الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع)
بحار الأنوار

أَقُولُ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِ أَصْحَابِنَا قَالَ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ:كُنْتُ نَازِلًا بِالْكُوفَةِ وَ كَانَ لِي جَارٌ- وَ كُنْتُ آتِي إِلَيْهِ وَ أَجْلِسُ عِنْدَهُ فَأَتَيْتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَيْهِ- فَقُلْتُ لَهُ يَا هَذَا مَا تَقُولُ فِي زِيَارَةِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) فَقَالَ لِي هِيَ بِدْعَةٌ وَ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ- وَ كُلُّ ذِي ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ- قَالَ سُلَيْمَانُ فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَ أَنَا مُمْتَلِئٌ عَلَيْهِ غَيْظاً- فَقُلْتُ فِي نَفْسِي إِذَا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ آتِيهِ- وَ أُحَدِّثُهُ شَيْئاً مِنْ فَضَائِلِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْعِنَادِ قَتَلْتُهُ- قَالَ سُلَيْمَانُ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ أَتَيْتُهُ- وَ قَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ وَ دَعَوْتُهُ بِاسْمِهِ- فَإِذَا بِزَوْجَتِهِ تَقُولُ لِي إِنَّهُ قَصَدَ إِلَى زِيَارَةِ الْحُسَيْنِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ- قَالَ سُلَيْمَانُ فَسِرْتُ فِي أَثَرِهِ إِلَى زِيَارَةِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَى الْقَبْرِ فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ سَاجِدٌ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ هُوَ يَدْعُو وَ يَبْكِي فِي سُجُودِهِ وَ يَسْأَلُهُ التَّوْبَةَ وَ الْمَغْفِرَةَ- ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ فَرَآنِي قَرِيباً مِنْهُ- فَقُلْتُ لَهُ يَا شَيْخُ بِالْأَمْسِ كُنْتَ تَقُولُ زِيَارَةُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)بِدْعَةٌ- وَ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَ كُلُّ ذِي ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ- وَ الْيَوْمَ أَتَيْتَ تَزُورُهُ فَقَالَ يَا سُلَيْمَانُ لَا تَلُمْنِي- فَإِنِّي مَا كُنْتُ أُثْبِتُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ إِمَامَةً- حَتَّى كَانَتْ لَيْلَتِي تِلْكَ فَرَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي وَ رَوَّعَتْنِي- فَقُلْتُ لَهُ مَا رَأَيْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ- قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا جَلِيلَ الْقَدْرِ لَا بِالطَّوِيلِ الشَّاهِقِ- وَ لَا بِالْقَصِيرِ اللَّاصِقِ لَا أَقْدِرُ أَصِفُهُ- مِنْ عِظَمِ جَلَالِهِ وَ جَمَالِهِ وَ بَهَائِهِ وَ كَمَالِهِ- وَ هُوَ مَعَ أَقْوَامٍ يَحُفُّونَ بِهِ حَفِيفاً وَ يَزُفُّونَهُ زَفِيفاً- وَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَارِسٌ وَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ- وَ لِلتَّاجِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ وَ فِي كُلِّ رُكْنٍ جَوْهَرَةٌ- تُضِيءُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقُلْتُ لِبَعْضِ خُدَّامِهِ- مَنْ هَذَا فَقَالَ هَذَا مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى- قُلْتُ وَ مَنْ هَذَا الْآخَرُ فَقَالَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ- ثُمَّ مَدَدْتُ نَظَرِي فَإِذَا أَنَا بِنَاقَةٍ مِنْ نُورٍ- وَ عَلَيْهَا هَوْدَجٌ مِنْ نُورٍ وَ فِيهِ امْرَأَتَانِ- وَ النَّاقَةُ تَطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ- فَقُلْتُ لِمَنْ هَذِهِ النَّاقَةُ فَقَالَ- لِخَدِيجَةَ الْكُبْرَى وَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ(عليها السلام) فَقُلْتُ وَ مَنْ هَذَا الْغُلَامُ فَقَالَ هَذَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ- فَقُلْتُ وَ إِلَى أَيْنَ يُرِيدُونَ بِأَجْمَعِهِمْ- فَقَالُوا لِزِيَارَةِ الْمَقْتُولِ ظُلْماً شَهِيدِ كَرْبَلَاءَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى- ثُمَّ إِنِّي قَصَدْتُ نَحْوَ الْهَوْدَجِ الَّذِي فِيهِ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ- وَ إِذَا أَنَا بِرِقَاعٍ مَكْتُوبَةٍ تَتَسَاقَطُ مِنَ السَّمَاءِ- فَسَأَلْتُ مَا هَذِهِ الرِّقَاعُ فَقَالَ هَذِهِ رِقَاعٌ فِيهَا أَمَانٌ مِنَ النَّارِ- لِزُوَّارِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ- فَطَلَبْتُ مِنْهُ رُقْعَةً فَقَالَ لِي إِنَّكَ تَقُولُ زِيَارَتُهُ بِدْعَةٌ- فَإِنَّكَ لَا تَنَالُهَا حَتَّى تَزُورَ الْحُسَيْنَ(عليه السلام) وَ تَعْتَقِدَ فَضْلَهُ وَ شَرَفَهُ فَانْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي فَزِعاً مَرْعُوباً- وَ قَصَدْتُ مِنْ وَقْتِي وَ سَاعَتِي إِلَى زِيَارَةِ سَيِّدِيَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ أَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَ اللَّهِ يَا سُلَيْمَانُ- لَا أُفَارِقُ قَبْرَ الْحُسَيْنِ حَتَّى يُفَارِقَ رُوحِي جَسَدِي. قَالَ وَ رَوَى الثِّقَاتُ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ دِعْبِلِ بْنِ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيِّ قَالَ:لَمَّا انْصَرَفْتُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(عليه السلام) بِقَصِيدَتِي التَّائِيَّةِ نَزَلْتُ بِالرَّيِّ- وَ إِنِّي فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي وَ أَنَا أَصُوغُ قَصِيدَةً وَ قَدْ ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ شَطْرُهُ- فَإِذَا طَارِقٌ يَطْرُقُ الْبَابَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا- فَقَالَ أَخٌ لَكَ فَبَدَرْتُ إِلَى الْبَابِ فَفَتَحْتُهُ- فَدَخَلَ شَخْصٌ اقْشَعَرَّ مِنْهُ بَدَنِي وَ ذَهَلَتْ مِنْهُ نَفْسِي- فَجَلَسَ نَاحِيَةً وَ قَالَ لِي لَا تَرُعْ أَنَا أَخُوكَ مِنَ الْجِنِّ- وُلِدْتُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي وُلِدْتَ فِيهَا وَ نَشَأْتُ مَعَكَ- وَ إِنِّي جِئْتُ أُحَدِّثُكَ بِمَا يَسُرُّكَ وَ يُقَوِّي نَفْسَكَ وَ بَصِيرَتَكَ- قَالَ فَرَجَعَتْ نَفْسِي وَ سَكَنَ قَلْبِي- فَقَالَ يَا دِعْبِلُ إِنِّي كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ خَلْقِ اللَّهِ بُغْضاً وَ عَدَاوَةً لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْجِنِّ الْمَرَدَةِ الْعُتَاةِ- فَمَرَرْنَا بِنَفَرٍ يُرِيدُونَ زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) قَدْ جَنَّهُمُ اللَّيْلُ فَهَمَمْنَا بِهِمْ وَ إِذَا مَلَائِكَةٌ تَزْجُرُنَا مِنَ السَّمَاءِ- وَ مَلَائِكَةٌ فِي الْأَرْضِ تَزْجُرُ عَنْهُمْ هَوَامَّهَا- فَكَأَنِّي كُنْتُ نَائِماً فَانْتَبَهْتُ أَوْ غَافِلًا فَتَيَقَّظْتُ- وَ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِعِنَايَةٍ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى- لِمَكَانِ مَنْ قَصَدُوا لَهُ وَ تَشَرَّفُوا بِزِيَارَتِهِ- فَأَحْدَثْتُ تَوْبَةً وَ جَدَّدْتُ نِيَّةً وَ زُرْتُ مَعَ الْقَوْمِ- وَ وَقَفْتُ بِوُقُوفِهِمْ وَ دَعَوْتُ بِدُعَائِهِمْ وَ حَجَجْتُ بِحَجِّهِمْ تِلْكَ السَّنَةَ- وَ زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَوْلَهُ جَمَاعَةٌ- فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ الصَّادِقُ(عليه السلام) قَالَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي مَرْحَباً بِكَ- يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ أَ تَذْكُرُ لَيْلَتَكَ بِبَطْنِ كَرْبَلَاءَ- وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِنَا- إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ تَوْبَتَكَ وَ غَفَرَ خَطِيئَتَكَ- فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِكُمْ- وَ نَوَّرَ قَلْبِي بِنُورِ هِدَايَتِكُمْ- وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِ وَلَايَتِكُمْ- فَحَدِّثْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بِحَدِيثٍ أَنْصَرِفْ بِهِ إِلَى أَهْلِي وَ قَوْمِي فَقَالَ نَعَمْ- حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ- عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام) قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَا عَلِيُّ- الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا- وَ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أَنْتَ- وَ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي- وَ عَلَى أُمَّتِي حَتَّى يُقِرُّوا بِوَلَايَتِكَ وَ يَدِينُوا بِإِمَامَتِكَ- يَا عَلِيُّ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ- لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ إِلَّا مَنْأَخَذَ مِنْكَ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ- ثُمَّ قَالَ خُذْهَا يَا دِعْبِلُ فَلَنْ تَسْمَعَ بِمِثْلِهَا مِنْ مِثْلِي أَبَداً- ثُمَّ ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ فَلَمْ أَرَهُ. قَالَ وَ رُوِيَأَنَّ الْمُتَوَكِّلَ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ- كَانَ كَثِيرَ الْعَدَاوَةِ شَدِيدَ الْبُغْضِ لِأَهْلِ بَيْتِ الرَّسُولِ- وَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ الْحَارِثِينَ بِحَرْثِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ أَنْ يُخْرِبُوا بُنْيَانَهُ وَ يُحْفُوا آثَارَهُ- وَ أَنْ يُجْرُوا عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنَ النَّهَرِ الْعَلْقَمِيِّ- بِحَيْثُ لَا تَبْقَى لَهُ أَثَرٌ وَ لَا أَحَدٌ يَقِفُ لَهُ عَلَى خَبَرٍ- وَ تَوَعَّدَ النَّاسَ بِالْقَتْلِ لِمَنْ زَارَ قَبْرَهُ- وَ جَعَلَ رَصَداً مِنْ أَجْنَادِهِ وَ أَوْصَاهُمْ- كُلُّ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)فَاقْتُلُوهُ- يُرِيدُ بِذَلِكَ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ وَ إِخْفَاءَ آثَارِ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ- فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ الْمَجْنُونُ- وَ لَكِنَّهُ ذُو عَقْلٍ سَدِيدٍ وَ رَأْيٍ رَشِيدٍ- وَ إِنَّمَا لُقِّبَ بِالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ أَفْحَمَ كُلَّ لَبِيبٍ- وَ قَطَعَ حُجَّةَ كُلِّ أَدِيبٍ وَ كَانَ لَا يَعْيَ مِنَ الْجَوَابِ- وَ لَا يَمَلُّ مِنَ الْخِطَابِ- فَسَمِعَ بِخَرَابِ بُنْيَانِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)وَ حَرْثِ مَكَانِهِ- فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَ اشْتَدَّ حُزْنُهُ- وَ تَجَدَّدَ مُصَابُهُ بِسَيِّدِهِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ كَانَ مَسْكَنُهُ يَوْمَئِذٍ بِمِصْرَ- فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجْدُ وَ الْغَرَامُ لِحَرْثِ قَبْرِ الْإِمَامِ(عليه السلام) خَرَجَ مِنْ مِصْرَ مَاشِياً هَائِماً عَلَى وَجْهِهِ شَاكِياً وَجْدَهُ إِلَى رَبِّهِ- وَ بَقِيَ حَزِيناً كَئِيباً حَتَّى بَلَغَ الْكُوفَةَ- وَ كَانَ الْبُهْلُولُ يَوْمَئِذٍ بِالْكُوفَةِ فَلَقِيَهُ زَيْدٌ الْمَجْنُونُ- وَ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ- مِنْ أَيْنَ لَكَ مَعْرِفَتِي فَلَمْ تَرَنِي قَطُّ- فَقَالَ زَيْدٌ يَا هَذَا اعْلَمْ أَنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ- مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ- فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ يَا زَيْدُ مَا الَّذِي أَخْرَجَكَ- مِنْ بِلَادِكَ بِغَيْرِ دَابَّةٍ وَ لَا مَرْكُوبٍ- فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلَّا مِنْ شِدَّةِ وَجْدِي وَ حُزْنِي- وَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا اللَّعِينَ أَمَرَ بِحَرْثِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ خَرَابِ بُنْيَانِهِ وَ قَتْلِ زُوَّارِهِ- فَهَذَا الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْ مَوْطِنِي وَ نقص [نَغَّصَ عَيْشِي- وَ أَجْرَى دُمُوعِي وَ أَقَلَّ هُجُوعِي- فَقَالَ الْبُهْلُولُ وَ أَنَا وَ اللَّهِ كَذَلِكَ فَقَالَ لَهُ قُمْ بِنَا- نَمْضِي إِلَى كَرْبَلَاءَ لِنُشَاهِدَ قُبُورَ أَوْلَادِ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى- قَالَ فَأَخَذَ كُلٌّ بِيَدِ صَاحِبِهِ- حَتَّى وَصَلَا إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ إِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَ قَدْ هَدَمُوا بُنْيَانَهُ- وَ كُلَّمَا أَجْرَوْا عَلَيْهِ الْمَاءَ غَارَ- وَ حَارَ وَ اسْتَدَارَ بِقُدْرَةِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ- وَ لَمْ يَصِلْ قَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ كَانَ الْقَبْرُ الشَّرِيفُ إِذَا جَاءَهُ الْمَاءُ- يَرْتَفِعُ أَرْضُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعَجَّبَ زَيْدٌ الْمَجْنُونُ مِمَّا شَاهَدَهُ- وَ قَالَ انْظُرْ يَا بُهْلُولُيُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ-وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ.... ﴿‏وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏﴾- قَالَ وَ لَمْ يَزَلِ الْمُتَوَكِّلُ يَأْمُرُ بِحَرْثِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)مُدَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً- وَ الْقَبْرُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَ لَا يَعْلُوهُ قَطْرَةٌ مِنَ الْمَاءِ- فَلَمَّا نَظَرَ الْحَارِثُ إِلَى ذَلِكَ قَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَ بِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ- وَ اللَّهِ لَأَهْرُبَنَّ عَلَى وَجْهِي وَ أَهِيمُ فِي الْبَرَارِي- وَ لَا أَحْرُثُ قَبْرَ الْحُسَيْنِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ- وَ إِنَّ لِي مُدَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً أَنْظُرُ آيَاتِ اللَّهِ- وَ أُشَاهِدُ بَرَاهِينَ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَا أَتَّعِظُ وَ لَا أَعْتَبِرُ- ثُمَّ إِنَّهُ حَلَّ النِّيرَانَ وَ طَرَحَ الْفَدَّانَ- وَ أَقْبَلَ يَمْشِي نَحْوَ زَيْدٍ الْمَجْنُونِ- وَ قَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا شَيْخُ قَالَ مِنْ مِصْرَ- فَقَالَ لَهُ وَ لِأَيِّ شَيْءٍ جِئْتَ إِلَى هُنَا- وَ إِنَّهُ لَأَخْشَى عَلَيْكَ مِنَ الْقَتْلِ فَبَكَى زَيْدٌ- وَ قَالَ وَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَنِي حَرْثُ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) فَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ وَ هَيَّجَ حُزْنِي وَ وَجْدِي- فَانْكَبَّ الْحَارِثُ عَلَى أَقْدَامِ زَيْدٍ يُقَبِّلُهُمَا- وَ هُوَ يَقُولُ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي فَوَ اللَّهِ يَا شَيْخُ- مِنْ حِينِ مَا أَقْبَلْتَ إِلَيَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ الرَّحْمَةُ- وَ اسْتَنَارَ قَلْبِي بِنُورِ اللَّهِ وَ إِنِّي آمَنْتُ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ- وَ إِنَّ لِي مُدَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ أَنَا أَحْرُثُ هَذِهِ الْأَرْضَ- وَ كُلَّمَا أَجْرَيْتُ الْمَاءَ إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)غَارَ وَ حَارَ وَ اسْتَدَارَ- وَ لَمْ يَصِلْ إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ مِنْهُ قَطْرَةٌ- وَ كَأَنِّي كُنْتُ فِي سُكْرٍ وَ أَفَقْتُ الْآنَ بِبَرَكَةِ قُدُومِكَ إِلَيَّ- فَبَكَى زَيْدٌ وَ تَمَثَّلَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ- تَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ أُمَيَّةُ قَدْ أَتَتْ -قَتْلَ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهَا مَظْلُوماً فَلَقَدْ أَتَاهُ بَنُو أَبِيهِ بِمِثْلِهِ -هَذَا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُوماً - أَسِفُوا عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا شَارَكُوا -فِي قَتْلِهِ فَتَتَبَّعُوهُ رَمِيماً فَبَكَى الْحَارِثُ وَ قَالَ يَا زَيْدُ قَدْ أَيْقَظْتَنِي مِنْ رَقْدَتِي- وَ أَرْشَدْتَنِي مِنْ غَفْلَتِي وَ هَا أَنَا الْآنَ- مَاضٍ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ بِسُرَّمَنْرَأَى- أُعَرِّفُهُ بِصُورَةِ الْحَالِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَنِي وَ إِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَنِي- فَقَالَلَهُ زَيْدٌ وَ أَنَا أَيْضاً أَسِيرُ مَعَكَ إِلَيْهِ وَ أُسَاعِدُكَ عَلَى ذَلِكَ- قَالَ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ- وَ خَبَّرَهُ بِمَا شَاهَدَ مِنْ بُرْهَانِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) اسْتَشَاطَ غَيْظاً وَ ازْدَادَ بُغْضاً لِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ- وَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَارِثِ وَ أَمَرَ أَنْ يُشَدَّ فِي رِجْلِهِ حَبْلٌ- وَ يُسْحَبَ عَلَى وَجْهِهِ فِي الْأَسْوَاقِ- ثُمَّ يُصْلَبَ فِي مُجْتَمَعِ النَّاسِ لِيَكُونَ عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ- وَ لَا يَبْقَى أَحَدٌ يَذْكُرُ أَهْلَ الْبَيْتِ بِخَيْرٍ أَبَداً- وَ أَمَّا زَيْدٌ الْمَجْنُونُ فَإِنَّهُ ازْدَادَ حُزْنُهُ- وَ اشْتَدَّ عَزَاؤُهُ وَ طَالَ بُكَاؤُهُ وَ صَبَرَ حَتَّى أَنْزَلُوهُ مِنَ الصَّلْبِ- وَ أَلْقَوْهُ عَلَى مَزْبَلَةٍ هُنَاكَ فَجَاءَ إِلَيْهِ زَيْدٌ- فَاحْتَمَلَهُ إِلَى الدِّجْلَةِ وَ غَسَّلَهُ وَ كَفَّنَهُ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ دَفَنَهُ- وَ بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُفَارِقُ قَبْرَهُ وَ هُوَ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ عِنْدَهُ- فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ إِذْ سَمِعَ صُرَاخاً عَالِياً- وَ نَوْحاً شَجِيّاً وَ بُكَاءً عَظِيماً- وَ نِسَاءً بِكَثْرَةٍ مُنَشَّرَاتِ الشُّعُورِ- مُشَقَّقَاتِ الْجُيُوبِ مُسْوَدَّاتِ الْوُجُوهِ- وَ رِجَالًا بِكَثْرَةٍ يَنْدِبُونَ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ- وَ النَّاسُ كَافَّةً فِي اضْطِرَابٍ شَدِيدٍ- وَ إِذَا بِجَنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ- وَ قَدْ نُشِرَتْ لَهَا الْأَعْلَامُ وَ الرَّايَاتُ- وَ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهَا أَفْوَاجاً- قَدِ انْسَدَّتِ الطُّرُقُ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ- قَالَ زَيْدٌ فَظَنَنْتُ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ قَدْ مَاتَ- فَتَقَدَّمْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ وَ قُلْتُ لَهُ مَنْ يَكُونُ هَذَا الْمَيِّتُ- فَقَالَ هَذِهِ جَنَازَةُ جَارِيَةِ الْمُتَوَكِّلِ- وَ هِيَ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ حَبَشِيَّةٌ وَ كَانَ اسْمُهَا رَيْحَانَةَ- وَ كَانَ يُحِبُّهَا حُبّاً شَدِيداً- ثُمَّ إِنَّهُمْ عَمِلُوا لَهَا شَأْناً عَظِيماً وَ دَفَنُوهَا فِي قَبْرٍ جَدِيدٍ- وَ فَرَشُوا فِيهِ الْوَرْدَ وَ الرَّيَاحِينَ وَ الْمِسْكَ وَ الْعَنْبَرَ- وَ بَنَوْا عَلَيْهَا قُبَّةً عَالِيَةً- فَلَمَّا نَظَرَ زَيْدٌ إِلَى ذَلِكَ ازْدَادَتْ أَشْجَانُهُ- وَ تَصَاعَدَتْ نِيرَانُهُ وَ جَعَلَ يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَ يُمَزِّقُ أَطْمَارَهُ- وَ يُحْثِي التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَ هُوَ يَقُولُ وَا وَيْلَاهْ وَا أَسَفَاهْ عَلَيْكَ- يَا حُسَيْنُ أَ تُقْتَلُ بِالطَّفِّ غَرِيباً وَحِيداً ظَمْآنَ شَهِيداً- وَ تُسْبَى نِسَاؤُكَ وَ بَنَاتُكَ وَ عِيَالُكَ وَ تُذْبَحُ أَطْفَالُكَ- وَ لَمْ يَبْكِ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَ تُدْفَنُ بِغَيْرِ غُسْلٍ وَ لَا كَفَنٍ- وَ يُحْرَثُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْرُكَ لِيُطْفِئُوا نُورَكَ- وَ أَنْتَ ابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى وَ ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ- وَ يَكُونُ هَذَا الشَّأْنُ الْعَظِيمُ لِمَوْتِ جَارِيَةٍ سَوْدَاءَ- وَ لَمْ يَكُنِ الْحُزْنُ وَ الْبُكَاءُ لِابْنِ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى- قَالَ وَ لَمْ يَزَلْ يَبْكِي وَ يَنُوحُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ- وَ النَّاسُ كَافَّةً يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَقَّ لَهُ- وَ مِنْهُمْ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ غَشْوَتِهِ أَنْشَدَ يَقُولُ- أَ يُحْرَثُ بِالطَّفِّ قَبْرُ الْحُسَيْنِ -وَ يَعْمُرُ قَبْرُ بَنِي الزَّانِيَةِ لَعَلَّ الزَّمَانَ بِهِمْ قَدْ يَعُودُ -وَ يَأْتِي بِدَوْلَتِهِمْ ثَانِيَةً أَلَا لَعَنَ اللَّهُ أَهْلَ الْفَسَادِ -وَ مَنْ يَأْمَنُ الدَّنِيَّةَ الْفَانِيَةَ- قَالَ إِنَّ زَيْداً كَتَبَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ فِي وَرَقَةٍ- وَ سَلَّمَهَا لِبَعْضِ حُجَّابِ الْمُتَوَكِّلِ- قَالَ فَلَمَّا قَرَأَهَا اشْتَدَّ غَيْظُهُ وَ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ- فَأُحْضِرَ وَ جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ مِنَ الْوَعْظِ وَ التَّوْبِيخِ- مَا أَغَاظَهُ حَتَّى أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ- سَأَلَهُ عَنْ أَبِي تُرَابٍ مَنْ هُوَ اسْتِحْقَاراً لَهُ- فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنَّكَ عَارِفٌ بِهِ وَ بِفَضْلِهِ وَ شَرَفِهِ وَ حَسَبِهِ وَ نَسَبِهِ- فَوَ اللَّهِ مَا يَجْحَدُ فَضْلَهُ إِلَّا كُلُّ كَافِرٍ مُرْتَابٍ- وَ لَا يُبْغِضُهُ إِلَّا كُلُّ مُنَافِقٍ كَذَّابٍ- وَ شَرَعَ يُعَدِّدُ فَضْلَهُ وَ مَنَاقِبَهُ- حَتَّى ذَكَرَ مِنْهَا مَا أَغَاظَ الْمُتَوَكِّلَ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ فَحُبِسَ- فَلَمَّا أُسْدِلَ الظَّلَامُ وَ هَجَعَ جَاءَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ هَاتِفٌ- وَ رَفَسَهُ بِرِجْلِهِ وَ قَالَ لَهُ قُمْ وَ أَخْرِجْ زَيْداً مِنْ حَبْسِهِ- وَ إِلَّا أَهْلَكَكَ اللَّهُ عَاجِلًا فَقَامَ هُوَ بِنَفْسِهِ- وَ أَخْرَجَ زَيْداً مِنْ حَبْسِهِ وَ خَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِيَّةً- وَ قَالَ لَهُ اطْلُبْ مَا تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ عِمَارَةَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) وَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ لِزُوَّارِهِ فَأَمَرَ لَهُ بِذَلِكَ- فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَرِحاً مَسْرُوراً وَ جَعَلَ يَدُورُ فِي الْبُلْدَانِ- وَ هُوَ يَقُولُ مَنْ أَرَادَ زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)فَلَهُ الْأَمَانُ طُولَ الْأَزْمَانِ.

بحار الأنوار — كتاب تاريخ فاطمة و الحسن و الحسين (ع) · جور الخلفاء على قبره الشريف و ما ظهر من المعجزات عند ضريحه و من تربته و زيارته (صلوات الله عليه)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.