انْصَرَفْتَ فَوَ اللَّهِ مَا تَقْدَمُ إِلَّا عَلَى الْأَسِنَّةِ وَ حَدِّ السُّيُوفِ وَ إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَعَثُوا إِلَيْكَ لَوْ كَانُوا كَفَوْكَ مَئُونَةَ الْقِتَالِ وَ وَطَّئُوا لَكَ الْأَشْيَاءَ فَقَدِمْتَ عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ رَأْياً فَأَمَّا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي تَذْكُرُ فَإِنِّي لَا أَرَى لَكَ أَنْ تَفْعَلَ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَيْسَ يَخْفَى عَلَيَّ الرَّأْيُ وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُغْلَبُ عَلَى أَمْرِهِ. ثُمَّ قَالَ(عليه السلام)وَ اللَّهِ لَا يَدَعُونَنِي حَتَّى يَسْتَخْرِجُوا هَذِهِ الْعَلَقَةَ مِنْ جَوْفِي فَإِذَا فَعَلُوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ حَتَّى يَكُونُوا أَذَلَّ فِرَقِ الْأُمَمِ ثُمَّ سَارَ(عليه السلام)مِنْ بَطْنِ الْعَقَبَةِ حَتَّى نَزَلَ شَرَافَ فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ أَمَرَ فِتْيَانَهُ فَاسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ وَ أَكْثَرُوا ثُمَّ سَارَ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إِذْ كَبَّرَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)اللَّهُ أَكْبَرُ لِمَ كَبَّرْتَ فَقَالَ رَأَيْتُ النَّخْلَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَحِبَهُ وَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْمَكَانَ مَا رَأَيْنَا فِيهِ نَخْلَةً قَطُّ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)فَمَا تَرَوْنَهُ قَالُوا وَ اللَّهِ نَرَاهُ أَسِنَّةَ الرِّمَاحِ وَ آذَانَ الْخَيْلِ فَقَالَ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَرَى ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ(عليه السلام)مَا لَنَا مَلْجَأٌ نَلْجَأُ إِلَيْهِ وَ نَجْعَلُهُ فِي ظُهُورِنَا وَ نَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ فَقُلْنَا لَهُ بَلَى هَذَا ذُو جَشَمٍ إِلَى جَنْبِكَ فَمِلْ إِلَيْهِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِنْ سَبَقْتَ إِلَيْهِ فَهُوَ كَمَا تُرِيدُ فَأَخَذَ إِلَيْهِ ذَاتَ الْيَسَارِ وَ مِلْنَا مَعَهُ فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ طَلَعَتْ عَلَيْنَا هَوَادِي الْخَيْلِ فَتَبَيَّنَّاهَا وَ عَدَلْنَا فَلَمَّا رَأَوْنَا عَدَلْنَا عَنِ الطَّرِيقِ عَدَلُوا إِلَيْنَا كَأَنَّ أَسِنَّتَهُمُ الْيَعَاسِيبُ وَ كَأَنَّ رَايَاتِهِمْ أَجْنِحَةُ الطَّيْرِ فَاسْتَبَقْنَا إِلَى ذِي جَشَمٍ فَسَبَقْنَاهُمْ إِلَيْهِ وَ أَمَرَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)بِأَبْنِيَتِهِ فَضُرِبَتْ وَ جَاءَ الْقَوْمُ زُهَاءَ أَلْفِ فَارِسٍ مَعَ الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ التَّمِيمِيِّ حَتَّى وَقَفَ هُوَ وَ خَيْلُهُ مُقَابِلَ الْحُسَيْنِ فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ وَ الْحُسَيْنُ وَ أَصْحَابُهُ مُعْتَمُّونَ مُتَقَلِّدُونَ أَسْيَافَهُمْ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)لِفِتْيَانِهِ اسْقُوا الْقَوْمَ وَ أَرْوُوهُمْ مِنَ الْمَاءِ وَ رَشِّفُوا الْخَيْلَ تَرْشِيفاً فَفَعَلُوا وَ أَقْبَلُوا يَمْلَئُونَ الْقِصَاعَ وَ الطِّسَاسَ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ يُدنُونَهَا مِنَ الْفَرَسِ فَإِذَا عَبَّ فِيهَا ثَلَاثاً أَوْ أَرْبَعاً أَوْ خَمْساً عُزِلَتْ عَنْهُ وَ سُقِيَ آخَرُ حَتَّى سَقَوْهَا عَنْ آخِرِهَا. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الطَّعَّانِ الْمُحَارِبِيُّ كُنْتُ مَعَ الْحُرِّ يَوْمَئِذٍ فَجِئْتُ فِي آخِرِ مَنْ جَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا رَأَى الْحُسَيْنُ(عليه السلام)مَا بِي وَ بِفَرَسِي مِنَ الْعَطَشِ قَالَ أَنِخِ الرَّاوِيَةَ وَ الرَّاوِيَةُ عِنْدِي السِّقَاءُ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ الْأَخِ أَنِخِ الْجَمَلَ فَأَنَخْتُهُ فَقَالَ اشْرَبْ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا شَرِبْتُ سَالَ الْمَاءُ مِنَ السِّقَاءِ فَقَالَ الْحُسَيْنُ اخْنِثِ السِّقَاءَ أَيْ اعْطِفْهُ فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ أَفْعَلُ فَقَامَ فَخَنَثَهُ فَشَرِبْتُ وَ سَقَيْتُ فَرَسِي. وَ كَانَ مَجِيءُ الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ وَ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بَعَثَ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ الْقَادِسِيَّةَ وَ تَقَدَّمَ الْحُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَلْفِ فَارِسٍ يَسْتَقْبِلُ بِهِمُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)فَلَمْ يَزَلِ الْحُرُّ مُوَافِقاً لِلْحُسَيْنِ(عليه السلام)حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ فَأَمَرَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)الْحَجَّاجَ بْنَ مَسْرُوقٍ أَنْ يُؤَذِّنَ. فَلَمَّا حَضَرَتِ الْإِقَامَةُ خَرَجَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)فِي إِزَارٍ وَ رِدَاءٍ وَ نَعْلَيْنِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ وَ قَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ أَنِ اقْدَمْ عَلَيْنَا فَلَيْسَ لَنَا إِمَامٌ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنَا وَ إِيَّاكُمْ عَلَى الْهُدَى وَ الْحَقِّ فَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ جِئْتُكُمْ فَأَعْطُونِي مَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ عُهُودِكُمْ وَ مَوَاثِيقِكُمْ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ كُنْتُمْ لِمَقْدَمِي كَارِهِينَ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جِئْتُ مِنْهُ إِلَيْكُمْ. فَسَكَتُوا عَنْهُ وَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا كَلِمَةً فَقَالَ لِلْمُؤَذِّنِ أَقِمْ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَقَالَ لِلْحُرِّ أَ تُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ بِأَصْحَابِكَ فَقَالَ الْحُرُّ لَا بَلْ تُصَلِّي أَنْتَ وَ نُصَلِّي بِصَلَاتِكَ فَصَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)ثُمَّ دَخَلَ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَ انْصَرَفَ الْحُرُّ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَدَخَلَ خَيْمَةً قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ عَادَ الْبَاقُونَ إِلَى صَفِّهِمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ ثُمَّ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِعِنَانِ فَرَسِهِ وَ جَلَسَ فِي ظِلِّهَا. فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَمَرَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)أَنْ يَتَهَيَّئُوا لِلرَّحِيلِ فَفَعَلُوا ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى بِالْعَصْرِ وَ أَقَامَ فَاسْتَقْدَمَ الْحُسَيْنُ وَ قَامَ فَصَلَّى بِالْقَوْمِ ثُمَّ سَلَّمَ وَ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّكُمْ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وَ تَعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ يَكُنْ أَرْضَى لِلَّهِ عَنْكُمْ وَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِوَلَايَةِ هَذَا الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ وَ السَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَ الْعُدْوَانِ فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْكَرَاهَةَ لَنَا وَ الْجَهْلَ بِحَقِّنَا وَ كَانَ رَأْيُكُمُ الْآنَ غَيْرَ مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ وَ قَدِمَتْ عَلَيَّ بِهِ رُسُلُكُمْ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ. فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ أَنَا وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هَذِهِ الْكُتُبُ وَ الرُّسُلُ الَّتِي تَذْكُرُ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ يَا عُقْبَةَ بْنَ سِمْعَانَ أَخْرِجِ الْخُرْجَيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا كُتُبُهُمْ إِلَيَّ فَأَخْرَجَ خُرْجَيْنِ مَمْلُوءَيْنِ صُحُفاً فَنُثِرَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ لَسْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبُوا إِلَيْكَ وَ قَدْ أُمِرْنَا أَنَّا إِذَا لَقِينَاكَ لَا نُفَارِقُكَ حَتَّى نُقَدِّمَكَ الْكُوفَةَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)الْمَوْتُ أَدْنَى إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فَقُومُوا فَارْكَبُوا فَرَكِبُوا وَ انْتَظَرَ حَتَّى رَكِبَتْ نِسَاؤُهُ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ انْصَرِفُوا فَلَمَّا ذَهَبُوا لِيَنْصَرِفُوا حَالَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الِانْصِرَافِ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)لِلْحُرِّ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مَا تُرِيدُ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ أَمَّا لَوْ غَيْرُكَ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُهَا لِي وَ هُوَ عَلَى مِثْلِ الْحَالِ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا مَا تَرَكْتُ ذِكْرَ أُمِّهِ بِالثُّكْلِ كَائِناً مَنْ كَانَ وَ لَكِنْ وَ اللَّهِ مَا لِي مِنْ ذِكْرِ أُمِّكَ مِنْ سَبِيلٍ إِلَّا بِأَحْسَنِ مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)فَمَا تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أَنْطَلِقَ بِكَ إِلَى الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ إِذاً وَ اللَّهِ لَا أَتَّبِعُكَ فَقَالَ إِذاً وَ اللَّهِ لَا أَدَعُكَ فَتَرَادَّا الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا قَالَ لَهُ الْحُرُّ إِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِكَ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ لَا أُفَارِقَكَ حَتَّى أُقَدِّمَكَ الْكُوفَةَ فَإِذْ أَبَيْتَ فَخُذْ طَرِيقاً لَا يُدْخِلُكَ الْكُوفَةَ وَ لَا يَرُدُّكَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَكُونُ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ نَصَفاً حَتَّى أَكْتُبَ إِلَى الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي الْعَافِيَةَ مِنْ أَنْ أَبْتَلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ فَخُذْ هَاهُنَا. فَتَيَاسَرَ عَنْ طَرِيقِ الْعُذَيْبِ وَ الْقَادِسِيَّةِ وَ سَارَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)وَ سَارَ الْحُرُّ فِي أَصْحَابِهِ يُسَايِرُهُ وَ هُوَ يَقُولُ لَهُ يَا حُسَيْنُ إِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي أَشْهَدُ لَئِنْ قَاتَلْتَ لَتُقْتَلَنَّ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)أَ فَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي وَ هَلْ يَعْدُو بِكُمُ الْخَطْبُ أَنْ تَقْتُلُونِي وَ سَأَقُولُ كَمَا قَالَ أَخُو الْأَوْسِ لِابْنِ عَمِّهِ وَ هُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَخَوَّفَهُ ابْنُ عَمِّهِ وَ قَالَ أَيْنَ تَذْهَبُ فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ فَقَالَ... ثُمَّ قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)عَلَى أَصْحَابِهِ وَ قَالَ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِ الْجَادَّةِ فَقَالَ الطِّرِمَّاحُ نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا أَخْبُرُ الطَّرِيقَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)سِرْ بَيْنَ أَيْدِينَا فَسَارَ الطِّرِمَّاحُ وَ اتَّبَعَهُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)وَ أَصْحَابُهُ وَ جَعَلَ الطِّرِمَّاحُ يَرْتَجِزُ وَ يَقُولُ.. وَ قَالَ الْمُفِيدُ (رحمه الله) فَلَمَّا سَمِعَ الْحُرُّ ذَلِكَ تَنَحَّى عَنْهُ وَ كَانَ يَسِيرُ بِأَصْحَابِهِ نَاحِيَةً وَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)فِي نَاحِيَةٍ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى عُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ ثُمَّ مَضَى الْحُسَيْنُ (عليه السلام) حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ فَنَزَلَ بِهِ وَ إِذَا هُوَ بِفُسْطَاطٍ مَضْرُوبٍ فَقَالَ لِمَنْ هَذَا فَقِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ الْجُعْفِيِّ قَالَ ادْعُوهُ إِلَيَّ فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ قَالَ لَهُ هَذَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(عليه السلام)يَدْعُوكَ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ اللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَدْخُلَهَا الْحُسَيْنُ وَ أَنَا فِيهَا وَ اللَّهِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَرَاهُ وَ لَا يَرَانِي. فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ وَ جَلَسَ ثُمَّ دَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُرِّ تِلْكَ الْمَقَالَةَ وَ اسْتَقَالَهُ مِمَّا دَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَنْصُرُنَا فَاتَّقِ اللَّهَ أَنْ لَا تَكُونَ مِمَّنْ يُقَاتِلُنَا فَوَ اللَّهِ لَا يَسْمَعُ وَاعِيَتَنَا أَحَدٌ ثُمَّ لَا يَنْصُرُنَا إِلَّا هَلَكَ فَقَالَ لَهُ أَمَّا هَذَا فَلَا يَكُونُ أَبَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ قَامَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى دَخَلَ رَحْلَهُ وَ لَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلَةِ أَمَرَ فِتْيَانَهُ بِالاسْتِقَاءِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ فَارْتَحَلَ مِنْ قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ. فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ سِمْعَانَ فَسِرْنَا مَعَهُ سَاعَةً فَخَفَقَ(عليه السلام)وَ هُوَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ خَفْقَةً ثُمَّ انْتَبَهَ وَ هُوَ يَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ مِمَّ حَمِدْتَ اللَّهَ وَ اسْتَرْجَعْتَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي خَفَقْتُ خَفْقَةً فَعَنَّ لِي فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ وَ هُوَ يَقُولُ الْقَوْمُ يَسِيرُونَ وَ الْمَنَايَا تَسِيرُ إِلَيْهِمْ فَعَلِمْتُ أَنَّهَا أَنْفُسُنَا نُعِيَتْ إِلَيْنَا فَقَالَ لَهُ يَا أَبَتِ لَا أَرَاكَ اللَّهُ سُوءاً أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ قَالَ بَلَى وَ اللَّهِ الَّذِي مَرْجِعُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ فَقَالَ فَإِنَّنَا إِذاً مَا نُبَالِي أَنْ نَمُوتَ مُحِقِّينَ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ خَيْرَ مَا جَزَى وَلَداً عَنْ وَالِدِهِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ نَزَلَ وَ صَلَّى بِهِمُ الْغَدَاةَ ثُمَّ عَجَّلَ الرُّكُوبَ وَ أَخَذَ يَتَيَاسَرُ بِأَصْحَابِهِ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ فَيَأْتِيهِ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ فَيَرُدُّهُ وَ أَصْحَابَهُ فَجَعَلَ إِذَا رَدَّهُمْ نَحْوَ الْكُوفَةِ رَدّاً شَدِيداً امْتَنَعُوا عَلَيْهِ فَارْتَفَعُوا فَلَمْ يَزَالُوا يَتَسَايَرُونَ كَذَلِكَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى نَيْنَوَى بِالْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)فَإِذَا رَاكِبٌ عَلَى نَجِيبٍ لَهُ عَلَيْهِ سِلَاحٌ مُتَنَكِّباً قَوْساً مُقْبِلًا مِنَ الْكُوفَةِ فَوَقَفُوا جَمِيعاً يَنْتَظِرُونَهُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَى الْحُرِّ وَ أَصْحَابِهِ وَ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى الْحُسَيْنِ وَ أَصْحَابِهِ وَ دَفَعَ إِلَى الْحُرِّ كِتَاباً مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَجَعْجِعْ بِالْحُسَيْنِ حِينَ بَلَغَكَ كِتَابِي هَذَا وَ يَقْدَمُ عَلَيْكَ رَسُولِي وَ لَا تُنْزِلْهُ إِلَّا بِالْعَرَاءِ فِي غَيْرِ خُضْرٍ وَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ وَ قَدْ أَمَرْتُ رَسُولِي أَنْ يَلْزَمَكَ وَ لَا يُفَارِقَكَ حَتَّى يَأْتِيَنِي بِإِنْفَاذِكَ أَمْرِي وَ السَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ لَهُمُ الْحُرُّ هَذَا كِتَابُ الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَأْمُرُنِي أَنْ أُجَعْجِعَ بِكُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَأْتِينِي كِتَابُهُ وَ هَذَا رَسُولُهُ وَ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَنِي حَتَّى أُنْفِذَهُ أَمْرَهُ فِيكُمْ فَنَظَرَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْكِنْدِيُّ وَ كَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)إِلَى رَسُولِ ابْنِ زِيَادٍ فَعَرَفَهُ فَقَالَ لَهُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مَا ذَا جِئْتَ فِيهِ قَالَ أَطَعْتُ إِمَامِي وَ وَفَيْتُ بِبَيْعَتِي فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُهَاجِرِ بَلْ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَ أَطَعْتَ إِمَامَكَ فِي هَلَاكِ نَفْسِكَ وَ كُسِيتَ الْعَارَ وَ النَّارَ وَ بِئْسَ الْإِمَامُ إِمَامُكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ فَإِمَامُكَ مِنْهُمْ وَ أَخَذَهُمُ الْحُرُّ بِالنُّزُولِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ وَ لَا فِي قَرْيَةٍ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)دَعْنَا وَيْحَكَ نَنْزِلْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَوْ هَذِهِ يَعْنِي نَيْنَوَى وَ الْغَاضِرِيَّةَ أَوْ هَذِهِ يَعْنِي شُفَيَّةَ قَالَ لَا وَ اللَّهِ مَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ هَذَا رَجُلٌ قَدْ بَعَثَ إِلَيَّ عَيْناً عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ إِنِّي وَ اللَّهِ لَا أَرَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الَّذِي تَرَوْنَ إِلَّا أَشَدَّ مِمَّا تَرَوْنَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ قِتَالَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ السَّاعَةَ أَهْوَنُ عَلَيْنَا مِنْ قِتَالِ مَنْ يَأْتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ فَلَعَمْرِي لَيَأْتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)مَا كُنْتُ لِأَبْدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نَزَلَ وَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَ سِتِّينَ. وَ قَالَ السَّيِّدُ (رحمه الله) فَقَامَ الْحُسَيْنُ خَطِيباً فِي أَصْحَابِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ تَرَوْنَ وَ إِنَّ الدُّنْيَا تَغَيَّرَتْ وَ تَنَكَّرَتْ وَ أَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا وَ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ وَ خَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَ إِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ رَبِّهِ حَقّاً حَقّاً فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَ الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً. فَقَامَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ فَقَالَ قَدْ سَمِعْنَا هَدَاكَ اللَّهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَقَالَتَكَ وَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا لَنَا بَاقِيَةً وَ كُنَّا فِيهَا مُخَلَّدِينَ لَآثَرْنَا النُّهُوضَ مَعَكَ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهَا. قَالَ وَ وَثَبَ هِلَالُ بْنُ نَافِعٍ الْبَجَلِيُّ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا كَرِهْنَا لِقَاءَ رَبِّنَا وَ إِنَّا عَلَى نِيَّاتِنَا وَ بَصَائِرِنَا نُوَالِي مَنْ وَالاكَ وَ نُعَادِي مَنْ عَادَاكَ. قَالَ وَ قَامَ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ بِكَ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَيُقَطَّعَ فِيكَ أَعْضَاؤُنَا ثُمَّ يَكُونَ جَدُّكَ شَفِيعَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ(عليه السلام)رَكِبَ وَ سَارَ كُلَّمَا أَرَادَ الْمَسِيرَ يَمْنَعُونَهُ تَارَةً وَ يُسَايِرُونَهُ أُخْرَى حَتَّى بَلَغَ كَرْبَلَاءَ وَ كَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَ فِي الْمَنَاقِبِ فَقَالَ لَهُ زُهَيْرٌ فَسِرْ بِنَا حَتَّى نَنْزِلَ بِكَرْبَلَاءَ فَإِنَّهَا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ فَنَكُونَ هُنَالِكَ فَإِنْ قَاتَلُونَا قَاتَلْنَاهُمْ وَ اسْتَعَنَّا اللَّهَ عَلَيْهِمْ قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَا الْحُسَيْنِ(عليه السلام)ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَرْبِ وَ الْبَلَاءِ وَ نَزَلَ الْحُسَيْنُ فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَ نَزَلَ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ حِذَاءَهُ فِي أَلْفِ فَارِسٍ وَ دَعَا الْحُسَيْنُ بِدَوَاةٍ وَ بَيْضَاءَ وَ كَتَبَ إِلَى أَشْرَافِ الْكُوفَةِ مِمَّنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى رَأْيِهِ. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ- إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ وَ الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ- وَ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَالٍ وَ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَدْ قَالَ فِي حَيَاتِهِ- مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللَّهِ- نَاكِثاً لِعَهْدِ اللَّهِ مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ- يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ- ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرْ بِقَوْلٍ وَ لَا فِعْلٍ- كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ- وَ تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَ أَظْهَرُوا الْفَسَادَ- وَ عَطَّلُوا الْحُدُودَ وَ اسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ- وَ أَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَ حَرَّمُوا حَلَالَهُ- وَ إِنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ لِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ قَدْ أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ وَ قَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ- أَنَّكُمْ لَا تُسَلِّمُونِّي وَ لَا تَخْذُلُونِّي- فَإِنْ وَفَيْتُمْ لِي بِبَيْعَتِكُمْ فَقَدْ أُصِبْتُمْ حَظَّكُمْ وَ رُشْدَكُمْ- وَ نَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ وَ أَهْلِي- وَ وُلْدِي مَعَ أَهَالِيكُمْ وَ أَوْلَادِكُمْ فَلَكُمْ بِي أُسْوَةٌ- وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ نَقَضْتُمْ عُهُودَكُمْ وَ خَلَعْتُمْ بَيْعَتَكُمْ- فَلَعَمْرِي مَا هِيَ مِنْكُمْ بِنُكْرٍ لَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا بِأَبِي وَ أَخِي- وَ ابْنِ عَمِّي وَ الْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِكُمْ- فَحَظَّكُمْ أَخْطَأْتُمْ وَ نَصِيبَكُمْ ضَيَّعْتُمْ- فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ- وَ سَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ وَ السَّلَامُ. ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَ خَتَمَهُ وَ دَفَعَهُ إِلَى قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيِّ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ كَمَا مَرَّ ثُمَّ قَالَ وَ لَمَّا بَلَغَ الْحُسَيْنَ قَتْلُ قَيْسٍ اسْتَعْبَرَ بَاكِياً ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا وَ لِشِيعَتِنَا عِنْدَكَ مَنْزِلًا كَرِيماً وَ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ فِي مُسْتَقَرٍّ مِنْ رَحْمَتِكَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ فَوَثَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام)رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِهِ يُقَالُ لَهُ هِلَالُ بْنُ نَافِعٍ الْبَجَلِيُّ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ جَدَّكَ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُشْرِبَ النَّاسَ مَحَبَّتَهُ وَ لَا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى أَمْرِهِ مَا أَحَبَّ وَ قَدْ كَانَ مِنْهُمْ مُنَافِقُونَ يَعِدُونَهُ بِالنَّصْرِ وَ يُضْمِرُونَ لَهُ الْغَدْرَ يَلْقَوْنَهُ بِأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ يَخْلُفُونَهُ بِأَمَرَّ مِنَ الْحَنْظَلِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ أَنَّ أَبَاكَ عَلِيّاً رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ كَانَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَقَوْمٌ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى نَصْرِهِ وَ قَاتَلُوا مَعَهُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ حَتَّى أَتَاهُ أَجَلُهُ فَمَضَى إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَ رِضْوَانِهِ وَ أَنْتَ الْيَوْمَ عِنْدَنَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ فَمَنْ نَكَثَ عَهْدَهُ وَ خَلَعَ بَيْعَتَهُ فَلَنْ يَضُرَّ إِلَّا نَفْسَهُ وَ اللَّهُ مُغْنٍ عَنْهُ فَسِرْ بِنَا رَاشِداً مُعَافًى مُشَرِّقاً إِنْ شِئْتَ وَ إِنْ شِئْتَ مُغَرِّباً فَوَ اللَّهِ مَا أَشْفَقْنَا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ وَ لَا كَرِهْنَا لِقَاءَ رَبِّنَا وَ إِنَّا عَلَى نِيَّاتِنَا وَ بَصَائِرِنَا نُوَالِي مَنْ وَالاكَ وَ نُعَادِي مَنْ عَادَاكَ. ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ بِكَ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ بَيْنَ يَدَيْكَ تُقَطَّعُ فِيهِ أَعْضَاؤُنَا ثُمَّ يَكُونُ جَدُّكَ شَفِيعَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَيْدِينَا لَا أَفْلَحَ قَوْمٌ ضَيَّعُوا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ أُفٍّ لَهُمْ غَداً مَا ذَا يُلَاقُونَ يُنَادُونَ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ فَجَمَعَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)وُلْدَهُ وَ إِخْوَتَهُ وَ أَهْلَ بَيْتِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِمْ فَبَكَى سَاعَةً ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا عِتْرَةُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ وَ قَدْ أُخْرِجْنَا وَ طُرِدْنَا وَ أُزْعِجْنَا عَنْ حَرَمِ جَدِّنَا وَ تَعَدَّتْ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَيْنَا اللَّهُمَّ فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا وَ انْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قَالَ فَرَحَلَ مِنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى نَزَلَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ يَوْمِ الْخَمِيسِ بِكَرْبَلَاءَ وَ ذَلِكَ فِي الثَّانِي مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَ سِتِّينَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَ الدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ. ثُمَّ قَالَ أَ هَذِهِ كَرْبَلَاءُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ هَذَا مَوْضِعُ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ هَاهُنَا مُنَاخُ رِكَابِنَا وَ مَحَطُّ رِحَالِنَا وَ مَقْتَلُ رِجَالِنَا وَ مَسْفَكُ دِمَائِنَا قَالَ فَنَزَلَ الْقَوْمُ وَ أَقْبَلَ الْحُرُّ حَتَّى نَزَلَ حِذَاءَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)فِي أَلْفِ فَارِسٍ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ يُخْبِرُهُ بِنُزُولِ الْحُسَيْنِ بِكَرْبَلَاءَ. وَ كَتَبَ ابْنُ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه) أَمَّا بَعْدُ يَا حُسَيْنُ فَقَدْ بَلَغَنِي نُزُولُكَ بِكَرْبَلَاءَ وَ قَدْ كَتَبَ إِلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ أَنْ لَا أَتَوَسَّدَ الْوَثِيرَ وَ لَا أَشْبَعَ مِنَ الْخَمِيرِ أَوْ أُلْحِقَكَ بِاللَّطِيفِ الْخَبِيرِ أَوْ تَرْجِعَ إِلَى حُكْمِي وَ حُكْمِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَ السَّلَامُ. فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُهُ عَلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام)وَ قَرَأَهُ رَمَاهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَا أَفْلَحَ قَوْمٌ اشْتَرَوْا مَرْضَاةَ الْمَخْلُوقِ بِسَخَطِ الْخَالِقِ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ جَوَابُ الْكِتَابِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ مَا لَهُ عِنْدِي جَوَابٌ لِأَنَّهُ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ فَخَبَّرَهُ بِذَلِكَ فَغَضِبَ عَدُوُّ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْغَضَبِ وَ الْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ وَ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْحُسَيْنِ وَ قَدْ كَانَ وَلَّاهُ الرَّيَّ قَبْلَ ذَلِكَ فَاسْتَعْفَى عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ فَارْدُدْ إِلَيْنَا عَهْدَنَا فَاسْتَمْهَلَهُ ثُمَّ قَبِلَ بَعْدَ يَوْمٍ خَوْفاً عَنْ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ وِلَايَةِ الرَّيِّ. وَ قَالَ الْمُفِيدُ (رحمه الله) فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَدِمَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِنَ الْكُوفَةِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ فَنَزَلَ بِنَيْنَوَى فَبَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام)عُرْوَةَ بْنَ قَيْسٍ الْأَحْمَسِيَّ فَقَالَ لَهُ ائْتِهِ فَسَلْهُ مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ وَ مَا تُرِيدُ وَ كَانَ عُرْوَةُ مِمَّنْ كَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَاسْتَحْيَا مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَهُ …
بحار الأنوار — كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع) · ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته (صلوات الله عليه) و لعنة الله على ظالميه و قاتليه و الراضين بقتله و المؤازرين عليه