وَ أَقُولُ وَجَدْتُ هَذَا الْخَبَرَ فِي كِتَابِ غَوْرِ الْأُمُورِ لِلتِّرْمِذِيِّ عَلَى وَجْهٍ أَبْسَطَ فَأَحْبَبْتُ إِيرَادَهُ هُنَا قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُقَاتِلٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَهْلٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنَّ إِبْلِيسَ عَدُوَّ اللَّهِ كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ وَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهِمْ مِنْ لَدُنْ نُوحٍ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَكْثَرَ زِيَارَةً وَ لَا أَشَدَّ اسْتِينَاساً مِنْهُ إِلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا(عليه السلام)وَ إِنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ يَحْيَى يَا بَا مُرَّةَ وَ اسْمُهُ الْحَارِثُ وَ كُنْيَتُهُ أَبُو مُرَّةَ وَ إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ إِبْلِيسَ لِأَنَّهُ أُبْلِسَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ يَوْمَ آدَمَ(عليه السلام)فَقَالَ لَهُ يَا بَا مُرَّةَ إِنِّي سَائِلُكَ حَاجَةً فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا تَرُدَّنِي عَنْهَا فَقَالَ لَهُ وَ لَكَ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَسَلْ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا إِنِّي أُحِبُّكَ تَجِيئُنِي فِي صُورَتِكَ وَ خَلْقِكَ وَ تَعْرِضُ عَلَيَّ مَصَايِدَكَ الَّتِي بِهَا تُهْلِكُ النَّاسَ قَالَ إِبْلِيسُ سَأَلْتَنِي أَمْراً عَظِيماً ضِقْتُ بِهِ ذَرْعاً وَ تَفَاقَمَ خَطْبُهُ عِنْدِي وَ لَكِنَّكَ أَعَزُّ عَلَيَّ وَ أَمَنُّ مِنْ أَنْ أَرُدَّكَ بِمَسْأَلَةٍ وَ لَا أُجِيبَكَ بِحَاجَةٍ وَ لَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَخْلُوَ بِرُؤْيَتِي فَلَا يَكُونَ مَعَكَ أَحَدٌ غَيْرُكَ فَتَوَاعَدَا لِغَدٍ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ صَدَرَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَمَثَّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِماً فَنَظَرَ إِلَى أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَظِيمٍ إِذَا هُوَ مَمْسُوخٌ مَنْكُوسٌ مَقْبُوحٌ هَائِلٌ كَرِيهٌ جَسَدُهُ عَلَى أَمْثَالِ أَجْسَادِ الْخَنَازِيرِ وَ وَجْهُهُ عَلَى وَجْهِ الْقِرَدَةِ وَ شُقَّ عَيْنَيْهِ طُولًا وَ شُقَّ فَاهُ طُولًا حِيَالَ رَأْسِهِ وَ أَسْنَانُهُ كُلُّهَا عَظْمٌ وَاحِدٌ لَا ذَقَنَ لَهُ أَصْلًا وَ لَا لِحْيَةَ وَ شَعْرُ رَأْسِهِ مُقَلَّلٌ مَقْلُوبُ الْمَنْبِتِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيْدِي يَدَانِ فِي مَنْكِبَيْهِ وَ يَدَانِ فِي جَنْبَيْهِ وَ أَصَابِعُهُ مِمَّا يَلِيهِ مِنَ الْقَدَمِ خَلْفَهُ وَ عَرَاقِيبُهُ أَمَامَهُ وَ أَصَابِعُ يَدَيْهِ سِتَّةٌ وَ خَدُّهُ أَصْلَتُ وَ مَنْخِرَا أَنْفِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ لَهُ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الطَّيْرِ وَ وَجْهُهُ قِبَلَ الْقَفَاءِ أَعْمَشُ الْعَيْنَيْنِ أَعْرَجُ مُعْوَجٌّ لَهُ جَنَاحٌ وَ إِذَا عَلَيْهِ قَمِيصٌ مُقَلَّصٌ قَدْ تَمَنْطَقَ فَوْقَهُ بَعْدَ الْمَجُوسِ وَ إِذَا أَكْوَازٌ صِغَارٌ قَدْ عَلَّقَهُ مِنْ مِنْطَقَتِهِ وَ حَوَالِي قَمِيصِهِ خَيَاعِيلُ شِبْهُ الشُّرْبِ فِي أَلْوَانٍ شَتَّى مِنْ بَيَاضٍ وَ سَوَادٍ وَ حُمْرَةٍ وَ صُفْرَةٍ وَ خُضْرَةٍ وَ بِيَدِهِ جَرَسٌ ضَخْمٌ وَ عَلَى رَأْسِهِ بَيْضَةٌ فِي قُلَّتِهَا حَدِيدَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ مُعَقَّفَةُ الطَّرَفِ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى أَخْبِرْنِي يَا بَا مُرَّةَ عَمَّا أَسْأَلُكَ مِمَّا أَرَى قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا دَخَلْتُ عَلَيْكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَّا وَ أَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخْبِرَكَ بِكُلِّ شَيْءٍ تَسْأَلُنِي عَنْهُ ثُمَّ لَا أُعَمِّي عَلَيْكَ فَقَالَ حَدِّثْنِي يَا بَا مُرَّةَ إِنَّ إِنْطَاقَكَ هَذَا فَوْقَ الْقَمِيصِ مَا هُوَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ تَشَبُّهٌ بِالْمَجُوسِ أَنَا وَضَعْتُ الْمَجُوسِيَّةَ فَدِنْتُ بِهَا قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا هَذِهِ الْأَكْوَازُ الصِّغَارُ الَّتِي هِيَ مُعَلَّقَةٌ مِنْ مِنْطَقَتِكَ مُقَدَّمَةً قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فِيهَا شَهَوَاتِي وَ خَيَاعِيلُ مَصَايِدِي فَأَوَّلُ مَا أَصِيدُ بِهِ الْمُؤْمِنَ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ فَإِنْ هُوَ اعْتَصَمَ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ جَمْعِ الْمَالِ مِنَ الْحَرَامِ طَمَعاً فِيهِ حِرْصاً عَلَيْهِ فَإِنْ هُوَ اعْتَصَمَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ أَجْنَبَنِي بِالزَّهَادَةِ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرَابِ هَذَا الْمُسْكِرِ حَتَّى أُكَرِّرَ عَلَيْهِ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ كُلَّهَا وَ لَا بُدَّ أَنْ يُوَاقِعَ بَعْضَهَا وَ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ قَالَ فَمَا هَذِهِ الْخَيَاعِيلُ إِلَى طَرَفِ قَمِيصِكَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذِهِ أَلْوَانُ أَصْبَاغِ النِّسَاءِ وَ زِينَتُهُنَّ فَلَا يَزَالُ إِحْدَاهُنَّ تتلون [تُلَوِّنُ ثِيَابَهَا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا فَهُنَاكَ افْتَتَنَ الرِّجَالُ إِلَى مَا عَلَيْهَا مِنَ الزِّينَةِ قَالَ فَمَا هَذَا الْجَرَسُ بِيَدِكَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا مَعْدِنُ الطَّرَبِ وَ جَمَاعَاتُ أَصْوَاتِ الْمَعَازِفِ مِنْ بَيْنِ بَرْبَطٍ وَ طُنْبُورٍ وَ مَزَامِيرَ وَ طُبُولٍ وَ دُفُوفٍ وَ نَوْحٍ وَ غِنَاءٍ وَ إِنَّ الْقَوْمَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى مَحْفِلِ شَرٍّ وَ عِنْدَهُمْ بَعْضُ مَا ذَكَرْتُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَازِفِ فَلَا يَكَادُونَ يَتَنَعَّمُونَ فِي مَجْلِسٍ وَ يَسْتَلِذُّونَ وَ يُطْرِبُونَ فَإِذَا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُمْ حَرَّكْتُ هَذَا الْجَرَسَ فَيَخْتَلِطُ ذَلِكَ الصَّوْتُ بِمَعَازِفِهِمْ فَهُنَاكَ يَزِيدُ اسْتِلْذَاذُهُمْ وَ تَطْرِيبُهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا سَمِعَ هَذَا يُفَرْقِعُ أَصَابِعَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَهُزُّ رَأْسَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ فَمَا زَالَ هَذَا دَأْبُهُمْ حَتَّى أَبَرْتُهُمْ قَالَ فَمَا هَذِهِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِكَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ احْتَرِزْ مِنِّي وَ مِنْ مَصَايِدِي الَّتِي وَصَفَتْ لَكَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الصَّالِحُونَ وَ النُّسَّاكُ وَ أَهْلُ الْوَرَعِ كَمَا أَحْرَزَ رَأْسِي هَذِهِ الْبَيْضَةُ مِنْ كُلِّ نَكْبَةٍ قَالَ وَ مَا النَّكْبَةُ قَالَ اللَّعْنَةُ قَالَ فَمَا هَذِهِ الْحَدِيدَةُ الْمُسْتَطِيلَةُ الَّتِي فِي قُلَّتِهَا قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هِيَ الَّتِي أُقَلِّبُ بِهَا قُلُوبَ الصَّالِحِينَ قَالَ بَقِيَتْ حَاجَةٌ قَالَ قُلْ قَالَ مَا بَالُ خَلْقِكَ وَ صُورَتِكَ عَلَى مَا أَرَى مِنَ الْقُبْحِ وَ التَّقْلِيبِ وَ الْإِنْكَارِ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا بِسَبَبِ أَبِيكَ آدَمَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُكَرَّمِينَ مِمَّنْ لَمْ أَرْفَعْ رَأْسِي مِنْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ وَ عَصَيْتُ رَبِّي فِي أَمْرِ سُجُودِي لِآدَمَ أَبِيكَ فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيَّ وَ لَعَنَنِي فَحُوِّلْتُ مِنْ صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ إِلَى صُورَةِ الشَّيَاطِينِ وَ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَلَائِكَةِ أَحْسَنَ صُورَةً مِنِّي فَصِرْتُ مَمْسُوخاً مَنْكُوساً مَقْبُوحاً مَقْلُوباً هَائِلًا كَرِيهاً كَمَا تَرَى قَالَ فَهَلْ أَرَيْتَ صُورَتَكَ هَذِهِ أَحَداً قَطُّ وَ مَصَايِدَكَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ لَا وَ عِزَّةِ رَبِّي إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا نَظَرَ إِلَيْهِ آدَمِيٌّ قَطُّ وَ لَقَدْ أَكْرَمْتُكَ بِهَذِهِ دُونَ النَّاسِ كُلِّهِمْ قَالَ فَتَمِّمْ إِكْرَامَكَ إِيَّايَ بِمَسْأَلَتَيْنِ أَسْأَلُكَ عَنْهُمَا إِحْدَاهُمَا عَامَّةٌ وَ الْأُخْرَى خَاصَّةٌ قَالَ وَ لَكَ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَسَلْ قَالَ حَدِّثْنِي أَيُّ الْأَشْيَاءِ أَرْجَى عِنْدَكَ وَ أَدْعَمُهُ لِظَهْرِكَ وَ أَسْلَاهُ لِكَآبَتِكَ وَ أَقَرُّهُ لِعَيْنِكَ وَ أَشَدُّ لِرُكْنِكَ وَ أَفْرَحُهُ لِقَلْبِكَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُخْبِرَ بِهِ أَحَداً فَيَحْفَظُونَ ذَلِكَ فَيَعْتَصِمُونَ بِهِ وَ يَضِيعَ كَيْدِي قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فِي الْكِتَابِ شَأْنَكَ وَ كَيْدَكَ وَ بَيَّنَ لِأَنْبِيَائِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ فَاحْتَرَزُوا مَا احْتَرَزُوا وَ أَمَّا الْغَاوُونَ فَأَنْتَ أَوْلَى بِهِمْ قَدْ تَلْعَبُ بِهِمْ كَالصَّوَالِجَةِ بِالْكُرَةِ فَلَيْسَ قَوْلُكَ عِنْدَهُمْ أَدْعَى وَ أَعَزَّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَرْجَى الْأَشْيَاءِ عِنْدِي وَ أَدْعَمَهُ لِظَهْرِي وَ أَقَرَّهُ لِعَيْنِي النِّسَاءُ فَإِنَّهَا حِبَالَتِي وَ مَصَايِدِي وَ سَهْمِيَ الَّذِي بِهِ لَا أُخْطِئُ بِأَبِي هُنَّ لَوْ لَمْ يَكُنَّ هُنَّ مَا أَطَقْتُ إِضْلَالَ أَدْنَى آدَمِيٍّ قُرَّةُ عَيْنِي بِهِنَّ أَظْفَرُ بِمِقْرَاتِي وَ بِهِنَّ أُوقِعُ فِي الْمَهَالِكِ يَا حَبَّذَا هُنَّ إِذَا اغْتَمَمْتُ لَيْسَتْ عَلَى النُّسَّاكِ وَ الْعُبَّادِ وَ الْعُلَمَاءِ غَلَبُونِي بَعْدَ مَا أَرْسَلْتُ عَلَيْهِمُ الْجُيُوشَ فَانْهَزَمُوا وَ بَعْدَ مَا رَكِبْتُ وَ قَهَرْتُ ذَكَرْتُ النِّسَاءَ طَابَتْ نَفْسِي وَ سَكَنَ غَضَبِي وَ اطْمَأَنَّ كَظْمِي وَ انْكَشَفَ غَيْظِي وَ سَلَتْ كَآبَتِي وَ قَرَّتْ عَيْنِي وَ اشْتَدَّ أَزْرِي وَ لَوْ لَا هُنَّ مِنْ نَسْلِ آدَمَ لَسَجَدْتُهُنَّ فَهُنَّ سَيِّدَاتِي وَ عَلَى عُنُقِي سُكْنَاهُنَّ وَ عَلَيَّ مَا هُنَ مَا اشْتَهَتِ امْرَأَةٌ مِنْ حِبَالَتِي حَاجَةً إِلَّا كُنْتُ أَسْعَى بِرَأْسِي دُونَ رِجْلِي فِي إِسْعَافِهَا بِحَاجَتِهَا لِأَنَّهُنَّ رَجَائِي وَ ظَهْرِي وَ عِصْمَتِي وَ مُسْنَدِي وَ ثِقَتِي وَ غَوْثِي قَالَ وَ مَا نَفْعُكَ وَ فَرَحُكَ فِي ضَلَالَةِ الْآدَمِيِّ وَ بِأَيِّ شَيْءٍ سَلَبْتَ عَلَيْهِ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَفْرَاحَ وَ الْأَحْزَانَ وَ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ وَ خَيَّرَنِي فِيهِمَا يَوْمَ آدَمَ فَاخْتَرْتُ الشَّهَوَاتِ وَ الْأَفْرَاحَ وَ اخْتَرْتُ الْحَرَامَ وَ الْفُحْشَ وَ الْمَنَاكِيرَ صَارَتْ تِلْكَ نَهْمَتِي وَ هَوَايَ وَ خُيِّرَ آدَمُ فَاخْتَارَ الْأَحْزَانَ وَ الْعِبَادَةَ وَ الْحَلَالَ فَصَارَ ذَلِكَ لَهُ نَهْمَةً وَ مُنْيَةً فَذَلِكَ مُنْيَتُهُ وَ نَهْمَتُهُ وَ هَذَا هَوَايَ وَ نَهْمَتِي وَ شَهْوَتِي فَذَلِكَ شَيْئُهُ وَ مَالُهُ وَ مَتَاعُهُ وَ هَذَا شَيْئِي وَ مَالِي وَ مَتَاعِي وَ بِضَاعَتِي وَ شَيْءُ الْمَرْءِ كَنَفْسِهِ لِأَنَّ فِيهِ نَهْمَتَهُ وَ شَهْوَتَهُ وَ نَهْمَةُ الْمَرْءِ وَ شَهْوَتُهُ حَيَاتُهُ فَإِذَا سُلِبَ الْحَيَاةَ هَلَكَ الْمَرْءُ فَكَمْ نَرَى مِنْ خَلْقِ اللَّهِ سُلِبَ مِنْهُمْ نَهْمَتُهُ وَ هِمَّتُهُ مَاتَ وَ هَلَكَ فَكَذَلِكَ هَذَا إِنَّ مَا اخْتَرْتُ صَارَ ذَلِكَ شَهْوَتِي وَ هَوَايَ وَ حَيَاتِي فَمَهْمَا سُلِبْتُ هَلَكْتُ وَ مَهْمَا ظَفِرْتُ بِهِ فَرِحْتُ وَ حَيِيتُ فَإِذَا رَأَيْتُ شَهْوَتِي وَ هَوَايَ وَ حَيَاتِي عِنْدَ غَيْرِي قَدْ سَلَبَهَا مِنِّي أَجْتَهِدُ كُلَّ الْجَهْدِ حَتَّى أَظْفَرَ بِهَا لِيَكُونَ بِهَا قَوَامَيْ يَدِي لِلْآدَمِيِّ سَلْبُ حَيَاتِي وَ هِيَ الشَّهْوَةُ وَ الْهَوَى فَجَعَلَهَا فِي كِنِّهِ وَ حِرْزِهِ وَ قَدْ تَهَيَّأَ وَ اسْتَعَدَّ يُقَاتِلُنِي وَ يُحَارِبُنِي فَهَلْ بُدٌّ مِنَ الْمُحَارَبَةِ لِيَصِلَ الْمُحِقُّ إِلَى حَقِّهِ وَ يُقْهَرَ الظَّالِمُ فَهَذِهِ حَالَتِي وَ شَأْنِي وَ سَبَبُ فَرَحِي إِذَا غَلَبْتُهُ قَالَ لَهُ وَ مَا ظُلْمُهُ حَيْثُ تَقُولُ يُقْهَرَ الظَّالِمُ قَالَ فَيَظْلِمُنِي إِذَا سَلَبَ هَوَايَ فَجَعَلَهُ فِي كِنِّهِ لَوْلَاهُ كَيْفَ لَا أَطْمَعُ أَنَا فِي حَرْبِهِ وَ حَلَالِهِ كَمَا طَمِعَ فِي حَرَامِي وَ هَوَايَ قَالَ لَهُ أَ لَيْسَ بِمُحَالٍ أَنْ تَقُولَ أَنَا أُرِيدُ اسْتِرْدَادَ هَوَايَ فَتَفْرَحُ إِنْ هُوَ اسْتَعْمَلَهُ وَ تَحْزَنُ إِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ هَوَاكَ فِي شُئُونِهِ قَالَ إِذَا اسْتَعْمَلَ هَوَايَ لَسْتُ أَحْزَنُ وَ لَكِنِّي أَفْرَحُ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْطَانِي نَهْمَتِي الْفَرَحَ إِنَّمَا أَحْزُنُ حَتَّى لَا يَسْتَعْمِلَهُ لَسْتُ أَطْلُبُ نَهْمَتِي لِأَخْذِهِ مِنِّي فَإِنِّي قَدْ أَمِنْتُ أَنْ لَا يَرُدَّ لِأَنَّهُ قَدْ خُيِّلَ عَلَيْهِ وَ لَكِنَّنِي أُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ أَعْطَانِي مُنْيَتِي وَ مُخْتَارِي وَ حَيَاتِي فَهُوَ نَفْسِي فَإِذَا اسْتَعْمَلَ مُنْيَتِي أَحْيَانِي وَ فَرَّحَنِي وَ إِنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى جِهَتِهِ وَ إِذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فَهُوَ فِي كِنِّهِ كَالْمَسْجُونِ فَإِذَا كَانَ هُوَ فِي كِنِّهِ مَسْجُوناً مُقَيَّداً وَ هُوَ حَيَاتِي كُنْتُ كَأَنِّي الْمَسْجُونُ الْمُقَيَّدُ وَ صِرْتُ حَرْباً لِأَنَّهُ أَبْدَلَنِي بِمَكَانِ حَيَاتِي الْمَوْتَ فَلَا بُدَّ أَنْ أَحْتَالَ بِكُلِّ حِيلَةٍ آتِيَةٍ بِكُلِّ خُدْعَةٍ وَ أُهَيِّئَ وَ أُزَيِّنَ الْآلَةَ وَ الْأَدَوَاتِ وَ أُخْرِجَ الْمَلَاهِي وَ الْأَدَوَاتَ وَ أَضْرِبَهَا وَ أُحَرِّكَهَا وَ أُلَوِّحَهَا لَعَلَّهُ يَرَى ذَلِكَ فَيُطْرِبُ وَ يَذْكُرُ وَ يَنْشَطُ وَ يَغْتَرُّ وَ يُهَيِّجُ فَيَسْتَعْمِلُ الْهَوَاءَ الَّذِي فِيهِ وَ هِيَ حَيَاتِي وَ شَهْوَتِي فَأَحْيَا وَ أَبْهَجُ حَتَّى يَجِدَ هُوَ السَّبِيلَ إِلَى التَّحَرُّكِ وَ الْخَلَاصِ مِنَ السِّجْنِ وَ هَذَا مَا لَمْ أَذْكُرْ لِأَحَدٍ قَطُّ مُنْذُ خُلِقْتُ وَ لَوْ لَا مَا أَرَى لَكَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الْكَرَامَةِ مَا أَخْبَرْتُكَ بِهَذَا كُلِّهِ قَالَ يَحْيَى(عليه السلام)فَالْمَسْأَلَةُ الْخَاصَّةُ الَّتِي سَأَلْتُكَ قَالَ نَعَمْ سَلْ قَالَ هَلْ أَصَبْتَ مِنِّي فُرْصَتَكَ قَطُّ فِي لَحْظَةٍ مِنْ بَصَرٍ أَوْ لَفْظَةٍ بِلِسَانٍ أَوْ هَمٍّ بِقَلْبٍ قَالَ اللَّهُمَّ لَا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُنِي مِنْكَ خَصْلَةٌ فَكَثُرَ ذَلِكَ عَنْكَ وَ وَقَعَ عِنْدِي مَوْقِعاً شَرِيفاً فَتَغَيَّرَ لَوْنُ يَحْيَى مِنْ قَوْلِهِ وَ تَبَلَّدَ وَ تَقَاصَرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَ غُشِيَ عَلَيْهِ قَالَ وَ مَا ذَلِكَ يَا بَا مُرَّةَ قَالَ أَنْتَ رَجُلٌ أَكُولٌ وَ كُنْتَ أَحْيَاناً تُكْثِرُ الطَّعَامَ فَتَبْشَمُ مِنْهُ وَ يَعْتَرِيكَ الْوَهْنُ وَ النَّوْمُ وَ الثِّقْلُ وَ الْكَسَلُ وَ النُّعَاسُ فَكُنْتَ تَنَامُ عَلَى جَنْبِكَ أَحْيَاناً مِنَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي كُنْتَ تَقُومُ فِيهَا مِنَ اللَّيْلِ هَذَا يُعْجِبُنِي مِنْكَ قَالَ وَ بِهَذَا كُنْتَ تَجِدُ عَلَيَّ الْفُرْصَةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا أَشَدَّ لِفَرَحِكَ وَ مَا أَشَدَّ لِحَرَكَتِكَ قَالَ قَدْ ذَكَرْتُ لَكَ فَلَمْ تَحْفَظْهُ وَ لَكِنْ أُجْمِلُكَ جَمِيعَ مَا يَكْرَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُخْتَارِي وَ جَمِيعَ مَا يُحِبُّ فَهُوَ مَنْبُوذِي لَمْ أَتَمَالَكْ حَتَّى أَحْتَالَ بِكُلِّ حِيلَةٍ حَتَّى يَنْبِذَهُ وَ أُزَيِّنَ لَهُ مُخْتَارِي حَتَّى يَرْفَعَهُ لِأَنَّ حَيَاتِي فِي اسْتِعْمَالِ مُخْتَارِي وَ مَمَاتِي وَ هَلَاكِي وَ ذُلِّي وَ ضَعْفِي فِي اسْتِعْمَالِهِ مَرْفُوضِي وَ مَنْبُوذِي وَ هُوَ الْحَلَالُ الطَّيِّبُ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَ الْأَحْزَانِ وَ مُخْتَارِي الْحَرَامُ وَ الْخَبَثُ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَ الْأَفْرَاحِ بِهَا قَدْ خَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِبْلِيسُ حَسْبُكَ يَا يَحْيَى فَرَحاً بِمَا قَدْ أَظْهَرَ لِيَحْيَى أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِ فُرْصَةً قَالَ يَحْيَى وَ لَمْ تَجِدْ عَلَيَّ الْفُرْصَةَ مِنْ عُمُرِي إِلَّا الَّذِي ذَكَرْتَ قَالَ اللَّهُمَّ لَا إِلَّا ذَلِكَ قَالَ يَحْيَى عَاهَدْتُ عَزَّ وَ جَلَّ نَذْراً وَاجِباً عَلَى أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَا أَشْبَعَ مِنَ الطَّعَامِ قَالَ فَغَضِبَ إِبْلِيسُ وَ حَزِنَ عَلَى مَا أَخْبَرَهُ فَاحْتَرَزَ يَحْيَى وَ اعْتَصَمَ قَالَ خَدَعْتَنِي يَا ابْنَ آدَمَ وَ كَسَرْتَ ظَهْرِي بِمَا خَدَعْتَنِي وَ أَنَا أُعَاهِدُ اللَّهَ رَبِّي نَذْراً وَاجِباً عَلَى أَنْ لَا أَنْصَحَ آدَمِيّاً وَ لَقَدْ غَلَبْتَنِي يَا ابْنَ آدَمَ وَ كَسَرْتَ ظَهْرِي بِمَا خَدَعْتَنِي حَتَّى سَلِمْتَ مِنِّي وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ غَضْبَانَ انْتَهَى. و أقول كانت النسخة سقيمة جدا فأثبته كما وجدته تأكيدا و توضيحا لما روي من طرق أهل البيت عليهم السلام.
بحار الأنوار — كتاب السماء و العالم · إبليس لعنه الله و قصصه و بدء خلقه و مكايده و مصايده و أحوال ذريته و الاحتراز عنهم أعاذنا الله من شرورهم