الأقسامبحار الأنواركتاب السماء و العالم
بحار الأنوار

تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ الصَّادِقُ(عليه السلام)يَا مُفَضَّلُ فَكِّرْ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ فِي خَلْقِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَالْإِنْسُ لَمَّا قُدِّرُوا أَنْ يَكُونُوا ذَوِي ذِهْنٍ وَ فِطْنَةٍ وَ عِلَاجٍ لِمِثْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ مِنَ الْبِنَاءِ وَ النِّجَارَةِ وَ الصِّنَاعَةِ وَ الْخِيَاطَةِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ خُلِقَتْ لَهُمْ أَكُفٌّ كِبَارٌ ذَوَاتُ أَصَابِعَ غِلَاظٍ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْقَبْضِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ أَوْكَدُهَا هَذِهِ الصِّنَاعَاتُ وَ آكِلَاتُ اللَّحْمِ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ مَعَايِشُهَا مِنَ الصَّيْدِ خُلِقَتْ لَهُمْ أَكُفٌّ لِطَافٌ مُدَّمِجَةٌ ذَوَاتُ بَرَاثِنَ وَ مَخَالِيبَ تَصْلُحُ لِأَخْذِ الصَّيْدِ وَ لَا تَصْلُحُ لِلصِّنَاعَاتِ وَ آكِلَاتُ النَّبَاتِ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونُوا لَا ذَاتَ صَنْعَةٍ وَ لَا ذَاتَ صَيْدٍ خُلِقَتْ لِبَعْضِهَا أَظْلَافٌ تَقِيهَا خُشُونَةَ الْأَرْضِ إِذَا حَاوَلَ طَلَبَ الرَّعْيِ وَ لِبَعْضِهَا حَوَافِرُ مُلَمْلَمَةٌ ذَوَاتُ قَعْرٍ كَأَخْمَصِ الْقَدَمِ تَنْطَبِقُ عَلَى الْأَرْضِ لِيَتَهَيَّأَ لِلرُّكُوبِ وَ الْحَمُولَةِ تَأَمَّلِ التَّدْبِيرَ فِي خَلْقِ آكِلَاتِ اللَّحْمِ مِنَ الْحَيَوَانِ حِينَ خُلِقَتْ ذَوَاتُ أَسْنَانٍ حِدَادٍ وَ بَرَاثِنَ شِدَادٍ وَ أَشْدَاقٍ وَ أَفْوَاهٍ وَاسِعَةٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهَا اللَّحْمَ خُلِقَتْ خِلْقَةً تُشَاكِلُ ذَلِكَ وَ أُعِينَتْ بِسِلَاحٍ وَ أَدَوَاتٍ تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ وَ كَذَلِكَ تَجِدُ سِبَاعَ الطَّيْرِ ذَوَاتَ مَنَاقِيرَ وَ مَخَالِيبَ مُهَيَّأَةٍ لِفِعْلِهَا وَ لَوْ كَانَتِ الْوُحُوشُ ذَوَاتَ مَخَالِبَ كَانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَنَّهَا لَا تَصِيدُ وَ لَا تَأْكُلُ اللَّحْمَ وَ لَوْ كَانَتِ السِّبَاعُ ذَوَاتَ أَظْلَافٍ كَانَتْ قَدْ مُنِعَتْ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَعْنِي السِّلَاحَ الَّذِي بِهِ تَصِيدُ وَ تَتَعَيَّشُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مَا يُشَاكِلُ صِنْفَهُ وَ طَبَقَتَهُ بَلْ مَا فِيهِ بَقَاؤُهُ وَ صَلَاحُهُ انْظُرِ الْآنَ إِلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَيْفَ تَرَاهَا تَتْبَعُ أُمَّهَاتِهَا مُسْتَقِلَّةً بِأَنْفُسِهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْحَمْلِ وَ التَّرْبِيَةِ كَمَا تَحْتَاجُ أَوْلَادُ الْإِنْسِ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أُمَّهَاتِهَا مَا عِنْدَ أُمَّهَاتِ الْبَشَرِ مِنَ الرِّفْقِ وَ الْعِلْمِ بِالتَّرْبِيَةِ وَ الْقُوَّةِ عَلَيْهَا بِالْأَكُفِّ وَ الْأَصَابِعِ الْمُهَيَّأَةِ لِذَلِكَ أُعْطِيَتِ النُّهُوضَ وَ الِاسْتِقْلَالَ بِأَنْفُسِهَا وَ كَذَلِكَ تَرَى كَثِيراً مِنَ الطَّيْرِ كَمِثْلِ الدَّجَاجِ وَ الدُّرَّاجِ وَ الْقَبْجِ تَدْرُجُ وَ تَلْقُطُ حِينَ يَنْقَابُ عَنْهَا الْبَيْضُ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفاً لَا نُهُوضَ فِيهِ كَمِثْلِ فِرَاخِ الْحَمَامِ وَ الْيَمَامِ وَ الْحُمَّرِ فَقَدْ جُعِلَ فِي الْأُمَّهَاتِ فَضْلُ عَطْفٍ عَلَيْهَا فَصَارَتْ تَمُجُّ الطَّعَامَ فِي أَفْوَاهِهَا بَعْدَ مَا تُوعِيهِ حَوَاصِلُهَا فَلَا تَزَالُ تَغْذُوهَا حَتَّى تَسْتَقِلَّ بِأَنْفُسِهَا وَ لِذَلِكَ لَمْ تُرْزَقِ الْحَمَامُ فِرَاخاً كَثِيرَةً مِثْلَ مَا تُرْزَقُ الدَّجَاجُ لِتَقْوَى الْأُمُّ عَلَى تَرْبِيَةِ فِرَاخِهَا فَلَا تَفْسُدَ وَ لَا تَمُوتَ فَكُلٌّ أُعْطِيَ بِقِسْطٍ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَكِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ انْظُرْ إِلَى قَوَائِمِ الْحَيَوَانِ كَيْفَ تَأْتِي أَزْوَاجاً لِتَهَيَّأَ لِلْمَشْيِ وَ لَوْ كَانَتْ أَفْرَاداً لَمْ تَصْلُحْ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاشِيَ يَنْقُلُ بَعْضَ قَوَائِمِهِ وَ يَعْتَمِدُ عَلَى بَعْضٍ فَذُو الْقَائِمَتَيْنِ يَنْقُلُ وَاحِدَةً وَ يَعْتَمِدُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَ ذُو الْأَرْبَعِ يَنْقُلُ اثْنَيْنِ وَ يَعْتَمِدُ عَلَى اثْنَيْنِ وَ ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ لِأَنَّ ذَا الْأَرْبَعِ لَوْ كَانَ يَنْقُلُ قَائِمَتَيْنِ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ وَ يَعْتَمِدُ عَلَى قائِمَتَيْنِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَمَا يَثْبُتُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا لَا يَثْبُتُ السَّرِيرُ وَ مَا أَشْبَهَهُ فَصَارَ يَنْقُلُ الْيُمْنَى مِنْ مَقَادِيمِهِ مَعَ الْيُسْرَى مِنْ مَآخِيرِهِ وَ يَنْقُلُ الْأُخْرَيَيْنِ أَيْضاً مِنْ خِلَافٍ فَيَثْبُتُ عَلَى الْأَرْضِ وَ لَا يَسْقُطُ إِذَا مَشَى أَ مَا تَرَى الْحِمَارَ كَيْفَ يَذِلُّ لِلطَّحْنِ وَ الْحَمُولَةِ وَ هُوَ يَرَى الْفَرَسَ مُودَعاً مُنَعَّماً وَ الْبَعِيرَ لَا يُطِيقُهُ عِدَّةُ رِجَالٍ لَوِ اسْتَعْصَى كَيْفَ كَانَ يَنْقَادُ لِلصَّبِيِّ وَ الثَّوْرَ الشَّدِيدَ كَيْفَ كَانَ يُذْعِنُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَضَعَ النِّيرَ عَلَى عُنُقِهِ وَ يَحْرِثَ بِهِ وَ الْفَرَسَ الْكَرِيمَ يَرْكَبُ السُّيُوفَ وَ الْأَسِنَّةَ بِالْمُوَاتَاةِ لِفَارِسِهِ وَ الْقَطِيعَ مِنَ الْغَنَمِ يَرْعَاهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَ لَوْ تَفَرَّقَتِ الْغَنَمُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي نَاحِيَةٍ لَمْ يَلْحَقْهَا وَ كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ الْمُسَخَّرَةِ لِلْإِنْسَانِ فَبِمَ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا بِأَنَّهَا عَدِمَتِ الْعَقْلَ وَ الرَّوِيَّةَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعْقِلُ وَ تُرَوِّي فِي الْأُمُورِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تَلْتَوِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَآرِبِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ الْجَمَلُ عَلَى قَائِدِهِ وَ الثَّوْرُ عَلَى صَاحِبِهِ وَ تَتَفَرَّقَ الْغَنَمُ عَنْ رَاعِيهَا وَ أَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ وَ كَذَلِكَ هَذِهِ السِّبَاعُ لَوْ كَانَتْ ذَاتَ عَقْلٍ وَ رَوِيَّةٍ فَتَوَازَرَتْ عَلَى النَّاسِ كَانَتْ خَلِيقَةً أَنْ تُحَاجَّهُمْ فَمَنْ كَانَ يَقُومُ لِلْأُسْدِ وَ الذِّئَابِ وَ النُّمُورَةِ وَ الدِّبَبَةِ لَوْ تَعَاوَنَتْ وَ تَظَاهَرَتْ عَلَى النَّاسِ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ حُجِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَ صَارَتْ مَكَانَ مَا كَانَ يُخَافُ مِنْ إِقْدَامِهَا وَ نِكَايَتِهَا تَهَابُ مَسَاكِنَ النَّاسِ وَ تُحْجِمُ عَنْهَا ثُمَّ لَا تَظْهَرُ وَ لَا تَنْتَشِرُ لِطَلَبِ قُوتِهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ فَهِيَ مَعَ صَوْلَتِهَا كَالْخَائِفِ لِلْإِنْسِ بِلَا مَقْمُوعَةٍ مَمْنُوعَةٍ مِنْهُمْ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَسَاوَرَتْهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَ ضَيَّقَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ جُعِلَ فِي الْكَلْبِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ السِّبَاعِ عَطْفٌ عَلَى مَالِكِهِ وَ مُحَامَاةٌ عَنْهُ وَ حِفَاظٌ لَهُ فَهُوَ يَنْتَقِلُ عَلَى الْحِيطَانِ وَ السُّطُوحِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِحِرَاسَةِ مَنْزِلِ صَاحِبِهِ وَ ذَبِّ الدَّغَّارِ عَنْهُ وَ يَبْلُغُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ دُونَهُ وَ دُونَ مَاشِيَتِهِ وَ مَالِهِ وَ يَأْلَفُهُ غَايَةَ الْإِلْفِ حَتَّى يَصْبِرَ مَعَهُ عَلَى الْجُوعِ وَ الْجَفْوَةِ فَلِمَ طُبِعَ الْكَلْبُ عَلَى هَذِهِ الْإِلْفِ إِلَّا لِيَكُونَ حَارِساً لِلْإِنْسَانِ لَهُ عَيْنٌ بِأَنْيَابٍ وَ مَخَالِيبَ وَ نُبَاحٌ هَائِلٌ لِيُذْعَرَ مِنْهُ السَّارِقُ وَ يَتَجَنَّبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَحْمِيهَا وَ يَحْضُرُهَا يَا مُفَضَّلُ تَأَمَّلْ وَجْهَ الدَّابَّةِ كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَى الْعَيْنَيْنِ شَاخِصَتَيْنِ أَمَامَهَا لِتُبْصِرَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا لِئَلَّا تَصْدِمَ حَائِطاً أَوْ تَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ وَ تَرَى الْفَمَ مَشْقُوقاً شَقّاً فِي أَسْفَلِ الْخَطْمِ وَ لَوْ شُقَّ كَمَكَانِ الْفَمِ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي مُقَدَّمِ الذَّقَنِ لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ بِهِ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ بِفِيهِ وَ لَكِنْ بِيَدِهِ تَكْرِمَةً لَهُ عَلَى سَائِرِ الْآكِلَاتِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلدَّابَّةِ يَدٌ تَتَنَاوَلُ بِهَا الْعَلَفَ جُعِلَ خَطْمُهَا مَشْقُوقاً مِنْ أَسْفَلِهِ لِتَقْبِضَ بِهِ عَلَى الْعَلَفِ ثُمَّ تَقْضَمَهُ وَ أُعِينَتْ بِالْجَحْفَلَةِ تَتَنَاوَلُ بِهَا مَا قَرُبَ وَ مَا بَعُدَ اعْتَبِرْ بِذَنَبِهَا وَ الْمَنْفَعَةِ لَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبَقِ عَلَى الدُّبُرِ وَ الْحَيَاءِ جَمِيعاً يُوَارِيهِمَا وَ يَسْتُرُهُمَا وَ مِنْ مَنَافِعِهَا فِيهِ أَنَّ مَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَ مَرَاقَّيِ الْبَطْنِ مِنْهَا وَضَرٌ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الذُّبَابُ وَ الْبَعُوضُ فَجُعِلَ لَهَا الذَّنَبُ كَالْمَذَبَّةِ تَذُبُّ بِهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَ مِنْهَا أَنَّ الدَّابَّةَ تَسْتَرِيحُ إِلَى تَحْرِيكِهِ وَ تَصْرِيفِهِ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ قِيَامُهَا عَلَى الْأَرْبَعِ بِأَسْرِهَا وَ شُغِلَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ بِحَمْلِ الْبَدَنِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَ التَّقَلُّبِ كَانَ لَهَا فِي تَحْرِيكِ الذَّنَبِ رَاحَةٌ وَ فِيهِ مَنَافِعُ أُخْرَى يَقْصُرُ عَنْهَا الْوَهْمُ يُعْرَفُ مَوْقِعُهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّابَّةَ تَرْتَطِمُ فِي الْوَحَلِ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَعْوَنَ عَلَى نُهُوضِهَا مِنَ الْأَخْذِ بِذَنَبِهَا وَ فِي شَعْرِ الذَّنَبِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ كَثِيرَةٌ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي مَآرِبِهِمْ ثُمَّ جُعِلَ ظَهْرُهَا مُسَطَّحاً مَبْطُوحاً عَلَى قَوَائِمَ أَرْبَعٍ لِيُتَمَكَّنَ مِنْ رُكُوبِهَا وَ جُعِلَ حَيَاؤُهَا بَارِزاً مِنْ وَرَائِهَا لِيَتَمَكَّنَ الْفَحْلُ مِنْ ضَرْبِهَا وَ لَوْ كَانَ أَسْفَلَ الْبَطْنِ كَمَكَانِ الْفَرْجِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْفَحْلُ مِنْهَا أَ لَا تَرَى أَنَّهُ لَا تستطيع [يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَهَا كِفَاحاً كَمَا يَأْتِي الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ تَأَمَّلْ مِشْفَرَ الْفِيلِ وَ مَا فِيهِ مِنْ لَطِيفِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ فِي تَنَاوُلِ الْعَلَفِ وَ الْمَاءِ وَ ازْدِرَادِهِمَا إِلَى جَوْفِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ رَقَبَةٌ يَمُدُّهَا كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ فَلَمَّا عَدِمَ الْعُنُقَ أُعِينَ مَكَانَ ذَلِكَ بِالْخُرْطُومِ الطَّوِيلِ لِيَسْدُلَهُ فَيَتَنَاوَلَ بِهِ حَاجَتَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي عَوَّضَهُ مَكَانَ الْعُضْوِ الَّذِي عَدِمَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَّا الرَّءُوفُ بِخَلْقِهِ وَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا بِالْإِهْمَالِ كَمَا قَالَتِ الظَّلَمَةُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا بَالُهُ لَمْ يَخْلُقْ ذَا عُنُقٍ كَسَائِرِ الْأَنْعَامِ قِيلَ لَهُ إِنَّ رَأْسَ الْفِيلِ وَ أُذُنَيْهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَ ثِقْلٌ ثَقِيلٌ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عُنُقٍ عَظِيمَةٍ لَهَدَّهَا وَ أَوْهَنَهَا فَجَعَلَ رَأْسَهُ مُلْصَقاً بِجِسْمِهِ لِكَيْلَا يَنَالَ مِنْهُ مَا وَصَفْنَا وَ خَلَقَ لَهُ مَكَانَ الْعُنُقِ هَذَا الْمِشْفَرَ لِيَتَنَاوَلَ بِهِ غِذَاءَهُ فَصَارَ مَعَ عَدَمِهِ الْعُنُقَ مُسْتَوْفِياً مَا فِيهِ بُلُوغُ حَاجَتِهِ انْظُرِ الْآنَ كَيْفَ حَيَاءُ الْأُنْثَى مِنَ الْفِيَلَةِ فِي أَسْفَلِ بَطْنِهَا فَإِذَا هَاجَتْ لِلضِّرَابِ ارْتَفَعَ وَ بَرَزَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْفَحْلُ مِنْ ضَرْبِهَا فَاعْتَبِرْ كَيْفَ جُعِلَ حَيَاءُ الْأُنْثَى مِنَ الْفِيَلَةِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْعَامِ ثُمَّ جُعِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخَلَّةُ لِيَتَهَيَّأَ لِلْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ قِوَامُ النَّسْلِ وَ دَوَامُهُ فَكِّرْ فِي خَلْقِ الزَّرَافَةِ وَ اخْتِلَافِ أَعْضَائِهَا وَ شِبْهِهَا بِأَعْضَاءِ أَصْنَافٍ مِنَ الْحَيَوَانِ فَرَأْسُهَا رَأْسُ فَرَسٍ وَ عُنُقُهَا عُنُقُ جَمَلٍ وَ أَظْلَافُهَا أَظْلَافُ بَقَرَةٍ وَ جِلْدُهَا جِلْدُ نَمِرٍ وَ زَعَمَ نَاسٌ مِنَ الْجُهَّالِ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ نِتَاجَهَا مِنْ فُحُولٍ شَتَّى قَالُوا وَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَصْنَافاً مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ تَنْزُو عَلَى بَعْضِ السَّائِمَةِ وَ يُنْتَجُ مِثْلُ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي هُوَ كَالْمُلْتَقَطِ مِنْ أَصْنَافٍ شَتَّى وَ هَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ وَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِالْبَارِي جَلَّ قُدْسُهُ وَ لَيْسَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْحَيَوَانِ يُلْقِحُ كُلَّ صِنْفٍ فَلَا الْفَرَسُ يُلْقِحُ الْجَمَلَ وَ لَا الْجَمَلُ يُلْقِحُ الْبَقَرَ وَ إِنَّمَا يَكُونُ التَّلْقِيحُ مِنْ بَعْضِ الْحَيَوَانِ فِيمَا يُشَاكِلُهُ وَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا يُلْقِحُ الْفَرَسَ الحمارة [الْحِمَارُ فَيَخْرُجُ بَيْنَهُمَا الْبَغْلُ وَ يُلْقِحُ الذِّئْبُ الضَّبُعَ فَيَخْرُجُ بَيْنَهُمَا السِّمْعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَكُونُ فِي الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا عُضْوٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي الزَّرَافَةِ عُضْوٌ مِنَ الْفَرَسِ وَ عُضْوٌ مِنَ الْجَمَلِ وَ أَظْلَافٌ مِنَ الْبَقَرَةِ بَلْ يَكُونُ كَالْمُتَوَسِّطِ بَيْنَهُمَا الْمُمْتَزِجِ مِنْهُمَا كَالَّذِي تَرَاهُ فِي الْبَغْلِ فَإِنَّكَ تَرَى رَأْسَهُ وَ أُذُنَيْهِ وَ كَفَلَهُ وَ ذَنَبَهُ وَ حَوَافِرَهُ وَسَطاً بَيْنَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْفَرَسِ وَ الْحِمَارِ وَ شَحِيجَهُ كَالْمُمْتَزِجِ مِنْ صَهِيلٍ وَ نَهِيقِ الْحِمَارِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتِ الزَّرَافَةُ مِنْ لِقَاحِ أَصْنَافٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ كَمَا زَعَمَ الْجَاهِلُونَ بَلْ هِيَ خَلْقٌ عَجِيبٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ وَ لِيُعْلِمَ أَنَّهُ خَالِقُ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ كُلِّهَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَا يَشَاءُ مِنْ أَعْضَائِهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَ يُفَرِّقُ مَا شَاءَ مِنْهَا فِي أَيِّهَا شَاءَ وَ يَزِيدُ فِي الْخِلْقَةِ مَا شَاءَ وَ يَنْقُصُ مِنْهَا مَا شَاءَ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ أَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ جَلَّ وَ تَعَالَى فَأَمَّا طُولُ عُنُقِهَا وَ الْمَنْفَعَةُ لَهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْشَأَهَا وَ مَرْعَاهَا فِي غَيَاطِلَ ذَوَاتِ أَشْجَارٍ شَاهِقَةٍ ذَاهِبَةٍ طُولًا فِي الْهَوَاءِ فَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى طُولِ الْعُنُقِ لِتَنَاوَلَ بِفِيهَا أَطْرَافَ تِلْكَ الْأَشْجَارِ فَتَتَقَوَّتَ مِنْ ثِمَارِهَا تَأَمَّلْ خَلْقَ الْقِرْدِ وَ شِبْهَهُ بِالْإِنْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَعْنِي الرَّأْسَ وَ الْوَجْهَ وَ الْمَنْكِبَيْنِ وَ الصَّدْرَ وَ كَذَلِكَ أَحْشَاؤُهُ شَبِيهَةٌ أَيْضاً بِأَحْشَاءِ الْإِنْسَانِ وَ خُصَّ مَعَ ذَلِكَ بِالذِّهْنِ وَ الْفِطْنَةِ الَّتِي بِهَا يَفْهَمُ عَنْ سَائِسِهِ مَا يُومِئُ إِلَيْهِ وَ يَحْكِي كَثِيراً مِمَّا يَرَى الْإِنْسَانَ بِفِعْلِهِ حَتَّى أَنَّهُ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَ شَمَائِلِهِ فِي التَّدْبِيرِ فِي خِلْقَتِهِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عِبْرَةً لِلْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ طِينَةِ الْبَهَائِمِ وَ سِنْخِهَا إِذْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهَا هَذَا الْقُرْبَ وَ لَوْ لَا أَنَّهُ فَضِيلَةٌ فَضَّلَهُ بِهَا فِي الذِّهْنِ وَ الْعَقْلِ وَ النُّطْقِ كَانَ كَبَعْضِ الْبَهَائِمِ عَلَى أَنَّ فِي جِسْمِ الْقِرْدِ فُضُولًا أُخْرَى يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ كَالْخَطْمِ وَ الذَّنَبِ الْمُسَدَّلِ وَ الشَّعْرِ الْمُجَلِّلِ لِلْجِسْمِ كُلِّهِ وَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعاً لِلْقِرْدِ أَنْ يُلْحَقَ بِالْإِنْسَانِ لَوْ أُعْطِيَ مِثْلَ ذِهْنِ الْإِنْسَانِ وَ عَقْلِهِ وَ نُطْقِهِ وَ الْفَصْلُ الْفَاصِلُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ بِالصِّحَّةِ هُوَ النَّقْصُ فِي الْعَقْلِ وَ الذِّهْنِ وَ النُّطْقِ انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى لُطْفِ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ بِالْبَهَائِمِ كَيْفَ كُسِيَتْ أَجْسَامُهُمْ هَذِهِ الْكِسْوَةَ مِنَ الشَّعْرِ وَ الْوَبَرِ وَ الصُّوفِ لِيَقِيَهَا مِنَ الْبَرْدِ وَ كَثْرَةِ الْآفَاتِ وَ أُلْبِسَتِ الْأَظْلَافَ وَ الْحَوَافِرَ وَ الْأَخْفَافَ لِيَقِيَهَا مِنَ الْحَفَاءِ إِذْ كَانَتْ لَا أَيْدِيَ لَهَا وَ لَا أَكُفَّ وَ لَا أَصَابِعَ مُهَيَّأَةً لِلْغَزْلِ وَ النَّسْجِ فَكُفُوا بِأَنْ جُعِلَ كِسْوَتُهُمْ فِي خِلْقَتِهِمْ بَاقِيَةً عَلَيْهِمْ مَا بَقُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيدِهَا وَ الِاسْتِبْدَالِ بِهَا فَأَمَّا الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ ذُو حِيلَةٍ وَ كَفٍّ مُهَيَّأَةٍ لِلْعَمَلِ فَهُوَ يَنْسِجُ وَ يَغْزِلُ وَ يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ الْكِسْوَةَ وَ يَسْتَبْدِلُ بِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَ لَهُ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ مِنْ جِهَاتٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِصَنْعَةِ اللِّبَاسِ عَنِ الْعَبَثِ وَ مَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْكِفَايَةُ وَ مِنْهَا أَنَّهُ يَسْتَرِيحُ إِلَى خَلْعِ كِسْوَتِهِ وَ لُبْسِهَا إِذَا شَاءَ وَ مِنْهَا أَنَّهُ يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْكِسْوَةِ ضُرُوباً لَهَا جَمَالٌ وَ رَوْعَةٌ فَيَتَلَذَّذُ بِلُبْسِهَا وَ تَبْدِيلِهَا وَ كَذَلِكَ يَتَّخِذُ بِالرِّفْقِ مِنَ الصَّنْعَةِ ضُرُوباً مِنَ الْخِفَافِ وَ النِّعَالِ يَقِي بِهَا قَدَمَيْهِ وَ فِي ذَلِكَ مَعَايِشُ لِمَنْ يعلمه [يَعْمَلُهُ مِنَ النَّاسِ وَ مَكَاسِبُ يَكُونُ فِيهَا مَعَاشُهُمْ وَ مِنْهَا أَقْوَاتُهُمْ وَ أَقْوَاتُ عِيَالِهِمْ فَصَارَ الشَّعْرُ وَ الْوَبَرُ وَ الصُّوفُ يَقُومُ لِلْبَهَائِمِ مَقَامَ الْكِسْوَةِ وَ الْأَظْلَافُ وَ الْحَوَافِرُ وَ الْأَخْفَافُ مَقَامَ الْحِذَاءِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي خِلْقَةٍ عَجِيبَةٍ فِي الْبَهَائِمِ فَإِنَّهُمْ يُوَارُونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَاتُوا كَمَا يُوَارِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ وَ إِلَّا فَأَيْنَ جِيَفُ هَذِهِ الْوُحُوشِ وَ السِّبَاعِ وَ غَيْرِهَا لَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ وَ لَيْسَتْ قَلِيلَةً فَتَخْفَى لِقِلَّتِهَا بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ النَّاسِ لَصَدَقَ فَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا تَرَاهُ فِي الصَّحَارِي وَ الْجِبَالِ مِنْ أَسْرَابِ الظِّبَاءِ وَ الْمَهَا وَ الْحَمِيرِ وَ الْوُعُولِ وَ الْأَيَائِلِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ وَ أَصْنَافِ السِّبَاعِ مِنَ الْأُسُدِ وَ الضِّبَاعِ وَ الذِّئَابِ وَ النُّمُورِ وَ غَيْرِهَا وَ ضُرُوبِ الْهَوَامِّ وَ الْحَشَرَاتِ وَ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَ كَذَلِكَ أَسْرَابُ الطَّيْرِ مِنَ الْغِرْبَانِ وَ الْقَطَا وَ الْإِوَزِّ وَ الْكَرَاكِي وَ الْحَمَامِ وَ سِبَاعِ الطَّيْرِ جَمِيعاً وَ كُلُّهَا لَا يُرَى مِنْهَا إِذَا مَاتَتْ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ يَصِيدُهُ قَانِصٌ وَ يَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّى تَفْسُدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ وَ يُحْدَثَ الْأَمْرَاضُ وَ الْوَبَاءُ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَ عَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وَ فِي الْبَهَائِمِ وَ غَيْرِهَا ادِّكَاراً لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ مَا يُحْدَثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَ الْفَسَادِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْفَطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ وَ الْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ نِعَمِهِ جَلَّ وَ عَزَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ وَ رَوِيَّةٍ فَإِنَّ الْأُيَّلَ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ فَيَعْطَشُ عَطَشاً شَدِيداً فَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَدِبَّ السَّمُّ فِي جِسْمِهِ فَيَقْتُلَهُ وَ يَقِفُ عَلَى الْغَدِيرِ وَ هُوَ مَجْهُودٌ عَطَشاً فَيَعِجُّ عَجِيجاً عَالِياً وَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ وَ لَوْ شَرِبَ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَانْظُرْ إِلَى مَا جُعِلَ مِنْ طِبَاعِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ مِنْ تَحَمُّلِ الظَّمَاءِ الْغَالِبِ خَوْفاً مِنَ الْمَضَرَّةِ فِي الشُّرْبِ وَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ يَضْبِطُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَ الثَّعْلَبَ إِذَا أَعْوَزَهُ الطُّعْمُ تَمَاوَتَ وَ نَفَخَ بَطْنَهُ حَتَّى يَحْسَبَهُ الطَّيْرُ مَيِّتاً فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِتَنْهَشَهُ وَثَبَ عَلَيْهَا فَأَخَذَهَا فَمَنْ أَعَانَ الثَّعْلَبَ الْعَدِيمَ النُّطْقِ وَ الرَّوِيَّةِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إِلَّا مَنْ تَوَكَّلَ بِتَوْجِيهِ الرِّزْقِ لَهُ مِنْ هَذَا وَ شِبْهِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّعْلَبُ يَضْعُفُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَقْوَى عَلَيْهِ السِّبَاعُ مِنْ مُسَاوَرَةِ الصَّيْدِ أُعِينَ بِالدَّهَاءِ وَ الْفِطْنَةِ وَ الِاحْتِيَالِ لِمَعَاشِهِ وَ الدُّلْفِينَ يَلْتَمِسُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَيَكُونُ حِيلَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ السَّمَكَ فَيَقْتُلَهُ وَ يَشْرَحَهُ حَتَّى يَطْفُوَ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَكْمُنُ تَحْتَهُ وَ يُثَوِّرُ الْمَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ شَخْصُهُ فَإِذَا وَقَعَ الطَّيْرُ عَلَى السَّمَكِ الطَّافِي وَثَبَ إِلَيْهَا فَاصْطَادَهَا فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ كَيْفَ جُعِلَتْ طَبْعاً فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ لِبَعْضِ الْمَصْلَحَةِ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ خَبِّرْنِي يَا مَوْلَايَ عَنِ التِّنِّينِ وَ السَّحَابِ فَقَالَ(عليه السلام)إِنَّ السَّحَابَ كَالْمُوَكَّلِ بِهِ يَخْتَطِفُهُ حَيْثُمَا ثَقِفَهُ كَمَا يَخْتَطِفُ حَجَرُ الْمِغْنَاطِيسِ الْحَدِيدَ فَهُوَ لَا يَطْلُعُ رَأْسَهُ فِي الْأَرْضِ خَوْفاً مِنَ السَّحَابِ وَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي الْقَيْظِ مَرَّةً إِذَا سحت [صَحَتِ السَّمَاءُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا نُكْتَةٌ مِنْ غَيْمَةٍ قُلْتُ فَلِمَ وَكَّلَ السَّحَابَ بِالتِّنِّينِ يَرْصُدُهُ وَ يَخْتَطِفُهُ إِذَا وَجَدَهُ قَالَ لِيَدْفَعَ عَنِ النَّاسِ مَضَرَّتَهُ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَقُلْتُ قَدْ وَصَفْتَ لِي يَا مَوْلَايَ مِنْ أَمْرِ الْبَهَائِمِ مَا فِيهِ مُعْتَبَرٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ فَصِفْ لِيَ الذَّرَّةَ وَ النَّمْلَ وَ الطَّيْرَ فَقَالَ(عليه السلام)يَا مُفَضَّلُ تَأَمَّلْ وَجْهَ الذَّرَّةِ الْحَقِيرَةِ الصَّغِيرَةِ هَلْ تَجِدُ فِيهَا نَقْصاً عَمَّا فِيهِ صَلَاحُهَا فَمِنْ أَيْنَ هَذَا التَّقْدِيرُ وَ الصَّوَابُ فِي خَلْقِ الذَّرَّةِ إِلَّا مِنَ التَّدْبِيرِ الْقَائِمِ فِي صَغِيرِ الْخَلْقِ وَ كَبِيرِهِ انْظُرْ إِلَى النَّمْلِ وَ احْتِشَادِهَا فِي جَمْعِ الْقُوتِ وَ إِعْدَادِهِ فَإِنَّكَ تَرَى الْجَمَاعَةَ مِنْهَا إِذَا نَقَلَتِ الْحَبَّ إِلَى زُبْيَتِهَا بِمَنْزِلَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ يَنْقُلُونَ الطَّعَامَ أَوْ غَيْرَهُ بَلْ لِلنَّمْلِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْجِدِّ وَ التَّشْمِيرِ مَا لَيْسَ لِلنَّاسِ مِثْلُهُ أَ مَا تَرَاهُمْ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى النَّقْلِ كَمَا يَتَعَاوَنُ النَّاسُ عَلَى الْعَمَلِ ثُمَّ يَعْمِدُونَ إِلَى الْحَبِّ فَيُقَطِّعُونَهُ قِطَعاً لِكَيْلَا يَنْبُتَ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَصَابَهُ نَدًى أَخْرَجُوهُ فَنَشَرُوهُ حَتَّى يَجِفَّ ثُمَّ لَا يَتَّخِذُ النَّمْلُ الزُّبْيَةَ إِلَّا فِي نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ كَيْ لَا يُفِيضَ السَّيْلُ فَيُغْرِقَهَا فَكُلُّ هَذَا مِنْهُ بِلَا عَقْلٍ وَ لَا رَوِيَّةٍ بَلْ خِلْقَةٌ خُلِقَ عَلَيْهَا لِمَصْلَحَةٍ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ اللَّيْثُ وَ تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ أَسَدَ الذُّبَابِ وَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْحِيلَةِ وَ الرِّفْقِ فِي مَعَاشِهِ فَإِنَّكَ تَرَاهُ حِينَ يُحِسُّ بِالذُّبَابِ قَدْ وَقَعَ قَرِيباً مِنْهُ تَرَكَهُ مَلِيّاً حَتَّى كَأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا حَرَاكَ بِهِ فَإِذَا رَأَى الذُّبَابَ قَدِ اطْمَأَنَّ وَ غَفَلَ عَنْهُ دَبَّ دَبِيباً دَقِيقاً حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَنَالُهُ وَثْبُهُ ثُمَّ يَثِبُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ فَإِذَا أَخَذَهُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِجِسْمِهِ كُلِّهِ مَخَافَةَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْهُ فَلَا يَزَالُ قَابِضاً عَلَيْهِ حَتَّى يُحِسَّ بِأَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ وَ اسْتَرْخَى ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَفْتَرِسُهُ وَ يَحْيَا بِذَلِكَ مِنْهُ فَأَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَإِنَّهُ يَنْسِجُ ذَلِكَ النَّسْجَ فَيَتَّخِذُهُ شَرَكاً وَ مَصْيَدَةً لِلذُّبَابِ ثُمَّ يَكْمُنُ فِي جَوْفِهِ فَإِذَا نَشِبَ فِيهِ الذُّبَابُ أَحَالَ عَلَيْهِ يَلْدَغُهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ فَيَعِيشُ بِذَلِكَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ يُحْكَى صَيْدُ الْكِلَابِ وَ النُّهُودِ وَ هَكَذَا يُحْكَى صَيْدُ الْأَشْرَاكِ وَ الْحَبَائِلِ فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الدُّوَيْبَةِ الضَّعِيفَةِ كَيْفَ جَعَلَ طَبْعَهَا مَا لَا يَبْلُغُهُ الْإِنْسَانُ إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَ اسْتِعْمَالِ آلَاتٍ فِيهَا فَلَا تَزْدَرِ بِالشَّيْءِ إِذَا كَانَتِ الْعِبْرَةُ فِيهِ وَاضِحَةً كَالذَّرَّةِ وَ النَّمْلَةِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعْنَى النَّفِيسَ قَدْ يُمَثَّلُ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ فَلَا يَضَعُ مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَضَعُ مِنَ الدِّينَارِ وَ هُوَ مِنْ ذَهَبٍ أَنْ يُوزَنَ بِمِثْقَالٍ مِنْ حَدِيدٍ تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ جِسْمَ …

بحار الأنوار — كتاب السماء و العالم · عموم أحوال الحيوان و أصنافها

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.