في الخصال: ابْنُ مُوسَى عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْغِفَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ- وَ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَ فِيهِمْ عِدَّةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ يَا بَنِي هَاشِمٍ بِمَ تَفْخَرُونَ عَلَيْنَا- أَ لَيْسَ الْأَبُ وَ الْأُمُّ وَاحِداً وَ الدَّارُ وَ الْمَوْلِدُ وَاحِداً- فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَفْخَرُ عَلَيْكُمْ بِمَا أَصْبَحْتَ تَفْخَرُ بِهِ- عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ وَ تَفْخَرُ بِهِ قُرَيْشٌ عَلَى الْأَنْصَارِ- وَ تَفْخَرُ بِهِ الْأَنْصَارُ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ- وَ تَفْخَرُ بِهِ الْعَرَبُ عَلَى الْعَجَمِ- بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ بِمَا لَا تَسْتَطِيعُ لَهُ إِنْكَاراً وَ لَا مِنْهُ فِرَاراً- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَقَدْ أُعْطِيتَ لِسَاناً ذَلْقاً- تَكَادُ تَغْلِبُ بِبَاطِلِكَ حَقَّ سِوَاكَ- فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَهْ فَإِنَّ الْبَاطِلَ لَا يَغْلِبُ الْحَقَّ وَ دَعْ عَنْكَ الْحَسَدَ- فَلَبِئْسَ الشِّعَارُ الْحَسَدُ- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ صَدَقْتَ أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِخِصَالٍ أَرْبَعٍ- مَعَ مَغْفِرَتِي لَكَ خِصَالًا أَرْبَعاً- فَأَمَّا مَا أُحِبُّكَ فَلِقَرَابَتِكَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّكَ رَجُلٌ مِنْ أُسْرَتِي وَ أَهْلِ بَيْتِي- وَ مِنْ مُصَاصِ عَبْدِ مَنَافٍ- وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ أَبِي كَانَ خِلًّا لِأَبِيكَ- وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّكَ لِسَانُ قُرَيْشٍ وَ زَعِيمُهَا وَ فَقِيهُهَا- وَ أَمَّا الْأَرْبَعُ الَّتِي غَفَرْتُ لَكَ- فَعَدْوُكَ عَلَيَّ بِصِفِّينَ فِيمَنْ عَدَا- وَ إِسَاءَتُكَ فِي خِذْلَانِ عُثْمَانَ فِيمَنْ أَسَاءَ- وَ سَعْيُكَ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ سَعَى- وَ نَفْيُكَ عَنِّي زِيَاداً فِيمَنْ نَفَى- فَضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ وَ عَيْنَهُ- حَتَّى اسْتَخْرَجْتُ عُذْرَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَوْلِ الشُّعَرَاءِ- أَمَّا مَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَوْلُهُ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً- وَ أَمَّا مَا قَالَتِ الشُّعَرَاءُ فَقَوْلُ أَخِي بَنِي دِينَارٍ- وَ لَسْتُ بِمُسْتَبْقٍ أَخاً لَا تَلُمُّهُ -عَلَى شَعَثٍ أَيِّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبِ - فَاعْلَمْ أَنِّي قَدْ قَبِلْتُ فِيكَ الْأَرْبَعَ الْأُولَى- وَ غَفَرْتُ لَكَ الْأَرْبَعَ الْأُخْرَى وَ كُنْتُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ- سَأَقْبَلُ مِمَّنْ قَدْ أَحَبَّ جَمِيلَهُ -وَ أَغْفِرُ مَا قَدْ كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَا - ثُمَّ أَنْصَتَ فَتَكَلَّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ- أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ تُحِبُّنِي لِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَيْكَ وَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ- لِأَنَّهُ الْأَجْرُ الَّذِي سَأَلَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى مَا آتَاكُمْ بِهِ- مِنَ الضِّيَاءِ وَ الْبُرْهَانِ الْمُبِينِ- فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً- إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى- فَمَنْ لَمْ يُجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى مَا سَأَلَهُ خَابَ- وَ خَزِيَ وَ كَبَا فِي جَهَنَّمَ- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنِّي رَجُلٌ مِنْ أُسْرَتِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ- فَذَلِكَ كَذَلِكَ وَ إِنَّمَا أَرَدْتَ بِهِ صِلَةَ الرَّحِمِ- وَ لَعَمْرِي إِنَّكَ الْيَوْمَ وَصُولٌ مَعَ مَا- قَدْ كَانَ مِنْكَ مِمَّا لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ فِيهِ الْيَوْمَ- وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ أَبِي كَانَ خِلًّا لِأَبِيكَ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ- وَ قَدْ سَبَقَ فِيهِ قَوْلُ الْأَوَّلِ- سَأَحْفَظُ مَنْ آخَى أَبِي فِي حَيَاتِهِ -وَ أَحْفَظُهُ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْأَقَارِبِ- وَ لَسْتُ لِمَنْ لَا يَحْفَظُ الْعَهْدَ وَامِقاً - وَ لَا هُوَ عِنْدَ النَّائِبَاتِ بِصَاحِبِي - وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنِّي لِسَانُ قُرَيْشٍ وَ زَعِيمُهَا وَ فَقِيهُهَا- فَإِنِّي لَمْ أُعْطَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً إِلَّا وَ قَدْ أُوتِيتَهُ- غَيْرَ أَنَّكَ قَدْ أَبَيْتَ بِشَرَفِكَ وَ كَرَمِكَ إِلَّا أَنْ تُفَضِّلَنِي- وَ قَدْ سَبَقَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْأَوَّلِ- وَ كُلُّ كَرِيمٍ لِلْكِرَامِ مُفَضِّلٌ -يَرَاهُ لَهُ أَهْلًا وَ إِنْ كَانَ فَاضِلًا - وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدْوِي عَلَيْكَ بِصِفِّينَ- فَوَ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ لَكُنْتُ مِنْ أَلْأَمِ الْعَالَمِينَ- أَ كَانَتْ نَفْسُكَ تُحَدِّثُكَ يَا مُعَاوِيَةُ- أَنِّي أَخْذُلُ ابْنَ عَمِّي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ- وَ قَدْ حَشَدَ لَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ وَ الْمُصْطَفَوْنَ الْأَخْيَارُ- لِمَ يَا مُعَاوِيَةُ أَ شَكٌّ فِي دِينِي أَمْ حَيْرَةٌ فِي سَجِيَّتِي أَمْ ضَنٌّ بِنَفْسِي- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ خِذْلَانِ عُثْمَانَ- فَقَدْ خَذَلَهُ مَنْ كَانَ أَمَسَّ رَحِماً بِهِ مِنِّي- وَ لِي فِي الْأَقْرَبِينَ وَ الْأَبْعَدِينَ أُسْوَةٌ- وَ إِنِّي لَمْ أَعْدُ عَلَيْهِ فِيمَنْ عَدَا بَلْ كَفَفْتُ عَنْهُ- كَمَا كَفَّ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَ الْحِجَى- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ سَعْيِي عَلَى عَائِشَةَ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمَرَهَا أَنْ تَقِرَّ فِي بَيْتِهَا- وَ تَحْتَجِبَ بِسِتْرِهَا فَلَمَّا كَشَفَتْ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ- وَ خَالَفَتْ نَبِيَّهَا صلى الله عليه وآله وسلم وَسِعَنَا مَا كَانَ مِنَّا إِلَيْهَا- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ نَفْيِ زِيَادٍ- فَإِنِّي لَمْ أَنْفِهِ بَلْ نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذْ قَالَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ- وَ إِنِّي مِنْ بَعْدِ هَذَا لَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ- فَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ مَا أَحَبَّكَ سَاعَةً قَطُّ- غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لِسَاناً ذَرِباً يُقَلِّبُهُ كَيْفَ شَاءَ- وَ إِنَّ مَثَلَكَ وَ مَثَلَهُ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ وَ ذَكَرَ بَيْتَ شِعْرٍ- فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ عَمْراً دَاخِلٌ بَيْنَ الْعَظْمِ وَ اللَّحْمِ- وَ الْعَصَا وَ اللِّحَا وَ قَدْ تَكَلَّمَ فَلْيَسْتَمِعْ فَقَدْ وَافَقَ قَرْناً أَمَا وَ اللَّهِ يَا عَمْرُو إِنِّي لَأُبْغِضُكَ فِي اللَّهِ وَ مَا أَعْتَذِرُ مِنْهُ- إِنَّكَ قُمْتَ خَطِيباً فَقُلْتَ أَنَا شَانِئُ مُحَمَّدٍ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ- فَأَنْتَ أَبْتَرُ الدِّينِ وَ الدُّنْيَا- وَ أَنْتَ شَانِئُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْإِسْلَامِ- وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- وَ قَدْ حَادَدْتَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ قَدِيماً وَ حَدِيثاً- وَ لَقَدْ جَهَدْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ جَهْدَكَ- وَ أَجْلَبْتَ عَلَيْهِ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ حَتَّى إِذَا غَلَبَكَ اللَّهُ عَلَى أَمْرِكَ- وَ رَدَّ كَيْدَكَ فِي نَحْرِكَ وَ أَوْهَنَ قُوَّتَكَ- وَ أَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكَ نُزِعْتَ وَ أَنْتَ حَسِيرٌ- ثُمَّ كِدْتَ بِجُهْدِكَ لِعَدَاوَةِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ مِنْ بَعْدِهِ- لَيْسَ بِكَ فِي ذَلِكَ حُبُّ مُعَاوِيَةَ- وَ لَا آلِ مُعَاوِيَةَ إِلَّا الْعَدَاوَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَعَ بُغْضِكَ وَ حَسَدِكَ الْقَدِيمِ لِأَبْنَاءِ عَبْدِ مَنَافٍ- وَ مَثَلُكَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ- تَعَرَّضَ لِي عَمْرٌو وَ عَمْرٌو خَزَايَةٌ -تَعَرُّضَ ضُبْعِ الْقَفْرِ لِلْأَسَدِ الْوَرْدِ- فَمَا هُوَ لِي نِدٌّ فَأَشْتُمَ عِرْضَهُ -وَ لَا هُوَ لِي عَبْدٌ فَأَبْطِشَ بِالْعَبْدِ - فَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَطَعَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ- وَ قَالَ أَمَا وَ اللَّهِ يَا عَمْرُو مَا أَنْتَ مِنْ رِجَالِهِ- فَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ وَ إِنْ شِئْتَ فَدَعْ فَاغْتَنَمَهَا عَمْرٌو وَ سَكَتَ- فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ دَعْهُ يَا مُعَاوِيَةُ- فَوَ اللَّهِ لَأَسِمَنَّهُ بِمِيسَمٍ يَبْقَى عَلَيْهِ عَارُهُ وَ شَنَارُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- تَتَحَدَّثُ بِهِ الْإِمَاءُ وَ الْعَبِيدُ وَ يُتَغَنَّى بِهِ فِي الْمَجَالِسِ- وَ يُحَدَّثُ بِهِ فِي الْمَحَافِلِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ- يَا عَمْرُو وَ ابْتَدَأَ فِي الْكَلَامِ- فَمَدَّ مُعَاوِيَةُ يَدَهُ فَوَضَعَهَا عَلَى فِي ابْنِ عَبَّاسٍ- وَ قَالَ لَهُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِلَّا أَمْسَكْتَ- وَ كَرِهَ أَنْ يَسْمَعَ أَهْلُ الشَّامِ مَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ- وَ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ اخْسَأْ أَيُّهَا الْعَبْدُ وَ أَنْتَ مَذْمُومٌ وَ افْتَرَقُوا.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع) · أحوال أهل زمانه و عشائره و أصحابه و ما جرى بينه و بينهم و ما جرى بينهم و بين معاوية و أصحابه لعنهم الله