قَالَ السَّيِّدُ بْنُ طَاوُسٍ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا وَ قَدْ وَقَعَ فِي خَاطِرِي أَنْ أَخْتِمَ هَذَا الْكِتَابَ بِوَصِيَّةِ أَبِيكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَى وَلَدِهِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ وَ رِسَالَتِهِ إِلَى الشِّيعَةِ وَ ذَكَرَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ وَ رِسَالَتَهُ فِي ذِكْرِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ وَ رَأَيْتُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ الرِّسَالَةِ إِلَى وُلْدِهِ بِطَرِيقِ الْمُخَالِفِينَ وَ الْمُؤَالِفِينَ فَهُوَ أَجْمَعُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَ الدِّينِ- فَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ الزَّوَاجِرِ وَ الْمَوَاعِظِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهُ مِنْ نُسْخَةٍ تَارِيخُهَا ذُو الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ مَا هَذَا لَفْظُهُ وَصِيَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)لِوُلْدِهِ وَ لَوْ كَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا يَجِبُ أَنْ يُكْتَبَ بِالذَّهَبِ لَكَانَتْ هَذِهِ- وَ حَدَّثَنِي بِهَا جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ الْآدَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ الْمُكَتِّبُ يَحْيَى بْنُ حَاتِمِ بْنِ عِكْرِمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بِأَنْطَاكِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ عَلِيٌّ(عليه السلام)مِنْ صِفِّينَ إِلَى قِنَّسْرِينَ كَتَبَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(عليه السلام)مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِي الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ إِلَى آخِرِهِ- وَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ النَّهْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا كَادِحُ بْنُ رَحْمَةَ الزَّاهِدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا صَبَّاحُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ وَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكُوفِيُّ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ هَارُونَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(عليه السلام)أَنَّ عَلِيّاً(عليه السلام)كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(عليه السلام) وَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(عليه السلام)قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(عليه السلام) وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَاهِرٍ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاهِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(عليه السلام)قَالَ: كَتَبَ عَلِيٌّ(عليه السلام)إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ(عليه السلام)كُلُّ هَؤُلَاءِ حَدَّثُونَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)كَتَبَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ إِلَى الْحَسَنِ(عليه السلام) وَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَضَّالٍ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ وَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ ظَرِيفِ بْنِ نَاصِحٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ الْمُجَاشِعِيِّ قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ كَذَا وَ اعْلَمْ يَا وَلَدِي مُحَمَّدُ ضَاعَفَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِنَايَتَهُ بِكَ وَ رِعَايَتَهُ لَكَ- أَنْ قَدْ رَوَى الشَّيْخُ الْمُتَّفَقُ عَلَى ثِقَتِهِ وَ أَمَانَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِرَحْمَتِهِ رِسَالَةَ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)إِلَى جَدِّكَ الْحَسَنِ وَلَدِهِ سَلَامُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَيْهِمَا- وَ رَوَى رِسَالَةً أُخْرَى مُخْتَصَرَةً عَنْ مَوْلَانَا عَلِيٍّ(عليه السلام)إِلَى وَلَدِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ رِضْوَانُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ الرِّسَالَتَيْنِ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ وَ وَجَدْنَا نُسْخَةً عَتِيقَةً يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَتُهَا فِي زَمَنِ حَيَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ره وَ هَذَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ره كَانَ حَيَاتُهُ فِي زَمَنِ وُكَلَاءِ مَوْلَانَا الْمَهْدِيِّ(عليه السلام)عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَمْرِيِّ وَ وَلَدِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ وَ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ وَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيِّ وَ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَبْلَ وَفَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السَّمُرِيِّ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ فَتَصَانِيفُ هَذَا الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ وَ رِوَايَاتِهِ فِي زَمَنِ الْوُكَلَاءِ الْمَذْكُورِينَ يَجِدُ طَرِيقاً إِلَى تَحْقِيقِ مَنْقُولَاتِهِ وَ تَصْدِيقِ مُصَنَّفَاتِهِ وَ رَأَيْتُ يَا وَلَدِي بَيْنَ رِوَايَةِ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيِّ مُصَنِّفِ كِتَابِ الزَّوَاجِرِ وَ الْمَوَاعِظِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَ بَيْنَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ فِي رِسَالَةِ أَبِيكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)إِلَى وَلَدِهِ تَفَاوُتاً فَنَحْنُ نُورِدُهَا بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ فَهُوَ أَجْمَلُ وَ أَفْضَلُ فِيمَا قَصَدْنَاهُ فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ عَنْبَسَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)مِنْ صِفِّينَ كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ- عَلَيْهِ وَ عَلَى جَدِّهِ وَ أَبِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَخِيهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ- الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ الذَّامِّ لِلدُّنْيَا- السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى- الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً إِلَى الْوَلَدِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ- السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ- غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ- وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ وَ عَبْدِ الدُّنْيَا وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ- وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ- وَ رَصِيدِ الْآفَاتِ وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي- وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ- مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي- غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هَمِّ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي- فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ- وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَا يُرَى مَعَهُ لَعِبٌ- وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي- حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي- وَ حَتَّى كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي- فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِي مَا يَعْنِينِي عَنْ أَمْرِ نَفْسِي فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي- هَذَا مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ- فَأُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ يَا بُنَيَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ- وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ- وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ- إِنْ أَخَذْتَ بِهِ فَأَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ أَمِتْهُ بِالزُّهْدِ- وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ- وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ- وَ أَسْكِنْهُ بِالْخَشْيَةِ وَ أَشْعِرْهُ بِالصَّبْرِ- وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ- وَ فُحْشَ تَقَلُّبِهِ وَ تَقَلُّبَ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ- وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ- وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ- وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ اعْتَبِرْ آثَارَهُمْ- وَ انْظُرْ مَا فَعَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا وَ عَمَّنِ انْتَقَلُوا- فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ- وَ حَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ- فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ- وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ النَّظَرَ فِيمَا لَا تُكَلَّفُ- وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ- فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالَةِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ- وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِلِسَانِكَ وَ يَدِكَ- وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ- وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ- وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ- وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ فَنِعْمَ الْخُلُقُ الصَّبْرُ- وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ- وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ- فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ- وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً- فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ- وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ يَا بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنّاً- وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ لِخِصَالٍ- مِنْهَا أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ- بِمَا فِي نَفْسِي أَوْ أَنْقُصَ فِي رَأْيِي كَمَا نَقَصْتُ فِي جِسْمِي- أَوْ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا وَ تَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ- وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ- مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا قَبِلَتْهُ- فَبَادِرْ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ- وَ تَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ- مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ- فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ- وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ- فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَأْتِيهِ- وَ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْهَا مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا فِيهِ يَا بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي- فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَارِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ- وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ- بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ- قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ- فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ- وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ- وَ اسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ- وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ- وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ- وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ- وَ أَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ مُقْبِلُ الدَّهْرِ- ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ- وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَأْوِيلِهِ- وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ لَا أُجَاوِزُ بِكَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ- ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ- مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ- وَ كَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ لَكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ- أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ- وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ- فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي بِهَذِهِ وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ- أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ مِنْ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ تَقْوَى اللَّهِ وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ- وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ- وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ- فَإِنَّهُمْ لَنْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ- وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ- ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا- وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ عَنْ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ- كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ لِذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ- لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَ عُلُوِّ الْخُصُومَاتِ- وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ عَلَيْهِ وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ- وَ فِي تَوْفِيقِكَ وَ نَبْذِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَيْكَ كُلَّ شُبْهَةٍ- أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا لَكَ قبلك [قَلْبُكَ فَخَشَعَ- وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً- فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ- وَ إِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ رَأْيُكَ عَلَى مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ- فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ خَبْطَ الْعَشْوَاءِ وَ تَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ- وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ وَ لَا خَلَطَ- وَ الْإِمْسَاكُ عِنْدَ ذَلِكَ أَمْثَلُ- وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا أَبْدَؤُكَ بِهِ فِي ذَلِكَ- وَ آخِرَهُ أَنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ إِلَهِي وَ إِلَهَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- وَ رَبِّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ- وَ كَمَا يَجِبُ وَ يَنْبَغِي لَهُ وَ نَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ بِجَمِيعِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْنَا بِمَا وَفَّقَنَا لَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ بِالاسْتِجَابَةِ لَنَا- فَإِنَّ بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ- يَا بُنَيَّ قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا- وَ زَوَالِهَا بِأَهْلِهَا- وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِأَهْلِهَا- وَ ضَرَبْتُ لَكَ أَمْثَالًا لِتَعْتَبِرَ وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا الْأَمْثَالَ إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ أَبْصَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلُ جَدْبٍ- فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ- وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ فِي الطَّعَامِ وَ الْمَنَامِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً وَ لَا يَرَوْنَ لِنَفَقَتِهِ معزما [مَغْرَماً- وَ لَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ- وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَقَوْمٍ كَانُوا فِي مَنْزِلٍ خَصِيبٍ- فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدْبٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ- وَ لَا أَهْوَلَ لَدَيْهِمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا هُمْ فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ- وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ- ثُمَّ فَزَّعْتُكَ بِأَنْوَاعِ الْجَهَالاتِ لِئَلَّا تَعُدَّ نَفْسَكَ عَالِماً- فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ قَلِيلٌ- فَعَدَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ جَاهِلًا- وَ ازْدَادَ بِمَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اجْتِهَاداً- فَمَا يَزَالُ لِلْعِلْمِ طَالِباً وَ فِيهِ رَاغِباً وَ لَهُ مُسْتَفِيداً- وَ لِأَهْلِهِ خَاشِعاً وَ لِرَأْيِهِ مُتَّهِماً- وَ لِلصَّمْتِ لَازِماً وَ لِلْخَطَإِ جَاحِداً وَ مِنْهُ مُسْتَحْيِياً- وَ إِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ- لِمَا قَدْ قَدَّرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْجَهَالَةِ- وَ إِنَّ الْجَاهِلَ مَنْ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَا جَهِلَ- مِنْ مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ عَالِماً وَ بِرَأْيِهِ مُكْتَفِياً فَمَا يَزَالُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُبَاعِداً- وَ عَلَيْهِمْ زَارِياً وَ لِمَنْ خَالَفَهُ مُخَطِّياً- وَ لِمَا لَمْ يَعْرِفْ مِنَ الْأُمُورِ مُضَلِّلًا- وَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَنْكَرَهُ وَ كَذَّبَ بِهِ- وَ قَالَ بِجَهَالَتِهِ مَا أَعْرِفُ هَذَا وَ مَا أَرَاهُ كَانَ- وَ مَا أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ وَ أَنَّى كَانَ- وَ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَأْيِهِ وَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِجَهَالَتِهِ- فَمَا يَنْفَكُّ مِمَّا يَرَى فِيمَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ رَأْيُهُ- وَ مِمَّا لَا يَعْرِفُ لِلْجَهْلِ مُسْتَفِيداً وَ لِلْحَقِّ مُنْكِراً- وَ فِي اللَّجَاجَةِ مُتَجَرِّياً وَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَكْبِراً- يَا بُنَيَّ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ- وَ أَحِبَّ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا- لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ- وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- وَ اسْتَقْبِحْ لِنَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ- وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ مَا تَرْضَى لَهُمْ مِنْكَ وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ- بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا عَلِمْتَ مِمَّا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ- وَ إِذَا هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ وَ أَسْعَى فِي كَدْحِكَ- وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ- وَ أَهْوَالٍ شَدِيدَةٍ وَ أَنَّهُ لَا غِنَى بِكَ عَنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ- وَ قَدْرِ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ- فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ بَلَاغِكَ- فَيَكُونَ ثَقِيلًا وَ وَبَالًا عَلَيْكَ- وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ- وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ- وَ جَعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ- وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً لَا مَحَالَةَ- أَنَّ مَهْبِطَهَا بِكَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ- فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ مَلَكُوتِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- قَدْ أَذِنَ لِدُعَائِكَ وَ تَكَفَّلَ لِإِجَابَتِكَ- وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ هُوَ رَحِيمٌ كَرِيمٌ- لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبْكَ عَنْهُ- وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ- وَ لَمْ يَمْنَعْكَ أَنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ- وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ- وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ لِلْفَضِيحَةِ وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ- وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي التَّوْبَةِ- فَجَعَلَ تَوْبَتَكَ التَّوَرُّعَ عَنِ الذَّنْبِ- وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وَ حَسَنَتَكَ عَشْراً- وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ وَ الِاسْتِعْتَابِ- فَمَتَى شِئْتَ سَمِعَ نِدَاكَ وَ نَجْوَاكَ فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ- وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ- وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ- ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدِكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ- فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ خَزَائِنِهِ- فَأَلْحِحْ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ يَفْتَحْ لَكَ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ- لَا يُقَنِّطُكَ إِنْ أَبْطَأَتْ عَلَيْكَ الْإِجَابَةُ- فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ الْمَسْأَلَةِ- وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ أَطْوَلَ لِلْمَسْأَلَةِ وَ أَجْزَلَ لِلْعَطِيَّةِ- رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَمْ تُؤْتَاهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ- عَاجِلًا أَوْ آجِلًا أَوْ صِرْتَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ- فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ وَ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ وَ دُنْيَاكَ لَوْ أُوتِيتَهُ- وَ لْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَعْنِيكَ مِمَّا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ- وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ- وَ الْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ- فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ تَرَى عَاقِبَةَ أَمْرِكَ حَسَناً أَوْ سَيِّئاً- أَوْ يَعْفُوَ الْعَفُوُّ الْكَرِيمُ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا- وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ- وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ وَ طَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ أَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو هَارِبُهُ- وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُكَ يَوْماً- فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ- قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ- فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ- يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ- وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ وَ اجْعَلْهُ أَمَامَكَ- حَيْثُ تَرَاهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ- وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ- وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ وَ لَا يَأْخُذَكَ عَلَى غِرَّتِكَ- وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْآخِرَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ- فَإِنَّ ذَلِكَ يُزَهِّدُكَ فِي الدُّنْيَا وَ يُصَغِّرُهَا عِنْدَكَ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِهَا وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا- وَ قَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْهَا وَ نَعَتْ إِلَيْكَ نَفْسَهَا- وَ تَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا- فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضاً- وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا- وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا وَ كَثِيرُهَا قَلِيلَهَا- نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ- قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا- وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ فِي دَارٍ وَعْثٍ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا- أَلْعَبَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَعِبُوا بِهَا- وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا رُوَيْداً حَتَّى يُسْفِرَ الظَّلَامُ- كَأَنْ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ- فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ لَا يَسِيرُ أَبَى اللَّهُ إِلَّا خَرَابَ الدُّنْيَا وَ عِمَارَةَ الْآخِرَةِ يَا بُنَيَّ فَإِنْ تَزْهَدْ فِيمَا زَهَّدْتُكَ فِيهِ- وَ تَعْزِفْ نَفْسَكَ عَنْهَا فَهِيَ أَهْلُ ذَلِكَ وَ إِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ نَصِيحَتِي إِيَّاكَ فِيهَا- فَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَا تَعْدُوَ أَجَلَكَ فَإِنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ- وَ أَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ- وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِنَاجٍ وَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمُحْتَاجٍ- وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ- فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ شَيْئاً مِنْ دِينِكَ وَ عِرْضِكَ بِثَمَنٍ وَ إِنْ جَلَّ- وَ مِنْ خَيْرِ حَظِّ امْرِئٍ قَرِينٌ صَالِحٌ- فَقَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ- وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ- لَا يَغْلِبَنَّ عَلَيْكَ سُوءُ الظَّنِّ- فَإِنَّهُ لَا يَدَعُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ صَدِيقٍ صَفْحاً بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ- وَ ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ وَ الْفَاحِشَةُ كَاسْمِهَا- وَ التَّصَبُّرُ عَلَى الْمَكْرُوهِ يَعْصِمُ الْقَلْبَ- وَ إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً …
بحار الأنوار — كتاب الروضة · وصية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي(ع)و إلى محمد بن الحنفية