في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): حَمْزَةُ الْعَلَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَاسِرٍ الْخَادِمِ قَالَ: كَانَ الرِّضَا(عليه السلام)إِذَا خَلَا جَمَعَ حَشَمَهُ كُلَّهُمْ عِنْدَهُ الصَّغِيرَ وَ الْكَبِيرَ فَيُحَدِّثُهُمْ وَ يَأْنَسُ بِهِمْ وَ يُؤْنِسُهُمْ وَ كَانَ(عليه السلام)إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمَائِدَةِ لَا يَدَعُ صَغِيراً وَ لَا كَبِيراً حَتَّى السَّائِسَ وَ الْحَجَّامَ إِلَّا أَقْعَدَهُ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ قَالَ يَاسِرٌ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ يَوْماً إِذْ سَمِعْنَا وَقْعَ الْقُفْلِ الَّذِي كَانَ عَلَى بَابِ الْمَأْمُونِ إِلَى دَارِ أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)فَقَالَ لَنَا الرِّضَا أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)قُومُوا تَفَرَّقُوا فَقُمْنَا عَنْهُ فَجَاءَ الْمَأْمُونُ وَ مَعَهُ كِتَابٌ طَوِيلٌ فَأَرَادَ الرِّضَا(عليه السلام)أَنْ يَقُومَ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ الْمَأْمُونُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ لَا يَقُومَ إِلَيْهِ ثُمَّ جَاءَ حَتَّى انْكَبَّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)وَ قَبَّلَ وَجْهَهُ وَ قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى وِسَادَةٍ فَقَرَأَ ذَلِكَ الْكِتَابَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فَتْحٌ لِبَعْضِ قُرَى كَابُلَ فِيهِ إِنَّا فَتَحْنَا قَرْيَةَ كَذَا وَ كَذَا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)وَ سَرَّكَ فَتْحُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشِّرْكِ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ أَ وَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ سُرُورٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وَ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ خَصَّكَ بِهِ فَإِنَّكَ قَدْ ضَيَّعْتَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ وَ فَوَّضْتَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِكَ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَعَدْتَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَ تَرَكْتَ بَيْتَ الْهِجْرَةِ وَ مَهْبِطَ الْوَحْيِ وَ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ يُظْلَمُونَ دُونَكَ وَ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً وَ يَأْتِي عَلَى الْمَظْلُومِ دَهْرٌ يُتْعِبُ فِيهِ نَفْسَهُ وَ يَعْجِزُ عَنْ نَفَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَشْكُو إِلَيْهِ حَالَهُ وَ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَ ارْجِعْ إِلَى بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَعْدِنِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ أَ مَا عَلِمْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ وَالِيَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ الْعَمُودِ فِي وَسَطِ الْفُسْطَاطِ مَنْ أَرَادَهُ أَخَذَهُ قَالَ الْمَأْمُونُ يَا سَيِّدِي فَمَا تَرَى قَالَ أَرَى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ وَ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَوْضِعِ آبَائِكَ وَ أَجْدَادِكَ وَ تَنْظُرَ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَ لَا تَكِلَهُمْ إِلَى غَيْرِكَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَائِلُكَ عَمَّا وَلَّاكَ فَقَامَ الْمَأْمُونُ فَقَالَ نِعْمَ مَا قُلْتَ يَا سَيِّدِي هَذَا هُوَ الرَّأْيُ وَ خَرَجَ وَ أَمَرَ أَنْ تُقَدَّمَ النَّوَائِبُ وَ بَلَغَ ذَلِكَ ذَا الرِّئَاسَتَيْنِ فَغَمَّهُ غَمّاً شَدِيداً وَ قَدْ كَانَ غَلَبَ عَلَى الْأَمْرِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُونِ عِنْدَهُ رَأْيٌ فَلَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُكَاشِفَهُ ثُمَّ قَوِيَ الرِّضَا(عليه السلام)جِدّاً فَجَاءَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ إِلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي أَمَرْتَ بِهِ فَقَالَ أَمَرَنِي سَيِّدِي أَبُو الْحَسَنِ بِذَلِكَ وَ هُوَ الصَّوَابُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا بِصَوَابٍ قَتَلْتَ بِالْأَمْسِ أَخَاكَ وَ أَزَلْتَ الْخِلَافَةَ عَنْهُ وَ بَنُو أَبِيكَ مُعَادُونَ لَكَ وَ جَمِيعُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَ الْعَرَبِ ثُمَّ أَحْدَثْتَ هَذَا الْحَدَثَ الثَّانِيَ أَنَّكَ جَعَلْتَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ لِأَبِي الْحَسَنِ وَ أَخْرَجْتَهَا مِنْ بَنِي أَبِيكَ وَ الْعَامَّةُ وَ الْعُلَمَاءُ وَ الْفُقَهَاءُ وَ آلُ عَبَّاسٍ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ وَ قُلُوبُهُمْ مُتَنَافِرَةٌ عَنْكَ وَ الرَّأْيُ أَنْ تُقِيمَ بِخُرَاسَانَ حَتَّى تَسْكُنَ قُلُوبُ النَّاسِ عَلَى هَذَا وَ يَتَنَاسَوْا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ أَخِيكَ وَ هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَشَايِخُ قَدْ خَدَمُوا الرَّشِيدَ وَ عَرَفُوا الْأَمْرَ فَاسْتَشِرْهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أَشَارُوا بِهِ فَأَمْضِهِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ مِثْلُ مَنْ قَالَ مِثْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ وَ ابْنِ مُونِسَ وَ الْجَلُودِيِّ وَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ نَقَمُوا بَيْعَةَ أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)وَ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَحَبَسَهُمُ الْمَأْمُونُ بِهَذَا السَّبَبِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ نَعَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)فَدَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا صَنَعْتَ فَحَكَى لَهُ مَا قَالَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ وَ دَعَا الْمَأْمُونُ بِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْحَبْسِ فَأَوَّلُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ فَنَظَرَ إِلَى الرِّضَا(عليه السلام)بِجَنْبِ الْمَأْمُونِ فَقَالَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُخْرِجَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ وَ خَصَّكُمْ بِهِ وَ تَجْعَلَهُ فِي أَيْدِي أَعْدَائِكُمْ وَ مَنْ كَانَ آبَاؤُكَ يَقْتُلُونَهُمْ وَ يُشَرِّدُونَهُمْ فِي الْبِلَادِ قَالَ الْمَأْمُونُ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وَ أَنْتَ بَعْدُ عَلَى هَذَا قَدِّمْهُ يَا حَرَسِيُّ وَ اضْرِبْ عُنُقَهُ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَ أُدْخِلَ ابْنُ مُونِسَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الرِّضَا(عليه السلام)بِجَنْبِ الْمَأْمُونِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا الَّذِي بِجَنْبِكَ وَ اللَّهِ صَنَمٌ يُعْبَدُ دُونَ اللَّهِ قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وَ أَنْتَ بَعْدُ عَلَى هَذَا يَا حَرَسِيُّ قَدِّمْهُ وَ اضْرِبْ عُنُقَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ثُمَّ أُدْخِلَ الْجَلُودِيُّ وَ كَانَ الْجَلُودِيُّ فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ لَمَّا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ بَعَثَهُ الرَّشِيدُ وَ أَمَرَهُ إِنْ ظَفِرَ بِهِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ وَ أَنْ يُغِيرَ عَلَى دُورِ آلِ أَبِي طَالِبٍ وَ أَنْ يَسْلُبَ نِسَاءَهُمْ وَ لَا يَدَعَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَّا ثَوْباً وَاحِداً فَفَعَلَ الْجَلُودِيُّ ذَلِكَ وَ قَدْ كَانَ مَضَى أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى(عليه السلام)فَصَارَ الْجَلُودِيُّ إِلَى بَابِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(عليه السلام)فَانْهَجَمَ عَلَى دَارِهِ مَعَ خَيْلِهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الرِّضَا(عليه السلام)جَعَلَ النِّسَاءَ كُلَّهُنَ فِي بَيْتٍ وَ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَقَالَ الْجَلُودِيُّ لِأَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)لَا بُدَّ مِنْ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأَسْلُبَهُنَّ كَمَا أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ الرِّضَا(عليه السلام)أَنَا أَسْلُبُهُنَّ لَكَ وَ أَحْلِفُ أَنِّي لَا أَدَعُ عَلَيْهِنَّ شَيْئاً إِلَّا أَخَذْتُهُ فَلَمْ يَزَلْ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَ يَحْلِفُ لَهُ حَتَّى سَكَنَ فَدَخَلَ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)فَلَمْ يَدَعْ عَلَيْهِنَّ شَيْئاً حَتَّى أَقْرَاطَهُنَّ وَ خَلَاخِيلَهُنَّ وَ إِزَارَهُنَّ إِلَّا أَخَذَهُ مِنْهُنَّ وَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي الدَّارِ مِنْ قَلِيلٍ وَ كَثِيرٍ فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَ أُدْخِلَ الْجَلُودِيُّ عَلَى الْمَأْمُونِ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَبْ لِي هَذَا الشَّيْخَ فَقَالَ الْمَأْمُونُ يَا سَيِّدِي هَذَا الَّذِي فَعَلَ بِبَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَا فَعَلَ مِنْ سَلْبِهِنَّ فَنَظَرَ الْجَلُودِيُّ إِلَى الرِّضَا(عليه السلام)وَ هُوَ يُكَلِّمُ الْمَأْمُونَ وَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَ يَهَبَهُ لَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يُعِينُ عَلَيْهِ لِمَا كَانَ الْجَلُودِيُّ فَعَلَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَ بِخِدْمَتِي لِلرَّشِيدِ أَنْ لَا تَقْبَلَ قَوْلَ هَذَا فِيَّ فَقَالَ الْمَأْمُونُ يَا أَبَا الْحَسَنِ قَدِ اسْتَعْفَى وَ نَحْنُ نُبِرُّ قَسَمَهُ ثُمَّ قَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا أَقْبَلُ فِيكَ قَوْلَهُ أَلْحِقُوهُ بِصَاحِبَيْهِ فَقُدِّمَ وَ ضُرِبَ عُنُقُهُ وَ رَجَعَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ إِلَى أَبِيهِ سَهْلٍ وَ قَدْ كَانَ الْمَأْمُونُ أَمَرَ أَنْ تُقَدَّمَ النَّوَائِبُ فَرَدَّهَا ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ فَلَمَّا قَتَلَ الْمَأْمُونُ هَؤُلَاءِ عَلِمَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ أَنَّهُ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَالَ الرِّضَا(عليه السلام)يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا صَنَعْتَ بِتَقْدِيمِ النَّوَائِبِ قَالَ الْمَأْمُونُ يَا سَيِّدِي مُرْهُمْ أَنْتَ بِذَلِكَ فَخَرَجَ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)وَ صَاحَ بِالنَّاسِ قَدِّمُوا النَّوَائِبَ قَالَ فَكَأَنَّمَا وَقَعَتْ فِيهِمُ النِّيرَانُ وَ أَقْبَلَتِ النَّوَائِبُ يَتَقَدَّمُ وَ يَخْرُجُ وَ قَعَدَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ مَنْزِلَهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مَا لَكَ قَعَدْتَ فِي بَيْتِكَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ ذَنْبِي عَظِيمٌ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَ النَّاسُ يَلُومُونَنِي بِقَتْلِ أَخِيكَ الْمَخْلُوعِ وَ بَيْعَةِ الرِّضَا(عليه السلام)وَ لَا آمَنُ السُّعَاةَ وَ الْحُسَّادَ وَ أَهْلَ الْبَغْيِ أَنْ يَسْعَوْا بِي فَدَعْنِي أَخْلُفْكَ بِخُرَاسَانَ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ لَا نَسْتَغْنِي عَنْكَ فَأَمَّا مَا قُلْتَ إِنَّهُ يُسْعَى بِكَ وَ يُبْغَى لَكَ الْغَوَائِلُ فَلَيْسَ أَنْتَ عِنْدَنَا إِلَّا الثِّقَةَ الْمَأْمُونَ النَّاصِحَ الْمُشْفِقَ فَاكْتُبْ لِنَفْسِكَ مَا تَثِقُ بِهِ مِنَ الضَّمَانِ وَ الْأَمَانِ وَ أَكِّدْ لِنَفْسِكَ مَا تَكُونُ بِهِ مُطْمَئِنّاً فَذَهَبَ وَ كَتَبَ لِنَفْسِهِ كِتَاباً وَ جَمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ وَ أَتَى بِهِ الْمَأْمُونَ فَقَرَأَهُ وَ أَعْطَاهُ الْمَأْمُونُ كُلَّ مَا أَحَبَّ وَ كَتَبَ لَهُ بِخَطِّهِ كِتَابَ الْحَبْوَةِ إِنِّي قَدْ حَبَوْتُكَ بِكَذَا وَ كَذَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الضِّيَاعِ وَ السُّلْطَانِ وَ بَسَطَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا أَمَلَهُ فَقَالَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَطُّ أَبِي الْحَسَنِ فِي هَذَا الْأَمَانِ يُعْطِينَا مَا أَعْطَيْتَ فَإِنَّهُ وَلِيُّ عَهْدِكَ فَقَالَ الْمَأْمُونُ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ(عليه السلام)قَدْ شَرَطَ عَلَيْنَا أَنْ لَا يَعْمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ لَا يُحْدِثَ حَدَثاً فَلَا نَسْأَلُهُ مَا يَكْرَهُهُ فَاسْأَلْهُ أَنْتَ فَإِنَّهُ لَا يَأْبَى عَلَيْكَ فِي هَذَا فَجَاءَ وَ اسْتَأْذَنَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)قَالَ يَاسِرٌ فَقَالَ لَنَا الرِّضَا(عليه السلام)قُومُوا فَتَنَحَّوْا فَتَنَحَّيْنَا فَدَخَلَ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاعَةً فَرَفَعَ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا حَاجَتُكَ يَا فَضْلُ قَالَ يَا سَيِّدِي هَذَا مَا كَتَبَهُ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْتَ أَوْلَى أَنْ تُعْطِيَنَا مِثْلَ مَا أَعْطَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ كُنْتَ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ لَهُ الرِّضَا(عليه السلام)اقْرَأْهُ وَ كَانَ كِتَاباً فِي أَكْبَرِ جِلْدٍ فَلَمْ يَزَلْ قَائِماً حَتَّى قَرَأَهُ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)يَا فَضْلُ لَكَ عَلَيْنَا هَذَا مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ يَاسِرٌ فَنَقَضَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَ خَرَجَ الْمَأْمُونُ وَ خَرَجْنَا مَعَ الرِّضَا(عليه السلام)فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ وَ نَحْنُ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ وَرَدَ عَلَى ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ كِتَابٌ مِنْ أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ أَنِّي نَظَرْتُ فِي تَحْوِيلِ هَذِهِ السَّنَةِ فِي حِسَابِ النُّجُومِ وَ وَجَدْتُ فِيهِ أَنَّكَ تَذُوقُ فِي شَهْرِ كَذَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ حَرَّ الْحَدِيدِ وَ حَرَّ النَّارِ وَ أَرَى أَنْ تَدْخُلَ أَنْتَ وَ الرِّضَا وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْحَمَّامَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَتَحْتَجِمَ فِيهِ وَ تَصُبَّ الدَّمَ عَلَى بَدَنِكَ لِيَزُولَ نَحْسُهُ عَنْكَ فَبَعَثَ الْفَضْلُ إِلَى الْمَأْمُونِ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَ سَأَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ مَعَهُ وَ يَسْأَلَ أَبَا الْحَسَنِ(عليه السلام)أَيْضاً ذَلِكَ فَكَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى الرِّضَا(عليه السلام)رُقْعَةً فِي ذَلِكَ وَ سَأَلَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)لَسْتُ بِدَاخِلٍ غَداً الْحَمَّامَ وَ لَا أَرَى لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَمَّامَ غَداً وَ لَا أَرَى لِلْفَضْلِ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ غَداً فَأَعَادَ إِلَيْهِ الرُّقْعَةَ مَرَّتَيْنِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)لَسْتُ بِدَاخِلٍ غَداً الْحَمَّامَ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي النَّوْمِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَقُولُ لِي يَا عَلِيُّ لَا تَدْخُلِ الْحَمَّامَ غَداً فَلَا أَرَى لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَا لِلْفَضْلِ أَنْ تَدْخُلَا الْحَمَّامَ غَداً فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ صَدَقْتَ يَا سَيِّدِي وَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ لَسْتُ بِدَاخِلٍ غَداً الْحَمَّامَ وَ الْفَضْلُ فَهُوَ أَعْلَمُ وَ مَا يَفْعَلُهُ قَالَ يَاسِرٌ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا وَ غَابَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ لَنَا الرِّضَا(عليه السلام)قُولُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَأَقْبَلْنَا نَقُولُ كَذَلِكَ فَلَمَّا صَلَّى الرِّضَا(عليه السلام)الصُّبْحَ قَالَ لَنَا قُولُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَمَا زِلْنَا نَقُولُ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ قَرِيباً مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ الرِّضَا(عليه السلام)اصْعَدِ السَّطْحَ فَاسْتَمِعْ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئاً فَلَمَّا صَعِدْتُ سَمِعْتُ الضَّجَّةَ وَ النَّحِيبَ وَ كَثُرَ ذَلِكَ فَإِذَا بِالْمَأْمُونِ قَدْ دَخَلَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي كَانَ إِلَى دَارِهِ مِنْ دَارِ أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)يَقُولُ يَا سَيِّدِي يَا أَبَا الْحَسَنِ آجَرَكَ اللَّهُ فِي الْفَضْلِ وَ كَانَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُ وَ أُخِذَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْحَمَّامِ وَ كَانُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ أَحَدُهُمْ ابْنُ خَالَةِ الْفَضْلِ ذُو الْقَلَمَيْنِ- قَالَ وَ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ وَ الْجُنْدُ وَ مَنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ عَلَى بَابِ الْمَأْمُونِ فَقَالُوا اغْتَالَهُ وَ قَتَلَهُ فَلَنَطْلُبَنَّ بِدَمِهِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلرِّضَا(عليه السلام)يَا سَيِّدِي تَرَى أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَ تُفَرِّقَهُمْ قَالَ يَاسِرٌ فَرَكِبَ الرِّضَا(عليه السلام)وَ قَالَ لِيَ ارْكَبْ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْبَابِ نَظَرَ الرِّضَا(عليه السلام)إِلَيْهِمْ وَ قَدِ اجْتَمَعُوا وَ جَاءُوا بِالنِّيرَانِ لِيُحْرِقُوا الْبَابَ فَصَاحَ بِهِمْ وَ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ تَفَرَّقُوا فَتَفَرَّقُوا قَالَ يَاسِرٌ فَأَقْبَلَ النَّاسُ وَ اللَّهِ يَقَعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ مَا أَشَارَ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا رَكَضَ وَ مَرَّ وَ لَمْ يَقِفْ لَهُ أَحَدٌ.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ علي بن موسى الرضا و محمد بن علي الجواد و علي بن محمد الهادي و الحسن بن علي العسكري (ع) · سائر ما جرى بينه(ع)و بين المأمون و أمرائه