لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ- وَ خَلَقَ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ- لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ شَجَرَةٌ يَأْتِيهَا بَنُو آدَمَ- إِلَّا أَصَابُوا مِنْهَا مَنْفَعَةً- فَلَمْ تَزَلِ الْأَرْضُ وَ الشَّجَرُ كَذَلِكَ حَتَّى تَتَكَلَّمَ فَجَرَةُ بَنِي آدَمَ- بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ- قَوْلِهِمْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً فَلَمَّا قَالُوهَا اقْشَعَرَّتِ الْأَرْضُ وَ ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ الْأَشْجَارِ: يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ الْأَرْضَ لَتَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي أَرْضٍ قِيٍّ يَعْنِي قَفْرٍ- فَتَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ أَذَّنَ وَ أَقَامَ وَ صَلَّى أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمَلَائِكَةَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ صَفّاً- لَا يُرَى طَرَفَاهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَ يَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ وَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ أَقَامَ وَ لَمْ يُؤَذِّنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ إِلَّا مَلَكَاهُ اللَّذَانِ مَعَهُ- يَا أَبَا ذَرٍّ مَا مِنْ شَابٍّ يَدَعُ لِلَّهِ الدُّنْيَا وَ لَهْوَهَا- وَ أَهْرَمَ شَبَابَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ- إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ صِدِّيقاً- يَا أَبَا ذَرٍّ الذَّاكِرُ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ فِي الْفَارِّينَ يَا أَبَا ذَرٍّ الْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ- وَ الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السَّوْءِ وَ إِمْلَاءُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ- وَ السُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاءِ الشَّرِّ يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِناً- وَ لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ وَ لَا تَأْكُلْ طَعَامَ الْفَاسِقِينَ- يَا أَبَا ذَرٍّ أَطْعِمْ طَعَامَكَ مَنْ تُحِبُّهُ فِي اللَّهِ- وَ كُلْ طَعَامَ مَنْ يُحِبُّكَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ- فَلْيَتَّقِ اللَّهَ امْرُؤٌ وَ لْيَعْلَمْ مَا يَقُولُ يَا أَبَا ذَرٍّ اتْرُكْ فُضُولَ الْكَلَامِ- وَ حَسْبُكَ مِنَ الْكَلَامِ مَا تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ- يَا أَبَا ذَرٍّ كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَقَّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ- يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ- وَ إِكْرَامَ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ الْعَامِلِينَ وَ إِكْرَامَ السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا عَمِلَ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ لِسَانَهُ يَا أَبَا ذَرٍّ لَا تَكُنْ عَيَّاباً وَ لَا مَدَّاحاً وَ لَا طَعَّاناً وَ لَا مُمَارِياً- يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ بُعْداً مَا سَاءَ خُلُقُهُ يَا أَبَا ذَرٍّ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ- وَ كُلُّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ- يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ وَ أَحْسَنَ عِمَارَةَ مَسَاجِدِ اللَّهِ- كَانَ ثَوَابُهُ مِنَ اللَّهِ الْجَنَّةَ- فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْمَرُ مَسَاجِدُ اللَّهِ- قَالَ لَا تُرْفَعُ فِيهَا الْأَصْوَاتُ وَ لَا يُخَاضُ فِيهَا بِالْبَاطِلِ- وَ لَا يشتر [يُشْتَرَى فِيهَا وَ لَا يُبَاعُ وَ اتْرُكِ اللَّغْوَ مَا دُمْتَ فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا نَفْسَكَ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِيكَ مَا دُمْتَ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ- بِكُلِّ نَفَسٍ تَنَفَّسْتَ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ وَ تُصَلِّي عَلَيْكَ الْمَلَائِكَةُ- وَ تُكْتَبُ لَكَ بِكُلِّ نَفَسٍ تَنَفَّسْتَ فِيهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ- وَ تُمْحَى عَنْكَ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ- يَا أَبَا ذَرٍّ أَ تَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْءٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قُلْتُ لَا أَدْرِي فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي- قَالَ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّلَاةِ يَا أَبَا ذَرٍّ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ- وَ كَثْرَةُ الِاخْتِلَافِ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ- يَا أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- إِنَّ أَحَبَّ الْعِبَادِ إِلَيَّ الْمُتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي الْمُتَعَلِّقَةُ قُلُوبُهُمْ بِالْمَسَاجِدِ وَ الْمُسْتَغْفِرُونَ بِالْأَسْحَارِ- أُولَئِكَ إِذَا أَرَدْتُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ عُقُوبَةً- ذَكَرْتُهُمْ فَصَرَفْتُ الْعُقُوبَةَ عَنْهُمْ يَا أَبَا ذَرٍّ كُلُّ جُلُوسٍ فِي الْمَسْجِدِ لَغْوٌ إِلَّا ثَلَاثَةً- قِرَاءَةُ مُصَلٍّ أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ أَوْ سَائِلٌ عَنْ عِلْمٍ- يَا أَبَا ذَرٍّ كُنْ بِالْعَمَلِ بِالتَّقْوَى أَشَدَّ اهْتِمَاماً مِنْكَ بِالْعَمَلِ- فَإِنَّهُ لَا يَقِلُّ عَمَلٌ بِالتَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ يَتَقَبَّلُ- يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ- يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ- حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ- أَشَدَّ مِنْ مُحَاسَبَةِ الشَّرِيكِ شَرِيكَهُ- فَيَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَ مِنْ أَيْنَ مَشْرَبُهُ وَ مِنْ أَيْنَ مَلْبَسُهُ- أَ مِنْ حِلٍّ ذَلِكَ أَمْ مِنْ حَرَامٍ- يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ الْمَالَ- لَمْ يُبَالِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَيْنَ أَدْخَلَهُ النَّارَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْثَرُكُمْ ذِكْراً لَهُ- وَ أَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَتْقَاكُمْ لَهُ- وَ أَنْجَاكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَشَدُّكُمْ لَهُ خَوْفاً- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الشَّيْءِ- الَّذِي لَا يُتَّقَى مِنْهُ خَوْفاً مِنَ الدُّخُولِ فِي الشُّبْهَةِ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ- وَ إِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَ صِيَامُهُ وَ تِلَاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ- يَا أَبَا ذَرٍّ أَصْلُ الدِّينِ الْوَرَعُ وَ رَأْسُهُ الطَّاعَةُ يَا أَبَا ذَرٍّ كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَ خَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ يَا أَبَا ذَرٍّ فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ- وَ اعْلَمْ أَنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا- وَ صُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ مَا يَنْفَعُكُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِوَرَعٍ يَا أَبَا ذَرٍّ- إِنَّ أَهْلَ الْوَرَعِ وَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ حَقّاً- يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ لَمْ يَأْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِثَلَاثٍ فَقَدْ خَسِرَ- قُلْتُ وَ مَا الثَّلَاثُ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي- قَالَ وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ- وَ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ السَّفِيهِ وَ خُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- وَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَاتَّقِ اللَّهَ- وَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ- فَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدَيْكَ- يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ لَكَفَتْهُمْ- وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ- وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ- يَا أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدِيَ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلَّا جَعَلْتُ غِنَاهُ فِي نَفْسِهِ وَ هُمُومَهُ فِي آخِرَتِهِ- وَ ضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ رِزْقَهُ وَ كَفَفْتُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ- وَ كُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ- يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ الْمَوْتِ- لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ أَ لَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِنَّ- قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ- تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ- وَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ- فَقَدْ جَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَهَدُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يُكْتَبْ لَكَ- مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ- وَ لَوْ جَهَدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ- مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالرِّضَا فِي الْيَقِينِ فَافْعَلْ- وَ إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً- وَ إِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ- وَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً- يَا أَبَا ذَرٍّ اسْتَغْنِ بِغِنَى اللَّهِ يُغْنِكَ اللَّهُ- فَقُلْتُ وَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ غَدَاءَةُ يَوْمٍ وَ عَشَاءَةُ لَيْلَةٍ- فَمَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ أَغْنَى النَّاسِ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- إِنِّي لَسْتُ كَلَامَ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ وَ لَكِنْ هَمَّهُ وَ هَوَاهُ- فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَ هَوَاهُ فِيمَا أُحِبُّ وَ أَرْضَى- جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْداً لِي وَ ذِكْراً وَ وَقَاراً وَ إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ- وَ لَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ وَ لَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَ أَعْمَالِكُمْ يَا أَبَا ذَرٍّ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا وَ أَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ- يَا أَبَا ذَرٍّ أَرْبَعٌ لَا يُصِيبُهُنَّ إِلَّا مُؤْمِنٌ- الصَّمْتُ وَ هُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ وَ التَّوَاضُعُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ- وَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ قِلَّةُ الشَّيْءِ يَعْنِي قِلَّةَ الْمَالِ يَا أَبَا ذَرٍّ هُمَّ بِالْحَسَنَةِ وَ إِنْ لَمْ تَعْمَلْهَا لِكَيْلَا تُكْتَبَ مِنَ الْغَافِلِينَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ مَلَكَ مَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَ بَيْنَ لَحْيَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنُؤْخَذُ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ أَلْسِنَتُنَا- قَالَ يَا بَا ذَرٍّ- وَ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ- إِنَّكَ لَا تَزَالُ سَالِماً مَا سَكَتَّ- فَإِذَا تَكَلَّمْتَ كُتِبَ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فِي الْمَجْلِسِ لِيُضْحِكَهُمْ بِهَا- فَيَهْوِي فِي جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ يَا أَبَا ذَرٍّ وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ- وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ صَمَتَ نَجَا فَعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَ لَا تَخْرُجَنَّ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَداً- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَوْبَةُ الرَّجُلِ الَّذِي يَكْذِبُ مُتَعَمِّداً- فَقَالَ الِاسْتِغْفَارُ وَ صَلَوَاتُ الْخَمْسِ تَغْسِلُ ذَلِكَ- يَا أَبَا ذَرٍّ إِيَّاكَ وَ الْغِيبَةَ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِمَ ذَاكَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي- قَالَ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي فَيَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ- وَ الْغِيبَةُ لَا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَهَا صَاحِبُهَا- يَا أَبَا ذَرٍّ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ- وَ أَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْغِيبَةُ- قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَاكَ الَّذِي يُذْكَرُ بِهِ- قَالَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَ إِذَا ذَكَرْتَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ- يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ ذَبَّ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ الْغِيبَةَ- كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ- وَ هُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ فَنَصَرَهُ- نَصَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- فَإِنْ خَذَلَهُ وَ هُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ- قُلْتُ وَ مَا الْقَتَّاتُ قَالَ النَّمَّامُ يَا أَبَا ذَرٍّ صَاحِبُ النَّمِيمَةِ لَا يَسْتَرِيحُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْآخِرَةِ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ وَ لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا- فَهُوَ ذُو لِسَانَيْنِ فِي النَّارِ- يَا أَبَا ذَرٍّ الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ وَ إِفْشَاءُ سِرِّ أَخِيكَ خِيَانَةٌ- فَاجْتَنِبْ ذَلِكَ وَ اجْتَنِبْ مَجْلِسَ الْعَشِيرَةِ- يَا أَبَا ذَرٍّ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أَهْلِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ- مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي يَوْمَيْنِ الْإِثْنَيْنِ وَ الْخَمِيسِ- فَيَغْفِرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْداً كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَقَالَ اتْرُكُوا عَمَلَ هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا يَا أَبَا ذَرٍّ إِيَّاكَ وَ هِجْرَانَ أَخِيكَ فَإِنَّ الْعَمَلَ لَا يُتَقَبَّلُ مِنَ الْهِجْرَانِ يَا أَبَا ذَرٍّ أَنْهَاكَ عَنِ الْهِجْرَانِ- وَ إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلَا تَهْجُرْهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَلًا- فَمَنْ مَاتَ فِيهَا مُهَاجِراً لِأَخِيهِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ- يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَاماً- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ مَاتَ وَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ- لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ ذَلِكَ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَيُعْجِبُنِي الْجَمَالُ- حَتَّى وَدِدْتُ أَنَّ عِلَاقَةَ سَوْطِي وَ قِبَالَ نَعْلِي حَسَنٌ- فَهَلْ يُرْهَبُ عَلَى ذَلِكَ- قَالَ كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ قَالَ أَجِدُهُ عَارِفاً لِلْحَقِّ مُطْمَئِنّاً إِلَيْهِ- قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ بِالْكِبْرِ- وَ لَكِنَّ الْكِبْرَ أَنْ تَتْرُكَ الْحَقَّ وَ تَتَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ- وَ تَنْظُرَ إِلَى النَّاسِ وَ لَا تَرَى أَنَّ أَحَداً عِرْضُهُ كَعِرْضِكَ وَ لَا دَمُهُ كَدَمِكَ- يَا أَبَا ذَرٍّ أَكْثَرُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ الْمُسْتَكْبِرُونَ- فَقَالَ رَجُلٌ وَ هَلْ يَنْجُو مِنَ الْكِبْرِ أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ نَعَمْ مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ وَ رَكِبَ الْحِمَارَ- وَ حَلَبَ الْعَنْزَ وَ جَالَسَ الْمَسَاكِينَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ حَمَلَ بِضَاعَتَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ- يَعْنِي مَا يَشْتَرِي مِنَ السُّوقِ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ- لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا أَبَا ذَرٍّ إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ- وَ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ كَعْبَيْهِ- يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ رَفَعَ ذَيْلَهُ وَ خَصَفَ نَعْلَهُ وَ عَفَّرَ وَجْهَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ كَانَ لَهُ قَمِيصَانِ فَلْيَلْبَسْ أَحَدَهُمَا وَ لْيُلْبِسِ الْآخَرَ أَخَاهُ يَا أَبَا ذَرٍّ- سَيَكُونُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يُولَدُونَ فِي النَّعِيمِ وَ يُغَذَّوْنَ بِهِ- هِمَّتُهُمْ أَلْوَانُ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ يُمْدَحُونَ بِالْقَوْلِ- أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي يَا أَبَا ذَرٍّ- مَنْ تَرَكَ لُبْسَ الْجَمَالِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَوَاضُعاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَدْ كَسَاهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ- يَا أَبَا ذَرٍّ طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ- وَ أَذَلَّ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَسْكَنَةٍ وَ أَنْفَقَ مَالًا جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ- وَ رَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وَ الْمَسْكَنَةِ وَ خَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَ الْحِكْمَةِ طُوبَى لِمَنْ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ- وَ حَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُ وَ عَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ- طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ وَ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ- وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ- يَا أَبَا ذَرٍّ الْبَسِ الْخَشِنَ مِنَ اللِّبَاسِ- وَ الصَّفِيقَ مِنَ الثِّيَابِ لِئَلَّا يَجِدَ الْفَخْرُ فِيكَ مَسْلَكاً يَا أَبَا ذَرٍّ- يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ فِي صَيْفِهِمْ وَ شِتَائِهِمْ- يَرَوْنَ أَنَّ لَهُمُ الْفَضْلَ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ- أُولَئِكَ تَلْعَنُهُمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- يَا أَبَا ذَرٍّ أَ لَا أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ كُلُّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ بِهِ- لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.
بحار الأنوار — كتاب الروضة · ما أوصى به رسول الله ص إلى أبي ذر (رحمه الله)