الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ نبينا (ص)
بحار الأنوار

عم، إعلام الورى شا، الإرشاد: لما أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)التوجه إلى الحج و أداء فرض الله تعالى فيه أذن في الناس به و بلغت دعوته إلى أقاصي بلاد الإسلام فتجهز الناس للخروج معه و حضر المدينة من ضواحيها و من حولها و يقرب منها خلق كثير و تهيئوا للخروج معه فخرج(صلى الله عليه وآله وسلم)بهم لخمس بقين من ذي العقدة و كاتب أمير المؤمنين(عليه السلام)بالتوجه إلى الحج من اليمن و لم يذكر له نوع الحج الذي قد عزم عليه و خرج(صلى الله عليه وآله وسلم)قارنا للحج بسياق الهدي و أحرم(عليه السلام)من ذي الحليفة و أحرم الناس معه و لبى من عند الميل الذي بالبيداء فاتصل ما بين الحرمين بالتلبية حتى انتهى إلى كراع الغميم و كان الناس معه ركبانا و مشاة فشق على المشاة المسير و أجهدهم السير و التعب فشكوا ذلك إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و استحملوه فأعلمهم أنه لا يجد لهم ظهرا و أمرهم أن يشدوا على أوساطهم و يخلطوا الرمل بالنسل ففعلوا ذلك و استراحوا إليه و خرج أمير المؤمنين(عليه السلام)بمن معه من العسكر الذي كان صحبه إلى اليمن و معه الحلل الذي كان أخذها من أهل نجران فلما قارب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مكة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين(عليه السلام)من طريق اليمن و تقدم الجيش للقاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و خلف عليهم رجلا منهم فأدرك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قد أشرف على مكة فسلم عليه و خبره بما صنع و بقبض ما قبض و أنه سارع للقائه أمام الجيش فسر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك و ابتهج بلقائه و قَالَ لَهُ بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمْ تَكْتُبْ لِي بِإِهْلَالِكَ وَ لَا عَرَفْتُهُ فَعَقَدْتُ نِيَّتِي بِنِيَّتِكَ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِ نَبِيِّكَ وَ سُقْتُ مَعِي مِنَ الْبُدْنِ أَرْبَعاً وَ ثَلَاثِينَ بَدَنَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)اللَّهُ أَكْبَرُ قَدْ سُقْتُ أَنَا سِتّاً وَ سِتِّينَ وَ أَنْتَ شَرِيكِي فِي حَجِّي وَ مَنَاسِكِي وَ هَدْيِي فَأَقِمْ عَلَى إِحْرَامِكَ وَ عُدْ إِلَى جَيْشِكَ فَعَجِّلْ بِهِمْ إِلَيَّ حَتَّى نَجْتَمِعَ بِمَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فودعه أمير المؤمنين(عليه السلام)و عاد إلى جيشه فلقيهم عن قرب فوجدهم قد لبسوا الحلل التي كانت معهم فأنكر ذلك عليهم و قال للذي كان استخلفه عليهم ويلك ما دعاك إلى أن تعطيهم الحلل من قبل أن ندفعها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) و لم أكن أذنت لك في ذلك فقال سألوني أن يتجملوا بها و يحرموا فيها ثم يردوها علي فانتزعها أمير المؤمنين(عليه السلام)من القوم و شدها في الأعدال فاضطغنوا ذلك عليه فلما دخلوا مكة كثرت شكاياهم من أمير المؤمنين(عليه السلام)فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مُنَادِياً فَنَادَى فِي النَّاسِ ارْفَعُوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ خَشِنٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ غَيْرُ مُدَاهِنٍ فِي دِينِهِ فكف القوم عن ذكره و علموا مكانه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و سخطه على من رام الغميزة فيه و أقام أمير المؤمنين(عليه السلام)على إحرامه تأسيا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و كان قد خرج مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كثير من المسلمين بغير سياق هدي فأنزل الله تعالى وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ شَبَّكَ إِحْدَى أَصَابِعِ يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ(عليه السلام)لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُهُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ مَنْ لَمْ يَسُقْ مِنْكُمْ هَدْياً فَلْيُحِلَّ وَ لْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً وَ مَنْ سَاقَ مِنْكُمْ هَدْياً فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ فأطاع في ذلك بعض الناس و خالف بعض و جرت خطوب بينهم فيه و قال منهم قائلون إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أشعث أغبر نلبس الثياب و نقرب النساء و ندهن و قال بعضهم أ ما تستحيون تخرجون رءوسكم تقطر من الغسل و رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على إحرامه فأنكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على من خالف في ذلك و قَالَ لَوْ لَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَ جَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْياً فَلْيُحِلَّ فَرَجَعَ قَوْمٌ وَ أَقَامَ آخَرُونَ عَلَى الْخِلَافِ وَ كَانَ فِيمَنْ أَقَامَ عَلَى الْخِلَافِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ قَالَ مَا لِي أَرَاكَ يَا عُمَرُ مُحْرِماً أَ سُقْتَ هَدْياً قَالَ لَمْ أَسُقْ قَالَ فَلِمَ لَا تُحِلُّ وَ قَدْ أَمَرْتُ مَنْ لَمْ يَسُقْ بِالْإِحْلَالِ فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَحْلَلْتُ وَ أَنْتَ مُحْرِمٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنَّكَ لَنْ تُؤْمِنَ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ فَلِذَلِكَ أَقَامَ عَلَى إِنْكَارِ مُتْعَةِ الْحَجِّ حَتَّى رَقِيَ الْمِنْبَرَ فِي إِمَارَتِهِ فَنَهَى عَنْهُ نَهْياً مُجَدَّداً وَ تَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِالْعِقَابِ. و لما قضى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)نسكه أشرك عليا(عليه السلام)في هديه و قفل إلى المدينة و هو معه و المسلمون حتى انتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم و ليس بموضع إذ ذاك يصلح للمنزل لعدم الماء فيه و المرعى فنزل(عليه السلام)في الموضع و نزل المسلمون معه و كان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)خليفة في الأمة من بعده و قد كان تقدم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت له فأخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه و علم الله عز و جل أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم و أماكنهم و بواديهم فأراد الله أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين(عليه السلام)و تأكيد الحجة عليهم فيه فأنزل الله تعالى ﴿‏يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ‏﴾ ﴿‏إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏﴾ يعني في استخلاف علي(عليه السلام)و النص بالإمامة عليه وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأكد الفرض عليه بذلك و خوفه من تأخير الأمر فيه و ضمن له العصمة و منع الناس منه فنزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)المكان الذي ذكرناه لما وصفناه من الأمر له بذلك و شرحناه و نزل المسلمون حوله و كان يوما قائظا شديد الحر فأمر(عليه السلام)بدوحات فقم ما تحتها و أمر بجمع الرحال في ذلك المكان و وضع بعضها فوق بعض ثم أمر مناديه فنادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا من رحالهم إليه و إن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء فلما اجتمعوا صعد على تلك الرحال حتى صار في ذروتها و دعا أمير المؤمنين(عليه السلام)فرقي معه حتى قام عن يمينه ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ وَعَظَ فَأَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ وَ نَعَى إِلَى الْأُمَّةِ نَفْسَهُ وَ قَالَ قَدْ دُعِيتُ وَ يُوشِكُ أَنْ أُجِيبَ وَ قَدْ حَانَ مِنِّي خُفُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ وَ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا مِنْ بَعْدِي كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ قَالُوا اللَّهُمَّ بَلَى فَقَالَ لَهُمْ عَلَى النَّسَقِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَ قَدْ أَخَذَ بِضَبْعَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)فَرَفَعَهُمَا حَتَّى بَانَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِمَا فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ثم نزل(صلى الله عليه وآله وسلم)و كان وقت الظهيرة فصلى ركعتين ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الظهر فصلى بهم الظهر و جلس(عليه السلام)في خيمته و أمر عليا(عليه السلام)أن يجلس في خيمة له بإزائه ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنئوه بالمقام و يسلموا عليه بإمرة المؤمنين ففعل الناس ذلك كلهم ثم أمر أزواجه و سائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه و يسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن و كان فيمن أطنب في تهنئته بالمقام عمر بن الخطاب و أظهر له من المسرة به و قال فيما قال بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة و جاء حسان بن ثابت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال يا رسول الله أ تأذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله فقال له قل يا حسان على اسم الله فوقف على نشز من الأرض و تطاول المسلمون لسماع كلامه فأنشأ يقول يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم و أسمع بالرسولمناديا و قال فمن مولاكم و وليكم فقالوا و لم يبدوا هناك التعاديا إلهك مولانا و أنت ولينا و لن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له قم يا علي فإنني رضيتك من بعدي إماما و هاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أتباع صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه و كن للذي عادى عليا معاديا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَا تَزَالُ يَا حَسَّانُ مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ. و إنما اشترط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في الدعاء له لعلمه(عليه السلام)بعاقبة أمره في الخلاف و لو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق و مثل ذلك ما اشترط الله تعالى في مدح أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و لم يمدحهن بغير اشتراط لعلمه أن منهن من تتغير بعد الحال عن الصلاح الذي تستحق عليه المدح و الإكرام فقال ﴿‏يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ‏﴾ و لم يجعلهن في ذلك حسب ما جعل أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في محل الإكرام و المدحة حيث بذلوا قوتهم لليتيم و المسكين و الأسير فأنزل الله سبحانه في علي و فاطمة و الحسن و الحسين(عليهما السلام)و قد آثروا على أنفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم فقال تعالى ﴿‏وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً‏﴾ فقطع لهم بالجزاء و لم يشترط لهم كما اشترط لغيرهم لعلمه باختلاف الأحوال على ما بيناه.

بحار الأنوار — كتاب تاريخ نبينا (ص) · حجة الوداع و ما جرى فيها إلى الرجوع إلى المدينة و عدد حجه و عمرته(ص)و سائر الوقائع إلى وفاته ص

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.