الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع)
بحار الأنوار

أَقُولُ رُوِيَ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِ أَصْحَابِنَا مُرْسَلًا أَنَّ نَصْرَانِيّاً أَتَى رَسُولًا مِنْ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى يَزِيدَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَ قَدْ حَضَرَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي أُتِيَ إِلَيْهِ فِيهِ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ- فَلَمَّا رَأَى النَّصْرَانِيُّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)بَكَى وَ صَاحَ وَ نَاحَ- حَتَّى ابْتَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ ثُمَّ قَالَ اعْلَمْ يَا يَزِيدُ- أَنِّي دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ تَاجِراً فِي أَيَّامِ حَيَاةِ النَّبِيِّ- وَ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ بِهَدِيَّةٍ فَسَأَلْتُ مِنْ أَصْحَابِهِ- أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْهَدَايَا- فَقَالُوا الطِّيبُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِنَّ لَهُ رَغْبَةً فِيهِ- قَالَ فَحَمَلْتُ مِنَ الْمِسْكِ فَأْرَتَيْنِ وَ قَدْراً مِنَ الْعَنْبَرِ الْأَشْهَبِ- وَ جِئْتُ بِهَا إِلَيْهِ وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ- فِي بَيْتِ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَلَمَّا شَاهَدْتُ جَمَالَهُ ازْدَادَ لِعَيْنِي مِنْ لِقَائِهِ نُوراً سَاطِعاً- وَ زَادَنِي مِنْهُ سُرُورٌ وَ قَدْ تَعَلَّقَ قَلْبِي بِمَحَبَّتِهِ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَ وَضَعْتُ الْعِطْرَ بَيْنَ يَدَيْهِ- فَقَالَ مَا هَذَا قُلْتُ هَدِيَّةٌ مُحَقَّرَةٌ- أَتَيْتُ بِهَا إِلَى حَضْرَتِكَ فَقَالَ لِي مَا اسْمُكَ- فَقُلْتُ اسْمِي عَبْدُ الشَّمْسِ فَقَالَ لِي بَدِّلِ اسْمَكَ- فَإِنِّي أُسَمِّيكَ عَبْدَ الْوَهَّابِ- إِنْ قَبِلْتَ مِنِّي الْإِسْلَامَ قَبِلْتُ مِنْكَ الْهَدِيَّةَ- قَالَ فَنَظَرْتُهُ وَ تَأَمَّلْتُهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ- وَ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي أَخْبَرَنَا عَنْهُ عِيسَى(عليه السلام)حَيْثُ قَالَ- إِنِّي مُبَشِّرٌ لَكُمْ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ- فَاعْتَقَدْتُ ذَلِكَ وَ أَسْلَمْتُ عَلَى يَدِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ- وَ رَجَعْتُ إِلَى الرُّومِ وَ أَنَا أُخْفِي الْإِسْلَامَ- وَ لِي مُدَّةٌ مِنَ السِّنِينَ وَ أَنَا مُسْلِمٌ- مَعَ خَمْسٍ مِنَ الْبَنِينَ وَ أَرْبَعٍ مِنَ الْبَنَاتِ- وَ أَنَا الْيَوْمَ وَزِيرُ مَلِكِ الرُّومِ- وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّصَارَى اطِّلَاعٌ عَلَى حَالِنَا- وَ اعْلَمْ يَا يَزِيدُ أَنِّي يَوْمَ كُنْتُ فِي حَضْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ هُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ رَأَيْتُ هَذَا الْعَزِيزَ الَّذِي رَأْسُهُ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْكَ مَهِيناً حَقِيراً- قَدْ دَخَلَ عَلَى جَدِّهِ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ- وَ النَّبِيُّ فَاتِحٌ بَاعَهُ لِيَتَنَاوَلَهُ وَ هُوَ يَقُولُ- مَرْحَباً بِكَ يَا حَبِيبِي حَتَّى إِنَّهُ تَنَاوَلَهُ وَ أَجْلَسَهُ فِي حَجْرِهِ- وَ جَعَلَ يُقَبِّلُ شَفَتَيْهِ وَ يَرْشِفُ ثَنَايَاهُ وَ هُوَ يَقُولُ بَعُدَ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مَنْ قَتَلَكَ- لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَكَ يَا حُسَيْنُ وَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِكَ- وَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مَعَ ذَلِكَ يَبْكِي- فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي- كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي مَسْجِدِهِ- إِذْ أَتَاهُ الْحُسَيْنُ مَعَ أَخِيهِ الْحَسَنِ(عليه السلام) وَ قَالَ يَا جَدَّاهْ قَدْ تَصَارَعْتُ مَعَ أَخِيَ الْحَسَنِ- وَ لَمْ يَغْلِبْ أَحَدُنَا الْآخَرَ وَ إِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ- أَيُّنَا أَشَدُّ قُوَّةً مِنَ الْآخَرِ- فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ حَبِيبَيَّ يَا مُهْجَتَيَّ- إِنَّ التَّصَارُعَ لَا يَلِيقُ بِكُمَا وَ لَكِنِ اذْهَبَا- فَتَكَاتِبَا فَمَنْ كَانَ خَطُّهُ أَحْسَنَ كَذَلِكَ تَكُونُ قُوَّتُهُ أَكْثَرَ- قَالَ فَمَضَيَا وَ كَتَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَطْراً- وَ أَتَيَا إِلَى جَدِّهِمَا النَّبِيِّ فَأَعْطَيَاهُ اللَّوْحَ- لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمَا فَنَظَرَ النَّبِيُّ إِلَيْهِمَا سَاعَةً- وَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكْسِرَ قَلْبَ أَحَدِهِمَا- فَقَالَ لَهُمَا يَا حَبِيبَيَّ إِنِّي نَبِيٌّ أُمِّيٌّ- لَا أَعْرِفُ الْخَطَّ اذْهَبَا إِلَى أَبِيكُمَا- لِيَحْكُمَ بَيْنَكُمَا وَ يَنْظُرَ أَيُّكُمَا أَحْسَنُ خَطّاً- قَالَ فَمَضَيَا إِلَيْهِ وَ قَامَ النَّبِيُّ أَيْضاً مَعَهُمَا- وَ دَخَلُوا جَمِيعاً إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ(عليها السلام) فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَةً وَ إِذَا النَّبِيُّ مُقْبِلٌ وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مَعَهُ- وَ كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَ سَلْمَانَ صَدَاقَةٌ وَ مَوَدَّةٌ فَسَأَلْتُهُ- كَيْفَ حَكَمَ أَبُوهُمَا وَ خَطُّ أَيِّهِمَا أَحْسَنُ- قَالَ سَلْمَانُ (رضوان اللّه عليه) إِنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُجِبْهُمَا بِشَيْءٍ- لِأَنَّهُ تَأَمَّلَ أَمْرَهُمَا وَ قَالَ- لَوْ قُلْتُ خَطُّ الْحَسَنِ أَحْسَنُ كَانَ يَغْتَمُّ الْحُسَيْنُ- وَ لَوْ قُلْتُ خَطُّ الْحُسَيْنِ أَحْسَنُ كَانَ يَغْتَمُّ الْحَسَنُ- فَوَجَّهَهُمَا إِلَى أَبِيهِمَا- فَقُلْتُ يَا سَلْمَانُ بِحَقِّ الصَّدَاقَةِ وَ الْأُخُوَّةِ- الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ وَ بِحَقِّ دِينِ الْإِسْلَامِ- إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي كَيْفَ حَكَمَ أَبُوهُمَا بَيْنَهُمَا- فَقَالَ لَمَّا أَتَيَا إِلَى أَبِيهِمَا وَ تَأَمَّلَ حَالَهُمَا رَقَّ لَهُمَا- وَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكْسِرَ قَلْبَ أَحَدِهِمَا- قَالَ لَهُمَا امْضِيَا إِلَى أُمِّكُمَا فَهِيَ تَحْكُمُ بَيْنَكُمَا- فَأَتَيَا إِلَى أُمِّهِمَا وَ عَرَضَا عَلَيْهَا مَا كَتَبَا فِي اللَّوْحِ- وَ قَالا يَا أُمَّاهْ إِنَّ جَدَّنَا أَمَرَنَا أَنْ نَتَكَاتَبَ- فَكُلُّ مَنْ كَانَ خَطُّهُ أَحْسَنَ تَكُونُ قُوَّتُهُ أَكْثَرَ- فَتَكَاتَبْنَا وَ جِئْنَا إِلَيْهِ فَوَجَّهَنَا إِلَى أَبِينَا- فَلَمْ يَحْكُمْ بَيْنَنَا وَ وَجَّهَنَا إِلَيْكِ- فَتَفَكَّرَتْ فَاطِمَةُ بِأَنَّ جَدَّهُمَا وَ أَبَاهُمَا- مَا أَرَادَا كَسْرَ خَاطِرِهِمَا أَنَا مَا ذَا أَصْنَعُ- وَ كَيْفَ أَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ لَهُمَا يَا قُرَّتَيْ عَيْنِي- إِنِّي أَقْطَعُ قِلَادَتِي عَلَى رَأْسِكُمَا- فَأَيُّكُمَا يَلْتَقِطُ مِنْ لُؤْلُؤِهَا أَكْثَرَ- كَانَ خَطُّهُ أَحْسَنَ وَ تَكُونُ قُوَّتُهُ أَكْثَرَ- قَالَ وَ كَانَ فِي قِلَادَتِهَا سَبْعُ لُؤْلُؤَاتٍ- ثُمَّ إِنَّهَا قَامَتْ فَقَطَعَتْ قِلَادَتَهَا عَلَى رَأْسِهِمَا- فَالْتَقَطَ الْحَسَنُ ثَلَاثَ لُؤْلُؤَاتٍ- وَ الْتَقَطَ الْحُسَيْنُ ثَلَاثَ لُؤْلُؤَاتٍ وَ بَقِيَتِ الْأُخْرَى- فَأَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا تَنَاوُلَهَا- فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبْرَئِيلَ بِنُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ- وَ أَنْ يَضْرِبَ بِجَنَاحِهِ تِلْكَ اللُّؤْلُؤَةَ- وَ يَقُدَّهَا نِصْفَيْنِ فَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفاً- فَانْظُرْ يَا يَزِيدُ كَيْفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَمْ يُدْخِلْ عَلَى أَحَدِهِمَا أَلَمَ تَرْجِيحِ الْكِتَابَةِ- وَ لَمْ يُرِدْ كَسْرَ قَلْبِهِمَا- وَ كَذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ فَاطِمَةُ(عليها السلام) وَ كَذَلِكَ رَبُّ الْعِزَّةِ لَمْ يُرِدْ كَسْرَ قَلْبِ أَحَدِهِمَا- بَلْ أَمَرَ مَنْ قَسَمَ اللُّؤْلُؤَةَ بَيْنَهُمَا لِجَبْرِ قَلْبِهِمَا- وَ أَنْتَ هَكَذَا تَفْعَلُ بِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ- أُفٍّ لَكَ وَ لِدِينِكَ يَا يَزِيدُ- ثُمَّ إِنَّ النَّصْرَانِيَّ نَهَضَ إِلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ احْتَضَنَهُ وَ جَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَ هُوَ يَبْكِي وَ يَقُولُ- يَا حُسَيْنُ اشْهَدْ لِي عِنْدَ جَدِّكَ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى- وَ عِنْدَ أَبِيكَ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى وَ عِنْدَ أُمِّكَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ- (صلوات الله عليهم أجمعين). قَالَ وَ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ(عليهم السلام)أَنَّهُ لَمَّا اسْتُشْهِدَ الْحُسَيْنُ(عليه السلام)بَقِيَ فِي كَرْبَلَاءَ صَرِيعاً- وَ دَمُهُ عَلَى الْأَرْضِ مَسْفُوحاً- وَ إِذَا بِطَائِرٍ أَبْيَضَ قَدْ أَتَى وَ تَمَسَّحَ بِدَمِهِ- وَ جَاءَ وَ الدَّمُ يَقْطُرُ مِنْهُ- فَرَأَى طُيُوراً تَحْتَ الظِّلَالِ عَلَى الْغُصُونِ وَ الْأَشْجَارِ- وَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَذْكُرُ الْحَبَّ وَ الْعَلَفَ وَ الْمَاءَ- فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ الطَّيْرُ الْمُتَلَطِّخُ بِالدَّمِ- يَا وَيْلَكُمْ أَ تَشْتَغِلُونَ بِالْمَلَاهِي وَ ذِكْرِ الدُّنْيَا وَ الْمَنَاهِي- وَ الْحُسَيْنُ فِي أَرْضِ كَرْبَلَاءَ فِي هَذَا الْحَرِّ- مُلْقًى عَلَى الرَّمْضَاءِ ظَامِئٌ مَذْبُوحٌ وَ دَمُهُ مَسْفُوحٌ- فَعَادَتِ الطُّيُورُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَاصِداً كَرْبَلَاءَ- فَرَأَوْا سَيِّدَنَا الْحُسَيْنَ(عليه السلام)مُلْقًى فِي الْأَرْضِ- جُثَّةً بِلَا رَأْسٍ وَ لَا غُسْلٍ وَ لَا كَفَنٍ قَدْ سَفَتْ عَلَيْهِ السَّوَافِي- وَ بَدَنُهُ مَرْضُوضٌ قَدْ هَشَّمَتْهُ الْخَيْلُ بِحَوَافِرِهَا- زُوَّارُهُ وُحُوشُ الْقِفَارِ وَ نَدَبَتُهُ جِنُّ السُّهُولِ وَ الْأَوْعَارِ- قَدْ أَضَاءَ التُّرَابُ مِنْ أَنْوَارِهِ وَ أَزْهَرَ الْجَوُّ مِنْ أَزْهَارِهِ- فَلَمَّا رَأَتْهُ الطُّيُورُ تَصَايَحْنَ وَ أَعْلَنَّ بِالْبُكَاءِ وَ الثُّبُورِ- وَ تَوَاقَعْنَ عَلَى دَمِهِ يَتَمَرَّغْنَ فِيهِ- وَ طَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى نَاحِيَةٍ- يُعْلِمُ أَهْلَهَا عَنْ قَتْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) فَمِنَ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ أَنَّ طَيْراً مِنْ هَذِهِ الطُّيُورِ- قَصَدَ مَدِينَةَ الرَّسُولِ وَ جَاءَ يُرَفْرِفُ- وَ الدَّمُ يَتَقَاطَرُ مِنْ أَجْنِحَتِهِ- وَ دَارَ حَوْلَ قَبْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ يُعْلِنُ بِالنِّدَاءِ- أَلَا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بِكَرْبَلَاءَ أَلَا ذُبِحَ الْحُسَيْنُ بِكَرْبَلَاءَ- فَاجْتَمَعَتِ الطُّيُورُ عَلَيْهِ وَ هُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ وَ يَنُوحُونَ- فَلَمَّا نَظَرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ الطُّيُورِ ذَلِكَ النَّوْحَ- وَ شَاهَدُوا الدَّمَ يَتَقَاطَرُ مِنَ الطَّيْرِ- لَمْ يَعْلَمُوا مَا الْخَبَرُ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمَانِ- وَ جَاءَ خَبَرُ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ الطَّيْرَ- كَانَ يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ بِقَتْلِ ابْنِ فَاطِمَةَ الْبَتُولِ- وَ قُرَّةِ عَيْنِ الرَّسُولِ- وَ قَدْ نُقِلَ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الطَّيْرُ إِلَى الْمَدِينَةِ- كَانَ فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ- وَ لَهُ بِنْتٌ عَمْيَاءُ زَمْنَاءُ طَرْشَاءُ مَشْلُولَةٌ- وَ الْجُذَامُ قَدْ أَحَاطَ بِبَدَنِهَا فَجَاءَ ذَلِكَ الطَّائِرُ وَ الدَّمُ يَتَقَاطَرُ مِنْهُ- وَ وَقَعَ عَلَى شَجَرَةٍ يَبْكِي طُولَ لَيْلَتِهِ- وَ كَانَ الْيَهُودِيُّ قَدْ أَخْرَجَ ابْنَتَهُ تِلْكَ الْمَرِيضَةَ- إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ إِلَى بُسْتَانٍ- وَ تَرَكَهَا فِي الْبُسْتَانِ الَّذِي جَاءَ الطَّيْرُ وَ وَقَعَ فِيهِ- فَمِنَ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَرَضَ لِلْيَهُودِيِّ عَارِضٌ- فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ- فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْرُجَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ- إِلَى الْبُسْتَانِ الَّتِي فِيهَا ابْنَتُهُ الْمَعْلُولَةُ- وَ الْبِنْتُ لَمَّا نَظَرَتْ أَبَاهَا لَمْ يَأْتِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ- لَمْ يَأْتِهَا نَوْمٌ لِوَحْدَتِهَا- لِأَنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحَدِّثُهَا وَ يُسَلِّيهَا حَتَّى تَنَامَ- فَسَمِعَتْ عِنْدَ السَّحَرِ بُكَاءَ الطَّيْرِ وَ حَنِينَهُ- فَبَقِيَتْ تَتَقَلَّبُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ- إِلَى أَنْ صَارَتْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الطَّيْرُ- فَصَارَتْ كُلَّمَا حَنَّ ذَلِكَ الطَّيْرُ تُجَاوِبُهُ مِنْ قَلْبٍ مَحْزُونٍ- فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ وَقَعَ قَطْرَةٌ مِنَ الدَّمِ- فَوَقَعَتْ عَلَى عَيْنِهَا فَفُتِحَتْ- ثُمَّ قَطْرَةٌ أُخْرَى عَلَى عَيْنِهَا الْأُخْرَى فَبَرَأَتْ- ثُمَّ قَطْرَةٌ عَلَى يَدَيْهَا فَعُوفِيَتْ ثُمَّ عَلَى رِجْلَيْهَا فَبَرَأَتْ- وَ عَادَتْ كُلَّمَا قَطَرَتْ قَطْرَةٌ مِنَ الدَّمِ تُلَطِّخُ بِهِ جَسَدَهَا- فَعُوفِيَتْ مِنْ جَمِيعِ مَرَضِهَا مِنْ بَرَكَاتِ دَمِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَقْبَلَ أَبُوهَا إِلَى الْبُسْتَانِ- فَرَأَى بِنْتاً تَدُورُ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا ابْنَتُهُ- فَسَأَلَهَا أَنَّهُ كَانَ لِي فِي الْبُسْتَانِ ابْنَةٌ عَلِيلَةٌ- لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَتَحَرَّكَ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ- وَ اللَّهِ أَنَا ابْنَتُكَ فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهَا وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ- فَلَمَّا أَفَاقَ قَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ فَأَتَتْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الطَّيْرِ- فَرَآهَا وَاكِراً عَلَى الشَّجَرَةِ يَئِنُّ- مِنْ قَلْبٍ حَزِينٍ مُحْتَرِقٍ مِمَّا رَأَى مِمَّا فُعِلَ بِالْحُسَيْنِ(عليه السلام) فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ- بِالَّذِي خَلَقَكَ أَيُّهَا الطَّيْرُ أَنْ تُكَلِّمَنِي بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى- فَنَطَقَ الطَّيْرُ مُسْتَعْبِراً ثُمَّ قَالَ- إِنِّي كُنْتُ وَاكِراً عَلَى بَعْضِ الْأَشْجَارِ مَعَ جُمْلَةِ الطُّيُورِ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ- وَ إِذَا بِطَيْرٍ سَاقِطٍ عَلَيْنَا وَ هُوَ يَقُولُ- أَيُّهَا الطُّيُورُ تَأْكُلُونَ وَ تَتَنَعَّمُونَ- وَ الْحُسَيْنُ فِي أَرْضِ كَرْبَلَاءَ فِي هَذَا الْحَرِّ- عَلَى الرَّمْضَاءِ طَرِيحاً ظَامِئاً- وَ النَّحْرُ دَامٍ وَ رَأْسُهُ مَقْطُوعٌ عَلَى الرُّمْحِ مَرْفُوعٌ- وَ نِسَاؤُهُ سَبَايَا حُفَاةٌ عَرَايَا- فَلَمَّا سَمِعْنَ بِذَلِكَ تَطَايَرْنَ إِلَى كَرْبَلَاءَ فَرَأَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْوَادِي طَرِيحاً- الْغُسْلُ مِنْ دَمِهِ وَ الْكَفَنُ الرَّمْلُ السَّافِي عَلَيْهِ- فَوَقَعْنَا كُلُّنَا عَلَيْهِ نَنُوحُ وَ نَتَمَرَّغُ بِدَمِهِ الشَّرِيفِ- وَ كَانَ كُلٌّ مِنَّا طَارَ إِلَى نَاحِيَةٍ- فَوَقَعْتُ أَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ- فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودِيُّ ذَلِكَ تَعَجَّبَ- وَ قَالَ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْحُسَيْنُ ذَا قَدْرٍ رَفِيعٍ عِنْدَ اللَّهِ- مَا كَانَ دَمُهُ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ- ثُمَّ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ وَ أَسْلَمَتِ الْبِنْتُ- وَ أَسْلَمَ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ. وَ قَالَ: حُكِيَ عَنْ رَجُلٍ أَسَدِيٍّ قَالَ: كُنْتُ زَارِعاً عَلَى نَهَرِ الْعَلْقَمِيِّ- بَعْدَ ارْتِحَالِ الْعَسْكَرِ عَسْكَرِ بَنِي أُمَيَّةَ- فَرَأَيْتُ عَجَائِبَ لَا أَقْدِرُ أَحْكِي إِلَّا بَعْضَهَا- مِنْهَا أَنَّهُ إِذَا هَبَّتِ الرِّيَاحُ- تَمُرُّ عَلَيَّ نَفَحَاتٌ كَنَفَحَاتِ الْمِسْكِ وَ الْعَنْبَرِ- إِذَا سَكَنَتْ أَرَى نُجُوماً تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ- وَ يَرْقَى مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ مِثْلُهَا- وَ أَنَا مُنْفَرِدٌ مَعَ عِيَالِي وَ لَا أَرَى أَحَداً أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ- وَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يُقْبِلُ أَسَدٌ مِنَ الْقِبْلَةِ- فَأُوَلِّي عَنْهُ إِلَى مَنْزِلِي- فَإِذَا أَصْبَحَ وَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ- وَ ذَهَبْتُ مِنْ مَنْزِلِي أَرَاهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ذَاهِباً- فَقُلْتُ فِي نَفْسِي إِنَّ هَؤُلَاءِ خَوَارِجُ- قَدْ خَرَجُوا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ- فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَ أَرَى مِنْهُمْ مَا لَمْ أَرَهُ مِنْ سَائِرِ الْقَتْلَى- فَوَ اللَّهِ هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُسَاهَرَةِ- لِأُبْصِرَ هَذَا الْأَسَدَ يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْجُثُثِ أَمْ لَا- فَلَمَّا صَارَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ- وَ إِذَا بِهِ أَقْبَلَ فَحَقَّقْتُهُ وَ إِذَا هُوَ هَائِلُ الْمَنْظَرِ فَارْتَعَدْتُ مِنْهُ- وَ خَطَرَ بِبَالِي إِنْ كَانَ مُرَادُهُ لُحُومَ بَنِي آدَمَ فَهُوَ يَقْصِدُنِي- وَ أَنَا أُحَاكِي نَفْسِي بِهَذَا فَمَثَّلْتُهُ- وَ هُوَ يَتَخَطَّى الْقَتْلَى حَتَّى وَقَفَ عَلَى جَسَدٍ كَأَنَّهُ الشَّمْسُ- إِذَا طَلَعَتْ فَبَرَكَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَأْكُلُ مِنْهُ- وَ إِذَا بِهِ يُمَرِّغُ وَجْهَهُ عَلَيْهِ وَ هُوَ يُهَمْهِمُ وَ يُدَمْدِمُ- فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ مَا هَذِهِ إِلَّا أُعْجُوبَةٌ- فَجَعَلْتُ أَحْرُسُهُ حَتَّى اعْتَكَرَ الظَّلَامُ- وَ إِذَا بِشُمُوعٍ مُعَلَّقَةٍ مَلَأَتِ الْأَرْضَ- وَ إِذَا بِبُكَاءٍ وَ نَحِيبٍ وَ لَطْمٍ مُفْجِعٍ- فَقَصَدْتُ تِلْكَ الْأَصْوَاتِ فَإِذَا هِيَ تَحْتَ الْأَرْضِ- فَفَهِمْتُ مِنْ نَاعٍ فِيهِمْ يَقُولُ وَا حُسَيْنَاهْ وَا إِمَامَاهْ- فَاقْشَعَرَّ جِلْدِي فَقَرُبْتُ مِنَ الْبَاكِي- وَ أَقْسَمْتُ عَلَيْهِ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ مَنْ تَكُونُ- فَقَالَ إِنَّا نِسَاءٌ مِنَ الْجِنِّ فَقُلْتُ وَ مَا شَأْنُكُنَّ- فَقُلْنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- هَذَا عَزَاؤُنَا عَلَى الْحُسَيْنِ الذَّبِيحِ الْعَطْشَانِ- فَقُلْتُ هَذَا الْحُسَيْنُ الَّذِي يَجْلِسُ عِنْدَهُ الْأَسَدُ- قُلْنَ نَعَمْ أَ تَعْرِفُ هَذَا الْأَسَدَ قُلْتُ لَا- قُلْنَ هَذَا أَبُوهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- فَرَجَعْتُ وَ دُمُوعِي تَجْرِي عَلَى خَدِّي.: قَالَ وَ نُقِلَ أَنَّ سُكَيْنَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)قَالَتْ: يَا يَزِيدُ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا إِنْ سَمِعْتَهَا مِنِّي قَصَصْتُهَا عَلَيْكَ- فَقَالَ يَزِيدُ هَاتِي مَا رَأَيْتِي قَالَتْ بَيْنَمَا أَنَا سَاهِرَةٌ- وَ قَدْ كَلَلْتُ مِنَ الْبُكَاءِ بَعْدَ أَنْ صَلَّيْتُ- وَ دَعَوْتُ اللَّهَ بِدَعَوَاتٍ فَلَمَّا رَقَدَتْ عَيْنِي- رَأَيْتُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ قَدْ تَفَتَّحَتْ- وَ إِذَا أَنَا بِنُورٍ سَاطِعٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ- وَ إِذَا أَنَا بِوَصَائِفَ مِنْ وَصَائِفِ الْجَنَّةِ- وَ إِذَا أَنَا بِرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَ فِي تِلْكَ الرَّوْضَةِ قَصْرٌ- وَ إِذَا أَنَا بِخَمْسِ مَشَايِخَ يَدْخُلُونَ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْرِ وَ عِنْدَهُمْ وَصِيفٌ- فَقُلْتُ يَا وَصِيفُ أَخْبِرْنِي لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ- فَقَالَ هَذَا لِأَبِيكِ الْحُسَيْنِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ثَوَاباً لِصَبْرِهِ- فَقُلْتُ وَ مَنْ هَذِهِ الْمَشَايِخُ فَقَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَآدَمُ أَبُو الْبَشَرِ- وَ أَمَّا الثَّانِي فَنُوحٌ نَبِيُّ اللَّهِ- وَ أَمَّا الثَّالِثُ فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ- وَ أَمَّا الرَّابِعُ فَمُوسَى الْكَلِيمُ- فَقُلْتُ لَهُ وَ مَنِ الْخَامِسُ الَّذِي أَرَاهُ قَابِضاً عَلَى لِحْيَتِهِ- بَاكِياً حَزِيناً مِنْ بَيْنِهِمْ- فَقَالَ لِي يَا سُكَيْنَةُ أَ مَا تعرفه [تَعْرِفِينَهُ فَقُلْتُ لَا- فَقَالَ هَذَا جَدُّكِ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ إِلَى أَيْنَ يُرِيدُونَ- فَقَالَ إِلَى أَبِيكِ الْحُسَيْنِ فَقُلْتُ وَ اللَّهِ لَأَلْحَقَنَّ جَدِّي- وَ أُخْبِرَنَّهُ بِمَا جَرَى عَلَيْنَا فَسَبَقَنِي وَ لَمْ أَلْحَقْهُ- فَبَيْنَمَا أَنَا مُتَفَكِّرَةٌ وَ إِذَا بِجَدِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- وَ بِيَدِهِ سَيْفُهُ وَ هُوَ وَاقِفٌ فَنَادَيْتُهُ يَا جَدَّاهْ- قُتِلَ وَ اللَّهِ ابْنُكَ مِنْ بَعْدِكَ فَبَكَى وَ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ- وَ قَالَ يَا بُنَيَّةِ صَبْراً وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ- ثُمَّ إِنَّهُ مَضَى وَ لَمْ أَعْلَمْ إِلَى أَيْنَ- فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبَةً كَيْفَ لَمْ أَعْلَمْ بِهِ- فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِبَابٍ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ- وَ إِذَا بِالْمَلَائِكَةِ يَصْعَدُونَ وَ يَنْزِلُونَ عَلَى رَأْسِ أَبِي- قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ يَزِيدُ ذَلِكَ لَطَمَ عَلَى وَجْهِهِ وَ بَكَى- وَ قَالَ مَا لِي وَ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ: وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ سُكَيْنَةَ قَالَتْ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ دُرِّيُّ اللَّوْنِ قَمَرِيُّ الْوَجْهِ حَزِينُ الْقَلْبِ- فَقُلْتُ لِلْوَصِيفِ مَنْ هَذَا فَقَالَ جَدُّكِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَ قُلْتُ لَهُ يَا جَدَّاهْ قُتِلَتْ وَ اللَّهِ رِجَالُنَا- وَ سُفِكَتْ وَ اللَّهِ دِمَاؤُنَا وَ هُتِكَتْ وَ اللَّهِ حَرِيمُنَا- وَ حُمِلْنَا عَلَى الْأَقْتَابِ مِنْ غَيْرِ وِطَاءٍ نُسَاقُ إِلَى يَزِيدَ- فَأَخَذَنِي إِلَيْهِ وَ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ وَ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى- ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مَا تَرَوْنَ إِلَى مَا صَنَعَتْ أُمَّتِي بِوَلَدِي مِنْ بَعْدِي- ثُمَّ قَالَ الْوَصِيفُ يَا سُكَيْنَةُ اخْفِضِي صَوْتَكِ- فَقَدْ أَبْكَيْتِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ أَخَذَ الْوَصِيفُ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الْقَصْرَ- وَ إِذَا بِخَمْسِ نِسْوَةٍ قَدْ عَظَّمَ اللَّهُ خِلْقَتَهُنَّ- وَ زَادَ فِي نُورِهِنَّ وَ بَيْنَهُنَّ امْرَأَةٌ عَظِيمَةُ الْخِلْقَةِ- نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا وَ عَلَيْهَا ثِيَابٌ سُودٌ- وَ بِيَدِهَا قَمِيصٌ مُضَمَّخٌ بِالدَّمِ- وَ إِذَا قَامَتْ يَقُمْنَ مَعَهَا وَ إِذَا جَلَسَتْ يَجْلِسْنَ مَعَهَا- فَقُلْتُ لِلْوَصِيفِ مَا هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ اللَّاتِي قَدْ عَظَّمَ اللَّهُ خِلْقَتَهُنَّ- فَقَالَ يَا سُكَيْنَةُ هَذِهِ حَوَّاءُ أُمُّ الْبَشَرِ- وَ هَذِهِ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَ هَذِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ- وَ هَذِهِ هَاجَرُ وَ هَذِهِ سَارَةُ- وَ هَذِهِ الَّتِي بِيَدِهَا الْقَمِيصُ الْمُضَمَّخُ- وَ إِذَا قَامَتْ يَقُمْنَ مَعَهَا وَ إِذَا جَلَسَتْ يَجْلِسْنَ مَعَهَا- هِيَ جَدَّتُكِ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ- فَدَنَوْتُ مِنْهَا وَ قُلْتُ لَهَا يَا جَدَّتَاهْ- قُتِلَ وَ اللَّهِ أَبِي وَ أُوتِمْتُ عَلَى صِغَرِ سِنِّي- فَضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا وَ بَكَتْ شَدِيداً- وَ بَكَيْنَ النِّسَاءُ كُلُّهُنَّ وَ قُلْنَ لَهَا يَا فَاطِمَةُ- يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَكِ وَ بَيْنَ يَزِيدَ يَوْمَ فَصْلِ الْقَضَاءِ- ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ تَرَكَهَا وَ لَمْ يَعْبَأْ بِقَوْلِهَا.:- قَالَ: وَ نُقِلَ عَنْ هِنْدٍ زَوْجَةِ يَزِيدَ قَالَتْ: كُنْتُ أَخَذْتُ مَضْجَعِي فَرَأَيْتُ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ وَ قَدْ فُتِحَتْ- وَ الْمَلَائِكَةُ يَنْزِلُونَ كَتَائِبَ كَتَائِبَ إِلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ- وَ هُمْ يَقُولُونَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ نَظَرْتُ إِلَى سَحَابَةٍ قَدْ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ- وَ فِيهَا رِجَالٌ كَثِيرُونَ وَ فِيهِمْ رَجُلٌ دُرِّيُّ اللَّوْنِ- قَمَرِيُّ الْوَجْهِ فَأَقْبَلَ يَسْعَى حَتَّى انْكَبَّ عَلَى ثَنَايَا الْحُسَيْنِ- يُقَبِّلُهُمَا وَ هُوَ يَقُولُ يَا وَلَدِي قَتَلُوكَ- أَ تَرَاهُمْ مَا عَرَفُوكَ وَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ مَنَعُوكَ- يَا وَلَدِي أَنَا جَدُّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ هَذَا أَبُوكَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى- وَ هَذَا أَخُوكَ الْحَسَنُ وَ هَذَا عَمُّكَ جَعْفَرٌ- وَ هَذَا عَقِيلٌ وَ هَذَانِ حَمْزَةُ وَ الْعَبَّاسُ- ثُمَّ جَعَلَ يُعَدِّدُ أَهْلَ بَيْتِهِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ- قَالَتْ هِنْدٌ فَانْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي فَزِعَةً مَرْعُوبَةً- وَ إِذَا بِنُورٍ قَدِ انْتَشَرَ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ- فَجَعَلْتُ أَطْلُبُ يَزِيدَ وَ هُوَ قَدْ دَخَلَ إِلَى بَيْتٍ مُظْلِمٍ- وَ قَدْ دَارَ وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَ هُوَ يَقُولُ مَا لِي وَ لِلْحُسَيْنِ- وَ قَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومَاتُ- فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْمَنَامَ وَ هُوَ مُنَكِّسُ الرَّأْسِ- قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ اسْتَدْعَى بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ لَهُنَّ أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكُنَّ- الْمُقَامُ عِنْدِي أَوِ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَدِينَةِ- وَ لَكُمُ الْجَائِزَةُ السَّنِيَّةُ قَالُوا نُحِبُّ أَوَّلًا- أَنْ نَنُوحَ عَلَى الْحُسَيْنِ قَالَ افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ- ثُمَّ أُخْلِيَتْ لَهُنَّ الْحُجَرُ وَ الْبُيُوتُ فِي دِمَشْقَ- وَ لَمْ تَبْقَ هَاشِمِيَّةٌ وَ لَا قُرَشِيَّةٌ- إِلَّا وَ لَبِسَتِ السَّوَادَ عَلَى الْحُسَيْنِ- وَ نَدَبُوهُ عَلَى مَا نُقِلَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ- فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ دَعَاهُنَّ يَزِيدُ- وَ عَرَضَ عَلَيْهِنَّ الُمَقَامَ فَأَبَيْنَ- وَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى الْمَدِينَةِ- فَأَحْضَرَ لَهُمُ الْمَحَامِلَ وَ زَيَّنَهَا وَ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ الْإِبْرِيسَمِ- وَ صَبَّ عَلَيْهَا الْأَمْوَالَ وَ قَالَ يَا أُمَّ كُلْثُومٍ- خُذُوا هَذَا الْمَالَ عِوَضَ مَا أَصَابَكُمْ- فَقَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ يَا يَزِيدُ مَا أَقَلَّ حَيَاءَكَ وَ أَصْلَبَ وَجْهَكَ- تَقْتُلُ أَخِي وَ أَهْلَ بَيْتِي وَ تُعْطِينِي عِوَضَهُمْ. - 4 - ثُمَّ قَالَ: وَ أَمَّا أُمُّ كُلْثُومٍ فَحِينَ تَوَجَّهَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ- جَعَلَتْ تَبْكِي وَ تَقُولُ مَدِينَةَ جَدِّنَا لَا تَقْبَلِينَا فَبِالْحَسَرَاتِ وَ الْأَحْزَانِ جِئْنَا أَلَا فَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ عَنَّا بِأَنَّا قَدْ فُجِعْنَا فِي أَبِينَا وَ أَنَّ رِجَالَنَا بِالطَّفِّ صَرْعَى بِلَا رُؤْسٍ وَ قَدْ ذَبَحُوا الْبَنِينَا وَ أَخْبِرْ جَدَّنَا أَنَّا أُسِرْنَا وَ بَعْدَ الْأَسْرِ يَا جَدَّا سُبِينَا وَ رَهْطُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْحَوْا عَرَايَا بِالطُّفُوفِ مُسَلَّبِينَا وَ قَدْ ذَبَحُوا الْحُسَيْنَ وَ لَمْ يُرَاعُوا جَنَابَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا فَلَوْ نَظَرَتْ عُيُونُكَ لِلْأُسَارَى عَلَى أَقْتَابِ الْجِمَالِ مُحَمَّلِينَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ الصَّوْنِ صَارَتْ عُيُونُ النَّاسِ نَاظِرَةً إِلَيْنَا وَ كُنْتَ تَحُوطُنَا حَتَّى تَوَلَّتْ عُيُونُكَ ثَارَتِ الْأَعْدَا عَلَيْنَا أَ فَاطِمُ لَوْ نَظَرْتِ إِلَى السَّبَايَا بَنَاتِكَ فِي الْبِلَادِ مُشَتَّتِينَا أَ فَاطِمُ لَوْ نَظَرْتِ إِلَى الْحَيَارَى وَ لَوْ أَبْصَرْتِ زَيْنَ الْعَابِدِينَا أَ فَاطِمُ لَوْ رَأَيْتِينَا سَهَارَى وَ مِنْ سَهَرِ اللَّيَالِي قَدْ عَمِينَا أَ فَاطِمُ مَا لَقِيتِي مِنْ عِدَاكِي وَ لَا قِيرَاطَ مِمَّا قَدْ لَقِينَا فَلَوْ دَامَتْ حَيَاتُكِ لَمْ تَزَالِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَنْدُبِينَا وَ عَرِّجْ بِالْبَقِيعِ وَ قِفْ وَ نَادِ أَيَا ابْنَ حَبِيبِ رَبِّ الْعَالَمِينَا وَ قُلْ يَا عَمِّ يَا حَسَنَ الْمُزَكَّى عِيَالُ أَخِيكَ أَضْحَوْا ضَائِعِينَا أَيَا عَمَّاهْ إِنَّ أَخَاكَ أَضْحَى …

بحار الأنوار — كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع) · الوقائع المتأخرة عن قتله (صلوات الله عليه) إلى رجوع أهل البيت(ع)إلى المدينة و ما ظهر من إعجازه (صلوات الله عليه) في تلك الأحوال

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.