الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع)
بحار الأنوار

أَقُولُ قَالَ الشَّيْخُ الْمُفِيدُ فِي الْإِرْشَادِ رَوَى الْكَلْبِيُّ وَ الْمَدَائِنِيُّ وَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السِّيرَةِ قَالُوا لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ(عليه السلام)تَحَرَّكَتِ الشِّيعَةُ بِالْعِرَاقِ وَ كَتَبُوا إِلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام)فِي خَلْعِ مُعَاوِيَةَ وَ الْبَيْعَةِ لَهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ وَ ذَكَرَ أَنَّ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ عَهْداً وَ عَقْداً لَا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُهُ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ فَإِذَا مَاتَ مُعَاوِيَةُ نَظَرَ فِي ذَلِكَ. فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَ ذَلِكَ لِلنِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ كَتَبَ يَزِيدُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَ كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَأْخُذَ الْحُسَيْنَ(عليه السلام)بِالْبَيْعَةِ لَهُ وَ لَا يُرَخِّصَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْفَذَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحُسَيْنِ فِي اللَّيْلِ فَاسْتَدْعَاهُ فَعَرَفَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)الَّذِي أَرَادَ فَدَعَا جَمَاعَةً مِنْ مَوَالِيهِ وَ أَمَرَهُمْ بِحَمْلِ السِّلَاحِ وَ قَالَ لَهُمْ إِنَّ الْوَلِيدَ قَدِ اسْتَدْعَانِي فِي هَذَا الْوَقْتِ وَ لَسْتُ آمَنُ أَنْ يُكَلِّفَنِي فِيهِ أَمْراً لَا أُجِيبُهُ إِلَيْهِ وَ هُوَ غَيْرُ مَأْمُونٍ فَكُونُوا مَعِي فَإِذَا دَخَلْتُ إِلَيْه فَاجْلِسُوا عَلَى الْبَابِ فَإِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتِي قَدْ عَلَا فَادْخُلُوا عَلَيْهِ لِتَمْنَعُوهُ عَنِّي. فَصَارَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَنَعَى إِلَيْهِ الْوَلِيدُ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَرْجَعَ الْحُسَيْنُ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ يَزِيدَ وَ مَا أَمَرَهُ فِيهِ مِنْ أَخْذِ الْبَيْعَةِ مِنْهُ لَهُ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)إِنِّي لَا أَرَاكَ تَقْنَعُ بِبَيْعَتِي لِيَزِيدَ سِرّاً حَتَّى أُبَايِعَهُ جَهْراً فَيَعْرِفَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ أَجَلْ فَقَالَ الْحُسَيْنُ فَتُصْبِحُ وَ تَرَى رَأْيَكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ انْصَرِفْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَأْتِيَنَا مَعَ جَمَاعَةِ النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ وَ اللَّهِ لَئِنْ فَارَقَكَ الْحُسَيْنُ السَّاعَةَ وَ لَمْ يُبَايِعْ لَا قَدَرْتَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهَا أَبَداً حَتَّى تَكْثُرَ الْقَتْلَى بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ احْبِسِ الرَّجُلَ وَ لَا يَخْرُجْ مِنْ عِنْدِكَ حَتَّى يُبَايِعَ أَوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ فَوَثَبَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)عِنْدَ ذَلِكَ وَ قَالَ أَنْتَ يَا ابْنَ الزَّرْقَاءِ تَقْتُلُنِي أَمْ هُوَ كَذَبْتَ وَ اللَّهِ وَ أَثِمْتَ وَ خَرَجَ يَمْشِي وَ مَعَهُ مَوَالِيهِ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ. قَالَ السَّيِّدُ كَتَبَ يَزِيدُ إِلَى الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ عَلَى أَهْلِهَا وَ خَاصَّةً عَلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام)وَ يَقُولُ إِنْ أَبَى عَلَيْكَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَ ابْعَثْ إِلَيَّ بِرَأْسِهِ فَأَحْضَرَ الْوَلِيدُ مَرْوَانَ وَ اسْتَشَارَهُ فِي أَمْرِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ وَ لَوْ كُنْتُ مَكَانَكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ فَقَالَ الْوَلِيدُ لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئاً مَذْكُوراً. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام)فَجَاءَهُ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ مَوَالِيهِ وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ فَغَضِبَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)ثُمَّ قَالَ وَيْلِي عَلَيْكَ يَا ابْنَ الزَّرْقَاءِ أَنْتَ تَأْمُرُ بِضَرْبِ عُنُقِي كَذَبْتَ وَ اللَّهِ وَ أَثِمْتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَعْدِنُ الرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ وَ بِنَا فَتَحَ اللَّهُ وَ بِنَا خَتَمَ اللَّهُ وَ يَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ شَارِبُ الْخَمْرِ قَاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ وَ مِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَهُ وَ لَكِنْ نُصْبِحُ وَ تُصْبِحُونَ وَ نَنْظُرُ وَ تَنْظُرُونَ أَيُّنَا أَحَقُّ بِالْبَيْعَةِ وَ الْخِلَافَةِ ثُمَّ خَرَجَ(عليه السلام). و قال ابن شهرآشوب كتب إلى الوليد بأخذ البيعة من الحسين(عليه السلام)و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير و عبد الرحمن بن أبي بكر أخذا عنيفا ليست فيه رخصة فمن يأبى عليك منهم فاضرب عنقه و ابعث إلي برأسه فشاور في ذلك مروان فقال الرأي أن تحضرهم و تأخذ منهم البيعة قبل أن يعلموا. فوجه في طلبهم و كانوا عند التربة فقال عبد الرحمن و عبد الله ندخل دورنا و نغلق أبوابنا و قال ابن الزبير و الله ما أبايع يزيد أبدا و قال الحسين أنا لا بد لي من الدخول على الوليد و ذكر قريبا مما مر. قال المفيد فقال مروان للوليد عصيتني لا و الله لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا فقال الوليد ويح غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني و دنياي و الله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس و غربت عنه من مال الدنيا و ملكها و إني قتلت حسينا سبحان الله أقتل حسينا أن قال لا أبايع و الله إني لأظن أن امرأ يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة. فقال له مروان فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت يقول هذا و هو غير الحامد له على رأيه. قَالَ السَّيِّدُ فَلَمَّا أَصْبَحَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَسْتَمِعُ الْأَخْبَارَ فَلَقِيَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي لَكَ نَاصِحٌ فَأَطِعْنِي تُرْشَدْ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)وَ مَا ذَاكَ قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ فَقَالَ مَرْوَانُ إِنِّي آمُرُكَ بِبَيْعَةِ يَزِيدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ فِي دِينِكَ وَ دُنْيَاكَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ عَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ وَ لَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ الْخِلَافَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيَانَ وَ طَالَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَرْوَانَ حَتَّى انْصَرَفَ مَرْوَانُ وَ هُوَ غَضْبَانُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدَاةُ تَوَجَّهَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)إِلَى مَكَّةَ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتِّينَ فَأَقَامَ بِهَا بَاقِيَ شَعْبَانَ وَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَ شَوَّالًا وَ ذَا الْقَعْدَةِ. قال المفيد (رحمه الله) فقام الحسين في منزله تلك الليلة و هي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستين من الهجرة و اشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد و امتناعه عليهم و خرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجها إلى مكة فلما أصبح الوليد سرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالي بني أمية في ثمانين راكبا فطلبوه فلم يدركوه فرجعوا. فلما كان آخر نهار السبت بعث الرجال إلى الحسين(عليه السلام)ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية فقال لهم الحسين أصبحوا ثم ترون و نرى فكفوا تلك الليلة عنه و لم يلحوا عليه فخرج(عليه السلام)[من تحت ليلة] و هي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجها نحو مكة و معه بنوه و بنو أخيه و إخوته و جل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية (رحمه الله) فإنه لما علم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدر أين يتوجه فقال له يا أخي أنت أحب الناس إلي و أعزهم علي و لست أدخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك و أنت أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية و عن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس ثم ادعهم إلى نفسك فإن بايعك الناس و بايعوا لك حمدت الله على ذلك و إن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك و لا عقلك و لا تذهب به مروءتك و لا فضلك إني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك و أخرى عليك فيقتتلون فتكون إذا لأول الأسنة غرضا فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا و أبا و أما أضيعها دما و أذلها أهلا. فقال له الحسين(عليه السلام)فأين أنزل يا أخي قال انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار بها فستنل ذلك و إن نبت بك لحقت بالرمال و شعف الجبال و خرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس فإنك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الأمر استقبالا. فقال(عليه السلام)يا أخي قد نصحت و أشفقت و أرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا. وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمُوسَوِيُّ لَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى الْوَلِيدِ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَ اللَّهِ لَا يَرَانِي اللَّهُ أَقْتُلُ ابْنَ نَبِيِّهِ وَ لَوْ جَعَلَ يَزِيدُ لِيَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا. قَالَ وَ خَرَجَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)مِنْ مَنْزِلِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَ أَقْبَلَ إِلَى قَبْرِ جَدِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهُ أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ فَاطِمَةَ فَرْخُكَ وَ ابْنُ فَرْخَتِكَ وَ سِبْطُكَ الذَّيِ خَلَّفْتَنِي فِي أُمَّتِكَ فَاشْهَدْ عَلَيْهِمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهُمْ قَدْ خَذَلُونِي وَ ضَيَّعُونِي وَ لَمْ يَحْفَظُونِي وَ هَذِهِ شَكْوَايَ إِلَيْكَ حَتَّى أَلْقَاكَ قَالَ ثُمَّ قَامَ فَصَفَّ قَدَمَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ رَاكِعاً سَاجِداً. قال و أرسل الوليد إلى منزل الحسين(عليه السلام)لينظر أ خرج من المدينة أم لا فلم يصبه في منزله فقال الحمد لله الذي خرج و لم يبتلني بدمه قال و رجع الحسين إلى منزله عند الصبح. فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضا و صلى ركعات فلما فرغ من صلاته جعل يقول اللهم هذا قبر نبيك محمد و أنا ابن بنت نبيك و قد حضرني من الأمر ما قد علمت اللهم إني أحب المعروف و أنكر المنكر و أنا أسألك يا ذا الجلال و الإكرام بحق القبر و من فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى و لرسولك رضى. قال ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفي فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه و عن شماله و بين يديه حتى ضم الحسين إلى صدره و قبل بين عينيه و قال حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك مذبوحا بأرض كرب و بلاء من عصابة من أمتي و أنت مع ذلك عطشان لا تسقى و ظمآن لا تروى و هم مع ذلك يرجون شفاعتي لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة حبيبي يا حسين إن أباك و أمك و أخاك قدموا علي و هم مشتاقون إليك و إن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة. قال فجعل الحسين(عليه السلام)في منامه ينظر إلى جده و يقول يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك و أدخلني معك في قبرك فقال له رسول الله لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة و ما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم فإنك و أباك و أخاك و عمك و عم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة. قال فانتبه الحسين(عليه السلام)من نومه فزعا مرعوبا فقص رؤياه على أهل بيته و بني عبد المطلب فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق و لا مغرب قوم أشد غما من أهل بيت رسول الله و لا أكثر باك و لا باكية منهم. قَالَ وَ تَهَيَّأَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَ مَضَى فِي جَوْفِ اللَّيْلِ إِلَى قَبْرِ أُمِّهِ فَوَدَّعَهَا ثُمَّ مَضَى إِلَى قَبْرِ أَخِيهِ الْحَسَنِ فَفَعَلَ كَذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقْتَ الصُّبْحِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَ قَالَ يَا أَخِي أَنْتَ أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ وَ أَعَزُّهُمْ عَلَيَّ وَ لَسْتُ وَ اللَّهِ أَدَّخِرُ النَّصِيحَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ وَ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ لِأَنَّكَ مِزَاجُ مَائِي وَ نَفْسِي وَ رُوحِي وَ بَصَرِي وَ كَبِيرُ أَهْلِ بَيْتِي وَ مَن وَجَبَ طَاعَتُهُ فِي عُنُقِي لِأَنَّ اللَّهَ قَد شَرَّفَكَ عَلَيَّ وَ جَعَلَكَ مِنْ سَادَاتِ أَهْلِ الجَنَّةِ. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ كَمَا مَرَّ إلَى أَنْ قَالَ تَخْرُجُ إلَى مَكَّةَ فَإِنِ اطْمَأَنَّتْ بِكَ الدَّارُ بِهَا فَذَاكَ وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى خَرَجْتَ إلَى بِلَادِ الْيَمَنِ فَإِنَّهُمْ أَنْصَارُ جَدِّكَ وَ أَبِيكَ وَ هُمْ أَرْأَفُ النَّاسِ وَ أَرَقُّهُمْ قُلُوباً وَ أَوْسَعُ النَّاسِ بِلَاداً فَإِنِ اطْمَأَنَّتْ بِكَ الدَّارُ وَ إِلَّا لَحِقْتَ بِالرِّمَالِ وَ شُعُوبِ الْجِبَالِ وَ جُزْتَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ وَ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)يَا أَخِي وَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَلْجَأٌ وَ لَا مَأْوًى لَمَا بَايَعْتُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فَقَطَعَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ الْكَلَامَ وَ بَكَى فَبَكَى الْحُسَيْنُ(عليه السلام)مَعَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا أَخِي جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً فَقَدْ نَصَحْتَ وَ أَشَرْتَ بِالصَّوَابِ وَ أَنَا عَازِمٌ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى مَكَّةَ وَ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِذَلِكَ أَنَا وَ إِخْوَتِي وَ بَنُو أَخِي وَ شِيعَتِي وَ أَمْرُهُمْ أَمْرِي وَ رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَ أَمَّا أَنْتَ يَا أَخِي فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ فَتَكُونَ لِي عَيْناً لَا تُخْفِي عَنِّي شَيْئاً مِنْ أُمُورِهِمْ. ثُمَّ دَعَا الْحُسَيْنُ بِدَوَاةٍ وَ بَيَاضٍ وَ كَتَبَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لِأَخِيهِ مُحَمَّدٍ. ﴿‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏﴾ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْحُسَيْنَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ الْحَقِّ وَ أَنَّ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ حَقٌ وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَ لَا بَطِراً وَ لَا مُفْسِداً وَ لَا ظَالِماً وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي صلى الله عليه وآله وسلم أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَ مَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِ وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ وَ هَذِهِ وَصِيَّتِي يَا أَخِي إِلَيْكَ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ قَالَ ثُمَّ طَوَى الْحُسَيْنُ الْكِتَابَ وَ خَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ وَ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ وَدَّعَهُ وَ خَرَجَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ. - وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ: ذَكَرْنَا خُرُوجَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ تَخَلُّفَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَا حَمْزَةُ- إِنِّي سَأُخْبِرُكَ بِحَدِيثٍ لَا تَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا- إِنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا فَصَلَ مُتَوَجِّهاً- دَعَا بِقِرْطَاسٍ وَ كَتَبَ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمْ اسْتُشْهِدَ- وَ مَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْفَتْحِ وَ السَّلَامُ قال و قَالَ شَيْخُنَا الْمُفِيدُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ لَمَّا سَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُ أَفْوَاجٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُسَوَّمَةِ فِي أَيْدِيهِمُ الْحِرَابُ عَلَى نُجُبٍ مِنْ نُجُبِ الْجَنَّةِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَ قَالُوا يَا حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ جَدِّهِ وَ أَبِيهِ وَ أَخِيهِ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَدَّ جَدَّكَ بِنَا فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكَ بِنَا فَقَالَ لَهُمُ الْمَوْعِدُ حُفْرَتِي وَ بُقْعَتِيَ الَّتِي أُسْتَشْهَدُ فِيهَا وَ هِيَ كَرْبَلَاءُ فَإِذَا وَرَدْتُهَا فَأْتُونِي فَقَالُوا يَا حُجَّةَ اللَّهِ مُرْنَا نَسْمَعْ وَ نُطِعْ فَهَلْ تَخْشَى مِنْ عَدُوٍّ يَلْقَاكَ فَنَكُونَ مَعَكَ فَقَالَ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيَّ وَ لَا يَلْقَوْنِي بِكَرِيهَةٍ أَوْ أَصِلَ إِلَى بُقْعَتِي. وَ أَتَتْهُ أَفْوَاجُ مُسْلِمِي الْجِنِّ فَقَالُوا يَا سَيِّدَنَا نَحْنُ شِيعَتُكَ وَ أَنْصَارُكَ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ وَ مَا تَشَاءُ فَلَوْ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِ كُلِّ عَدُوٍّ لَكَ وَ أَنْتَ بِمَكَانِكَ لَكَفَيْنَاكَ ذَلِكَ فَجَزَاهُمُ الْحُسَيْنُ خَيْراً وَ قَالَ لَهُمْ أَ وَ مَا قَرَأْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ الْمُنْزَلَ عَلَى جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَ قَالَ سُبْحَانَهُ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَ إِذَا أَقَمْتُ بِمَكَانِي فَبِمَا ذَا يُبْتَلَى هَذَا الْخَلْقُ الْمَتْعُوسُ وَ بِمَا ذَا يُخْتَبَرُونَ وَ مَنْ ذَا يَكُونُ سَاكِنَ حُفْرَتِي بِكَرْبَلَاءَ وَ قَدِ اخْتَارَهَا اللَّهُ يَوْمَ دَحَا الْأَرْضَ وَ جَعَلَهَا مَعْقِلًا لِشِيعَتِنَا وَ يَكُونُ لَهُمْ أَمَاناً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ لَكِنْ تَحْضُرُونَ يَوْمَ السَّبْتِ وَ هُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ الَّذِي فِي آخِرِهِ أُقْتَلُ وَ لَا يَبْقَى بَعْدِي مَطْلُوبٌ مِنْ أَهْلِي وَ نَسَبِي وَ إِخْوَتِي وَ أَهْلِ بَيْتِي وَ يُسَارُ بِرَأْسِي إِلَى يَزِيدَ لَعَنَهُ اللَّهُ. فَقَالَتِ الْجِنُّ نَحْنُ وَ اللَّهِ يَا حَبِيبَ اللَّهِ وَ ابْنَ حَبِيبِهِ لَوْ لَا أَنَّ أَمْرَكَ طَاعَةٌ وَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا مُخَالَفَتُكَ قَتَلْنَا جَمِيعَ أَعْدَائِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَقَالَ (صلوات الله عليه) لَهُمْ نَحْنُ وَ اللَّهِ أَقْدَرُ عَلَيْهِمْ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ انتهى ما نقلناه من كتاب محمد بن أبي طالب. وَ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ(عليه السلام)لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ أَتَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ يَا بُنَيَّ لَا تَحْزَنِي بِخُرُوجِكَ إِلَى الْعِرَاقِ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكَ يَقُولُ يُقْتَلُ وَلَدِيَ الْحُسَيْنُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ فِي أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا كَرْبَلَاءُ فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّاهْ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَعْلَمُ ذَلِكَ وَ إِنِّي مَقْتُولٌ لَا مَحَالَةَ وَ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا بُدٌّ وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ الَّذِي أُقْتَلُ فِيهِ وَ أَعْرِفُ مَنْ يَقْتُلُنِي وَ أَعْرِفُ الْبُقْعَةَ الَّتِي أُدْفَنُ فِيهَا وَ إِنِّي أَعْرِفُ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَ قَرَابَتِي وَ شِيعَتِي وَ إِنْ أَرَدْتِ يَا أُمَّاهْ أُرِيكِ حُفْرَتِي وَ مَضْجَعِي. ثُمَّ أَشَارَ(عليه السلام)إِلَى جِهَةِ كَرْبَلَاءِ فَانْخَفَضَتِ الْأَرْضُ حَتَّى أَرَاهَا مَضْجَعَهُ وَ مَدْفَنَهُ وَ مَوْضِعَ عَسْكَرِهِ وَ مَوْقِفَهُ وَ مَشْهَدَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بُكَاءً شَدِيداً وَ سَلَّمَتْ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّاهْ قَدْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَرَانِي مَقْتُولًا مَذْبُوحاً ظُلْماً وَ عُدْوَاناً وَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَى حَرَمِي وَ رَهْطِي وَ نِسَائِي مُشَرَّدِينَ وَ أَطْفَالِي مَذْبُوحِينَ مَظْلُومِينَ مَأْسُورِينَ مُقَيَّدِينَ وَ هُمْ يَسْتَغِيثُونَ فَلَا يَجِدُونَ نَاصِراً وَ لَا مُعِيناً وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَ عِنْدِي تُرْبَةٌ دَفَعَهَا إِلَيَّ جَدُّكَ فِي قَارُورَةٍ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنِّي مَقْتُولٌ كَذَلِكَ وَ إِنْ لَمْ أَخْرُجْ إِلَى الْعِرَاقِ يَقْتُلُونِّي أَيْضاً ثُمَّ أَخَذَ تُرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي قَارُورَةٍ وَ أَعْطَاهَا إِيَّاهَا وَ قَالَ اجْعَلْهَا مَعَ قَارُورَةِ جَدِّي فَإِذَا فَاضَتَا دَماً فَاعْلَمِي أَنِّي قَدْ قُتِلْتُ. ثُمَّ قَالَ الْمُفِيدُ فَسَارَ الْحُسَيْنُ إِلَى مَكَّةَ وَ هُوَ يَقْرَأُ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَ لَزِمَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ لَوْ تَنَكَّبْتَ عَنِ الطَّرِيقِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَيْلَا يَلْحَقَكَ الطَّلَبُ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا أُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ مَا هُوَ قَاضٍ وَ لَمَّا دَخَلَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)مَكَّةَ كَانَ دُخُولُهُ إِيَّاهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ دَخَلَهَا وَ هُوَ يَقْرَأُ وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. ثم نزلها و أقبل أهلها يختلفون إليه و من كان بها من المعتمرين و أهل الآفاق و ابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة و هو قائم يصلي عندها و يطوف و يأتي الحسين(عليه السلام)فيمن يأتيه فيأتيه اليومين المتواليين و يأتيه بين كل يومين مرة و هو(عليه السلام)أثقل خلق الله على ابن الزبير لأنه قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين في البلد و إن الحسين أطوع في الناس منه و أجل. و بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية فأرجفوا بيزيد و عرفوا خبر الحسين و امتناعه من بيعته و ما كان من أمر ابن الزبير في ذلك و خروجهما إلى مكة فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله و أثنوا عليه فقال سليمان إن معاوية قد هلك و إن حسينا قد نقض على القوم ببيعته و قد خرج إلى مكة و أنتم شيعته و شيعة أبيه فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه و مجاهدو عدوه فاكتبوا إليه فإن خفتم الفشل و الوهن فلا تغروا الرجل في نفسه قالوا لا بل نقاتل عدوه و نقتل أنفسنا دونه فاكتبوا إليه. فكتبوا إليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ للحسين بن علي من سليمان بن صرد و المسيب بن نجبة و رفاعة بن شداد البجلي و حبيب بن مظاهر و شيعته المؤمنين و المسلمين من أهل الكوفة سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد الله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها و غصبها فيئها و تأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها و استبقى شرارها و جعل مال الله دولة بين جبابرتها و أغنيائها فبعدا له كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق و النعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة و لا نخرج معه إلى عيد و لو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله. ثم سرحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني و عبد الله بن وأل و أمروهما بالنجا فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين بمكة لعشر مضين من شهر رمضان. ثم لبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب و أنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي و عبد الله و عبد الرحمن ابني عبد الله بن زياد الأرحبي و عمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين(عليه السلام)و معهم نحو مائة و خمسين صحيفة من الرجل و الاثنين و الأربعة. و قال السيد و هو مع ذلك يتأبى و لا يجيبهم فورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب و تواترت الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب. و قَالَ الْمُفِيدُ ثُمَّ لَبِثُوا يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وَ سَرَّحُوا إِلَيْهِ هَانِئَ بْنَ هَانِئٍ السَّبِيعِيَّ وَ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيَّ وَ كَتَبُوا إِلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّا بَعْدُ فَحَيَّهَلَا فَإِنَّ النَّاسَ يَنْتَظِرُونَكَ لَا رَأْيَ لَهُمْ غَيْرُكَ فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ ثُمَّ الْعَجَلَ الْعَجَلَ وَ السَّلَامُ. ثُمَّ كَتَبَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ حَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ وَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ وَ عُرْوَةُ بْنُ قَيْسٍ وَ عمر [عَمْرُو بْنُ حَجَّاجٍ الزُّبَيْدِيُّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو التَّيْمِيُّ أَمَّا بَعْدُ فَقَدِ اخْضَرَّ الْجَنَّاتُ وَ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَ أَعْشَبَتِ الْأَرْضُ وَ أَوْرَقَتِ الْأَشْجَارُ فَإِذَا شِئْتَ فَأَقْبِلْ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدَةٍ وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ وَ عَلَى أَبِيكَ مِنْ قَبْلِكَ. وَ تَلَاقَتِ الرُّسُلُ كُلُّهَا عِنْدَهُ فَقَرَأَ الْكُتُبَ وَ سَأَلَ الرُّسُلَ عَنِ النَّاسِ ثُمَّ كَتَبَ مَعَ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ وَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ كَانَا آخِرَ الرُّسُلِ. ﴿‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏﴾ مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الْمَلَإِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَانِئاً وَ سَعِيداً قَدَّمَا عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ وَ كَانَا آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ وَ قَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَ ذَكَرْتُمْ وَ مَقَالَةُ جُلِّكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الْحَقِّ وَ الْهُدَى وَ أَنَا بَاعِثٌ إِلَيْكُمْ أَخِي وَ ابْنَ عَمِّي وَ ثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ بِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَ ذَوِي الْحِجَى وَ الْفَضْلِ مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَدَّمَتْ بِهِ رُسُلُكُمْ وَ قَرَأْتُ فِي كُتُبِكُمْ فَإِنِّي أَقْدَمُ إِلَيْكُمْ وَشِيكاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَعَمْرِي مَا الْإِمَامُ إِلَّا الْحَاكِمُ بِالْكِتَابِ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ الدَّائِنُ بِدِينِ الْحَقِّ الْحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ لِلَّهِ وَ السَّلَامُ. وَ دَعَا الْحُسَيْنُ(عليه السلام)مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ فَسَرَّحَهُ مَعَ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيِّ وَ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلُولِيِّ وَ …

بحار الأنوار — كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع) · ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته (صلوات الله عليه) و لعنة الله على ظالميه و قاتليه و الراضين بقتله و المؤازرين عليه

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.