الأقسامبحار الأنواركتاب السماء و العالم
بحار الأنوار

سَعْدُ السُّعُودِ، قَالَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ بِالْعَبْدِ وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمَا إِذَا أَرَادَا النُّزُولَ صَبَاحاً وَ مَسَاءً يَنْسَخُ لَهُمَا إِسْرَافِيلُ عَمَلَ الْعَبْدِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَيُعْطِيهِمَا ذَلِكَ فَإِذَا صعد [صَعِدَا صَبَاحاً وَ مَسَاءً بِدِيوَانِ الْعَبْدِ قَابَلَهُ إِسْرَافِيلُ بِالنَّسْخِ الَّتِي انْتَسَخَ لَهُمَا حَتَّى يَظْهَرَ أَنَّهُ كَانَ كَمَا نَسَخَ مِنْهُ. تكملة اعلم أنه أجمعت الإمامية بل جميع المسلمين إلا من شذ منهم من المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم و تضييع عقائدهم على وجود الملائكة و أنهم أجسام لطيفة نورانية ﴿‏أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‏﴾ و أكثر قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة و إنه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما يشاء من الأشكال و الصور على حسب الحكم و المصالح و لهم حركات صعودا و هبوطا و كانوا يراهم الأنبياء و الأوصياء(عليه السلام)و القول بتجردهم و تأويلهم بالعقول و النفوس الفلكية و القوى و الطبائع و تأويل الآيات المتظافرة و الأخبار المتواترة تعويلا على شبهات واهية و استبعادات وهمية زيغ عن سبيل الهدى و اتباع لأهل الجهل و العمى. قال المحقق الدواني في شرح العقائد الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكلات المختلفة و قال شارح المقاصد ظاهر الكتاب و السنة و هو قول أكثر الأمة أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة كاملة في العلم و القدرة على الأفعال الشاقة شأنها الطاعة و مسكنها السماوات هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه و أمناؤه على وحيه ﴿‏يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏﴾ و ﴿‏لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏﴾ و قال الملائكة عند الفلاسفة هم العقول المجردة و النفوس الفلكية و يخص باسم الكروبيين ما لا تكون له علاقة مع الأجسام و لو بالتأثير و ذهب أصحاب الطلسمات إلى أن لكل فلك روحا كليا يدبر أمره و يتشعب منه أرواح كثيرة مثلا للعرش أعني الفلك الأعظم روح يرى أثره في جميع ما في جوفه يسمى بالنفس الكلية و الروح الأعظم و يتشعب منه أرواح كثيرة متعلقة بأجزاء العرش و أطرافه كما أن النفس الناطقة تدبر أمر بدن الإنسان و لها قوة طبيعية و حيوانية و نفسانية بحسب كل عضو و على هذا يحمل قوله تعالى ﴿‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا‏﴾ و قوله تعالى ﴿‏وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ‏﴾ و هكذا سائر الأفلاك و أثبتوا لكل درجة روحا يظهر أثره عند حلول الشمس تلك الدرجة و كذا لكل من الأيام و الساعات و البحار و الجبال و المفاوز و العمران و أنواع النبات و الحيوانات و غير ذلك على ما ورد في لسان الشرع من ملك الأرزاق و ملك البحار و ملك الأمطار و ملك الموت و نحو ذلك و بالجملة فكما ثبت لكل من الأبدان البشرية نفس مدبرة فقد أثبتوا لكل نوع من الأنواع بل لكل صنف روحا يدبره يسمى بالطبائع التام لذلك النوع تحفظه عن الآفات و المخافات و يظهر أثره في النوع ظهور أثر النفس الإنسانية في الشخص انتهى. و قال الرازي في تفسيره إنه لا خلاف بين العقلاء في أن أشرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن أشرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الإنسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة و حقيقتهم و طريق ضبط المذاهب أن يقال الملائكة لا بد و أن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أو لا تكون أما الأول ففيه أقوال أحدها أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات و هذا قول أكثر المسلمين و ثانيها قول طوائف من عبدة الأوثان و هو أن الملائكة في الحقيقة هو هذه الكواكب الموصوفة بالأسعاد و الأنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة و أن المسعدات منها ملائكة الرحمة و المنحسات منها هي ملائكة العذاب. و ثالثها قول معظم المجوس و الثنوية و هو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين و هما النور و الظلمة و هما في الحقيقة جوهران شفافان حساسان مختاران قادران متضادا النفس و الصورة مختلفا الفعل و التدبير فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر و لا يضر و ينفع و لا يمنع و يحبي و لا يبلي و جوهر الظلمة على ضد ذلك ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء و هم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم و الضوء من المضيء و جوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء و هم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية. القول الثاني إن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها و ليست بمتحيزة و لا أجسام فهاهنا قولان أحدهما قول طوائف من النصارى و هو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة بذاتها المفارقة لأبدانها على نعت الصفا و الخيرية و ذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة و إن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين و ثانيها قول الفلاسفة و هي أنها جواهر قائمة بأنفسها ليس بمتحيزة البتة و أنها بالماهية مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية و أنها أكمل قوة منها و أكثر علما و أنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء ثم إن هذه الجواهر على قسمين منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك و الكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا و منها ما هي أعلى شأنا من تدبير أجرام الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله و محبته و مشتغلة بطاعته و هذا القسم هم الملائكة المقربون و نسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة فهذا القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما و منهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة و هي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي ثم إن مدبرات هذا العالم إن كانت خيرات فهم الملائكة و إن كانت شريرة فهم الشياطين ثم اختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع فالفلاسفة على الأول. رَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّذْكِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حِينَ عُرِجَ بِهِ رَأَى الْمَلَائِكَةَ فِي مَوْضِعٍ بِمَنْزِلَةِ سُوقٍ بَعْضُهُمْ يَمْشِي تُجَاهَ بَعْضٍ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنَّهُمْ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُونَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(عليه السلام)لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَرَاهُمْ مُنْذُ خُلِقْتُ وَ لَا أَرَى وَاحِداً مِنْهُمْ قَدْ رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سَأَلُوا وَاحِداً مِنْهُمْ وَ قِيلَ لَهُ مُنْذُ كَمْ خُلِقْتَ فَقَالَ لَا أَدْرِي غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ كَوْكَباً فِي كُلِّ أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ فَخَلَقَ مِثْلَ ذَلِكَ الْكَوَاكِبِ مُنْذُ خَلَقَنِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ كَوْكَبٍ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و سلم) بِنَاحِيَةٍ وَ مَعَهُ جَبْرَئِيلُ(عليه السلام)إِذَا انْشَقَّ أُفُقُ السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ جَبْرَئِيلُ يَتَضَاءَلُ وَ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ. - وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ(عليه السلام)أَطَّتِ السَّمَاءُ وَ حَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَ فِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ. فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ قَالَ أَحْيَاناً يَأْتِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَ هُوَ أَشَدُّ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَ قَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَ أَحْيَاناً يُمَثَّلُ إِلَيَّ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. - فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَى النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مَرَّةً فِي صُورَتِهِ الْخَاصَّةِ كَأَنَّهُ طِبْقُ الْخَافِقَيْنِ.

بحار الأنوار — كتاب السماء و العالم · حقيقة الملائكة و صفاتهم و شئونهم و أطوارهم

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.