الشِّهَابُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً وَ كَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ. الضوء كاد و عسى كلاهما من أفعال المقاربة و كاد مشبه بعسى و عسى مشبه بلعل فلذلك لم يتصرف لأنه مشبه بحرف و الحرف لا يتصرف و كاد أشد مقاربة من عسى و إنما لم يأت من عسى الفعل المضارع لأن فيه معنى الطمع و الطمع لا يصح إلا في المستقبل فلو بني منه المضارع لصلح للحال و الاستقبال معا و الطمع لا يصح في الحال فلذلك اقتصر فيه على الماضي و عسى ترفع الاسم و تنصب الخبر إلا أن خبره لا يكون إلا فعلا مضارعا يدخله أن و كذلك كاد ترفع الاسم و تنصب الخبر و من شروط كاد أن لا يدخل على خبره أن كقولك كاد زيد و قال تعالى ﴿وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ﴾ و ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ و هذا إذا كان للحال و إن كان للاستقبال شبه بعسى فأدخل على خبره أن كما قال. قد كاد من طول البلى أن يمصحا. فهذا ما علقناه على شيخنا أبي الحسن النحوي رحمه الله و معنى الحديث و الله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المآكل الدنيئة و المطاعم الوبيئة و إذا وجد أولاده يتضورون من الجوع و العرى و رأى نفسه لا يقدر على تقويم أودهم و إصلاح حالهم و التنفيس عنهم كان بالحري أن يسرق و يخون و يغصب و ينهب و يستحل أموال الناس و يقطع الطريق و يقتل المسلم أو يخدم بعض الظلمة فيأكل مما يغصبه و يظلمه و هذا كله من أفعال من لا يحاسب نفسه و لا يؤمن بيوم الحساب فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا - و في الأثر عجبت لمن له عيال و ليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف.. و قوله(عليه السلام)كاد الحسد أن يغلب القدر المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود أو التمني لذلك فإنه ربما يحمله حسده على قتل المحسود و إهلاك ماله و إبطال معاشه فكأنه سعى في غلبة المقدور لأن الله تعالى قد قدر للمحسود الخير و النعمة و هو يسعى في إزالة ذلك عنه و قيل الحسد منصف لأنه يبدأ بصاحبه و قيل الحسود لا يسود و قيل الحسد يأكل الجسد و قال الشاعر اصبر على حسد الحسود فإن صبرك قاتله النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله. و كاد تعطي أنه قرب الفعل و لم يكن و تفيد في الحديث شدة تأثير الفقر و الحسد و إن لم يكونا يغلبان القدر و يقال إن كاد إذا أوجب به الفعل دل على النفي و إذا نفى دل على الوقوع و قال شاعرهم أ نحوي هذا الدهر ما هي لفظة جرت بلساني جرهم و ثمود إذا نفيت و الله أعلم أوجبت و إن أوجبت قامت مقام جحود. و هذا كما قال عز و جل ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ و المعنى أنهم لم يكونوا و قال تعالى ﴿وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ و قد ذبحوا. و هذه من أعجب القصص في الحسد و هي من أعاجيب الدنيا كان أيام موسى الهادي ببغداد رجل من أهل النعمة و كان له جار في دون حاله و كان يحسده و يسعى بكل مكروه يمكنه و لا يقدر عليه قال فلما طال عليه أمره و جعلت الأيام لا تزيده فيه إلا غيظا اشترى غلاما صغيرا فرباه و أحسن إليه فلما شب الغلام و اشتدت و قوي غضبه قال له مولاه يا بني إني أريدك لأمر من الأمور جسيم فليت شعري كيف لي أنت عند ذلك قال كيف يكون العبد لمولاه و المنعم عليه المحسن إليه و الله يا مولاي لو علمت أن رضاك في أن أتقحم النار لرميت بنفسي فيها و لو علمت أن رضاك في أن أغرق نفسي في لجة البحر لفعلت ذاك و عدد عليه أشياء فسر بذلك من قوله و ضمه إلى صدره و أكب عليه يترشفه و يقبله و قال أرجو أن تكون ممن يصلح لما أريد قال يا مولاي إن رأيت أن تمن على عبدك فتخبره بعزمك هذا ليعرفه و يضم عليه جوانحه قال لم يأن لذلك بعد و إذا كان ذلك فأنت موضع سري و مستودع أمانتي. فتركه سنة فدعاه فقال أي بني قد أردتك للأمر الذي كنت أرشحك له قال له يا مولاي مرني بما شئت فو الله لا تزيدني الأيام إلا طاعة لك قال إن جاري فلانا قد بلغ مني مبلغا أحب قتله قال فأنا أفتك به الساعة قال لا أريد هذا و أخاف ألا يمكنك و إن أمكنك أحالوا ذلك علي و لكني دبرت أن تقتلني أنت و تطرحني على سطحه فيؤخذ و يقتل بي. فقال له الغلام أ تطيب نفسك بنفسك و ما في ذلك تشف من عدوك و أيضا فهل تطيب نفسي بقتلك و أنت أبر من الوالد الحدب و الأم الرفيقة قال دع عنك هذا فإنما كنت أربيك لهذا فلا تنقض علي أمري فإنه لا راحة لي إلا في هذا قال الله الله في نفسك يا مولاي و أن تتلفها للأمر الذي لا يدرى أ يكون أم لا يكون فإن كان لم تر منه ما أملت و أنت ميت قال أراك لي عاصيا و ما أرضى حتى تفعل ما أهوى. قال أما إذا صح عزمك على ذلك فشأنك و ما هويت لأصير إليه بالكرة لا بالرضى فشكره على ذلك و عمد إلى سكين فشحذها و دفعها إليه و أشهد على نفسه أنه دبره و دفع إليه من صلب ماله ثلاثة آلاف درهم و قال إذا فعلت ذلك فخذ في أي بلاد الله شئت فعزم الغلام على طاعة المولى بعد التمنع و الالتواء. فلما كان في آخر ليلة من عمره قال له تأهب لما أمرتك به فإني موقظك في آخر الليل فلما كان في وجه السحر قام و أيقظ الغلام فقام مذعورا و أعطاه المدية فجاء حتى تسور حائط جاره برفق فاضطجع على سطحه فاستقبل القبلة ببدنه و قال للغلام ها و عجل فترك السكين على حلقه و فرى أوداجه و رجع إلى مضجعه و خلاه يتشحط في دمه. فلما أصبح أهله خفي عليهم خبره فلما كان في آخر النهار أصابوه على سطح جاره مقتولا فأخذ جاره و أحضروا وجوه المحلة لينظروا إلى الصورة و رفعوه و حبسوه و كتبوا بخبره إلى الهادي فأحضره فأنكر أن يكون له علم بذلك و كان الرجل من أهل الصلاح فأمر بحبسه و مضى الغلام إلى أصبهان. و كان هناك رجل من أولياء المحبوس و قرابته و كان يتولى العطاء للجند بأصفهان فرأى الغلام و كان عارفا به فسأله عن أمر مولاه و قد كان وقع الخبر إليه فأخبره الغلام حرفا حرفا فأشهد على مقالته جماعة و حمله إلى مدينة السلام و بلغ الخبر الهادي فأحضر الغلام فقص أمره كلّه عليه فتعجب الهادي من ذلك و أمر بإطلاق الرجل المحبوس و إطلاق الغلام أيضا. فائدة الحديث إعلام أن الفقر من أصعب الأشياء و مكابرته من أهول الأمور و أن الحسد أمره شديد و الحديث متضمن للنهي عنه.
بحار الأنوار — كتاب الإيمان و الكفر · الحسد (5)