ينفذها إلى أبي و أرسلت مع المال خلعة سنية فسار بها العباس و أبو طالب إلى منزل خويلد و ألبساه الخلعة فقام خويلد من وقته و ساعته إلى دار خديجة و قال يا بنتي ما الانتظار بالدخول جهزي نفسك فهذا مهرك قد أتوا به إلي و أعطوني هذه الخلعة و الله ما تزوج أحد بزوج مثلك لا في الحسن و لا في الجمال فسمع أبو جهل ذلك فقام في الناس يقول هذا المال من عند خديجة فبلغ الخبر أبا طالب فخرج من وقته و ساعته متقلدا سيفه و وقف في الأبطح و العرب مجتمعون و قال يا معاشر العرب سمعنا قول قائل و عيب عائب فإن كانت النساء قد أقمن بواجب حقنا فليس ذلك بعيب و حق لمحمد أن يعطى و يهدى إليه فهذا جرى منها على رغم أنف من تكلم و تكلم بعض قريش من المبغضين بالإزراء على خديجة حيث تزوجها محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و بلغ الخبر إلى خديجة فصنعت طعاما و دعت نساء المبغضين فلما اجتمعن و أكلن قالت لهن معاشر النساء بلغني أن بعولتكن عابوا علي فيما فعلته من أني تزوجت محمدا و أنا أسألكم هل فيكم مثله أو في بطن مكة شكله من جماله و كماله و فضله و أخلاقه الرضية و أنا قد أخذته لأجل ما قد رأيت منه و سمعت منه أشياء ما أحد رآها فلا يتكلم أحد فيما لا يعنيه فكف كل منهن عن الكلام. ثم إن خديجة قالت لعمها ورقة خذ هذه الأموال و سر بها إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و قل له إن هذه جميعها هدية له و هي ملكه يتصرف فيها كيف شاء و قل له إن مالي و عبيدي و جميع ما أملك و ما هو تحت يدي فقد وهبته لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)إجلالا و إعظاما له فوقف ورقة بين زمزم و المقام و نادى بأعلى صوته يا معاشر العرب إن خديجة تشهدكم على أنها قد وهبت نفسها و مالها و عبيدها و خدمها و جميع ما ملكت يمينها و المواشي و الصداق و الهدايا لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و جميع ما بذل لها مقبول منه و هو هدية منها إليه إجلالا له و إعظاما و رغبة فيه فكونوا عليها من الشاهدين ثم سار ورقة إلى منزل أبي طالب رضي الله عنه و كانت خديجة قد بعثت جارية و معها خلعة سنية و قالت أدخليها إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا دخل عليه عمي ورقة يخلعها عليه ليزداد فيه حبا فلما دخل ورقة عليهم قدم المال إليهم و قال الذي قالته خديجة فقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و أفرغ عليه الخلعة و زاده خلعة أخرى فلما خرج ورقة تعجب الناس من حسنه و جماله ثم أخذت خديجة في جهازها و أعتدت صوافي الذهب و الفضة و فيها الطيب و المسك و العنبر فلما كانت الليلة الثالثة دخل عليها عمات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و اجتمع السادات و الأكابر في اليوم الثالث كعادتهم و نهض العباس و هو يقول أبشروا بالمواهب آلفهر و غالب. افخروا يا آل قومنا بالثناء و الرغائب. شاع في الناس فضلكم و على في المراتب. قد فخرتم بأحمد زين كل الأطايب. فهو كالبدر نوره مشرق غير غائب. قد ظفرتي خديجة بجليل المواهب. بفتى هاشم الذي ما له من مناسب. جمع الله شملكم فهو رب المطالب. أحمد سيد الورى خير ماش و راكب. فعليه الصلاة ما سار عيس براكب. ثم إن خديجة قالت اعلموا أن شأن محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)عظيم و فضله عميم و جوده جسيم ثم نثرت عليهن من المال و الطيب ما دهش الحاضرين و شجر طوبى تنثر في الجنة على الحور العين فجعلن يلتقطن النثار ثم يتهادينه ثم إن خديجة أنفذت إلى أبي طالب غنما كثيرا و دنانير و دراهم و ثيابا و طيبا و عمل أبو طالب وليمة عظيمة و وقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و شد وسطه و ألزم نفسه خدمة جميع الناس و أقام لأهل مكة الوليمة ثلاثة أيام و أعمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)تحته في الخدمة و أنفذت خديجة إلى الطائف و غيره و دعت أهل الصنائع إلى منزلها و صاغت المصاغ و الحلي و فصلت الثياب و عملت الشمع بالعنبر على هيئة الأشجار و أجرت عليه الذهب و عملت فيه التماثيل من المسك و العنبر و لم تزل تعمل في شغل العرس ستة أشهر حتى فرغت من جميع ما تحتاج إليه و علقت ستور الديباج المطرز و نقشت فيها صورة الشمس و القمر و فرشت المجالس و وضعت المساند و الوسائد من الديباج و الخز و فرشت لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مجلسا على سرير تحت الإبريسم و الوشي و السرير من العاج و الآبنوس مصفح بصفائح الذهب الوهاج و ألبست جواريها و خدمها ثياب الحرير و الديباج المختلفات الألوان و نظمت شعورهن باللؤلؤ و المرجان و سورتهن و وضعت في أعناقهن قلائد الذهب و أوقفت الخدم بأيديهن المجامر من الذهب و فيها الطيب و العنبر و البخور من العود و الند و جعلت في يد كل واحدة من الخدم مراوح منقوشة بالذهب مقصبة بالفضة و أوقفتهن عند مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و دفعت إلى بعضهن الدفوف و الشموع و نصبت في وسط الدار شمعا كثيرا على أمثال النخيل فلما فرغت من ذلك دعت نسوان أهل مكة جميعهن فأقبلن إليها و رفعت مجلس عمات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم أرسلت إلى أبي طالب ليحضر وقت الزفاف فلما كان تلك الليلة أقبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بين أعمامه و عليه ثياب من قباطي مصر و عمامة حمراء و عبيد بني هاشم بأيديهم الشموع و المصابيح و قد كثر الناس في شعاب مكة ينظرون إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و منهم من وقف على السرادقات و النور يخرج من بين ثناياه و من جبينه و من تحت ثيابه فلما وصلوا إلى دار خديجة دخل هو (صلوات الله عليه و آله) و هو كأنه القمر في تمامه قد خرج من الأفق و أعمامه محدقون به كأنهم أسود الشرى في أحسن زينة و فرحة يكبرون الله و يحمدونه على ما وصلوا إليه من الكرامة فدخلوا جميعا إلى دارها و جلس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في المجلس الذي هيئ له في دار خديجة رضي الله عنها و نوره قد علا نور المصابيح فذهلت النساء مما رأين من حسنه و جماله ثم هيئوا خديجة للجلاء فخرجت أول مرة و عليها ثياب معمدة و على رأسها تاج من الذهب الأحمر مرصع بالدر و الجوهر و في رجليها خلخالان من الذهب منقوش بالفيروزج لم تر الأعين له نظيرا و عليه قلائد لا تحصى من الزمرد و الياقوت فلما برزت ضربن النساء الدفوف و جعلت بعض النساء تقول شعرا أضحى الفخار لنا و عز الشأن. و لقد فخرنا يا بني العدنان.أ خديجة نلت العلابين الورى. و فخرت فيه جملة الثقلان. أعني محمدا الذي لا مثله. ولد النساء في سائر الأزمان. فيه المكارم و المعالي و الحياء. ما ناحت الأطيار في الأغصان. صلوا عليه و سلموا و ترحموا. فهو المفضل من بني عدنان. فتطاولي فيه خديجة و اعلمي. أن قد خصصت بصفوة الرحمن. ثم أقبلن بها نساء بني هاشم للجلوة الثانية على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و قد أشرق من نور وجهها نور علا على جميع المصابيح و الشموع فتعجبت منها بنات عبد المطلب حتى زاد فيها نور لم يرى الراءون مثله و ذلك فضل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و عطية من الله تعالى لها و أقبلوا بها و قد فاقت على جميع من حضر و عليها سقلاط أبيض مذهب مرصع بالجوهر الأحمر و الأخضر و الأصفر و من كل الألوان و كانت خديجة امرأة طويلة شامخة عريضة من النساء بيضاء لم ير في عصرها ألطف منها و لا أحسن و خرجت بين يديها صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها و قالت شعرا جاء السرور مع الفرح. و مضى النحوس مع الترح. أنوارنا قد أقبلت. و الحال فيها قد نجح. بمحمد المذكور في. كل المفاوز و البطح. لو أن يوازن أحمد. بالخلق كلهم رجح. و لقد بدا من فضله. لقريش أمر قد وضح. ثم السعود لأحمد. و السعد عنه ما برح. بخديجة نبت الكمال. و بحر نائلها طفح. يا حسنها في حليها. و الحلم منها ما برح. هذا النبي محمد. ما في مدائحه كلح. صلوا عليه تسعدوا. و الله عنكم قد صفح. ثم أقبلن بها رضي الله عنها حتى أوقفوها [أوقفنها بين يدي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم بعد ذلك أخذوا [أخذن التاج و رفعوه [رفعنه من رأسها و وضعوه [وضعنه على رأس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم أتوا [أتين بالدفوف و هن يضربن لها و قلن لها يا خديجة لقد خصصت هذه الليلة بشيء ما خص به غيرك و لا ناله سواك من قبائل العرب و العجم فهنيئا لك بما أوتيته و وصل إليك من العز و الشرف و خرجت في الجلوة الثالثة و عليها ثوب أصفر و عليها حلي و جوهر و قد أضاء الموضع من لمعان ذلك الجوهر الذي في وسط الإكليل و في آخر الإكليل ياقوتة حمراء تضيء و قد أشرقت الدار من ذلك الجوهر و من نورها و حسنها و أقبلت بين يديها صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها و هي تقول شعرا أخذ الشوق موثقات الفؤاد. و ألقت السهادبعد الرقاد. فليالي اللقاء بنور التداني. مشرقات خلاف طول البعاد. فزت بالفخر يا خديجة إذ نلت. من المصطفى عظيم الوداد. فغدا شكره على الناس فرضا. شاملا كل حاضر ثم بادي. كبر الناس و الملائك جمعا. جبرئيل لدى السماء ينادي. فزت يا أحمد بكل الأماني. فنحى الله عنك أهل العناد. فعليك الصلاة ما سرت العيس. و حطت لثقلها في البلاد. قال ثم بعد ذلك أجلسوها [أجلسنها مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و خرج جميع الناس عنها و بقي عندها في أحسن حال و أرخى بال و لم يأخذ عليها أحدا من النساء حتى ماتت بعد ما بعث (صلوات الله عليه و آله) و آمنت به و صدقته و انتقلت إلى جنان عدن في أعلى عليين من قصور الجنة. من ذلك الطيب حتى أن الرجل يقول إذا خلا مع زوجته ما هذا الطيب فتقول هذا من طيب خديجة و محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · تزوجه(ص)بخديجة رضي الله عنها و فضائلها و بعض أحوالها