بقبض الغنائم و حملها و أمر نفرا من أصحابه أن يعينوه فصلى العصر ببدر ثم راح فمر بالأثيل قبل غروب الشمس فنزل به و بات و بأصحابه جراح و ليست بالكثيرة و أمر ذكوان بن عبد قيس أن يحرس المسلمين حتى كان آخر الليل فارتحل. و روي أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)صلى العصر بالأثيل فلما صلى ركعة تبسم فلما سلم سئل عن تبسمه فقال مر بي ميكائيل و على جناحه النقع فتبسم إلي و قال إنني كنت في طلب القوم و أتاني جبرئيل على فرس أنثى معقود الناصية قد عصم ثنيته الغبار فقال يا محمد إن ربي بعثني إليك و أمرني أن لا أفارقك حتى ترضى فهل رضيت فقلت نعم. قال الواقدي و أقبل رسول الله بالأسرى حتى إذا كان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح أن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط و كان أسره عبد الله بن سلمة فجعل عقبة يقول يا ويلي علام أقتل يا معشر قريش من بين من هاهنا قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعداوتك لله و لرسوله فقال يا محمد منك أفضل فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني و إن مننت عليهم مننت علي و إن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم يا محمد من للصبية فقال النار قدمه يا عاصم فاضرب عنقه فقدمه عاصم فضرب عنقه فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بئس الرجل كنت و الله ما علمت كافرا بالله و برسوله و بكتابه مؤذيا لنبيه فأحمد الله الذي قتلك و أقر عيني منك. و قال الواقدي و قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من الأثيل زيد بن حارثة و عبد الله بن رواحة يبشران الناس بالمدينة فقدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالأسرى و عليهم شقران و هم تسعة و أربعون رجلا الذين أحصوا و هم سبعون في الأصل مجمع عليه لا شك فيه إلا أنه لم يحص سائرهم و لقي الناس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالروحاء يهنئونه بفتح الله عليه. و قال محمد بن إسحاق كان أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)زوج ابنته زينب و كان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا و أمانة و تجارة و كانت خديجة خالته فسألت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يزوجه زينب و كان(صلى الله عليه وآله وسلم)لا يخالف خديجة و ذلك قبل أن ينزل عليه الوحي فزوجه إياها فكان أبو العاص من خديجة بمنزلة ولدها فلما أكرم الله رسوله بنبوته آمنت به خديجة و بناته كلهن و صدقنه و شهدن أن ما جاء به حق و دن بدينه و ثبت أبو العاص على شركه و كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قد زوج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم و ذلك قبل أن ينزل عليه فلما أنزل عليه الوحي و بارى قومه بأمر الله باعدوه فقال بعضهم لبعض إنكم قد فرغتم محمدا من همه أخذتم عنه بناته و أخرجتموهن من عياله فردوا عليه بناته فأشغلوه بهن فمشوا إلى أبي العاص فقالوا فارق صاحبتك بنت محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و نحن ننكحك أي امرأة شئت من قريش فقال لاها الله إذن لا أفارق صاحبتي و ما أحب أن لي بها امرأة من قريش فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا ذكره يثني عليه خيرا في صهره ثم مشوا إلى الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا له طلق بنت محمد و نحن ننكحك أي امرأة شئت من قريش فقال إن أنتم زوجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها فزوجوه ابنة سعيد بن العاص ففارقها و لم يكن دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها و هوانا له ثم خلف عليها عثمان بن عفان بعده و كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مغلوبا على أمره بمكة لا يحل و لا يحرم و كان الإسلام فرق بين زينب و أبي العاص إلا أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان لا يقدر و هو بمكة أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامها و هو على شركه حتى هاجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة و بقيت زينب بمكة مع أبي العاص فلما سارت قريش إلى بدر سار أبو العاص معهم فأصيب في الأسرى يوم بدر فأتي به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان عنده مع الأسارى فلما بعث أهل مكة في فداء أساراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بعلها بمال و كان فيما بعثت به قلادة كانت خديجة أمها أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه فلما رآها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رق لها شديدة و قال للمسلمين إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها و تردوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا فقالوا نعم يا رسول الله نفديك بأنفسنا و أموالنا فردوا عليها ما بعثت به و أطلقوا لها أبا العاص بغير فداء. قال البلاذري روي أن هبار بن الأسود كان ممن عرض لزينب بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حين حملت من مكة إلى المدينة فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يأمر سراياه إن ظفروا به أن يحرقوه بالنار ثم قال لا يعذب بالنار إلا رب النار و أمرهم إن ظفروا به أن يقطعوا يديه و رجليه و يقتلوه فلم يظفروا به حتى إذا كان يوم الفتح هرب هبار ثم قدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة و يقال أتاه بالجعرانة حين فرغ من أمر حنين فمثل بين يديه و هو يقول أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقبل إسلامه. قال محمد بن إسحاق فأقام أبو العاص بمكة على شركه و أقامت زينب عند أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة قد فرق بينهما الإسلام حتى إذا كان الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بمال له و أموال لقريش أبضعوا بها معه و كان رجلا مأمونا فلما فرغ من تجارته و أقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله فأصابوا ما معه و أعجزهم هو هاربا فخرجت السرية بما أصابت من ماله حتى قدمت به على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و خرج أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب منزلها فاستجار بها فأجارته و إنما جاء في طلب ماله الذي أصابته تلك السرية فلما كبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في صلاة الصبح و كبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء أيها الناس إني قد آجرت أبا العاص بن الربيع فصلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالناس الصبح فلما سلم من الصلاة أقبل عليهم فقال أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما و الذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعتم أنه يجير على الناس أدناهم ثم انصرف فدخل على ابنته زينب فقال أي بنية أكرمي مثواه و أحسني قراه و لا يصلن إليك فإنك لا تحلين له ثم بعث إلى تلك السرية الذين كانوا أصابوا ماله فقال لهم إن هذا الرجل منا بحيث علمتم و قد أصبتم له مالا فإن تحسنوا و تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك و إن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم و أنتم أحق به فقالوا يا رسول الله بل نرده عليه فردوا عليه ماله و متاعه حتى أن الرجل كان يأتي بالحبل و يأتي الآخر بالشنة و يأتي الآخر بالإداوة و الآخر بالشظاظ حتى ردوا ماله و متاعه بأسره من عند آخره و لم يفقد منه شيئا ثم احتمل إلى مكة فلما قدمها أدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان بضع معه بشيء حتى إذا فرغ من ذلك قال لهم يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا لقد وجدناك وفيا كريما قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و الله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفا أن تظنوا أني أردت أن آكل أموالكم و أذهب بها فإذا سلمها الله لكم و أداها إليكم فإني أشهدكم أني قد أسلمت و اتبعت دين محمد ثم خرج سريعا حتى قدم على رسول الله المدينة. قال محمد بن إسحاق فحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رد زينب بعد ست سنين على أبي العاص بالنكاح الأول لم يحدث شيئا..
بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · غزوة بدر الكبرى