في تفسير القمي: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى فَإِنَّهُ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّتْ قُرَيْشٌ فِي أَذَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)﴾وَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْحَبَشَةِ وَ أَمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ فَخَرَجَ جَعْفَرٌ وَ مَعَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى رَكِبُوا الْبَحْرَ فَلَمَّا بَلَغَ قُرَيْشاً خُرُوجُهُمْ بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَ عُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ وَ كَانَ عَمْرٌو وَ عُمَارَةُ مُتَعَادِيَيْنِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ كَيْفَ نَبْعَثُ رَجُلَيْنِ مُتَعَادِيَيْنِ فَبَرِئَتْ بَنُو مَخْزُومٍ مِنْ جِنَايَةِ عُمَارَةَ وَ بَرِئَتْ بَنُو سَهْمٍ مِنْ جِنَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَخَرَجَ عُمَارَةُ وَ كَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ شَابّاً مُتْرَفاً فَأَخْرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَهْلَهُ مَعَهُ فَلَمَّا رَكِبُوا السَّفِينَةَ شَرِبُوا الْخَمْرَ فَقَالَ عُمَارَةُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْ لِأَهْلِكَ تُقَبِّلُنِي فَقَالَ عَمْرٌو أَ يَجُوزُ سُبْحَانَ اللَّهِ فَسَكَتَ عُمَارَةُ فَلَمَّا انْتَشَى عَمْرٌو وَ كَانَ عَلَى صَدْرِ السَّفِينَةِ فَدَفَعَهُ عُمَارَةُ وَ أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَتَشَبَّثَ عَمْرٌو بِصَدْرِ السَّفِينَةِ وَ أَدْرَكُوهُ وَ أَخْرَجُوهُ فَوَرَدُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ وَ قَدْ كَانُوا حَمَلُوا إِلَيْهِ هَدَايَا فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ قَوْماً مِنَّا خَالَفُونَا فِي دِينِنَا وَ سَبُّوا آلِهَتَنَا وَ صَارُوا إِلَيْكَ فَرُدَّهُمْ إِلَيْنَا فَبَعَثَ النَّجَاشِيُّ إِلَى جَعْفَرٍ فَجَاءَ فَقَالَ يَا جَعْفَرُ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فَقَالَ جَعْفَرٌ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ مَا يَقُولُونَ قَالَ يَسْأَلُونَ أَنْ أَرُدَّكُمْ إِلَيْهِمْ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ سَلْهُمْ أَ عَبِيدٌ نَحْنُ لَهُمْ قَالَ عَمْرٌو لَا بَلْ أَحْرَارٌ كِرَامٌ قَالَ فَاسْأَلْهُمْ أَ لَهُمْ عَلَيْنَا دُيُونٌ يُطَالِبُونَنَا بِهَا فَقَالَ لَا مَا لَنَا عَلَيْكُمْ دُيُونٌ قَالَ فَلَكُمْ فِي أَعْنَاقِنَا دِمَاءٌ تُطَالِبُونَنَا بِذُحُولٍ فَقَالَ عَمْرٌو لَا قَالَ فَمَا تُرِيدُونَ مِنَّا آذَيْتُمُونَا فَخَرَجْنَا مِنْ بِلَادِكُمْ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَيُّهَا الْمَلِكُ خَالَفُونَا فِي دِينِنَا وَ سَبُّوا آلِهَتَنَا وَ أَفْسَدُوا شُبَّانَنَا وَ فَرَّقُوا جَمَاعَتَنَا فَرُدَّهُمْ إِلَيْنَا لِنَجْمَعَ أَمْرَنَا فَقَالَ جَعْفَرٌ نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ خَالَفْنَاهُمْ بَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيّاً أَمَرَنَا بِخَلْعِ الْأَنْدَادِ وَ تَرْكِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ وَ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ حَرَّمَ الظُّلْمَ وَ الْجَوْرَ وَ سَفْكَ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَ الزِّنَا وَ الرِّبَا وَ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ أَمَرَنَا ﴿بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ نَهَانَا﴾ ﴿عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ بِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(عليها السلام)﴾ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ يَا جَعْفَرُ هَلْ تَحْفَظُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكَ شَيْئاً قَالَ نَعَمْ فَقَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ مَرْيَمَ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً﴾ فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ بِهَذَا بَكَى بُكَاءً شَدِيداً وَ قَالَ هَذَا وَ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ وَ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لَنَا فَرُدَّهُ إِلَيْنَا فَرَفَعَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ عَمْرٍو ثُمَّ قَالَ اسْكُتْ وَ اللَّهِ لَئِنْ ذَكَرْتَهُ بِسُوءٍ لَأَفْقِدَنَّكَ نَفْسَكَ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ عِنْدِهِ وَ الدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ وَ هُوَ يَقُولُ إِنْ كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُ أَيُّهَا الْمَلِكُ فَإِنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُ وَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ النَّجَاشِيِّ وَصِيفَةٌ لَهُ تَذُبُّ عَنْهُ فَنَظَرَتْ إِلَى عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ وَ كَانَ فَتًى جَمِيلًا فَأَحَبَّتْهُ فَلَمَّا رَجَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ لِعُمَارَةَ لَوْ رَاسَلْتَ جَارِيَةَ الْمَلِكِ فَرَاسَلَهَا فَأَجَابَتْهُ فَقَالَ عَمْرٌو قُلْ لَهَا تَبْعَثُ إِلَيْكَ مِنْ طِيبِ الْمَلِكِ شَيْئاً فَقَالَ لَهَا فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَ عَمْرٌو مِنْ ذَلِكَ الطِّيبِ وَ كَانَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ عُمَارَةُ فِي قَلْبِهِ حِينَ أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَأَدْخَلَ الطِّيبَ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ حُرْمَةَ الْمَلِكِ عِنْدَنَا وَ طَاعَتَهُ عَلَيْنَا عَظِيمٌ وَ يَلْزَمُنَا إِذَا دَخَلْنَا بِلَادَهُ وَ نَأْمَنُ فِيهِ أَنْ لَا نَغُشَّهُ وَ لَا نُرِيبَهُ وَ إِنَّ صَاحِبِي هَذَا الَّذِي مَعِي قَدْ رَاسَلَ إِلَى حُرْمَتِكَ وَ خَدَعَهَا وَ بَعَثَتْ إِلَيْهِ مِنْ طِيبِكَ ثُمَ وَضَعَ الطِّيبَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ وَ هَمَّ بِقَتْلِ عُمَارَةَ ثُمَّ قَالَ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا بِلَادِي بِأَمَانٍ فَدَعَا النَّجَاشِيُّ السَّحَرَةَ فَقَالَ لَهُمُ اعْمَلُوا بِهِ شَيْئاً أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ فَأَخَذُوهُ وَ نَفَخُوا فِي إِحْلِيلِهِ الزِّئْبَقَ فَصَارَ مَعَ الْوَحْشِ يَغْدُو وَ يَرُوحُ وَ كَانَ لَا يَأْنَسُ بِالنَّاسِ فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَمَنُوا لَهُ فِي مَوْضِعٍ حَتَّى وَرَدَ الْمَاءَ مَعَ الْوَحْشِ فَأَخَذُوهُ فَمَا زَالَ يَضْطَرِبُ فِي أَيْدِيهِمْ وَ يَصِيحُ حَتَّى مَاتَ وَ رَجَعَ عَمْرٌو إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ جَعْفَراً فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَكْرَمِ كَرَامَةٍ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى هَادَنَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)قُرَيْشاً وَ صَالَحَهُمْ وَ فَتَحَ خَيْبَرَ أَتَى بِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ وَ وُلِدَ لِجَعْفَرٍ بِالْحَبَشَةِ مِنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَ وُلِدَ لِلنَّجَاشِيِّ ابْناً فَسَمَّاهُ النَّجَاشِيُّ مُحَمَّداً وَ كَانَتْ أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَى النَّجَاشِيِّ يَخْطُبُ أُمَّ حَبِيبٍ فَبَعَثَ إِلَيْهَا النَّجَاشِيُّ فَخَطَبَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَأَجَابَتْهُ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ وَ أَصْدَقَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَ سَاقَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ بَعَثَ إِلَيْهَا بِثِيَابٍ وَ طِيبٍ كَثِيرٍ وَ جَهَّزَهَا وَ بَعَثَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِثِيَابٍ وَ طِيبٍ وَ فَرَسٍ وَ بَعَثَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الْقِسِّيسِينَ فَقَالَ لَهُمُ انْظُرُوا إِلَى كَلَامِهِ وَ إِلَى مَقْعَدِهِ وَ مَشْرَبِهِ وَ مُصَلَّاهُ فَلَمَّا وَافَوُا الْمَدِينَةَ دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَى الْإِسْلَامِ وَ قَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ ﴿إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ إِلَى قَوْلِهِ﴾ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بَكَوْا وَ آمَنُوا وَ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَ أَخْبَرُوهُ خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ قَرَءُوا عَلَيْهِ مَا قَرَأَ عَلَيْهِمْ فَبَكَى النَّجَاشِيُّ وَ بَكَى الْقِسِّيسُونَ وَ أَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ وَ لَمْ يُظْهِرْ لِلْحَبَشَةِ إِسْلَامَهُ وَ خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَ خَرَجَ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ يُرِيدُ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَلَمَّا عَبَرَ الْبَحْرَ تُوُفِّيَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ إِلَى قَوْلِهِ﴾ ﴿وَ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ.﴾ عم، إعلام الورى لَمَّا اشْتَدَّ قُرَيْشٌ فِي أَذَى رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِلَى قَوْلِهِ فَسَمَّاهُ مُحَمَّداً وَ سَقَتْهُ أَسْمَاءُ مِنْ لَبَنِهَا.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · الهجرة إلى الحبشة و ذكر بعض أحوال جعفر(ع)و النجاشي (5) (رحمه الله)