الأقسامبحار الأنواركتاب الإيمان و الكفر
بحار الأنوار

كِتَابُ الْمُسَلْسَلَاتِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ حَبِيبِ بْنِ الْحَسَنِ التَّغْلِبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَنْصُورِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ مَوْلَانَا أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ(عليه السلام)عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى قَالَ فَقَالَ لِي سَأَلْتُ أَبِي قَالَ سَأَلْتُ جَدِّي قَالَ سَأَلْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ قَالَ سَأَلْتُ أَبِيَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى قَالَ سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَأَوْحَى إِلَيَّ أَنِّي خَلَقْتُ فِي قَلْبِ آدَمَ عِرْقَيْنِ يَتَحَرَّكَانِ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَوَاءِ فَإِنْ يَكُنْ فِي طَاعَتِي كَتَبْتُ لَهُ حَسَنَاتٍ وَ إِنْ يَكُنْ فِي مَعْصِيَتِي لَمْ أَكْتُبْ عَلَيْهِ شَيْئاً حَتَّى يُوَاقِعَ الْخَطِيئَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ. 14 قال الشهيد رفع الله درجته في القواعد لا يؤثر نية المعصية عقابا و لا ذما ما لم يتلبس بها و هو مما ثبت في الأخبار العفو عنه و لو نوى المعصية و تلبس بما يراه معصية فظهر خلافها ففي تأثير هذه النية نظر من حيث إنها لم تصادف المعصية فقد صارت كنية مجردة و هي غير مؤاخذ بها نظر و من دلالتها على انتهاكه الحرمة و جرأته على المعاصي و قد ذكر بعض الأصحاب أنه لو شرب المباح متشبها بشراب المسكر فعل حراما و لعله ليس لمجرد النية بل بانضمام فعل الجوارح إليها و يتصور محل النظر في صور منها ما لو وجد امرأته في منزل غيره فظنها أجنبية فأصابها فتبين أنها زوجته أو أمته و منها ما لو وطئ زوجته فظنها حائضا فبان طاهرا و منها لو هجم على طعام بيد غيره فأكل منه فتبين ملك الآكل و منها لو ذبح شاة فظنها للغير بقصد العدوان فظهرت ملكه- و منها إذا قتل نفسا فظنها معصومة فبانت مهدورة و قد قال بعض العامة يحكم بفسق متعاطي ذلك لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي و يعاقب في الآخرة ما لم يتب عقابا متوسطا بين عقاب الكبيرة و الصغيرة و كلاهما تحكم و تخرص على الغيب انتهى و قال شيخنا البهائي (قدس الله روحه) في بعض تعليقاته على الكتاب المذكور قوله لا يؤثر نية المعصية عقابا و لا ذما إلخ غرضه طاب ثراه أن نية المعصية و إن كانت معصية إلا أنه لما وردت الأخبار بالعفو عنها لم يترتب على فعلها عقاب و لا ذم- و إن ترتب استحقاقهما و لم يرد أن قصد المعصية و العزم على فعلها غير محرم كما يتبادر إلى بعض الأوهام حتى لو قصد الإفطار مثلا في شهر رمضان و لم يفطر لم يكن آثما كيف و المصنف مصرح في كتب الفروع بتأثيمه و الحاصل أن تحريم العزم على المعصية مما لا ريب فيه عندنا و كذا عند العامة و كتب الفريقين من التفاسير و غيرها مشحونة بذلك بل هو من ضروريات الدين و لا بأس بنقل شيء من كلام الخاصة و العامة في هذا الكتاب ليرتفع به جلباب الارتياب في الجوامع عند تفسير قوله تعالى ﴿‏إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا‏﴾ يقال للإنسان لم سمعت ما لا يحل لك سماعه و لم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه و لم عزمت على ما يحل لك العزم عليه انتهى و كلامه رحمه الله في مجمع البيان قريب من كلامه هذا و قال البيضاوي و غيره من علماء العامة عند تفسير هذه الآية فيها دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية انتهى و عبارة الكشاف موافقة لعبارة الطبرسي ره و كذا عبارة التفسير الكبير للفخري و قال السيد المرتضى علم الهدى أنار الله برهانه في كتاب تنزيه الأنبياء عند ذكر قوله تعالى ﴿‏إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما‏﴾ إنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم و لو كان الهم في هذا المكان عزما لما كان الله وليهما ثم قال و إرادة المعصية و العزم عليها معصية و قد تجاوز قوم حتى قالوا العزم على الكبيرة كبيرة و على الكفر كفر انتهى كلامه نور الله مرقده و كلام صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية مطابق لكلامه طاب ثراه و كذا كلام البيضاوي و غيره و أيضا فقد صرح الفقهاء بأن الإصرار على الصغائر الذي هو معدود من الكبائر إما فعلي و هو المداومة على الصغائر بلا توبة و إما حكمي و هو العزم على فعل الصغائر متى تمكن منها و بالجملة فتصريحات المفسرين و الفقهاء و الأصوليين بهذا المطلب أزيد من أن تحصى و الخوض فيه من قبيل توضيح الواضحات و من تصفح كتب الخاصة و العامة لا يعتريه ريب فيما تلوناه فإن قلت قد ورد عن أئمتنا(عليه السلام)أخبار كثيرة تشعر بأن العزم على المعصية ليس بمعصية. كَمَا رَوَاهُ ثِقَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَافِي عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا(عليهما السلام)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لآِدَمَ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً وَ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَ مَنْ هَمَ بِهَا وَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً. وَ كَمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام و أمّا احتقار الناس و إرادة المكروه بهم فاظهارهما حرام يؤاخذ به، و لا نزاع فيه، و بدونه أول المسألة. أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَهُمُّ بِالسَّيِّئَةِ أَنْ يَعْمَلَهَا فَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ وَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْكَافِي وَ غَيْرِهِ بِهَذَا الْمَضْمُونِ كَثِيرَةٌ قُلْتُ لَا دَلَالَةَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا ظَنَنْتُ مِنْ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَيْسَ مَعْصِيَةً وَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَ الزِّنَا مَثَلًا وَ لَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْهَا وَ أَيْنَ هَذَا عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَنْتُهُ قَوْلُهُ فَهُوَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهَا أَيْ غَيْرُ مُعَاقَبٍ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا- قَوْلُهُ مِنْهَا مَا لَوْ وُجِدَ امْرَأَتُهُ إِلَخْ عَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ مَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ يَظُنُّ أَنَّهُ حَرِيرٌ أَوْ مَغْصُوبٌ عَالِماً بِالْحُكْمِ فَظَهَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ مَمْزُوجٌ أَوْ مُبَاحٌ وَ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ التَّرَدُّدَ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَ الْأَوْلَى عَدَمُ التَّرَدُّدِ فِي بُطْلَانِهَا نَعَمْ يُتَمَشَّى صِحَّتُهَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِعَدَمِ دَلَالَةِ النَّهْيِ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى الْفَسَادِ قَوْلُهُ وَ كِلَاهُمَا أَيِ الْحُكْمُ بِفِسْقِ مُتَعَاطِي ذَلِكَ وَ بِعِقَابِهِ عِقَاباً مُتَوَسِّطاً قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ وَ فِيهِ أَنَّ دَلِيلَ الْأَوَّلِ مَذْكُورٌ وَ سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْكَبِيرَةِ كَبِيرَةٌ فَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ وَ تَخَرُّصٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ كَذِبٌ وَ تَخْمِينٌ بَاطِلٌ.

بحار الأنوار — كتاب الإيمان و الكفر · تضاعف الحسنات و تأخير إثبات الذنوب بفضل الله و ثواب نية الحسنة و العزم عليها و أنه لا يعاقب على العزم على الذنوب

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.