في الكافي: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ وَ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فِي مَرْضَةٍ مَرِضَهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا رَأْسُهُ فَقَالَ يَا فُضَيْلُ إِنَّنِي كَثِيراً مَا أَقُولُ مَا عَلَى رَجُلٍ عَرَّفَهُ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ لَوْ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ إِنَّا وَ شِيعَتَنَا هُدِينَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَوْ أَصْبَحَ لَهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ كَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُ وَ لَوْ أَصْبَحَ مُقَطَّعاً أَعْضَاؤُهُ كَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ بِالْمُؤْمِنِ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ لَوْ عَدَلَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى عَدُوَّهُ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ يَا فُضَيْلَ بْنَ يَسَارٍ إِنَّهُ مَنْ كَانَ هَمُّهُ هَمّاً وَاحِداً كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ وَ مَنْ كَانَ هَمُّهُ فِي كُلِّ وَادٍ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ. محص، التمحيص عن الفضيل مثله بأدنى تغيير و اختصار بيان في مرضة بالفتح أو بالتحريك و كلاهما مصدر مرضها أي مرض بها و قيل البارز في مرضها مفعول مطلق للنوع لم يبق منه إلا رأسه من للتبعيض و الضمير للإمام(عليه السلام)أي من أعضائه أو للتعليل و الضمير للمرض و الأول أظهر و المعنى أنه نحف جميع أعضائه و هزلت حتى كأنه لم يبق منها شيء إلا رأسه فإنه لقلة لحمه لا يعتريه الهزال كثيرا أو المراد أنه لم يبق قوة الحركة في شيء من أعضائه إلا في رأسه و الأول أظهر. كثيرا ما أقول ما زائدة للإبهام و ما في قوله ما على رجل نافية أو استفهامية للإنكار و حاصلهما واحد أي لا ضرر و لا وحشة عليه أخذوا يمينا و شمالا أي عدلوا عن الصراط المستقيم إلى أحد جانبيه من الإفراط كالخوارج أو التفريط كالمخالفين له ما بين المشرق أي و الحال أن له ما بينهما أو أصبح بمعنى صار مقطعا على بناء المفعول للتكثير أعضاؤه بدل اشتمال من الضمير المستتر في مقطعا و منهم من قرأ أعضاء بالنصب على التميز. و قوله(عليه السلام)إن الله لا يفعل بالمؤمن تعليل لهاتين الجملتين فإنه تعالى لو أعطى جميع الدنيا المؤمن لم يكن ذلك على سبيل الاستدراج بل لأنه علم أنه يشكره و يصرفه في مصارف الخير و لا يصير ذلك سببا لنقص قدره عند الله كما فعل ذلك بسليمان(عليه السلام)بخلاف ما إذا فعل ذلك بغير المؤمن فإنه لإتمام الحجة عليه و استدراجه فيصير سببا لشدة عذابه و كذا إذا قدر للمؤمن تقطيع أعضائه فإنما هو لمزيد قربه عنده تعالى و رفعة درجاته في الآخرة فينبغي أن يشكره سبحانه في الحالتين و يرضى بقضائه فيهما. و لما كان الغالب في الدنيا فقر المؤمنين و ابتلائهم بأنواع البلاء و غنى الكفار و الأشرار و الجهال رغب الأولين بالصبر و حذر الآخرين عن الاغترار بالدنيا و الفخر بقوله(عليه السلام)لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء فما أعطاه أعداءه ليس لكرامتهم عنده بل لهوانهم عليه و لذا لم يعطهم من الآخرة التي لها عنده قدر و منزلة شيئا و قد قال تعالى ﴿وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ إنه من كان همه هما واحدا الهم القصد و العزم و الحزن و الحاصل أنه من كان مقصوده أمرا واحدا و هو طلب دين الحق و رضى الله تعالى و قربه و طاعته و لم يخلطه بالأغراض النفسانية و الأهواء الباطلة فإن الحق واحد و للباطل شعب كثيرة أو غرضه في العبادات قربه تعالى و رضاه دون الأغراض الدنيوية كفاه الله همه أي أعانه على تحصيل ذلك المقصود و نصره على النفس و الشيطان و جنود الجهل و من كان همه في كل واد من أودية الضلالة و الجهالة لم يبال الله بأي واد هلك أي صرف الله لطفه و توفيقه عنه و تركه مع نفسه و أهوائها حتى يهلك باختيار واحد من الأديان الباطلة أو الأغراض الباطلة أو كل واد من أودية الدنيا و كل شعبة من شعب أهواء النفس الأمارة بالسوء من حب المال و الجاه و الشرف و العلو و لذة المطاعم و المشارب و الملابس و المناكح و غير ذلك من الأمور الفانية الباطلة. و الحاصل أن من اتبع الشهوات النفسانية أو الآراء الباطلة و لم يصرف نفسه عن مقتضاها إلى دين الحق و طاعة الله و ما يوجب قربه لم يمدده الله بنصره و توفيقه و لم يكن له عند الله قدر و منزلة و لم يبال بأي طريق سلك و لا في أي واد هلك و قيل بأي واد من أودية جهنم و قيل يمكن أن يراد بالهم الواحد القصد إلى الله و التوكل عليه في جميع الأمور فإنه تعالى يكفيه هم الدنيا و الآخرة بخلاف من اعتمد على رأيه و قطع علاقة التوكل عن نفسه و يحتمل أن يكون المراد بالهم الحزن و الغم أي من كان حزنه للآخرة كفاه الله ذلك و أوصله إلى سرور الأبد و من كان حزنه للدنيا وكله الله إلى نفسه حتى يهلك في واد من أودية أهوائها.
بحار الأنوار — كتاب الإيمان و الكفر · الرضا بموهبة الإيمان و أنه من أعظم النعم و ما أخذ الله على المؤمن من الصبر على ما يلحقه من الأذى