الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْأَشْعَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ: ثَلَاثٌ لَمْ يَعْرَ مِنْهَا نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ الطِّيَرَةُ وَ الْحَسَدُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ. قال الصدوق ره معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم فأما هم(عليه السلام)فلا يتطيرون و ذلك كما قال الله عز و جل عن قوم صالح ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ و كما قال آخرون لأنبيائهم ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ الآية و أما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا لا أنهم يحسدون غيرهم و ذلك كما قال الله عز و جل ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ و أما التفكر في الوسوسة في الخلق فهو بلواهم(عليه السلام)بأهل الوسوسة لا غير ذلك و ذلك كما حكى الله عن وليد بن المغيرة المخزومي ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يعني قال للقرآن ﴿إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ بيان ما ذكره الصدوق ره وجه متين في الخبر الذي رواه في الخصال و أما سائر الأخبار المروية من طرق الخاصة و العامة المشتملة على التتمات فهذا الوجه لا يجري فيها إلا بتكلف كثير و الظاهر أن المراد بالطيرة فيها انفعال النفس عما يتشأم به أو تأثيرها واقعا و حصول مقتضاها و الأول في المعصومين(عليهم السلام)أظهر بأن يخطر ببالهم الشريفة ثم يدفعوا أثرها بالتوكل و هذا لا ينافي العصمة و أما الحسد فظاهرها أن الحسد المركوز في الخاطر إذا لم يظهره الإنسان لم يكن معصية و لا استبعاد فيه فإنه في أكثر الخلق ليس باختيار و يمكن أن يراد به ما يعم الغبطة و يكون هذه هي الحاصلة فيهم و أما التفكر في الوسوسة في الخلق فيحتمل وجهين الأول أن يراد به التفكر فيما يحصل في نفس الإنسان في خالق الأشياء و كيفية خلقها و منها ربط الحادث بالقديم و خلق أعمال العباد و مسألة القضاء و القدر و التفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم كل ذلك من غير استقرار في النفس و حصول شك بسببها كَمَا رَوَى الْكُلَيْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)عَنِ الْوَسْوَسَةِ فَقَالَ لَا شَيْءَ فِيهَا تَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّهُ يَقَعُ فِي قَلْبِي أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقَالَ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ جَمِيلٌ فَكُلَّمَا وَقَعَ فِي قَلْبِي شَيْءٌ قُلْتُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَذَهَبَ عَنِّي. وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ فَقَالَ لَهُ أَتَاكَ الْخَبِيثُ فَقَالَ لَكَ مَنْ خَلَقَكَ فَقُلْتَ اللَّهُ فَقَالَ لَكَ اللَّهُ مَنْ خَلَقَهُ فَقَالَ إِي وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَكَانَ كَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)ذَاكَ وَ اللَّهِ مَحْضُ الْإِيمَانِ. - قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ هَذَا وَ اللَّهِ مَحْضُ الْإِيمَانِ خَوْفَهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ هَلَكَ حَيْثُ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ. وَ قَدْ رَوَتِ الْعَامَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ أَنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عَنِ الْوَسْوَسَةِ فَقَالَ تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ. وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَ لْيَنْتَهِ. الثاني أن المراد بالخلق المخلوقات و بالتفكر فيهم بالوسوسة التفكر و حديث النفس بعيوبهم و تفتيش أحوالهم و يؤيد هذا الوجه ما رواه الجزري في النهاية و نقلناه آنفا.
بحار الأنوار — كتاب السماء و العالم · آخر في النهي عن الاستمطار بالأنواء و الطيرة و العدوى