إِرْشَادُ الْقُلُوبِ، رَوَى الْمُظَفَّرِيُّ فِي تَارِيخِهِ قَالَ: لَمَّا حَجَّ الْمَنْصُورُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَ أَرْبَعِينَ وَ مِائَةٍ- نَزَلَ بِدَارِ النَّدْوَةِ- وَ كَانَ يَطُوفُ لَيْلًا وَ لَا يَشْعُرُ بِهِ أَحَدٌ- فَإِذَا اطَّلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى بِالنَّاسِ وَ رَاحَ فِي مَوْكِبِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ- فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَطُوفُ إِذْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ- اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ ظُهُورَ الْبَغْيِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ- وَ مَا يَحُولُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ أَهْلِهِ مِنَ الظُّلْمِ- قَالَ فَمَلَأَ الْمَنْصُورُ مَسَامِعَهُ مِنْهُ- ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ لَهُ مَا الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْكَ- قَالَ إِنْ أَمَّنْتَنِي عَلَى نَفْسِي نَبَّأْتُكَ بِالْأُمُورِ مِنْ أَصْلِهَا- قَالَ أَنْتَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِكَ- قَالَ أَنْتَ الَّذِي دَخَلَهُ الطَّمَعُ حَتَّى حَالَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ حُصُولِ مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْبَغْيِ وَ الْفَسَادِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى اسْتَرْعَاكَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ- فَأَغْفَلْتَهَا- وَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ حِجَاباً- وَ حُصُوناً مِنَ الْجِصِّ وَ الْآجُرِّ وَ أَبْوَاباً مِنَ الْحَدِيدِ- وَ حَجَبَةً مَعَهُمُ السِّلَاحُ- وَ اتَّخَذْتَ وُزَرَاءَ ظَلَمَةً وَ أَعْوَاناً فَجَرَةً- إِنْ أَحْسَنْتَ لَا يُعِينُوكَ وَ إِنْ أَسَأْتَ لَا يَرُدُّوكَ- وَ قَوَّمْتَهُمْ عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ- وَ لَمْ تَأْمُرْهُمْ بِإِعَانَةِ الْمَظْلُومِ وَ الْجَائِعِ وَ الْعَارِي- فَصَارُوا شُرَكَاءَكَ فِي سُلْطَانِكَ- وَ صَانَعْتَهُمُ الْعُمَّالَ بِالْهَدَايَا خَوْفاً مِنْهُمْ- فَقَالُوا هَذَا قَدْ خَانَ اللَّهَ- فَمَا لَنَا لَا نَخُونُهُ فَاخْتَزَنُوا الْأَمْوَالَ- وَ حَالُوا دُونَ الْمُتَظَلِّمِ وَ دُونَكَ- فَامْتَلَأَتْ بِلَادُ اللَّهِ فَسَاداً وَ بَغْياً وَ ظُلْماً- فَمَا بَقَاءُ الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ عَلَى هَذَا وَ قَدْ كُنْتُ أُسَافِرُ إِلَى بِلَادِ الصِّينِ- وَ بِهَا مَلِكٌ قَدْ ذَهَبَ سَمْعُهُ- فَجَعَلَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ وُزَرَاؤُهُ مَا يُبْكِيكَ- فَقَالَ لَسْتُ أَبْكِي عَلَى مَا نَزَلَ مِنْ ذَهَابِ سَمْعِي- وَ لَكِنَّ الْمَظْلُومَ يَصْرَخُ بِالْبَابِ وَ لَا أَسْمَعُ نِدَاءَهُ- وَ لَكِنْ إِنْ كَانَ سَمْعِي قَدْ ذَهَبَ فَبَصَرِي بَاقٍ- فَنَادَى فِي النَّاسِ لَا يَلْبَسْ ثَوْباً أَحْمَرَ إِلَّا مَظْلُومٌ- فَكَانَ يَرْكَبُ الْفِيلَ فِي كُلِّ طَرَفِ نَهَارٍ هَلْ يَرَى مَظْلُوماً فَلَا يَجِدُهُ هَذَا وَ هُوَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ- وَ قَدْ غَلَبَتْ رَأْفَتُهُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى شُحِّ نَفْسِهِ- وَ أَنْتَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَا تَغْلِبُكَ رَأْفَتُكَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى شُحِّ نَفْسِكَ فَإِنَّكَ لَا تَجْمَعُ الْمَالَ إِلَّا لِوَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ- إِنْ قُلْتَ إِنَّكَ تَجْمَعُ لِوُلْدِكَ- فَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ تَعَالَى الطِّفْلَ الصَّغِيرَ- يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لَا مَالَ لَهُ فَيُعْطِيهِ- فَلَسْتَ بِالَّذِي تُعْطِيهِ بَلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِي- وَ إِنْ قُلْتَ أَجْمَعُهَا لِتَشْيِيدِ سُلْطَانِي- فَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ الْقَدِيرُ عِبَراً فِي الَّذِينَ تَقَدَّمُوا- مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا جَمَعُوا مِنَ الْأَمْوَالِ- وَ لَا مَا أَعَدُّوا مِنَ السِّلَاحِ- وَ إِنْ قُلْتَ أَجْمَعُهَا لِغَايَةٍ- هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْغَايَةِ الَّتِي أَنَا فِيهَا- فَوَ اللَّهِ مَا فَوْقَ مَا أَنْتَ فِيهِ مَنْزِلَةٌ إِلَّا الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَا هَذَا هَلْ تُعَاقِبُ مَنْ عَصَاكَ إِلَّا بِالْقَتْلِ- فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا يُعَاقِبُ إِلَّا بِأَلِيمِ الْعَذَابِ- وَ هُوَ يَعْلَمُ مِنْكَ مَا أَضْمَرَ قَلْبُكَ وَ عَقَدَتْ عَلَيْهِ جَوَارِحُكَ- فَمَا ذَا تَقُولُ إِذَا كُنْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِلْحِسَابِ عُرْيَاناً- هَلْ يُغْنِي عَنْكَ مَا كُنْتَ فِيهِ شَيْئاً قَالَ فَبَكَى الْمَنْصُورُ بُكَاءً شَدِيداً- وَ قَالَ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُخْلَقْ وَ لَمْ أَكُ شَيْئاً- ثُمَّ قَالَ مَا الْحِيلَةُ فِيمَا حَوَّلْتُ- قَالَ عَلَيْكَ بِأَعْلَامِ الْعُلَمَاءِ الرَّاشِدِينَ- قَالَ فَرُّوا مِنِّي- قَالَ فَرُّوا مِنْكَ مَخَافَةَ أَنْ تَحْمِلَهُمْ عَلَى ظَهْرٍ مِنْ طَرِيقَتِكَ- وَ لَكِنِ افْتَحِ الْبَابَ وَ سَهِّلِ الْحِجَابَ وَ خُذِ الشَّيْءَ مِمَّا حَلَّ وَ طَابَ وَ انْتَصِفْ لِلْمَظْلُومِ- وَ أَنَا ضَامِنٌ عَمَّنْ هَرَبَ مِنْكَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْكَ- فَيُعَاوِنَكَ عَلَى أَمْرِكَ- فَقَالَ الْمَنْصُورُ- اللَّهُمَّ وَفِّقْنِي لِأَنْ أَعْمَلَ بِمَا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ- ثُمَّ حَضَرَ الْمُؤَذِّنُونَ وَ أَقَامُوا الصَّلَاةَ- فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ عَلَيَّ بِالرَّجُلِ- فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ أَثَراً- فَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ الْخَضِرَ(عليه السلام).
بحار الأنوار — كتاب العشرة · أحوال الملوك و الأمراء و العراف و النقباء و الرؤساء و عدلهم و جورهم