في الطرائف: مِنَ الطَّرَائِفِ الْمَشْهُورَةِ مَا بَلَغَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ فِي مَدْحِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)وَ مَدْحِ أَهْلِ بَيْتِهِ(عليه السلام)ذَكَرَهُ ابْنُ مِسْكَوَيْهِ صَاحِبُ التَّارِيخِ الْمُسَمَّى بِحَوَادِثِ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ نَدِيمَ الْفَرِيدِ يَقُولُ فِيهِ حَيْثُ ذَكَرَ كِتَاباً كَتَبَهُ بَنُو هَاشِمٍ يَسْأَلُونَ جَوَابَهُمْ مَا هَذَا لَفْظُهُ فَقَالَ الْمَأْمُونُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ الرَّاغِمِينَ أَمَّا بَعْدُ عَرَفَ الْمَأْمُونُ كِتَابَكُمْ وَ تَدْبِيرَ أَمْرِكُمْ وَ مَخْضَ زُبْدَتِكُمْ وَ أَشْرَفَ عَلَى قُلُوبِ صَغِيرِكُمْ وَ كَبِيرِكُمْ وَ عَرَفَكُمْ مُقْبِلِينَ وَ مُدْبِرِينَ وَ مَا آلَ إِلَيْهِ كِتَابُكُمْ قَبْلَ كِتَابِكُمْ فِي مُرَاوَضَةِ الْبَاطِلِ وَ صَرْفِ وُجُوهِ الْحَقِّ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَ نَبْذِكُمْ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَ الْآثَارَ وَ كُلَّ مَا جَاءَكُمْ بِهِ الصَّادِقُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم حَتَّى كَأَنَّكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّتِي هَلَكَتْ بِالْخَسْفَةِ وَ الْغَرَقِ وَ الرِّيحِ وَ الصَّيْحَةِ وَ الصَّوَاعِقِ وَ الرَّجْمِ أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها وَ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَأْمُونِ ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ لَوْ لَا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ إِنَّ الْمَأْمُونَ تَرَكَ الْجَوَابَ عَجْزاً لَمَا أَجَبْتُكُمْ مِنْ سُوءِ أَخْلَاقِكُمْ وَ قِلَّةِ أَخْطَارِكُمْ وَ رَكَاكَةِ عُقُولِكُمْ وَ مِنْ سَخَافَةِ مَا تَأْوُونَ إِلَيْهِ مِنْ آرَائِكُمْ فَلْيَسْتَمِعْ مُسْتَمِعٌ فَلْيُبَلِّغْ شَاهِدٌ غَائِباً أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ قُرَيْشٌ فِي أَنْفُسِهَا وَ أَمْوَالِهَا لَا يَرَوْنَ أَحَداً يُسَامِيهِمْ وَ لَا يُبَارِيهِمْ فَكَانَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وآله وسلم أَمِيناً مِنْ أَوْسَطِهِمْ بَيْتاً وَ أَقَلِّهِمْ مَالًا وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ فَوَاسَتْهُ بِمَالِهَا ثُمَّ آمَنَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سَبْعَ سِنِينَ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئاً طَرْفَةَ عَيْنٍ وَ لَمْ يَعْبُدْ وَثَناً وَ لَمْ يَأْكُلْ رِبًا وَ لَمْ يُشَاكِلِ الْجَاهِلِيَّةَ فِي جَهَالاتِهِمْ وَ كَانَتْ عُمُومَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِمَّا مُسْلِمٌ مَهِينٌ أَوْ كَافِرٌ مُعَانِدٌ إِلَّا حَمْزَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ لَا يَمْتَنِعُ الْإِسْلَامُ مِنْهُ فَمَضَى لِسَبِيلِهِ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ أَمَّا أَبُو طَالِبٍ فَإِنَّهُ كَفَلَهُ وَ رَبَّاهُ وَ لَمْ يَزَلْ مُدَافِعاً عَنْهُ وَ مَانِعاً مِنْهُ فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ أَبَا طَالِبٍ فَهَمَّ الْقَوْمُ وَ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَاجَرَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فَلَمْ يَقُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَقِيَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)فَإِنَّهُ آزَرَهُ وَ وَقَاهُ بِنَفْسِهِ وَ نَامَ فِي مَضْجَعِهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بَعْدُ مُتَمَسِّكاً بِأَطْرَافِ الثُّغُورِ وَ يُنَازِلُ الْأَبْطَالَ وَ لَا يَنْكُلُ عَنْ قَرْنٍ وَ لَا يُوَلِّي عَنْ جَيْشٍ مَنِيعُ الْقَلْبِ يُؤَمَّرُ عَلَى الْجَمِيعِ وَ لَا يُؤَمَّرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَشَدُّ النَّاسِ وَطْأَةً عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَ أَعْظَمُهُمْ جِهَاداً فِي اللَّهِ وَ أَفْقَهُهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ وَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَ أَعْرَفُهُمْ بِالْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ هُوَ صَاحِبُ الْوَلَايَةِ فِي حَدِيثِ غَدِيرِ خُمٍّ وَ صَاحِبُ قَوْلِهِ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ صَاحِبُ يَوْمِ الطَّائِفِ وَ كَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ صَاحِبَ الْبَابِ فُتِحَ لَهُ وَ سُدَّ أَبْوَابُ الْمَسْجِدِ وَ هُوَ صَاحِبُ الرَّايَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَ صَاحِبُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ فِي الْمُبَارَزَةِ وَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم حِينَ آخَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَ هُوَ مَنِيعٌ جَزِيلٌ وَ هُوَ صَاحِبُ آيَةِ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً وَ هُوَ زَوْجُ فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ هُوَ خَتَنُ خَدِيجَةَ(عليها السلام)وَ هُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم رَبَّاهُ وَ كَفَلَهُ وَ هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)فِي نُصْرَتِهِ وَ جِهَادِهِ وَ هُوَ نَفْسُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي يَوْمِ الْمُبَاهَلَةِ وَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ يُنْفِذَانِ حُكْماً حَتَّى يَسْأَلَانِهِ عَنْهُ فَمَا رَأَى إِنْفَاذَهُ أَنْفَذَاهُ وَ مَا لَمْ يَرَهُ رَدَّاهُ وَ هُوَ دَخَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فِي الشُّورَى وَ لَعَمْرِي لَوْ قَدَرَ أَصْحَابُهُ عَلَى دَفْعِهِ عَنْهُ(عليه السلام)كَمَا دُفِعَ الْعَبَّاسُ (رضوان الله عليه) وَ وَجَدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا لَدَفَعُوهُ فَأَمَّا تَقْدِيمُكُمُ الْعَبَّاسَ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ مَا فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمَنَاقِبِ وَ الْفَضَائِلِ وَ الْآيِ الْمُفَسِّرَةِ فِي الْقُرْآنِ خَلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ أَوْ غَيْرِهِ لَكَانَ مُسْتَأْهِلًا مُتَأَهِّلًا لِلْخِلَافَةِ مُقَدَّماً عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ بِتِلْكَ الْخَلَّةِ ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأُمُورُ تَتَرَاقَى بِهِ إِلَى أَنْ وَلِيَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَعْنِ بِأَحَدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ تَعْظِيماً لِحَقِّهِ وَ صِلَةً لِرَحِمِهِ وَ ثِقَةً بِهِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ نَحْنُ وَ هُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ كَمَا زَعَمْتُمْ حَتَّى قَضَى اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَمْرِ إِلَيْنَا فَأَخَفْنَاهُمْ وَ ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمْ وَ قَتَلْنَاهُمْ أَكْثَرَ مِنْ قَتْلِ بَنِي أُمَيَّةَ إِيَّاهُمْ وَيْحَكُمْ إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ إِنَّمَا قَتَلُوا مِنْهُمْ مَنْ سَلَّ سَيْفاً وَ إِنَّا مَعْشَرَ بَنِي الْعَبَّاسِ قَتَلْنَاهُمْ جُمَلًا فَلَتُسْأَلَنَّ أَعْظُمُ الْهَاشِمِيَّةِ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَ لَتُسْأَلَنَّ نُفُوسٌ أُلْقِيَتْ فِي دِجْلَةَ وَ الْفُرَاتِ وَ نُفُوسٌ دُفِنَتْ بِبَغْدَادَ وَ الْكُوفَةِ أَحْيَاءً هَيْهَاتَ إِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وَ أَمَّا مَا وَصَفْتُمْ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوعِ وَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ لُبْسٍ فَلَعَمْرِي مَا لَبَّسَ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ إِذْ هَوَيْتُمْ عَلَيْهِ النَّكْثَ وَ زَيَّنْتُمْ لَهُ الْغَدْرَ وَ قُلْتُمْ لَهُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَمْرِ أَخِيكَ وَ هُوَ رَجُلٌ مُغَرَّبٌ وَ مَعَكَ الْأَمْوَالُ وَ الرِّجَالُ نَبْعَثُ إِلَيْهِ فَيُؤْتَى بِهِ فَكَذَّبْتُمْ وَ دَبَّرْتُمْ وَ نَسِيتُمْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَنْ... بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِبْصَارِ الْمَأْمُونِ فِي الْبَيْعَةِ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(عليه السلام)فَمَا بَايَعَ لَهُ الْمَأْمُونُ إِلَّا مُسْتَبْصِراً فِي أَمْرِهِ عَالِماً بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ عَلَى ظَهْرِهَا أَبْيَنَ فَضْلًا وَ لَا أَظْهَرَ عِفَّةً وَ لَا أَوْرَعَ وَرَعاً وَ لَا أَزْهَدَ زُهْداً فِي الدُّنْيَا وَ لَا أَطْلَقَ نَفْساً وَ لَا أَرْضَى فِي الْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ وَ لَا أَشَدَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ مِنْهُ وَ أَنَّ الْبَيْعَةَ لَهُ لَمُوَافِقَةٌ رِضَا الرَّبِّ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَقَدْ جَهَدْتُ وَ مَا أَجِدُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ كَانَتْ بَيْعَتِي بَيْعَةَ مُحَابَاةٍ لَكَانَ الْعَبَّاسُ ابْنِي وَ سَائِرُ وُلْدِي أَحَبَّ إِلَى قَلْبِي وَ أَجْلَى فِي عَيْنِي وَ لَكِنْ أَرَدْتُ أَمْراً وَ أَرَادَ اللَّهُ أَمْراً فَلَمْ يَسْبِقْ أَمْرِي أَمْرَ اللَّهِ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِمَّا مَسَّكُمْ مِنَ الْجَفَاءِ فِي وَلَايَتِي فَلَعَمْرِي مَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا مِنْكُمْ بِمُظَافَرَتِكْم عَلَيْهِ وَ مُمَايَلَتِكُمْ إِيَّاهُ فَلَمَّا قَتَلْتُهُ وَ تَفَرَّقْتُمْ عَبَادِيدَ فَطَوْراً أَتْبَاعاً لِابْنِ أَبِي خَالِدٍ وَ طَوْراً أَتْبَاعاً لِأَعْرَابِيٍّ وَ طَوْراً أَتْبَاعاً لِابْنِ شَكْلَةَ ثُمَّ لِكُلِّ مَنْ سَلَّ سَيْفاً عَلَيَّ وَ لَوْ لَا أَنَّ شِيمَتِيَ الْعَفْوُ وَ طَبِيعَتِيَ التَّجَاوُزُ مَا تَرَكْتُ عَلَى وَجْهِهَا مِنْكُمْ أَحَداً فَكُلُّكُمْ حَلَالُ الدَّمِ مُحِلٌّ بِنَفْسِهِ وَ أَمَّا مَا سَأَلْتُمْ مِنَ الْبَيْعَةِ لِلْعَبَّاسِ ابْنِي أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَيْلَكُمْ إِنَّ الْعَبَّاسَ غُلَامٌ حَدَثُ السِّنِّ وَ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ وَ لَمْ يُمْهَلْ وَحْدَهُ وَ لَمْ تُحْكِمْهُ التَّجَارِبُ تُدَبِّرُهُ النِّسَاءُ وَ تَكْفُلُهُ الْإِمَاءُ ثُمَّ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يَعْرِفْ حَلَالًا مِنْ حَرَامٍ إِلَّا مَعْرِفَةً لَا تَأْتِي بِهِ رَعِيَّةٌ وَ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَ لَوْ كَانَ مُسْتَأْهِلًا قَدْ أَحْكَمَتْهُ التَّجَارِبُ وَ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَ بَلَغَ مَبْلَغَ أَمِيرِ الْعَدْلِ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَ صَرَفَ النَّفْسَ عَنْهَا مَا كَانَ لَهُ عِنْدِي فِي الْخِلَافَةِ إِلَّا مَا كَانَ لِرَجُلٍ مِنْ عَكٍّ وَ حِمْيَرٍ فَلَا تُكْثِرُوا فِي هَذَا الْمَقَالِ فَإِنَّ لِسَانِي لَمْ يَزَلْ مَخْزُوناً عَنْ أُمُورٍ وَ أَنْبَاءٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَخْنُثَ النُّفُوسُ عِنْدَ مَا تَنْكَشِفُ عِلْماً بِأَنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ وَ مُظْهِرُ قَضَاهُ يَوْماً فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا كَشْفَ الْغِطَاءِ وَ قَشْرَ الْعَظَاءِ فَالرَّشِيدُ أَخْبَرَنِي عَنْ آبَائِهِ وَ عَمَّا وَجَدَ فِي كِتَابِ الدَّوْلَةِ وَ غَيْرِهَا أَنَّ السَّابِعَ مِنْ وُلْدِ الْعَبَّاسِ لَا تَقُومُ لِبَنِي الْعَبَّاسِ بَعْدَهُ قَائِمَةٌ وَ لَا تَزَالُ النِّعْمَةُ مُتَعَلِّقَةً عَلَيْهِمْ بِحَيَاتِهِ فَإِذَا أَوْدَعْتَ فَوَدِّعْهَا فَإِذَا أَوْدَعَ فَوَدِّعَاهَا وَ إِذَا فَقَدْتُمْ شَخْصِي فَاطْلُبُوا لِأَنْفُسِكُمْ مَعْقِلًا وَ هَيْهَاتَ مَا لَكُمْ إِلَّا السَّيْفَ يَأْتِيكُمُ الْحَسَنِيُّ الثَّائِرُ الْبَائِرُ فَيَحْصُدُكُمْ حَصْداً أَوِ السُّفْيَانِيُّ الْمُرْغَمُ وَ الْقَائِمُ الْمَهْدِيُّ يَحْقُنُ دِمَاءَكُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَ أَمَّا مَا كُنْتُ أَرَدْتُهُ مِنَ الْبَيْعَةِ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى بَعْدَ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُ لَهَا فِي نَفْسِهِ وَ اخْتِيَارٍ مِنِّي لَهُ فَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي إِلَّا أَنْ أَكُونَ الْحَاقِنَ لِدِمَائِكُمْ وَ الذَّائِدَ عَنْكُمْ بِاسْتِدَامَةِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ وَ هِيَ الطَّرِيقُ أَسْلُكُهَا فِي إِكْرَامِ آلِ أَبِي طَالِبٍ وَ مُوَاسَاتِهِمْ فِي الْفَيْءِ بِيَسِيرِ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْهُ وَ إِنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَئُولَ إِلَيْهِمْ عَاقِبَةٌ وَ مَنْفَعَةٌ فَإِنِّي فِي تَدْبِيرِكُمْ وَ النَّظَرِ لَكُمْ وَ لِعَقَبِكُمْ وَ أَبْنَائِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ وَ أَنْتُمْ سَاهُونَ لَاهُونَ تَائِهُونَ فِي غَمْرَةٍ تَعْمَهُونَ لَا تَعْلَمُونَ مَا يُرَادُ بِكُمْ وَ مَا أَظْلَلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ النَّقِمَةِ وَ ابْتِزَازِ النِّعْمَةِ هِمَّةُ أَحَدِكُمْ أَنْ يُمْسِيَ مَرْكُوباً وَ يُصْبِحَ مَخْمُوراً تُبَاهُونَ بِالْمَعَاصِي وَ تَبْتَهِجُونَ بِهَا وَ آلِهَتُكُمْ الْبَرَابِطُ مُخَنَّثُونَ مُؤَنَّثُونَ لَا يَتَفَكَّرُ مُتَفَكِّرٌ مِنْكُمْ فِي إِصْلَاحِ مَعِيشَةٍ وَ لَا اسْتِدَامَةِ نِعْمَةٍ وَ لَا اصْطِنَاعِ مَكْرُمَةٍ وَ لَا كَسْبِ حَسَنَةٍ يَمُدُّ بِهَا عُنُقَهُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أَضَعْتُمُ الصَّلَاةَ وَ اتَّبَعْتُمُ الشَّهَوَاتِ وَ أَكْبَبْتُمْ عَلَى اللَّذَّاتِ عَنِ النَّغَمَاتِ فَسَوْفَ تَلْقَوْنَ غَيّاً وَ ايْمُ اللَّهِ لَرُبَّمَا أُفَكِّرُ فِي أَمْرِكُمْ فَلَا أَجِدُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ لِخَلَّةٍ مِنَ الْخِلَالِ إِلَّا أُصِيبَ تِلْكَ الْخَلَّةُ بِعَيْنِهَا فِيكُمْ مَعَ خِلَالٍ كَثِيرَةٍ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّ إِبْلِيسَ اهْتَدَى إِلَيْهَا وَ لَا أَمَرَ بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا وَ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ فَأَيُّكُمْ لَيْسَ مَعَهُ تِسْعَةٌ وَ تِسْعُونَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ قَدِ اتَّخَذْتُمُوهُمْ شِعَاراً وَ دِثَاراً اسْتِخْفَافاً بِالْمَعَادِ وَ قِلَّةَ يَقِينٍ بِالْحِسَابِ وَ أَيُّكُمْ لَهُ رَأْيٌ يُتَّبَعُ أَوْ رَوِيَّةٌ تُنْفَرُ فَشَاهَتِ الْوُجُوهُ وَ عُفِّرَتِ الْخُدُودُ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْعَثْرَةِ كَانَتْ فِي أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام)نَوَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَلَعَمْرِي إِنَّهَا عِنْدِي لَلنَّهْضَةُ وَ الِاسْتِقْلَالُ الَّذِي أَرْجُو بِهِ قَطْعَ الصِّرَاطِ وَ الْأَمْنَ وَ النَّجَاةَ مِنَ الْخَوْفِ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَ لَا أَظُنُّ عَمِلْتُ عَمَلًا هُوَ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَعُودَ بِمِثْلِهَا إِلَى مِثْلِهِ وَ أَيْنَ لِي بِذَلِكَ وَ أَنَّى لَكُمْ بِتِلْكَ السَّعَادَةِ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ إِنِّي سَفِهْتُ آرَاءَ آبَائِكُمْ وَ أَحْلَامَ أَسْلَافِكُمْ فَكَذَلِكَ قَالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ وَيْلَكُمْ إِنَّ الدِّينَ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَافْقَهُوا وَ مَا أَرَاكُمْ تَعْقِلُونَ وَ أَمَّا تَعْيِيرُكُمْ إِيَّايَ بِسِيَاسَةِ الْمَجُوسِ إِيَّاكُمْ فَمَا أَذْهَبَكُمُ الْأَنَفَةُ مِنْ ذَلِكَ وَ لَوْ سَاسَتْكُمُ الْقِرَدَةُ وَ الْخَنَازِيرُ مَا أَرَدْتُمْ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَعَمْرِي لَقَدْ كَانُوا مَجُوساً فَأَسْلَمُوا كَآبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا فِي الْقَدِيمِ فَهُمُ الْمَجُوسُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَ أَنْتُمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا- فَمَجُوسِيٌّ أَسْلَمَ خَيْرٌ مِنْ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَهُمْ يَتَنَاهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَتَقَرَّبُونَ مِنَ الْخَيْرِ وَ يَتَبَاعَدُونَ مِنَ الشَّرِّ وَ يَذُبُّونَ عَنْ حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ يَتَبَاهَجُونَ بِمَا نَالَ الشِّرْكَ وَ أَهْلَهُ مِنَ النُّكْرِ وَ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا نَالَ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وَ لَيْسَ مِنْكُمْ إِلَّا لَاعِبٌ بِنَفْسِهِ مَأْفُونٌ فِي عَقْلِهِ وَ تَدْبِيرِهِ إِمَّا مُغَنٍّ أَوْ ضَارِبِ دَفٍّ أَوْ زَامِرٍ وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ الَّذِينَ قَتَلْتُمُوهُمْ بِالْأَمْسِ نُشِرُوا فَقِيلَ لَهُمْ لَا تَأْنَفُوا فِي مَعَايِبَ تَنَالُونَهُمْ بِهَا لَمَا زَادُوا عَلَى مَا صَيَّرْتُمُوهُ لَكُمْ شِعَاراً وَ دِثَاراً وَ صِنَاعَةً وَ أَخْلَاقاً لَيْسَ فِيكُمْ إِلَّا مَنْ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزِعَ وَ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنَعَ وَ لَا تَأْنَفُونَ وَ لَا تَرْجِعُونَ إِلَّا خَشْيَةً وَ كَيْفَ يَأْنَفُ مَنْ يَبِيتُ مَرْكُوباً وَ يُصْبِحُ بِإِثْمِهِ مُعْجَباً كَأَنَّهُ قَدِ اكْتَسَبَ حَمْداً غَايَتُهُ بَطْنُهُ وَ فَرْجُهُ لَا يُبَالِي أَنْ يَنَالَ شَهْوَتَهُ بِقَتْلِ أَلْفِ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ مَنْ زَيَّنَ لَهُ مَعْصِيَةً أَوْ أَعَانَهُ فِي فَاحِشَةٍ تُنَظِّفُهُ الْمَخْمُورَةُ وَ تَرْبُدُهُ الْمَطْمُورَةُ فَشَتَّتِ الْأَحْوَالُ فَإِنِ ارْتَدَعْتُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَ الْفَضَائِحِ وَ مَا تَهْذَرُونَ بِهِ مِنْ عَذَابِ أَلْسِنَتِكُمْ وَ إِلَّا فَدُونَكُمْ تُعْلَوْا بِالْحَدِيدِ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكُّلِي وَ هُوَ حَسْبِي.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ علي بن موسى الرضا و محمد بن علي الجواد و علي بن محمد الهادي و الحسن بن علي العسكري (ع) · ما كان يتقرب به المأمون إلى الرضا(ع)في الاحتجاج على المخالفين