عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ وَ أَمَرَهُ بِالتَّقْوَى وَ كِتْمَانِ أَمْرِهِ وَ اللُّطْفِ فَإِنْ رَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ مُسْتَوْسِقِينَ عَجَّلَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. فَأَقْبَلَ مُسْلِمٌ (رحمه الله) حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ وَدَّعَ مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِهِ وَ اسْتَأْجَرَ دَلِيلَيْنِ مِنْ قَيْسٍ فَأَقْبَلَا بِهِ يَتَنَكَّبَانِ الطَّرِيقَ فَضَلَّا عَنِ الطَّرِيقِ وَ أَصَابَهُمَا عَطَشٌ شَدِيدٌ فَعَجَزَا عَنِ السَّيْرِ فَأَوْمَئَا لَهُ إِلَى سَنَنِ الطَّرِيقِ بَعْدَ أَنْ لَاحَ لهم [لَهُمَا ذَلِكَ فَسَلَكَ مُسْلِمٌ ذَلِكَ السَّنَنَ وَ مَاتَ الدَّلِيلَانِ عَطَشاً فَكَتَبَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ (رحمه الله) مِنَ الْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَضِيقِ مَعَ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَعَ دَلِيلَيْنِ لِي فَحَازَا عَنِ الطَّرِيقِ فَضَلَّا وَ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الْعَطَشُ فَلَمْ يَلْبَثَا أَنْ مَاتَا وَ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَاءِ فَلَمْ نَنْجُ إِلَّا بِحُشَاشَةِ أَنْفُسِنَا وَ ذَلِكَ الْمَاءُ بِمَكَانٍ يُدْعَى الْمَضِيقُ مِنْ بَطْنِ الْخَبْتِ وَ قَدْ تَطَيَّرْتُ مِنْ تَوَجُّهِي هَذَا فَإِنْ رَأَيْتَ أَعْفَيْتَنِي عَنْهُ وَ بَعَثْتَ غَيْرِي وَ السَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ حَسِبْتُ أَنْ لَا يَكُونَ حَمَلَكَ عَلَى الْكِتَابِ إِلَيَّ فِي الِاسْتِعْفَاءِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَّهْتُكَ لَهُ إِلَّا الْجُبْنُ فَامْضِ لِوَجْهِكَ الَّذِي وَجَّهْتُكَ فِيهِ وَ السَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ مُسْلِمٌ الْكِتَابَ قَالَ أَمَّا هَذَا فَلَسْتُ أَتَخَوَّفُهُ عَلَى نَفْسِي فَأَقْبَلَ حَتَّى مَرَّ بِمَاءٍ لِطَيِّئٍ فَنَزَلَ بِهِ ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنْهُ فَإِذَا رَجُلٌ يَرْمِي الصَّيْدَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ قَدْ رَمَى ظَبْياً حِينَ أَشْرَفَ لَهُ فَصَرَعَهُ فَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ نَقْتُلُ عَدُوَّنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ فَنَزَلَ فِي دَارِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَ هِيَ الَّتِي تُدْعَى الْيَوْمَ دَارُ مُسْلِمِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَ أَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَكُلَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)وَ هُمْ يَبْكُونَ وَ بَايَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَايَعَهُ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً فَكَتَبَ مُسْلِمٌ إِلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام)يُخْبِرُهُ بِبَيْعَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً وَ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ وَ جَعَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ (رحمه الله) حَتَّى عُلِمَ بِمَكَانِهِ. فَبَلَغَ النُّعْمَانَ [بْنَ بَشِيرٍ ذَلِكَ وَ كَانَ وَالِياً عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ فَأَقَرَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهَا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ لَا تُسَارِعُوا إِلَى الْفِتْنَةِ وَ الْفُرْقَةِ فَإِنَّ فِيهَا تَهْلِكُ الرِّجَالُ وَ تُسْفَكُ الدِّمَاءُ وَ تُغْصَبُ الْأَمْوَالُ إِنِّي لَا أُقَاتِلُ مَنْ لَا يُقَاتِلُنِي وَ لَا آتِي عَلَى مَنْ لَمْ يَأْتِ عَلَيَّ وَ لَا أُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ وَ لَا أَتَحَرَّشُ بِكُمْ وَ لَا آخُذُ بِالْقَرَفِ وَ لَا الظِّنَّةِ وَ لَا التُّهَمَةِ وَ لَكِنَّكُمْ إِنْ أَبْدَيْتُمْ صَفْحَتَكُمْ لِي وَ نَكَثْتُمْ بَيْعَتَكُمْ وَ خَالَفْتُمْ إِمَامَكُمْ فَوَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَأَضْرِبَنَّكُمْ بِسَيْفِي مَا ثَبَتَ قَائِمُهُ فِي يَدِي وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي مِنْكُمْ نَاصِرٌ أَمَا إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُرْدِيهِ الْبَاطِلُ. فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ رَبِيعَةَ الْحَضْرَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ لَهُ إِنَّهُ لَا يُصْلِحُ مَا تَرَى إِلَّا الْغَشْمُ وَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوِّكَ رَأْيُ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْأَعَزِّينَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ نَزَلَ. وَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ كِتَاباً أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ قَدْ قَدِمَ الْكُوفَةَ وَ بَايَعَهُ الشِّيعَةُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنْ يَكُنْ لَكَ فِي الْكُوفَةِ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيْهَا رَجُلًا قَوِيّاً يُنْفِذُ أَمْرَكَ وَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِكَ فِي عَدُوِّكَ فَإِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَجُلٌ ضَعِيفٌ أَوْ هُوَ يَتَضَعَّفُ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ بِنَحْوٍ مِنْ كِتَابِهِ ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا وَصَلَتِ الْكُتُبُ إِلَى يَزِيدَ دَعَا سِرْحُونَ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مَا رَأْيُكَ إِنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ نَفَّذَ إِلَى الْكُوفَةِ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ يُبَايَعُ لَهُ وَ قَدْ بَلَغَنِي عَنِ النُّعْمَانِ ضَعْفٌ وَ قَوْلٌ سَيِّئٌ فَمَنْ تَرَى أَنْ أَسْتَعْمِلَ عَلَى الْكُوفَةِ وَ كَانَ يَزِيدُ عَاتِباً عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُ سِرْحُونُ أَ رَأَيْتَ لَوْ نَشَرَ لَكَ مُعَاوِيَةُ حَيّاً مَا كُنْتَ آخِذاً بِرَأْيِهِ قَالَ بَلَى قَالَ فَأَخْرَجَ سِرْحُونُ عَهْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى الْكُوفَةِ وَ قَالَ هَذَا رَأْيُ مُعَاوِيَةَ مَاتَ وَ قَدْ أَمَرَ بِهَذَا الْكِتَابِ فَضُمَّ الْمِصْرَيْنِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ أَفْعَلُ ابْعَثْ بِعَهْدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ إِلَيْهِ. ثُمَّ دَعَا مُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو الْبَاهِلِيَّ وَ كَتَبَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَيَّ شِيعَتِي مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَ يُخْبِرُونَنِي أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ فِيهَا يَجْمَعُ الْجُمُوعَ لِيَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ فَسِرْ حِينَ تَقْرَأُ كِتَابِي هَذَا حَتَّى تَأْتِيَ الْكُوفَةَ فَتَطْلُبَ ابْنَ عَقِيلٍ طَلَبَ الْخُرْزَةِ حَتَّى تَثْقَفَهُ فَتُوثِقَهُ أَوْ تَقْتُلَهُ أَوْ تَنْفِيَهُ وَ السَّلَامُ وَ سَلَّمَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ عَلَى الْكُوفَةِ فَخَرَجَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَصْرَةَ وَ أَوْصَلَ إِلَيْهِ الْعَهْدَ وَ الْكِتَابَ فَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالْجِهَازِ مِنْ وَقْتِهِ وَ الْمَسِيرِ وَ التَّهَيُّؤِ إِلَى الْكُوفَةِ مِنَ الْغَدِ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ فَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ عُثْمَانَ. و قال ابن نما ره رويت إلى حصين بن عبد الرحمن أن أهل الكوفة كتبوا إليه أنا معك مائة ألف و عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال بايع الحسين(عليه السلام)أربعون ألفا من أهل الكوفة على أن يحاربوا من حارب و يسالموا من سالم فعند ذلك رد جواب كتبهم يمنيهم بالقبول و يعدهم بسرعة الوصول و بعث مسلم بن عقيل. و قال السيد (رحمه الله) بعد ذلك و كان الحسين(عليه السلام)قد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتابا مع مولى له اسمه سليمان و يكنى أبا رزين يدعوهم إلى نصرته و لزوم طاعته منهم يزيد بن مسعود النهشلي و المنذر بن الجارود العبدي فجمع يزيد بن مسعود بني تميم و بني حنظلة و بني سعد فلما حضروا قال يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم و حسبي منكم فقالوا بخ بخ أنت و الله فقرة الظهر و رأس الفخر حللت في الشرف وسطا و تقدمت فيه فرطا قال فإني قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه و أستعين بكم عليه فقالوا إنما و الله نمنحك النصيحة و نحمد لك الرأي فقل نسمع. فقال إن معاوية مات فأهون به و الله هالكا و مفقودا ألا و إنه قد انكسر باب الجور و الإثم و تضعضعت أركان الظلم و قد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن أن قد أحكمه و هيهات و الذي أراد اجتهد و الله ففشل و شاور فخذل و قد قام يزيد شارب الخمور و رأس الفجور يدعي الخلافة على المسلمين و يتأمر عليهم مع قصر حلم و قلة علم لا يعرف من الحق موطأ قدمه. فأقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين و هذا الحسين بن علي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذو الشرف الأصيل و الرأي الأثيل له فضل لا يوصف و علم لا ينزف و هو أولى بهذا الأمر لسابقته و سنه و قدمته و قرابته يعطف على الصغير و يحنو على الكبير فأكرم به راعي رعية و إمام قوم وجبت لله به الحجة و بلغت به الموعظة و لا تعشوا عن نور الحق و لا تسكعوا في وهدة الباطل فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله و نصرته و الله يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده و القلة في عشيرته و ها أنا قد لبست للحرب لأمتها و ادرعت لها بدرعها من لم يقتل يمت و من يهرب لم يفت فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب. فتكلمت بنو حنظلة فقالوا أبا خالد نحن نبل كنانتك و فرسان عشيرتك إن رميت بنا أصبت و إن غزوت بنا فتحت لا تخوض و الله غمرة إلا خضناها و لا تلقى و الله شدة إلا لقيناها ننصرك بأسيافنا و نقيك بأبداننا إذا شئت. و تكلمت بنو سعد بن زيد فقالوا أبا خالد إن أبغض الأشياء إلينا خلافك و الخروج من رأيك و قد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا و بقي عزنا فينا فأمهلنا نراجع المشورة و يأتيك رأينا. و تكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا يا أبا خالد نحن بنو أبيك و حلفاؤك لا نرضى إن غضبت و لا نقطن إن ظعنت و الأمر إليك فادعنا نجبك و مرنا نطعك و الأمر لك إذا شئت. فقال و الله يا بني سعد لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا و لا زال سيفكم فيكم. ثم كتب إلى الحسين (صلوات الله عليه) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أما بعد فقد وصل إلي كتابك و فهمت ما ندبتني إليه و دعوتني له من الأخذ بحظي من طاعتك و الفوز بنصيبي من نصرتك و إن الله لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة و أنتم حجة الله على خلقه و وديعته في أرضه تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها و أنتم فرعها فأقدم سعدت بأسعد طائر فقد ذللت لك أعناق بني تميم و تركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها و قد ذللت لك رقاب بني سعد و غسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استحل برقها فلمع. فلما قرأ الحسين الكتاب قال ما لك آمنك الله يوم الخوف و أعزك و أرواك يوم العطش. فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين(عليه السلام)بلغه قتله قبل أن يسير فجزع من انقطاعه عنه. و أما المنذر بن جارود فإنه جاء بالكتاب و الرسول إلى عبيد الله بن زياد لأن المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله و كانت بحرية بنت المنذر بن جارود تحت عبيد الله بن زياد فأخذ عبيد الله الرسول فصلبه ثم صعد المنبر فخطب و توعد أهل البصرة على الخلاف و إثارة الإرجاف ثم بات تلك الليلة فلما أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد و أسرع هو إلى قصد الكوفة. وَ قَالَ ابْنُ نَمَا كَتَبَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)كِتَاباً إِلَى وُجُوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْهُمُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ وَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ وَ يَزِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْشَلِيُّ وَ بَعَثَ الْكِتَابَ مَعَ زَرَّاعٍ السَّدُوسِيِّ وَ قِيلَ مَعَ سُلَيْمَانَ الْمُكَنَّى بِأَبِي رَزِينٍ فِيهِ إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى نَبِيِّهِ فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ أُمِيتَتْ فَإِنْ تُجِيبُوا دَعْوَتِي وَ تُطِيعُوا أَمْرِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ فَكَتَبَ الْأَحْنَفُ إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ثم ذكر أمر الرجلين مثل ما ذكره السيد رحمهما الله إلى أن قال. فلما أشرف على الكوفة نزل حتى أمسى ليلا فظن أهلها أنه الحسين(عليه السلام)و دخلها مما يلي النجف فقالت امرأة الله أكبر ابن رسول الله و رب الكعبة فتصايح الناس قالوا إنا معك أكثر من أربعين ألفا و ازدحموا عليه حتى أخذوا بذنب دابته و ظنهم أنه الحسين فحسر اللثام و قال أنا عبيد الله فتساقط القوم و وطئ بعضهم بعضا و دخل دار الإمارة و عليه عمامة سوداء. فلما أصبح قام خاطبا و عليهم عاتبا و لرؤسائهم مؤنبا و وعدهم بالإحسان على لزوم طاعته و بالإساءة على معصيته و الخروج عن حوزته ثم قال يا أهل الكوفة إن أمير المؤمنين يزيد ولاني بلدكم و استعملني على مصركم و أمرني بقسمة فيئكم بينكم و إنصاف مظلومكم من ظالمكم و أخذ الحق لضعيفكم من قويكم و الإحسان للسامع المطيع و التشديد على المريب فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي ليتقي غضبي و نزل يعني بالهاشمي مسلم بن عقيل رضي الله عنه. و قال المفيد و أقبل ابن زياد إلى الكوفة و معه مسلم بن عمرو الباهلي و شريك بن الأعور الحارثي و حشمه و أهل بيته حتى دخل الكوفة و عليه عمامة سوداء و هو متلثم و الناس قد بلغهم إقبال الحسين(عليه السلام)إليهم فهم ينتظرون قدومه فظنوا حين رأوا عبيد الله أنه الحسين(عليه السلام)فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه و قالوا مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا تأخروا هذا الأمير عبيد الله بن زياد. و سار حتى وافى القصر بالليل و معه جماعة قد التفوا به لا يشكون أنه الحسين(عليه السلام)فأغلق النعمان بن بشير عليه و على خاصته فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب فاطلع عليه النعمان و هو يظنه الحسين فقال أنشدك الله إلا تنحيت و الله ما أنا بمسلم إليك أمانتي و ما لي في قتالك من إرب فجعل لا يكلمه ثم إنه دنا و تدلى النعمان من شرف القصر فجعل يكلمه فقال افتح لا فتحت فقد طال ليلك و سمعها إنسان خلفه فنكص إلى القوم الذين اتبعوه من أهل الكوفة على أنه الحسين(عليه السلام)فقال يا قوم ابن مرجانة و الذي لا إله غيره ففتح له النعمان فدخل و ضربوا الباب في وجوه الناس و انفضوا. و أصبح فنادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أمير المؤمنين يزيد ولاني مصركم و ثغركم و فيئكم و أمرني بإنصاف مظلومكم و إعطاء محرومكم و الإحسان إلى سامعكم و مطيعكم كالوالد البر و سوطي و سيفي على من ترك أمري و خالف عهدي فليتق امرؤ على نفسه الصدق ينبئ عنك لا الوعيد ثم نزل. و أخذ العرفاء بالناس أخذا شديدا فقال اكتبوا إلى العرفاء و من فيكم من طلبة أمير المؤمنين و من فيكم من أهل الحرورية و أهل الريب الذين شأنهم الخلاف و النفاق و الشقاق فمن يجيء لنا بهم فبرئ و من لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا من في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف و لا يبغي علينا باغ فمن لم يفعل برئت منه الذمة و حلال لنا دمه و ماله و أيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره و ألغيت تلك العرافة من العطاء. و لما سمع مسلم بن عقيل (رحمه الله) مجيء عبيد الله إلى الكوفة و مقالته التي قالها و ما أخذ به العرفاء و الناس خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة فدخلها فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستر و استخفاء من عبيد الله و تواصوا بالكتمان فدعا ابن زياد مولى له يقال له معقل فقال خذ ثلاثة آلاف درهم و اطلب مسلم بن عقيل و التمس أصحابه فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم و قل لهم استعينوا بها على حرب عدوكم و أعلمهم أنك منهم فإنك لو قد أعطيتهم إياها لقد اطمأنوا إليك و وثقوا بك و لم يكتموك شيئا من أمورهم و أخبارهم ثم اغد عليهم و رح حتى تعرف مستقر مسلم بن عقيل و تدخل عليه. ففعل ذلك و جاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم و هو يصلي فسمع قوما يقولون هذا يبايع للحسين فجاء و جلس إلى جنبه حتى فرغ من صلاته ثم قال يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل البيت و حب من أحبهم و تباكى له و قال معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه و لا أعرف مكانه فإني لجالس في المسجد الآن إذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون هذا رجل له علم بأهل هذا البيت و إني أتيتك لتقبض مني هذا المال و تدخلني على صاحبك فإني أخ من إخوانك و ثقة عليك و إن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه. فقال له ابن عوسجة أحمد الله على لقائك إياي فقد سرني ذلك لتنال الذي تحب و لينصرن الله بك أهل بيت نبيه عليه و (عليهم السلام) و لقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يتم مخافة هذه الطاغية و سطوته فقال له معقل لا يكون إلا خيرا خذ البيعة علي فأخذ بيعته و أخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن و ليكتمن فأعطاه من ذلك ما رضي به ثم قال له اختلف إلي أياما في منزلي فإني طالب لك الإذن على صاحبك و أخذ يختلف مع الناس فطلب له الإذن فأذن له و أخذ مسلم بن عقيل بيعته و أمر أبا ثمامة الصائدي بقبض المال منه و هو الذي كان يقبض أموالهم و ما يعين به بعضهم بعضا و يشتري لهم به السلاح و كان بصيرا و فارسا من فرسان العرب و وجوه الشيعة و أقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو أول داخل و آخر خارج حتى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم فكان يخبره به وقتا فوقتا. وَ قَالَ ابْنُ شَهْرَآشُوبَ لَمَّا دَخَلَ مُسْلِمٌ الْكُوفَةَ سَكَنَ فِي دَارِ سَالِمِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَبَايَعَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ فَلَمَّا دَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ انْتَقَلَ مِنْ دَارِ سَالِمٍ إِلَى دَارِ هَانِئٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَ دَخَلَ فِي أَمَانِهِ وَ كَانَ يُبَايِعُهُ النَّاسُ حَتَّى بَايَعَهُ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفَ رَجُلٍ فَعَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَالَ هَانِئٌ لَا تَعْجَلْ وَ كَانَ شَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْهَمْدَانِيُّ جَاءَ مِنَ الْبَصْرَةِ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَمَرِضَ فَنَزَلَ دَارَ هَانِئٍ أَيَّاماً ثُمَّ قَالَ لِمُسْلِمٍ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ يَعُودُنِي وَ إِنِّي مُطَاوِلُهُ الْحَدِيثَ فَاخْرُجْ إِلَيْهِ بِسَيْفِكَ فَاقْتُلْهُ وَ عَلَامَتُكَ أَنْ أَقُولَ اسْقُونِي مَاءً وَ نَهَاهُ هَانِئٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَمَّا دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى شَرِيكٍ وَ سَأَلَهُ عَنْ وَجَعِهِ وَ طَالَ سُؤَالُهُ وَ رَأَى أَنَّ أَحَداً لَا يَخْرُجُ فَخَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ فَأَخَذَ يَقُولُ. شِعْرَ مَا الِانْتِظَارُ بِسَلْمَى أَنْ تُحَيِّيَهَا كَأْسَ الْمَنِيَّةِ بِالتَّعْجِيلِ اسْقُوهَا. فَتَوَهَّمَ ابْنُ زِيَادٍ وَ خَرَجَ فَلَمَّا دَخَلَ الْقَصْرَ أَتَاهُ مَالِكُ بْنُ يَرْبُوعٍ التَّمِيمِيُّ بِكِتَابٍ أَخَذَهُ مِنْ يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَقْطُرَ فَإِذَا فِيهِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(عليه السلام)أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَكَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَذَا فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مَعَكَ وَ لَيْسَ لَهُمْ فِي يَزِيدَ رَأْيٌ وَ لَا هَوًى فَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ بِقَتْلِهِ. وَ قَالَ ابْنُ نَمَا فَلَمَّا خَرَجَ ابْنُ زِيَادٍ دَخَلَ مُسْلِمٌ وَ السَّيْفُ فِي كَفِّهِ قَالَ لَهُ شَرِيكٌ مَا مَنَعَكَ مِنَ الْأَمْرِ قَالَ مُسْلِمٌ هَمَمْتُ بِالْخُرُوجِ فَتَعَلَّقَتْ بِيَ امْرَأَةٌ وَ قَالَتْ نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِنْ قَتَلْتَ ابْنَ زِيَادٍ فِي دَارِنَا وَ بَكَتْ فِي وَجْهِي فَرَمَيْتُ السَّيْفَ وَ جَلَسْتُ قَالَ هَانِئٌ يَا وَيْلَهَا قَتَلَتْنِي وَ قَتَلَتْ نَفْسَهَا وَ الَّذِي فَرَرْتُ مِنْهُ وَقَعْتُ فِيهِ. وَ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمَقَاتِلِ قَالَ هَانِئٌ لِمُسْلِمٍ إِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِي قَالَ فَلَمَّا خَرَجَ مُسْلِمٌ قَالَ لَهُ شَرِيكٌ مَا مَنَعَكَ مِنْ قَتْلِهِ قَالَ خَصْلَتَانِ أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَكَرَاهِيَةُ هَانِئٍ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِهِ وَ أَمَّا الْأُخْرَى فَحَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّ الْإِيمَانَ قَيَّدَ الْفَتْكَ فَلَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ قَتَلْتَهُ لَقَتَلْتَ فَاسِقاً فَاجِراً كَافِراً. ثم قال المفيد و خاف هانئ بن عروة عبيد الله على نفسه فانقطع عن حضور مجلسه و تمارض فقال ابن زياد لجلسائه ما لي لا أرى هانئا فقالوا هو شاك فقال لو علمت بمرضه لعدته و دعا محمد بن الأشعث و أسماء بن خارجة و عمرو بن الحجاج الزبيدي و كانت رويحة بنت عمرو تحت هانئ بن عروة و هي أم يحيى بن هانئ فقال لهم ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا فقالوا ما ندري و قد قيل إنه يشتكي قال قد بلغني أنه قد برئ و هو يجلس على باب داره فألقوه و مروه أن لا يدع ما عليه من حقنا فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. فأتوه حتى وقفوا عليه عشية و هو جالس على بابه و قالوا له ما يمنعك من لقاء الأمير فإنه قد ذكرك و قال لو أعلم أنه شاك لعدته فقال لهم الشكوى تمنعني فقالوا قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك و قد استبطأك و الإبطاء و الجفاء لا يحتمل السلطان أقسمنا عليك لما ركبت معنا فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلته فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض الذي كان فقال لحسان بن أسماء بن خارجة يا ابن الأخ إني و الله لهذا الرجل لخائف فما ترى فقال يا عم و الله ما أتخوف عليك شيئا و لم تجعل على نفسك سبيلا و لم يكن حسان يعلم في أي شيء بعث إليه عبيد الله. فجاء هانئ حتى دخل على عبيد الله بن زياد و عنده القوم فلما طلع قال عبيد الله أتتك بحائن رجلاه. فلما دنا من ابن زياد و عنده شريح القاضي التفت نحوه فقال. أريد حباءه و يريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد. و قد كان أول ما قدم مكرما له ملطفا فقال له هانئ و ما ذاك أيها الأمير قال إيه يا هانئ بن عروة ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين و عامة المسلمين جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك و جمعت له الجموع و السلاح و الرجال في الدور حولك و ظننت أن ذلك يخفى علي قال ما فعلت ذلك و ما مسلم عندي قال بلى قد فعلت فلما كثر بينهما و أبى هانئ إلا مجاحدته و مناكرته دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فجاء حتى وفق بين يديه و قال أ تعرف هذا قال نعم و علم هانئ عند ذلك أنه كان عينا عليهم و أنه قد أتاه بأخبارهم فأسقط في يده ساعة. ثم راجعته نفسه فقال اسمع مني و صدق مقاتلي فو الله ما كذبت و الله ما دعوته إلى منزلي و لا علمت بشيء من أمره حتى جاءني يسألني النزول فاستحييت من رده و داخلني من ذلك ذمام فضيفته و آويته و قد كان من أمره ما بلغك فإن شئت أن أعطيك الآن موثقا مغلظا أن لا أبغيك سوءا و لا غائلة و لآتينك حتى أضع يدي في يدك و إن شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك و أنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فأخرج من ذمامه و جواره. فقال له ابن زياد و الله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال لا و الله لا أجيئك به أبدا أجيئك بضيفي تقتله قال و الله لتأتيني به قال و الله لا آتيك به فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي و ليس بالكوفة شامي و لا بصري غيره فقال أصلح الله الأمير خلني و إياه حتى أكلمه فقام فخلا به ناحية من ابن زياد و هما منه بحيث يراهما فإذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان. فقال له مسلم يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك و أن تدخل البلاء في عشيرتك فو الله إني لأنفس بك عن القتل إن هذا ابن عم القوم و ليسوا قاتليه و لا ضائريه فادفعه إليهم فإنه ليس عليك بذلك مخزاة و لا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان فقال هانئ و الله إن علي في ذلك الخزي و العار أن أدفع جاري و ضيفي و أنا حي صحيح أسمع و أرى شديد الساعد كثير الأعوان و الله لو لم يكن لي إلا واحد ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه فأخذ يناشده و هو يقول و الله لا أدفعه إليه أبدا. فسمع ابن زياد لعنه الله ذلك فقال ادنوه مني فأدنوه منه فقال و الله لتأتيني به أو لأضربن عنقك فقال هانئ إذا و الله تكثر البارقة حول دارك فقال ابن زياد وا لهفاه عليك أ بالبارقة تخوفني و هو يظن أن عشيرته سيمنعونه ثم قال ادنوه مني فأدني منه فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه و جبينه و خده حتى كسر أنفه و سال الدماء على وجهه و لحيته و نثر لحم جبينه و خده على لحيته حتى كسر القضيب و ضرب هانئ يده على قائم سيف شرطي و جاذبه الرجل و منعه. فقال عبيد الله أ حروريّ سائر اليوم قد حل دمك جروه فجروه فألقوه في بيت من بيوت الدار و أغلقوا عليه بابه فقال اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام إليه حسان بن أسماء فقال أرسل غدر سائر اليوم أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به هشمت أنفه و وجهه و سيلت دماءه على لحيته و زعمت أنك تقتله فقال له عبيد الله و إنك لهاهنا فأمر به فلهز و تعتع و أجلس ناحية فقال محمد بن الأشعث قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا إنما الأمير مؤدب. و بلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر و معه جمع عظيم و قال أنا عمرو بن الحجاج و هذه فرسان مذحج و وجوهها لم نخلع و لم نفارق جماعة و قد بلغهم أن صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيد الله بن زياد و هذه فرسان مذحج بالباب فقال لشريح القاضي ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم أخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل فدخل شريح فنظر إليه فقال هانئ لما رأى شريحا يا لله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي أين أهل الدين أين أهل المصر و الدماء تسيل على لحيته إذ سمع الضجة على باب القصر فقال إني لأظنها أصوات مذحج و شيعتي من المسلمين إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني. فلما سمع كلامه شريح خرج إليهم فقال لهم إن الأمير لما بلغه كلامكم و مقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم و أعرفكم أنه حي و أن الذي بلغكم من قتله باطل فقال له عمرو بن الحجاج و أصحابه أما إذ لم يقتل فالحمد لله ثم انصرفوا. فخرج عبيد الله بن زياد فصعد المنبر و معه أشراف الناس و شرطه و حشمه فقال أما بعد أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله و طاعة أئمتكم و لا تفرقوا فتهلكوا و تذلوا و تقتلوا و تجفوا و تحرموا إن أخاك من صدقك و قد أعذر من أنذر و السلام ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل باب التمارين يشتدون و يقولون قد جاء ابن عقيل فدخل عبيد الله القصر مسرعا و أغلق أبوابه فقال عبد الله بن حازم أنا و الله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر ما فعل هانئ فلما ضرب و حبس ركبت فرسي فكنت أول داخل الدار على مسلم بن عقيل بالخبر و إذا نسوة …
بحار الأنوار — كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع) · ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته (صلوات الله عليه) و لعنة الله على ظالميه و قاتليه و الراضين بقتله و المؤازرين عليه