الأقسامبحار الأنواركتاب الإيمان و الكفر
بحار الأنوار

في نهج البلاغة: قَالَ(عليه السلام)وَ قَدْ تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ (رحمه الله) بِالْكُوفَةِ مَرْجِعَهُ مَعَهُ مِنْ صِفِّينَ وَ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ. قال السيد رضي الله عنه و معنى ذلك أن المحبة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه و لا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار و المصطفين الأخيار وَ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ(عليه السلام)مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً. و قد تؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره. تبيان مرجعه منصوب على الظرفية و التهافت التساقط قطعة قطعة من هفت كضرب إذا سقط كذلك و قيل هفت أي تطاير لخفته و المراد تلاشي الأجزاء و تفرقها لعدم الطاقة و تغلظ في بعض النسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل و في بعضها على صيغة المجرد المعلوم يقال غلظ الشيء ككرم ضد رق كما في النسخة و جاء كضرب و الاستعداد للشيء التهيؤ له. و لفظ الرواية على ما ذكره ابن الأثير في النهاية أظهر قَالَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ(عليه السلام)مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيُعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً. أي ليزهد في الدنيا و ليصبر على الفقر و العلة و الجلباب الإزار و الرداء و قيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها و جمعه جلابيب كني به عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن. و قيل إنما كني بالجلباب عن اشتماله بالفقر أي فليلبس إزار الفقر و يكون منه على حالة تعمه و تشمله لأن الغنى من أحوال أهل الدنيا و لا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا و حب أهل البيت انتهى. وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: إِنَّ الْبَلْوَى أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمَاءِ إِلَى الْحَدُورِ. هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة هي أنه(عليه السلام)لو أحبه جبل لتهافت و لعل هذا هو مراد الرضي رضي الله عنه بقوله معنى آخر ليس هذا موضع ذكره انتهى و فيه تأمل. و قال ابن ميثم الجلباب مستعار لتوطين النفس على الفقر و الصبر عليه و وجه الاستعارة كونهما ساترين للمستعد بهما من عوارض الفقر و ظهوره في سوء الخلق و ضيق الصدر و التحير الذي ربما أدى إلى الكفر كما يستر بالملحفة و لما كانت محبتهم(عليه السلام)بصدق يستلزم متابعتهم و الاستشعار بشعارهم و من شعارهم الفقر و رفض الدنيا و الصبر على ذلك وجب أن يكون كل محب مستشعرا للفقر و مستعدا له جلبابا من توطين النفس عليه و الصبر. و قد ذكر ابن قتيبة هذا المعنى بعبارة أخرى فقال من أحبنا فليقتصر على التقلل من الدنيا و التقنع فيها قال و شبه الصبر على الفقر بالجلباب لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن قال و يشهد بصحة هذا التأويل مَا رُوِيَ أَنَّهُ رَأَى قَوْماً عَلَى بَابِهِ فَقَالَ يَا قَنْبَرُ مَنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ شِيعَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى فِيهِمْ سِيمَاءَ الشِّيعَةِ قَالَ وَ مَا سِيمَاءُ الشِّيعَةِ قَالَ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الطَّوَى يُبْسُ الشِّفَاهِ مِنَ الظَّمَاءِ عُمْشُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ.. و قال أبو عبيد إنه لم يرد الفقر في الدنيا أ لا ترى أن فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى و إنما أراد الفقر يوم القيامة و أخرج الكلام مخرج الوعظ و النصيحة و الحث على الطاعات فكأنه أراد من أحبنا فليعد لفقره يوم القيامة ما يحسره من الثواب و التقرب إلى الله تعالى و الزلفة عنده. قال و قال السيد المرتضى ره و الوجهان جميعا حسنان و إن كان قول ابن قتيبة أحسن فذلك معنى قول السيد رضي الله عنه و قد تؤول ذلك على معنى آخر انتهى كلام ابن ميثم. و قال القطب الراوندي (رحمه الله) بعد ذكر المعنيين المحكيين عن ابن قتيبة و أبي عبيد و قال المرتضى فيه وجها ثالثا أي من أحبنا فليزم نفسه و ليقدها إلى الطاعات و ليذللها على الصبر عما كره منها فالفقر أن يحز أنف البعير فيلوى عليه حبل يذلل به الصعب يقال فقره إذا فعل به ذلك انتهى. و لا يخفى أنه لو كان المراد الصبر على الفقر و ستره و الكف عن إظهار الحاجة إلى الناس و ذلك هو المعبر عنه بالجلباب كما أشير إليه أولا لا يقدح فيه ما ذكره أبو عبيد من أن فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى لأن الأمر بالصبر و الستر حينئذ يتوجه إلى من ابتلاه الله بالفقر فالمراد أن من ابتلي من محبينا بالفقر فليصبر عليه و لا يكشفها و لا يستفاد منه فقد الغنى من الشيعة. و أما الخبر الأول فقد قيل يحتمل أن تكون مفاده صعوبة حمل محبتهم الكاملة فَيَكُونُ قَرِيباً مِنْ قَوْلِهِ(عليه السلام)إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ.. فتهافت الجبل حينئذ لثقل هذا الحمل و شدة المهابة كقوله تعالى ﴿‏لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏﴾ و قوله تعالى ﴿‏إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها‏﴾ و الظاهر من المقام أنه ليس المراد بالمحبة ما في العوام و الأوساط بل ما يستلزم التشبه به(عليه السلام)على وجه كامل و الاقتداء التام به(عليه السلام)في الفضائل و محاسن الأعمال على قدر الطاقة و إن كانت درجته الرفيعة فوق إدراك الأفهام و أعلى من أن تناله الأوهام و حق للجبل أن يتهافت عن حمل مثل ذلك الحمل.

بحار الأنوار — كتاب الإيمان و الكفر · شدة ابتلاء المؤمن و علته و فضل البلاء

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.