وَ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)نَهَى عَنْ أَكْلِ الْمَدَرِ. حدثني بذلك محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي بيان ظاهر الخبر الأول أن حرمة الطين مخصوصة بالطين المبلول دون المدر اليابس كما فهمه الصدوق ظاهرا و هذا مما لم يقل به صريحا أحد و يمكن أن يحمل على أن المعنى أن المحرم إنما هو المبلول و المدر لا غيرهما مما يستهلك في الدبس و يقع على الثمار و سائر المطعومات و على هذا فالحصر إما إضافي بالنسبة إلى ما ذكرنا أو المراد بالمدر ما يشمل التراب أيضا و يحتمل أن يكون إلزاما على المخالفين النافين للاستشفاء بتربة الحسين(عليه السلام)بأن ما استدللتم من الأخبار على تحريم الطين ظاهرها المبلول و إطلاقه على غيره مجاز فلا يمكنكم الاستدلال بها على تحريم التراب و المدر و على التقادير الكراهة محمولة على الحرمة و قال المحدث الأسترآبادي إنما المكروه ذاك الطين المتعارف بين الناس مبلوله و يابسه لا طين الحسين(عليه السلام)انتهى. و أقول مع قطع النظر عن الشهرة بين الأصحاب بل إجماعهم على تعميم التحريم لم يبعد القول بتخصيصه بالمبلول إذ الظاهر أن الطين في اللغة حقيقة في المبلول و أكثر الأخبار إنما ورد بلفظ الطين و هذا الخبر ظاهره الاختصاص و قال الراغب في المفردات الطين التراب و الماء المختلط به و قد يسمى بذلك و إن زال عنه قوة الماء انتهى لكن استثناء طين الحسين(عليه السلام)منه مما يؤيد التعميم فإنه معلوم أنه ليس الاستشفاء بخصوص المبلول بل الغالب عدمه و على أي حال لا محيص عن العمل بما هو المشهور في ذلك. قال المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) الظاهر أنه لا خلاف في تحريم الطين و ظاهر اللفظ عرفا و لغة أنه تراب مخلوط بالماء و يؤيده صحيحة معمر بن خلاد و ذكر الخبر ثم قال و هذه تدل على أنه بعد اليبوسة أيضا حرام و لا يشترط بقاء الرطوبة و لكن لا بد أن يكون ممتزجا فلا يحرم غير ذلك للأصل و العمومات و حصر المحرمات و المشهور بين المتفقهة أنه يحرم التراب و الأرض كلها حتى الرمل و الأحجار قال في المسالك المراد به ما يشمل التراب و المدر لما فيه من الإضرار بالبدن و الضرر مطلقا غير واضح و لعل وجه المشهور أنه إذا كان الطين حراما و ليس فيه إلا الماء و التراب و معلوم عدم تحريم الماء و لا معنى لتحريم شيء بسبب انضمام محلل فلو لم يكن التراب محرما لم يكن الطين كذلك و إنما التراب جزء الأرض فيكون كلها حراما و فيه تأمل واضح فتأمل و لا تترك الاحتياط انتهى. و أقول الوجه الذي حمل الخبر عليه غير ما ذكرنا و مع احتمال تلك الوجوه بل أظهرية بعضها يشكل الاستدلال بهذا الوجه ثم الحكم بتحريم ما سوى الطين و التراب من أجزاء الأرض كالحجارة و الياقوت و الزبرجد و أنواع المعادن مما لا وجه له و الآيات و الأخبار دالة على أن الأصل في الأشياء الحل و لم يرد خبر بتحريم هذه الأشياء و قياسها على التراب باطل و أما المستثنى منه و هو حل طين قبر الحسين(عليه السلام)فالظاهر أنه لا خلاف في حله في الجملة و إنما الكلام في شرائطه و خصوصياته و لنشر إليها و إلى بعض الأحكام المستفادة من الأخبار الأول المكان الذي يؤخذ منه التربة ففي بعض الأخبار طين القبر و هي تدل ظاهرا على أنها التربة المأخوذة من المواضع القريبة مما جاور القبر و في بعضها طين حائر الحسين(عليه السلام)فيدل على جواز أخذه من جميع الحائر و عدم دخول ما خرج منه و في بعضها عشرون ذراعا مكسرة و هو أضيق و في بعضها خمسة و عشرون ذراعا من كل جانب من جوانب القبر و في بعضها تؤخذ طين قبر الحسين(عليه السلام)من عند القبر على سبعين ذراعا و في بعضها فيه شفاء و إن أخذ على رأس ميل و في بعضها البركة من قبره(عليه السلام)على عشرة أميال و في بعضها حرم الحسين(عليه السلام)فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر و في بعضها حرمه(عليه السلام)خمس فراسخ في أربع جوانبه و جمع الشيخ ره و من تأخر عنه بينها بالحمل على اختلاف مراتب الفضل و تجويز الجميع و هو حسن و الأحوط في الأكل أن لا يجاوز الميل بل السبعين و كلما كان أقرب كان أحوط و أفضل قال المحقق الأردبيلي طيب الله تربته و أما المستثنى فالمشهور أنه تربة الحسين(عليه السلام)فكل ما يصدق عليه التربة يكون مباحا و مستثنى و في بعض الروايات طين قبر الحسين(عليه السلام)فالظاهر أن الذي يؤخذ من القبر الشريف حلال و لما كان الظاهر عدم إمكان ذلك دائما فيمكن دخول ما قرب منه و حواليه فيه أيضا و يؤيده ما ورد في بعض الأخبار طين الحائر و في بعض على سبعين ذراعا و في بعض على عشرة أميال انتهى. الثاني شرائط الآخذ فقد ورد في بعض الأخبار شرائط كثيرة من الغسل و الصلاة و الدعاء و لوزن المخصوص كما سيأتي في كتاب المزار إن شاء الله تعالى و لما كان أكثر الأخبار الواردة في ذلك خالية عن ذكر هذه الشروط و الآداب فالظاهر أنها من مكملات فضلها و تأثيرها و لا يشترط الحل بها كما هو المشهور بين الأصحاب قال المحقق الأردبيلي ره الأخبار في جواز أكلها للاستشفاء كثيرة و الأصحاب مطبقون عليه و هل يشترط أخذه بالدعاء و قراءة ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾ ظاهر بعض الروايات في كتب المزار ذلك بل مع شرائط أخرى حتى ورد أنه قال شخص إني أكلت و ما شفيت فقال(عليه السلام)له افعل كذا و كذا و ورد أيضا أن له غسلا و صلاة خاصة و الأخذ على وجه خاص و ربطه و ختمه بخاتم يكون نقشه كذا و يكون أخذه مقدارا خاصا و يحتمل أن يكون ذلك لزيادة الشفاء و سرعته و تبقيته لا مطلقا فيكون مطلقا جائزا كما هو المشهور و في كتب الفقه مسطور. الثالث ما يؤكل له و لا ريب في أنه يجوز للاستشفاء من مرض حاصل و إن ظن إمكان المعالجة بغيره من الأدوية و الظاهر الأمراض الجسمانية أي مرض كان و ربما يوسع بحيث يشمل الأمراض الروحانية و فيه إشكال و أما الأكل بمحض التبرك فالظاهر عدم الجواز للتصريح به في بعض الأخبار و عموم بعضها لكن ورد في بعض الأخبار جواز إفطار العيد به و إفطار يوم عاشوراء أيضا به و جوزه فيهما بعض الأصحاب و لا يخلو من قوة و الاحتياط في الترك إلا أن يكون له مرض يقصد الاستشفاء به أيضا قال المحقق الأردبيلي ره و لا بد أن يكون بقصد الاستشفاء و إلا فيحرم و لم يحصل له الشفاء كما في رواية أبي يحيى و يدل عليه غيرها أيضا و قد نقل أكله يوم عاشوراء بعد العصر و كذا الإفطار بها يوم العيد و لم تثبت صحته فلا يؤكل إلا للشفاء انتهى و قال ابن فهد (قدّس سرّه) ذهب ابن إدريس إلى تحريم التناول إلا عند الحاجة و أجاز الشيخ في المصباح الإفطار عليه في عيد الفطر و جنح العلامة إلى قول ابن إدريس لعموم النهي عن أكل الطين مطلقا و كذا المحقق في النافع ثم قال يحرم التناول إلا عند الحاجة عند ابن إدريس و يجوز على قصد الاستشفاء و التبرك و إن لم يكن هناك ضرورة عند الشيخ. الرابع المقدار المجوز للأكل و الظاهر أنه لا يجوز التجاوز في كل مرة عن قدر الحمصة و إن جاز التكرار إذا لم يحصل الشفاء بالأول و قد مر التصريح بهذا المقدار في الأخبار و كان الأحوط عدم التجاوز عن مقدار عدسة لِمَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ إِنَّ الْعَدَسَ بَارَكَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ نَبِيّاً فَقَالَ هُوَ الَّذِي تُسَمُّونَهُ عِنْدَكُمُ الْحِمَّصَ وَ نَحْنُ نُسَمِّيهِ الْعَدَسَ. - وَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رِفَاعَةَ عَنْهُ(عليه السلام)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا عَافَى أَيُّوبَ(عليه السلام)نَظَرَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ ازْدَرَعَتْ فَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ إِلَهِي وَ سَيِّدِي عَبْدُكَ أَيُّوبُ الْمُبْتَلَى عَافَيْتَهُ وَ لَمْ يَزْدَرِعْ شَيْئاً وَ هَذَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ زَرْعٌ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَا أَيُّوبُ خُذْ مِنْ سُبْحَتِكَ كَفّاً فَابْذُرْهُ وَ كَانَتْ سُبْحَتُهُ فِيهَا مِلْحٌ فَأَخَذَ أَيُّوبُ كَفّاً مِنْهَا فَبَذَرَهُ فَخَرَجَ هَذَا الْعَدَسُ وَ أَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ الْحِمَّصَ وَ نَحْنُ نُسَمِّيهِ الْعَدَسَ. لأنهما يدلان على أنه يطلق الحمص على العدس أيضا فيمكن أن يكون المراد بالحمصة في تلك الأخبار العدسة لكن العدول عن الحقيقة لمحض إطلاقه في بعض الأخبار على غيره غير موجه مع أن ظاهر الخبرين أنهم(عليه السلام)كانوا يسمون الحمصة عدسة لا العكس فتأمل و كذا فهمهما الكليني حيث أوردهما في باب الحمص لا العدس. الخامس الطين الأرمني هل يجوز الاستشفاء به و استعماله في الأدوية فقيل نعم لأنه ورد في الأخبار المؤيدة بعمومات دلائل حل المحرمات عند الاضطرار و قيل لا لعدم صلاحية تلك الأخبار لتخصيص أخبار التحريم و قد ورد المنع عن التداوي بالحرام و الأكثر لم يعتنوا بهذه الأخبار و جعلوا الخلاف فيه فرعا للخلاف في جواز التداوي بالحرام و عدمه و لذا ألحقوا به الطين المختوم و إن لم يرد فيه خبر قال المحقق روح الله روحه في الشرائع و في الأرمني رواية بالجواز حسنة لما فيه من المنفعة المضطر إليها و قال الشهيد الثاني نور الله ضريحه موضع التحريم في تناول الطين ما إذا لم يدع إليه حاجة فإن في بعض الطين خواص و منافع لا تحصل في غيره فإذا اضطر إليه لتلك المنفعة بإخبار طبيب عارف يحصل الظن بصدقه جاز تناول ما تدعو إليه الحاجة لعموم قوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ و قد وردت الرواية بجواز تناول الأرمني و هو طين مخصوص يجلب من أرمنية تترتب عليه منافع خصوصا في زمن الوباء و للإسهال و غيره مما هو مذكور في كتب الطب و مثله الطين المختوم و ربما قيل بالمنع لعموم ما دل على تحريم الطين و قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)ما جعل شفاؤكم في ما حرم عليكم و قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)لا شفاء في محرم و جوابه أن الأمر عام مخصوص بما ذكر و قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)لا ضرر و لا إضرار و الخبران نقول بموجبهما لأنا نمنع من تحريمه حال الضرورة و المراد ما دام محرما و موضع الخلاف ما إذا لم يخف الهلاك و إلا جاز بغير إشكال انتهى و سيأتي تمام الكلام في التداوي بالحرام في بابه إن شاء الله تعالى و قال ابن فهد ره الطين الأرمني إذا دعت الضرورة إليه عينا جاز تناوله خاصة دون غيره و قيل إنه من طين قبر إسكندر و الفرق بينه و بين التربة من وجوه الأول أن التربة يجوز تناولها لطلب الاستشفاء من الأمراض و إن لم يصفها الطبيب بل و إن حذر منها و الأرمني لا يجوز تناوله إلا أن يكون موصوفا الثاني أن التربة لا يتجاوز منها قدر الحمصة و في الأرمني يباح القدر الذي تدعو إليه الحاجة و إن زاد عن ذلك الثالث أن التربة محترمة لا يجوز تقريبها من النجاسة و ليس كذلك الأرمني. المتهجد، يستحب صوم هذا العشر فإذا كان يوم العاشر أمسك عن الطعام و الشراب إلى بعد العصر ثم يتناول شيئا يسيرا من التربة.
بحار الأنوار — كتاب السماء و العالم · تحريم أكل الطين و ما يحل أكله منه