في الكافي: عَنِ الْعِدَّةِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ رَفَعَهُ قَالَ: خَطَبَ النَّاسَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(عليه السلام)فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَخٍ لِي كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي عَيْنِي وَ كَانَ رَأْسُ مَا عَظُمَ بِهِ فِي عَيْنِي صِغَرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلَا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ وَ لَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ فَرْجِهِ فَلَا يَسْتَخِفُّ لَهُ عَقْلَهُ وَ لَا رَأْيَهُ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ الْجَهَالَةِ فَلَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَّا عَلَى ثِقَةٍ لِمَنْفَعَةٍ كَانَ لَا يَتَشَهَّى وَ لَا يَتَسَخَّطُ وَ لَا يَتَبَرَّمُ كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَمَّاتاً فَإِذَا قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ كَانَ لَا يَدْخُلُ فِي مِرَاءٍ وَ لَا يُشَارِكُ فِي دَعْوَى وَ لَا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَرَى قَاضِياً وَ كَانَ لَا يَغْفُلُ عَنْ إِخْوَانِهِ وَ لَا يَخُصُّ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً فَإِذَا جَاءَ الْجِدُّ كَانَ لَيْثاً عَادِياً كَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً فِيمَا يَقَعُ الْعُذْرُ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَرَى اعْتِذَاراً كَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَ يَفْعَلُ مَا لَا يَقُولُ كَانَ إِذَا ابْتَزَّهُ أَمْرَانِ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ نَظَرَ إِلَى أَقْرَبِهِمَا إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَهُ وَ كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَرْجُو عِنْدَهُ الْبُرْءَ وَ لَا يَسْتَشِيرُ إِلَّا مَنْ يَرْجُو عِنْدَهُ النَّصِيحَةَ كَانَ لَا يَتَبَرَّمُ وَ لَا يَتَسَخَّطُ وَ لَا يَتَشَكَّى وَ لَا يَتَشَهَّى وَ لَا يَنْتَقِمُ وَ لَا يَغْفُلُ عَنِ الْعَدُوِّ فَعَلَيْكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ إِنْ أَطَقْتُمُوهَا فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوهَا كُلَّهَا فَأَخْذُ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللَّهِ وَ كَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ إِلَى قَوْلِهِ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ.. تبيين قال ابن أبي الحديد قد اختلف الناس في المعني بهذا الكلام و من هذا الأخ المشار إليه فقال قوم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و استبعده قوم لقوله(عليه السلام)و كان ضعيفا مستضعفا فإنه لا يقال في صفاته صلى الله عليه وآله وسلم مثل هذه الكلمة و إن أمكن تأويلها على لين كلامه و سجاحة أخلاقه إلا أنها غير لائقة به(عليه السلام)و قال قوم هو أبو ذر الغفاري و استبعده قوم لقوله(عليه السلام)فإن جاء الجد فهو ليث غاد و صل واد فإن أبا ذر لم يكن من المعروفين بالشجاعة و البسالة و قال قوم هو مقداد بن عمرو المعروف بمقداد بن الأسود و كان من شيعة علي(عليه السلام)و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة و قد روي في فضله حديث صحيح مرفوع و قال قوم إنه ليس بإشارة إلى أخ معين و لكنه كلام خارج مخرج المثل كقولهم فقلت لصاحبي و يا صاحبي و هذا عندي أقوى الوجوه انتهى. و لا يبعد أن يقال إن قوله(عليه السلام)فإن جاء الجد فهو ليث غاد إلى آخره لا يقتضي الشجاعة و البسالة في الحرب بل المراد الوصف بالتصلب في ذات الله و ترك المداهنة في أمر الدين و إظهار الحق بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجد بعد الوصف بالضعف إشعار بذلك و قد كان أبو ذر معروفا بذلك و إفصاحه عن فضائح بني أمية في أيام عثمان و تصلبه في إظهار الحق أشهر من أن يحتاج إلى البيان. و قال الشارح ابن ميثم ذكر هذا الفصل ابن المقفع في أدبه و نسبه إلى الحسن بن علي(عليه السلام)و المشار إليه قيل هو أبو ذر الغفاري و قيل هو عثمان بن مظعون انتهى. و أقول لا يبعد أن يكون المراد به أباه(عليه السلام)عبر هكذا لمصلحة. و كان رأس ما عظم به في عيني أي و كان أقوى و أعظم الصفات التي صارت أسبابا لعظمته في عيني فإن الرأس أشرف ما في البدن و في القاموس الرأس أعلى كل شيء و الصغر وزان عنب و قفل خلاف الكبر و بمعنى الذل و الهوان و هو خبر كان و فاعل عظم ضمير الأخ و ضمير به عائد إلى الموصول و الباء للسببية. كان خارجا من سلطان بطنه أي سلطنته كناية عن شدة الرغبة في المأكول و المشروب كما و كيفا ثم ذكر(عليه السلام)لذلك علامتين حيث قال فلا يشتهي ما لا يجد و في النهج فلا يتشهى و يقال تشهى فلان إذا اقترح شهوة بعد شهوة و هو أنسب و لا يكثر في الأكل إذا وجد و الإكثار من الشيء الإتيان بالكثير منه و المراد به إما الاقتصار على ما دون الشبع أو ترك الإفراط في الأكل أو ترك الإسراف في تجويد المأكول و المشروب. كان خارجا من سلطان فرجه أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرمات أو الشبهات و المكروهات فذكر لذلك أيضا علامتين فقال فلا يستخف له عقله و لا رأيه في القاموس استخفه ضد استثقله و فلانا عن رأيه حمله على الجهل و الخفة و أزاله عما كان عليه من الصواب و قال الراغب ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أي حملهم على أن يخفوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم و عزائمهم قيل معناه وجدهم طائشين و قوله عز و جل ﴿وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أي لا يزعجنك و يزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه و قال البيضاوي في قوله سبحانه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم و قال في قوله تعالى ﴿وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ و لا يحملنك على الخفة و القلق ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بتكذيبهم و إيذائهم. و أقول هذه الفقرة تحتمل وجوها الأول أن يكون المستتر في فلا يستخف راجعا إلى الفرج و الضمير في له راجعا إلى الأخ و يكون عقله و رأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله و رأيه خفيفين مطيعين لها الثاني أن يكون الضمير في يستخف راجعا إلى الأخ و في له إلى الفرج أي لا يجعل عقله و رأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج الثالث أن يقرأ يستخف على بناء المجهول و عقله و رأيه مرفوعين و ضمير له إما راجع إلى الأخ أو إلى الفرج و ما قيل أن يستخف على بناء المعلوم و عقله و رأيه مرفوعان و ضمير له للأخ فلا يساعده ما مر من معاني الاستخفاف. كان خارجا من سلطان الجهالة بفتح الجيم و هي خلاف العلم و العقل فلا يمد يده أي إلى أخذ شيء كناية عن ارتكاب الأمور إلا على ثقة و اعتماد بأنه ينفعه نفعا عظيما في الآخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالآخرة كان لا يتشهى أي لا يكثر شهوة الأشياء كما مر و لا يتسخط أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لإيذاء الخلق له أو لقلة عطائهم في القاموس السخط بالضم و كعنق و جبل ضد الرضا و قد سخط كفرح و تسخط و أسخطه أغضبه و تسخطه تكرهه و عطاءه استقله و لم يقع منه موقعا و لا يتبرم أي لا يمل و لا يسأم من حوائج الخلق و كثرة سؤالهم و سوء معاشرتهم في القاموس البرم السأمة و الضجر و أبرمه فبرم كفرح و تبرم أمله فمل. كان أكثر دهره أي عمره و أكثر منصوب على الظرفية صماتا بفتح الصاد و تشديد الميم و قرئ بضم الصاد و تخفيف الميم مصدرا فالحمل على المبالغة و في النهج صامتا فإن قال بذ القائلين و نقع غليل السائلين قال في النهاية في الحديث بذ القائلين أي سبقهم و غلبهم يبذهم بذا انتهى و نقع الماء العطش أي سكنه و الغليل حرارة العطش و يمكن أن يكون البذ بالفصاحة و النقع بالعلم و الجواب الشافي. كان لا يدخل في مراء أي مجادلة في العلوم للغلبة و إظهار الكمال قال في المصباح ماريته أماريه مماراة و مراء جادلته و يقال ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول و تصغيرا للقائل و لا يكون المراء إلا اعتراضا و لا يشارك في دعوى أي في دعوى غيره لإعانته أو وكالة عنه. و لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا في المصباح أدلى بحجته أثبتها فوصل بها و في القاموس أدلى بحجته أحضرها و إليه بماله دفعه و منه ﴿وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أقول و في النهج حتى يأتي قاضيا و هذه الفقرة أيضا يحتمل وجوها الأول ما ذكره بعض شراح النهج أي لا يدلي بحجته حتى يجد قاضيا و هو من فضيلة العدل في وضع الأشياء مواضعها انتهى. و أقول المعنى أنه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبث الشكوى عند الناس كما هو دأب أكثر الخلق بل يصبر إلى أن يجد حاكما يحكم بينه و بين خصمه و ذلك في الحقيقة يئول إلى الكف عن فضول الكلام و التكلم في غير موقعه. الثاني أن يكون المراد أنه يصبر على الظلم و يؤخر المطالبة إلى يوم القيامة فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق و هو الله سبحانه أو لا ينازع الأعداء إلا عند زوال التقية فالمراد بالقاضي الإمام الحق النافذ الحكم. الثالث أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفه عن المنازعة و الدعوى و صبره على الظلم أي لا ينشئ دعوى و لا يأتي بحجة حتى يحتاج إلى إتيان القاضي. الرابع ما ذكره بعض الأفاضل حيث قرأ يري على بناء الإفعال و فسر القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحق و الباطل أي كان لا يتعرض للدعوى إلا أن يظهر حجة قاطعة و لعله أخذه من قول الفيروزآبادي القضاء الحتم و البيان و سم قاض قاتل و لا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج. و كان لا يغفل عن إخوانه أي كان يتفقد أحوالهم في جميع الأحوال كتفقد الأهل و العيال و لا يخص نفسه بشيء من الخيرات دونهم بل كان يجعلهم شركاء لنفسه فيما خوله الله و يحب لهم ما يحب لنفسه و يكره لهم ما يكره لنفسه. كان ضعيفا أي فقيرا منظورا إليه بعين الذلة و الفقر كما قيل أو ضعيفا في القوة البدنية خلقة و لكثرة الصيام و القيام مستضعفا أي في أعين الناس للفقر و الضعف و قلة الأعوان يقال استضعفه أي عده ضعيفا و قال بعض شراح النهج استضعفه أي عده ضعيفا و وجده ضعيفا و ذلك لتواضعه و إن كان قويا. و إذا جاء الجد كان ليثا غاديا في أكثر النسخ بالعين المهملة و في بعضها بالمعجمة و في النهاية فيه ما ذئبان عاديان العادي الظالم و قد عدا يعدو عليه عدوانا و أصله من تجاوز الحد في الشيء و السبع العادي أي الظالم الذي يفترس الناس انتهى و الجد بالكسر ضد الهزل و الاجتهاد في الأمر و المراد به هنا المحاربة و المجاهدة و في النهج فإن جاء الجد فهو ليث عاد و صل واد و في أكثر نسخه غاد بالمعجمة من غدا عليه أي تكبر و قال بعض شارحيه الوصف بالغادي لأنه إذا غدا كان جائعا فصولته أشد و المناسب حينئذ أن يكون ليث منونا و في النسخ ليث غاد بالإضافة فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة و في بعض نسخه بالمهملة كما مر و في بعضها غاب بالباء الموحدة بعد العين المهملة و هو الأجمة و يسكنها الأسد و المناسب حينئذ الإضافة و قال الجوهري الصل بالكسر الحية التي لا تنفع منها الرقية يقال إنها لصل صفا إذا كانت منكرة مثل الأفعى و يقال للرجل إذا كان داهيا منكرا إنه لصل أصلال أي حية من الحيات و أصله في الحيات شبه الرجل بها انتهى و ذكر الوادي لأن الأودية لانخفاضها تشتد فيها الحرارة فيشتد السم في حيتها. كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا فيما يقع العذر أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر و كلمة المثل إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور فيجب التوقف حتى يسمع الاعتذار و يظهر الحق فإن لم يكن عذره مقبولا لامه و يحتمل أن يكون حتى للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحص العذر حتى يجد له عذرا و لو على سبيل الاحتمال و في النهج و كان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره و في بعض النسخ على ما لا يجد بزيادة حرف النفي فالمعنى لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرد عدم الوجدان إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله. و كان يفعل ما يقول و يفعل ما لا يقول أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات إشارة إلى قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ و قد قيل إن المعنى لم لا تفعلون ما تقولون فإنه إذا قال و لم يفعل فعدم الفعل قبيح لا القول و يفعل من الخيرات و الطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقية أو عدم انتهاز فرصة أو عدم وجدان قابل كما قال تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ كذا فهمه الأكثر و يخطر بالبال أن المعنى أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الإحسان أو لم يعده كما فسرت الآية المتقدمة في كثير من الأخبار بخلف الوعد و في النهج و كان يقول ما يفعل و لا يقول ما لا يفعل و في بعض نسخه في الأول و كان يفعل ما يقول. كان إذ ابتزه أمران كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة و الزاي على بناء الافتعال أي استلبه و غلبه و أخذه قهرا كناية عن شدة ميله إليهما و حصول الدواعي في كل منهما في القاموس البز الغلبة و أخذ الشيء بجفاء و قهر كالابتزاز و بزبز الشيء سلبه كابتزه و لا يبعد أن يكون في الأصل انبراه بالنون و الباء الموحدة على الحذف و الإيصال أي اعترض له و في النهج و كان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه يقال بدهه أمر كمنعه أي بغتة و فاجأه. و هذا الكلام يحتمل معنيين الأول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه لكونها أكثر ثوابا كالوضوء بالماء البارد و الحار في الشتاء كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)و الثاني أن يكون معيارا لحسن الأشياء و قبحها كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه و كلما تهواه يخالفها كما ورد لا تترك النفس و هواها فإن رداها في هواها و هذا هو الغالب لكن جعلها قاعدة كلية كما تقوله المتصوفة مشكل لما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرضها على نفسه فأبت فأكلها و الظاهر أن أكلها كان عين هواها لتعده الرعاع من الناس شيخا كاملا و لكل عذرة آكلا. إلا عند من يرجو عنده البرء أي ربه تعالى فإنه الشافي حقيقة أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء فإنه حينئذ ليس بشكاية بل هو طلب لعلاجه فالاستثناء منقطع و في النهج و كان لا يشكو وجعا إلا عند برئه أي يحكيه بعد البرء للشكر و التحدث بنعمة الله فالاستثناء منقطع أو أطلقت الشكاية عليها على المشاكلة و قيل أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلا يتجشموا زيارته. و لا يستشير في المصباح شاورته في كذا و استشرته راجعته لأرى رأيه فيه فأشار علي بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة فكانت إشارته حسنة و الاسم المشورة و فيه لغتان سكون الشين و فتح الواو و الثانية ضم الشين و سكون الواو وزان معونة و يقال هي من شار الدابة إذا عرضه في المشوار و يقال من أشرت العسل شبه حسن النصيحة بشري العسل إلا من يرجو عنده النصيحة أي خلوص الرأي و عدم الغش و كمال الفهم. كان لا يتبرم كأن إعادة تلك الخصال مع ذكرها سابقا للتأكيد و شدة الاهتمام بترك تلك الخصال أو المراد بها في الأول تشهي الدنيا و التسخط من فقدها و التبرم بمصائب الدنيا و الشكاية عن الوجع و المراد هنا التبرم من كثرة سؤال الناس و سوء أخلاقهم و التسخط بما يصل إليه منهم و تشهي ملاذ الدنيا و التشكي عن أحوال الدهر أو عن الإخوان و الشكاية و التشكي و الاشتكاء بمعنى و يمكن الفرق بأمور أخر يظهر بالتأمل فيما ذكرنا. و لا ينتقم أي من العدو حتى ينتقم الله له كما مر و لا يغفل عن العدو أي الأعداء الظاهرة و الباطنة كالشيطان و النفس و الهوى. فعليكم بمثل هذه الأخلاق في النهج فعليكم بهذه الخلائق فالزموها و تنافسوا فيها فإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير.
بحار الأنوار — كتاب الإيمان و الكفر · صفات خيار العباد و أولياء الله و فيه ذكر بعض الكرامات التي رويت عن الصالحين