في تفسير القمي: ﴿وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ﴾ يَعْنِي هَرَبَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَساهَمَ أَيْ أَلْقَى السِّهَامَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ أَيْ مِنَ الْمَغُوصِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قَالَ الدُّبَّاءُ. تفسير قال الطبرسي (رحمه الله) ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي فر من قومه إلى السفينة المملوءة من الناس و الأحمال خوفا من أن ينزل العذاب و هو مقيم فيهم ﴿فَساهَمَ﴾ يونس القوم بأن ألقوا السهام على سبيل القرعة أي قارعهم ﴿فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي من المقروعين عن الحسن و ابن عباس و قيل من المسهومين عن مجاهد و المراد من الملقين في البحر و اختلف في سبب ذلك فقيل إنهم أشرفوا على الغرق فرأوا أنهم إن طرحوا واحدا منهم في البحر لم يغرق الباقون و قيل إن السفينة احتبست فقال الملاحون إن هاهنا عبدا آبقا فإن من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فلذلك اقترعوا فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات فعلموا أنه المطلوب فألقى نفسه في البحر و قيل إنه لما وقعت القرعة عليه ألقوه في البحر ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ أي ابتلعه و قيل إن الله سبحانه أوحى إلى الحوت أني لم أجعل عبدي رزقا لك و لكني جعلت بطنك له مسجدا فلا تكسرن له عظما و لا تخدشن له جلدا ﴿وَ هُوَ مُلِيمٌ﴾ أي مستحق اللوم لوم العتاب لا لوم العقاب على خروجه من بين قومه من غير أمر ربه و عندنا أن ذلك إنما وقع منه تركا للمندوب و قد يلام الرجل على ترك المندوب و من يجوز الصغيرة على الأنبياء قال قد وقع ذلك صغيرة مكفرة. و اختلف في مدة لبثه في بطن الحوت فقيل كان ثلاثة أيام عن مقاتل بن حيان و قيل سبعة أيام عن عطاء و قيل عشرين يوما عن الضحاك و قيل أربعين يوما عن السدي و مقاتل بن سليمان و الكلبي ﴿فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي كان من المصلين في حال الرخاء فنجاه الله عند البلاء عن قتادة و قيل كان تسبيحه أنه كان يقول ﴿لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ عن سعيد بن جبير. و قيل ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي من المنزهين الله عما لا يليق به ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ﴾ أي طرحناه بالمكان الخالي الذي لا نبت فيه و لا شجر و قيل بالساحل ألهم الله الحوت حتى قذفه و رماه من جوفه على وجه الأرض ﴿وَ هُوَ سَقِيمٌ﴾ أي مريض حين ألقاه الحوت ﴿وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ و هو القرع عن ابن مسعود و قيل هو كل نبت يبسط على وجه الأرض و لا ساق له عن ابن عباس و الحسن. و روى ابن مسعود قال خرج يونس من بطن الحوت كهيئة فرخ ليس عليه ريش فاستظل بالشجرة من الشمس ﴿وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قيل إن الله سبحانه أرسله إلى أهل نينوى من أرض الموصل عن قتادة و كانت رسالته هذه بعد ما نبذه الحوت عن ابن عباس فعلى هذا يجوز أن يكون أرسل على قوم بعد قوم و يجوز أن يكون أرسل إلى الأولين بشريعة فآمنوا بها. و قيل في معنى أو في قوله ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وجوه. أحدها أنه على طريق الإبهام على المخاطبين كأنه قال أرسلناه إلى إحدى العدتين و ثانيها أن أو تخيير كأن الرائي خير بين أن يقول هم مائة ألف أو يزيدون عن سيبويه و المعنى أنهم كانوا عددا لو نظر إليهم الناظر لقال هم مائة ألف أو يزيدون. و ثالثها أن أو بمعنى الواو كأنه قال و يزيدون عن بعض الكوفيين و قال بعضهم معناه بل يزيدون و هذان القولان الأخيران غير مرضيين عند المحققين و أجود الأقوال الأول و الثاني. و اختلف في الزيادة على مائة ألف كم هي فقيل عشرون ألفا عن ابن عباس و مقاتل و قيل بضع و ثلاثون ألفا عن الحسن و الربيع و قيل سبعون ألفا عن مقاتل بن حيان. ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ حكى سبحانه عنهم أنهم آمنوا بالله و راجعوا التوبة فكشف عنهم العذاب و متعهم بالمنافع و اللذات إلى انقضاء آجالهم. و قال (رحمه الله) إن قوم يونس كانوا بأرض نينوى من أرض الموصل و كان يدعوهم إلى الإسلام فأبوا فأخبرهم أن العذاب مُصَبِّحُهُمْ إلى ثلاث إن لم يتوبوا فقالوا إنا لم نجرب عليه كذبا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء و إن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فلما كان في جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم فلما أصبحوا تغشاهم العذاب قال وهب أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا فهبط حتى غشي مدينتهم و اسودت سطوحهم. و قال ابن عباس كان العذاب فوق رءوسهم قدر ثلثي ميل فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم فلم يجدوه فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم و نسائهم و صبيانهم و دوابهم و لبسوا المسوح و أظهروا التوبة و فرقوا بين كل والدة و ولدها. قال ابن مسعود بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل يأتي إلى الحجر و قد وضع عليه أساس بنيانه فيقلعه و يرده و روي أنه قال شيخ من بقية علمائهم قولوا يا حي حين لا حي و يا حي محيي الموتى و يا حي لا إله إلا أنت فقالوها فكشف عنهم العذاب و قال ابن مسعود لما ابتلعه الحوت ابتلع الحوت حوت آخر فأهوى به إلى قرار الأرض و كان في بطنه أربعين ليلة ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فاستجاب الله له فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر و هو كالفرخ المتمعط فأنبت الله ﴿عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ فجعل يستظل تحتها و وكل الله به وعلا يشرب من لبنها إلى أن رده الله إلى قومه و قيل إنه(عليه السلام)أرسل إلى قوم غير قومه الأولين انتهى. و قال صاحب الكامل كان يقطر عليه من شجرة اليقطين اللبن. و قال الشيخ في المصباح في اليوم التاسع من المحرم أخرج الله يونس من بطن الحوت.
بحار الأنوار — كتاب النبوة · قصص يونس و أبيه متى