر أبا جهل بما قاله الراهب فنادى في العرب إن هذا الراهب قد صنع لأجلي وليمة و أريد أن تجيبوا لدعوتهفقال القوم من نترك عند أموالنا فقال أبو جهل اجعلوا محمدا عند أموالنا فهو الصادق الأمين و في هذا المعنى قيل شعر و مناقب شهد العدو بفضلها. و الفضل ما تشهد به الأعداء. فسار القوم إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و سألوه أن يجلس عند متاعهم و سار القوم إلى الراهب يتقدمهم أبو جهل لعنه الله و قد أعجب بنفسه فلما دخلوا الدير أحضرلهم الطعام و ناداهم بالرحب و الإكرام فأخذ القوم في الأكل و أخذ الراهب القلنسوة جعل ينظر فيه و يدور على القوم رجلا رجلاو جعل ينظر فيهم رجلا رجلا فلم ير صفة النبي (صلى الله عليه و آله)فرمى القلنسوة عن رأسه و نادى وا خيبتاه وا طول شقوتاهثم جعل يقول شعرا يا أهل نجد تقضّى العمر في أسف. منكم و قلبي لم يبلغ أمانيه. يا ضيعة العمر لا وصل ألوذ به. من قربكم لا و لا وعد أرجّيه. قال ثم بعد ذلك قال يا سادات قريش هل بقي منكم أحدفقال أبو جهل نعم بقي منا صبي صغير أجير على أموال بعض نسائنا فما استتم كلامه حتى قام له حمزة و ضربه ضربا وجيعا و ألقاه على قفاه و قال يا وغد الأنام لم لا قلت تأخر منا البشير النذير السراج المنير و ما تركناه عند بضائعنا و أموالنا إلا لأمانته و ما فينا أصلح منه ثم التفت حمزة إلى الراهب و قال أرني السفر و أخبرني بما فيه فقال سيدي هذا سفر فيه صفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لا بالطويل الشاهق و لا بالقصير اللاصق معتدل القامة بين كتفيه علامة تظله الغمامة يبعث من تهامة شفيع العصاة يوم القيامة قال العباس يا راهب إذا رأيته تعرفه قال نعم قال سر معي إلى الشجرة فإن صاحب هذه الصفة تحتها فخرج الراهب من الدير يهرول في خطواته حتى لحق بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فلما رآه نهض قائما لا متكبرا و لا متجبرا فقال مرحبا بالفيلق بعد ما قال له الراهب السلام عليك يا أبا الفتيان فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و عليك السلام يا عالم الرهبان و يا ابن اليونان يا ابن عبد الصليبفقال الراهب و ما أدراك أني الفيلق بن اليونان بن عبد الصليب قال الذي أخبرك أني أبعث في آخر الزمان بالأمر العجيب فانكب الراهب على قدميه يقبلهما و هو يقول يا سيد البشر لعلك أن تجيب لوليمتنا لتحصل لنا بهاالكرامة و نفوز بمحبتك يوم القيامة فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اعلم أن القوم أودعوني في أموالهم فقال يا مولاي تصدق علينا بالمسير إن عدم لهم عقال علي ببعير فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سر و سار معهم إلى ديرهم و كان له بابان واحد كبير و الآخر صغير و قد وضعوا بحيال الباب الصغير كنيسة فيها تصاوير و تماثيل فإذا دخل الرجل من الباب الصغير ينحني برأسه و ذلك برسم السجود للتصاوير في الكنيسة فخطر في نفسه أنه يدخل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من الباب الصغير ليتلذذ بمعاجزهو غرائب كراماته فلما دخل الراهب أمامه داخله الفزع من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فلما دخل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من الباب القصير أمر الله تعالى عضادتي الباب أن ترتفع فارتفع الباب حتى دخل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)منتصب القامة فلما أشرف على القوم قاموا له إجلالا و أجلسوه في أوساطهم على أعلى مكان و وقف الراهب بين يديه و الرهبان حوله فقدموا بين يديه طرائف الشامثم رمق الراهب بطرفه إلى السماء فقال إلهي و سيدي و مولاي أرني خاتم النبوة فأرسل الله عز و جل جبرئيل و رفع ثيابه عن ظهره فبان خاتم النبوة بين كتفيه فسطع منه نور ساطع فلما رآه الراهب خر ساجدا هيبة من ذلك النور ثم رفع رأسه و قال هو أنت حقا ثم إن حمزة أنشأ يقول أنت المظلل بالغمام و قد رأى. الرهبان أنك ذاك و انكشف الخبر. ربيت في بحبوحمكة بعد ما. وضع الخليل وفاق فخرك من فخر. و رضعت في سعد لثدي حليمة. كرما ففاض الثدي نحوك و انحدر. قال فشكره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و تفرق القوم إلى رحالهم و قد كمد أبو جهل غيظا و بقي ميسرة و الراهب مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال الراهب يا سيدي أبشر فإن الله يوطئ لك رقاب العرب و تملك سائر البلاد و ينزل عليك القرآن و تدين لك الأنام و دينك عند الله هو الإسلامو تنكس الأصنام و تمحق الأديان و تخمد النيران و تكسر الصلبان و يبقى ذكرك إلى آخر الزمان فأسألك يا سيدي أن تتصدق علينا بالذمام لسائر الرهبان لتأخذ منهم أمتك الجزية في ذلك الزمان فيا ليتني كنت معك حتى تبعث يا سيديفأعطاهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الذمام و أكرمهمغاية الإكرام. و قال الراهب لميسرة يا ميسرة اقرأ مولاتك مني السلام و اعلمأنها قد ظفرت بسيد الأنام و أنه سيكون لكشأن من الشأن و تفضل على سائر الخاص و العام و أحذّرها أن تفوتها القرب من هذا السيد فإن الله تعالى سيجعل نسلها من نسله و تبقى ذكرها إلى آخر الزمان و يحسدها عليه كل أحد و أعلمها أنه لا يدخل الجنة إلا من يؤمن به و يصدق برسالته و أنه أشرف الأنبياء و أفضلهم و أصفاهم سريرة و احذر عليه من أعدائه اليهود في الشام حتى يعود إلى البيت الحرام ثم ودع الراهب و خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و لحق بالقوم و ساروا من وقتهم و ساعتهم إلى أن نزلوا بأرض الشامو حطوا رحالهم فبادر أهل المدينة و اشتروا بضاعتهم و باعت قريش بضائعها بأغلى أثمان في أحسن بيع و أما ما كان من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنه لم يبع شيئا من بضاعته فقال أبو جهل لعنه الله و الله ما رأت خديجة سفرة أشأم من هذه لم يبع من بضاعتها شيئافلما أصبح الصباح نادى العربفلما أقبلت من كل جانب و مكان يريدون البضائع فلم يجدوا إلا بضائع خديجة فباعها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأضعاف ما باعت قريشفاغتم أبو جهل لذلك غما شديدا و لم يبق من بضائع خديجة إلا حمل أديم فجاء رجل من اليهود يقال له سعيد بن قطمور و كان من أحبار اليهود و كهانهم و كان قد اطلع على صفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فلما نظر إليه عرفه بالنور و قال هذا الذي يسفه أحلامناو يعطل أدياننا و يرمل نسواننا و أنا أحتال على قتله ثم دنا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قال يا سيدي بكم هذا الحمل فقال بخمس مائة درهم لا ينقص منها شيء قال اشتريت بشرط أن تسير معي إلى منزلي و تأكل من طعامي حتى تحصل لنا البركةفقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نعم فأخذ اليهودي حمل الأديم و سار إلى منزله و سار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فلما قرب اليهودي من منزله سبق إلى زوجته و قال لها أريد منك أن تساعديني على قتل هذا الذي يعطل أدياننا قالت و كيف أصنع به قال خذي فردةالرحى و اقعدي على باب الدار فإذا رأيتيه قبض منا ثمن حمل الأديم و خرج ارمي عليه فردة الرحىحتى تقتليه و نستريح منه قال فأخذت زوجة اليهودي الرحى و طلعت على سطح الدار فلما خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)همت أن تلقي عليه الرحى فأمسك الله يديهاو رجف قلبها و قد غشيعليها من نور وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و كان لها ولدان قائمانبفناء الدار فسقطت الرحى عليهما فماتا فلما نظر اليهودي إلى ما جرى على أولاده نادى بأعلى صوته يا بني قريظة فأجابوه من كل جانب و مكان و قالوا له ما وراءك قالاعلموا أنه قد حل ببلدكم هذا الرجل الذي يعطل أديانكم و يسفه أحلامكمو قد دخل منزلي و أكل من طعامي و قتل أولادي فلما سمعت اليهود ذلك منه ركبوا خيولهم و جردوا سيوفهم و حملوا على قريش بأجمعهم فلما نظر أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى اليهود لبسوا دروعهم و بيضهمو ركبوا خيولهم العربية و ارتفع الصياح و شهروا الصفاحو قالوا ما أبركه من صائح صاحو ركب حمزة على جواده و هو أشقر مضمر حسن المنظر مليح المخبر صافي الجوهر من خيل قيصر و تقلد سيفه و اعتقل رمحه و لبس درعه و حمل على اليهود فهناك جاشت عليهم الخيل من كل مكان و حل بهم الوبال فأجمعرأيهم على أن ينفذوا منهمسبعة رجال من رؤسائهم بلا سلاح فلما رأتهم قريش من غير سلاح قالوا ما شأنكم قالوا يا معشر العرب إن هذا الرجل الذي معكم يعنون بذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أول من يبدئ بخراب دياركم و قتل رجالكم و تكسير أصنامكم و الرأي عندنا أن تسلموه لنا حتى نقتله و نستريح منه نحن و أنتم فلما سمع حمزة الكلام قال يا ويلكم هيهات هيهات أن نسلمه إليكم فهو نورنا و سراجنا و لو تلفت فيه أرواحنا فهي فداه دون أموالنا فلما سمع اليهود ذلك آيسوامن بلوغ مرادهم و رجعوا على أعقابهمفلما عاين قريش اليهود و قد انقلب بعضهم على بعض رأوها فرصة فرحل القوم يجدون السير إلى ديارهم و قد غنموا أسلابا من اليهود و خيلهم و سلاحهم و قد فرحوا بالنصر و الظفر فلما استقاموا على الطريق قال لهم ميسرة ما منكم أحد يا قوم إلا و قد سافر مرة أو مرتين أو أكثر فهل رأيتم أبرك من هذه السفرة و أكثر من ربحها و ما ذلك إلا ببركة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و هو نشأ فيكم و هو قليل المال فهل لكم أن تجمعوا له شيئا من بينكم على جهة الهدية حتى يستعين به على حاله فقالوا له و الله لقد أصبت الرأي يا ميسرة ثم إن القوم نزلوا منزلا كثير الماء و الأشجار و الأنهار فاستخرج كل واحد منهم شيئا لطيفا و جاءوا به على سبيل الهدية و كان يحب الهدية و يكره الصدقة فلما جمعوهبين يديه قالوا له خذها مباركة عليك فدفعها إلى ميسرة و لم يرد جوابا ثم إن القوم رحلوا يجدون السير و يقطعون الفيافي و الأودية إلى أن نزلوا دير الراهب و هو الوادي الذي تزودوا منه التمر ثم إنهم رحلوا حتى قربوا من مكة و نزلوا بحجفةالوداع فأخذ الناس ينفذون إلى أهاليهم يبشرونهم بقدومهم و غنمهم قال أبو جهل لعنه الله يا قوم ما رأيت ربحا أكثر من سفرتنا هذه فقالوانعم قال و أكثرنا أرباحا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)قال ما كنت أحسب أنه يجلبهم من أماكنهم و يبيع عليهم بأغلى الثمن ثم أخذ القوم في إنفاذ رسلهم و نفذ أبو جهل و غيرهرسلا فأقبل ميسرة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قال يا قرة العين هل أرشدك إلى خير يصل إليك قال ما هو قال تسير من وقتك و ساعتك إلى مولاتي خديجة و تبشرها بسلامة أموالها فإنها تعطي من يبشرها خيرا كثيرا و أنا أحب أن يكون ذلك لك فقم الآن و سر إلى مكة و ادخل على مولاتي خديجة و بشرها بسلامة أموالها فقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قال يا ميسرة أوصيك بمالك و نفسك خيرا و ركب مستقبل الطريق وحده يريد مكة و غاب عن الأبصار فبعث الله ملكا يطوي له البعيد و يهون عليه الصعب الشديد فلما أشرف على الجبال أرسل الله عليه النوم فنام فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل أن اهبط إلى جنات عدن و أخرج منها القبة التي خلقتها لصفوتي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن أخلق آدم(عليه السلام)بألفي عام و انشرها على رأسهو كانت من الياقوت الأحمر معلقة بعلائق من اللؤلؤ الأبيض يرى باطنها من ظاهرها و ظاهرها من باطنها لها أربعة أركان و أربعة أبواب ركن من الزبرجد و ركن من الياقوت و ركن من العقيانو ركن من اللؤلؤ و كذا الأبواب فنزل جبرئيل و استخرجها فتباشرت الحور العين و أشرفت من قصورها و قلن لك الحمد يا رحمان هذا الآن يبعث صاحب القبة و هبت ريح الرحمة و صفقت الأشجار و نشر جبرئيل(عليه السلام)القبة على رأس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و أحدقت الملائكة بأركانها ثم أعلنوابالتقديس و التسبيح و نشر جبرئيل بين يديه ثلاثة أعلام و تطاولت الجبال و نادت الأشجار و الأطيار و الأملاك يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)هنيئا لك من عبد ما أكرمك على الله تعالى قال و كانت خديجة متكئة على موضع عال و جواريها حولها و عندها جماعة من نساء قريش و هي تطيل النظر إلى شعاب مكة إذ كشف الله تعالى عن بصرها دون غيرها و قد نظرتنورا ساطعا و ضياء لامعا من جهة باب المعلى ثم إنها حققت النظر فرأت القبة و المحدقين بها ناشرين أعلامها و النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نائم بها فحارت في أمرها فجعلت تنظر إليه فقلن لها النسوة ما لنا نراك باهتة يا بنت العم فقالت يا بنات العرب أنا نائمة أم يقظانة فقلن نعيذك بالله بل أنت يقظانة قالت لهن انظرواإلى باب المعلى و انظرواإلى القبة قلن نعم رأينا قالت لهن و ما الذي ترونغير ذلك قلن نرى نورا ساطعا و ضياء لامعا قد بلغ عنان السماء قالت و ما الذي ترونغير ذلك قلن لم نر شيئا قالت أ ما ترونالقبة و الراكب و الأطيار الخضر المحدقين بالقبة فقلن لها لم نر شيئا قالت أرى راكبا أبهى من نور الشمس في قبة خضراءلم أر أحسن منها على ناقة واسعة الخطا و لا شك أن الناقة هي ناقتي الصهباء و الراكب محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فقلن يا سيدتنا و من أين لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ما تقولين و ليس يقدر على هذا كسرى و لا قيصر فقالت لهن فضل محمد أعظم من ذلك ثم إن الناقة دخلت بين الشعاب ثم قصدت باب المعلى ثم إن الملائكة عرجت إلى السماء و عرج جبرئيل(عليه السلام)بالقبة و الأعلام و انتبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من نومه و دخل مكة و قصد منزل خديجة فوجدها و هي تقول متى يصل محمد حتى أمتع بالنظر إليه و هي تقوم و تقعد و إذا بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قد قرع الباب قالت الجارية من بالباب قال أنا محمد قد جئت أبشر خديجة بقدوم أموالها و سلامتها فلما سمعت خديجة كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)انحدرت إلى وسط الدار و وقفت بالحجاب و فتحت الجارية الباب فقال السلام عليكم يا أهل البيت فقالت خديجة هنيئا لك السلامة يا قرة عيني قال و أنتيهنؤك سلامة أموالك قالت خديجة تهنئني سلامتك أنت يا قرة العين فو الله أنت عندي خير من جميع الأموال و الأهل ثم قالت شعرا جاء الحبيب الذي أهواه من سفر. و الشمس قد أثرت في وجهه أثرا. عجبت للشمس من تقبيل وجنته. و الشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا. ثم قالت يا حبيبي أين خلفت الركب قال بالجحفة قالت و متى عهدك بهم قال ساعتي هذه فلما سمعت خديجة كلامه اقشعر جلدها و قالت سألتك بالله أنك فارقتهم بالجحفة قال نعم و لكن طوى الله لي البعيد قالت و الله ما كنت أحب أن تجيء هكذا وحيدا إنما كنت أحب أن تكون أول القوم و أنظر إليك و أنت مقدم الرجال و أرسل إليك جواري على رءوس الجبالبأيديهم المباخر و المعازف و آمر عبيدي بالذبائح و العقائر و يكون لك يوم مشهور قال يا خديجة إني أتيت و لم يعلم بي أحد من أهل مكة فإن أمرتيني بالرجوع رجعت من هذه الساعة و تفعلين مرادك فقالت له يا سيدي أمهل قليلا ثم عملت له زادا ساخنا فوضعته في مزادةو كانت العرب تعرفه بنقائه و طيب ريحه و ملأت له قربة من ماء زمزم و قالت له ارجع أودعتك من طوى لك البعيد من الأرض فرجع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم إن خديجة رجعت إلى موضعها لتنظر هل تعود القبة أم لا و إذا بالقبة قد عادت و جبرئيل قد نزل و الملائكة قد أحدقوا بها كالأول ففرحت خديجة بذلك و أنشأت تقول نعم لي منكم ملزم أي ملزم. و وصل مدى الأيام لم يتصرم. و لو لم يكن قلب المتيمفيكم. جريحا لما سالت دموعي بالدم. و لم يخل طرفي ساعة من خيالكم. و من حبكم قلبي و من ذكركم فمي. و لو جبلا حملتموه بعادكم. لمال و ما زال جسمي و أعظمي. أشد على كبدي يدي فيردها. بما فيه من وجد من الشوق مضرم. طويت الهوى و الشوق ينشر طيه. و كتمت أشجاني فلم تتكتم. فيا رب قد طالت بنا شقة النوى. و أنت قدير تنظم الشمل فانظم. قال ثم إن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سار قليلا و التحق بالقوم و بعضهم يقظانو بعضهم رقود فلما أحس به ميسرة قال من الطارقفي هذا الليل العاكرقال أنا محمد بن عبد الله قاليا سيدي ما عهدتك أن تهزأ و عهدي بك أنك سائر فما الذي أرجعك يا سيدي فقال له يا ميسرة إني سافرت ثم عدت فضحك ميسرة و قال سافرت إلى ذيل هذا الجبل ثم عدت قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بل قصدت البيت الحرام فقال له ميسرة ما عهدت منك يا سيدي إلا الصدق فقال يا ميسرة ما قلت لك إلا الصدق فإن كان عندك شك فهذا خبز مولاتك خديجة و هذا ماء زمزم فلما نظر ميسرة إلى ذلك نهض قائما على قدميه و نادى يا معاشر قريش و يا بني النضر و يا بني زهرة و يا بني هاشم هل غاب محمد عنكم غير ساعتين أو أقل من ذلك فقالوا نعم قال قد سار إلى مكة و رجع و هذا خبز مولاتي خديجة و هذا ماء زمزم فتعجب القوم و دهشت عقولهم و صاح أبو جهل لعنه الله و قال لا يبعد هذا على الساحرفلما أصبح الصباح بلغ العرب و سبق الخبر بقدوم القافلة و خرج أهل مكة مبادرين و سبق عبيد خديجة و جواريها و تفرقوا في شعاب مكة و أوديتها بأيديهم المعازف و المباخر فكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ما يمر على عبد من عبيد خديجة إلا يعقر ناقة فرحا بقدومه ثم تفرق الناس إلى منازلهم و نظرت خديجة إلى جمالها و قد أقبلت كالعرائس و كانت معتادة أن يموت بعض جمالهاو يجرب بعضها إلا تلك السفرة فإنها لم تنقص منها شعرة فوقف قريش متعجبين من تلك الجمال كلما مر بهم جمل بإزائه ناقة هيفاء فيقولون لمن هذافيقال هذاما أفاده محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)لخديجة من الشام فذهلت عقول قريش لذلك فلما اجتمعت أموال خديجة فكوا رحالها و عرضواالجميع على خديجة و كانت جالسة خلف الحجاب و النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)جالس وسط الدار و ميسرة يعرض عليها الأمتعة شيئا فشيئا فنظرت خديجة إلى شيء قد أدهشها فبعثت إلى أبيها تعرفه بذلك و ترغبه في محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فلم تك إلا ساعة واحدة و إذا بخويلد قد أقبل و دخل منزل ابنته خديجة و هو متزين بالثياب متقلد سيفا فلما نظرت إليه قامت و أجلسته إلى جنبها و ابتدأته بالترحيب و جعلت تعرض عليه البضائع و هي تقول يا أبت هذا كله ببركة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و الله يا أبتاه إنه مبارك الطلعة ميمون الغرة فما ربحت ربحا أغنممن هذه السفرة ثم التفتت إلى ميسرة و قالت حدثني كيف كان سفركم و ما الذي عاينتم من محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)قال يا سيدتي و هل أطيق أن أصف لك بعضا من صفاته و ما عاينت منه(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم أخبرها بحديث السيل و البئر و الثعبان و النخل و ما أخبره الراهب و ما أوصاه إلى خديجة فقالت حسبك يا ميسرة لقد زدتني شوقا إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)اذهب فأنت حر لوجه الله و زوجتك و أولادك و لك عندي مائتا درهم و راحلتان و خلعت عليه خلعة سنية و قد امتلأ سرورا و فرحا …
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · تزوجه(ص)بخديجة رضي الله عنها و فضائلها و بعض أحوالها