الأقسامبحار الأنواركتاب العشرة
بحار الأنوار

في الكافي: عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ قَالَ أُمَّكَ- قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّكَ- قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّكَ- قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أَبَاكَ. تبيان استدل به على أن للأم ثلاثة أرباع البر و قيل لا يفهم منه إلا المبالغة في بر الأم و لا يظهر منه مقدار الفضل و وجه الفضل ظاهر لكثرة مشقتها و زيادة تعبها و آيات لقمان أيضا تشعر بذلك كما عرفت. و اختلف العامة في ذلك فالمشهور عن مالك أن الأم و الأب سواء في ذلك و قال بعضهم تفضيل الأم مجمع عليه و قال بعضهم للأم ثلثا البر لما رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ. و قال بعضهم ثلاثة أرباع البر لما رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أَبُوكَ.. و قال الشهيد طيب الله رمسه بعد إيراد مضمون الروايتين فقال بعض العلماء هذا يدل على أن للأم إما ثلثي الأب على الرواية الأولى أو ثلاثة أرباعه على الثانية و للأب إما الثلث أو الربع فاعترض بعض المستطيعين بأن هنا سؤالات الأول أن السؤال بأحق عن أعلى رتب البر فعرف الرتبة العالية ثم سأل عن الرتبة التي تليها بصيغة ثم التي هي للتراخي الدالة على نقص رتبة الفريق الثاني عن الفريق الأول في البر فلا بد أن تكون رتبة الثانية أخفض من الأولى و كذا الثالثة أخفض من الثانية فلا تكون رتبة الأب مشتملة على ثلث البر و إلا لكانت الرتب مستوية و قد ثبت أنها مختلفة فتصيب الأب أقل من الثلث قطعا أو أقل من الربع قطعا فلا يكون ذلك الحكم صوابا. الثاني أن حرف العطف تقتضي المغايرة لامتناع عطف الشيء على نفسه و قد عطف الأم على الأم: الثالث أن السائل إنما سأل ثانيا عن غير الأم فكيف يجاب بالأم و الجواب يشترط فيه المطابقة. و أجاب (رحمه الله) عن هذين بأن العطف هنا محمول على المعنى كأنه لما أجيب أولا بالأم قال فلمن أتوجه ببري بعد فراغي منها فقيل له للأم و هي مرتبة ثانية دون الأولى كما ذكرنا أولا فالأم المذكورة ثانيا هي المذكورة أولا بحسب الذات و إن كانت غيرها بحسب الغرض و هو كونها في الرتبة الثانية من البر فإذا تغايرت الاعتبارات جاز العطف مثل زيد أخوك و صاحبك و معلمك و أعرض عن الأول كأنه يرى أن لا يجاب عنه ثم يحتج به. قلت قوله السؤال بأحق ليس عن أكثر الناس استحقاقا بحسن الصحابة بل عن أعلى رتب الصحابة فالعلو منسوب إلى المبرور على تفسيره حسن الصحابة بالبر لا إلى نفس البر مع أن قوله بنقص الفريق الثاني عن الفريق الأول مناف لكلامه الأول إن أراد بالفريق المبرورين و إن أراد بالفريق المبر ورد عليه الاعتراض الأول. و قوله الرتبة الثانية أخفض من الأولى مبني على أمرين فيهما منع أحدهما أن أحق هنا للزيادة على من فضل عليه لا للزيادة مطلقا كما تقرر في العربية من احتمال المعنيين و الثاني أن ثم لما أتى بها السائل للتراخي كانت في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتراخي. و من الجائز أن تكون للزيادة المطلقة بل هذا أرجح بحسب المقام لأنه لا يجب بر الناس بأجمعهم بل لا يستحب لأن منهم البر و الفاجر فكأنه سأل عمن له حق في البر فأجيب بالأم ثم سأل عمن له حق بعدها فأجيب بها منبها على أنه لم يفرغ من برها بعد لأن قوله ثم من صريح في أنه إذا فرغ من حقها في البر لمن يبر فنبه على أنك لم تفرغ من برها بعد فإنها الحقيقة بالبر فأفاده الكلام الثاني الأمر ببرها كما أفاده الكلام الأول و أنها حقيقة بالبر مرتين و لا يلزم من إتيان السائل بثم الدالة على التراخي كون البر الثاني أقل من البر الأول لأنه بناه على معتقده من الفراغ من البر ثم ظن الفراغ من البر فأجيب بأنك لم تفرغ من البر بعد بل عليك ببرها فإنها حقيقة به فكأنه أمره ببرها مرتين و ببر الأب مرة في الرواية الأولى و أمره ببرها ثلاثا و ببر الأب مرة في الرواية الثانية و ذلك يقتضي أن يكون للأب مرة من ثلاث أو مرة من أربع و ظاهر أن تلك الثلث أو الربع و بهذا يندفع السؤالان الآخران لأنه لا عطف هنا إلا في كلام السائل. سلمنا أن أحق للأفضلية على من أضيفت إليه و أن من جملة من أضيفت إليه الأب لكن نمنع أن الأحقية الثانية ناقصة عن الأولى لأنه إنما استفدنا نقصها من إتيان السائل بثم معتقدا أن هناك رتبة دون هذه فسأل عنها فأجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله أمك و كلامه صلى الله عليه وآله وسلم في قوة أحق الناس بحسن صحابتك أمك أحق الناس بحسن صحابتك أمك. فظاهر أن هذه العبارة لا تفيد إلا مجرد التوكيد لا أن الثاني أخفض من الأول. فالحاصل على التقديرين الأمر ببر الأم مرتين أو ثلاثا و الأمر ببر الأب مرة واحدة سواء قلنا إن أحق بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني انتهى كلامه رفع مقامه.

بحار الأنوار — كتاب العشرة · بر الوالدين و الأولاد و حقوق بعضهم على بعض و المنع من العقوق

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.