الأقسامبحار الأنواركتاب الروضة
بحار الأنوار

مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ- الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ- الذَّامِّ لِلدُّنْيَا السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى- الظَّاعِنِ عَنْهَا إِلَيْهِمْ غَداً إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ- غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ- وَ عَبْدِ الدُّنْيَا وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا- وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ- وَ نُصُبِ الْآفَاتِ وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي- وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ- مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي- غَيْرَ أَنَّهُ حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي- فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي هَوَايَ- وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي- فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ- وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ- وَ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي- وَ كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي- فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي- فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا مُسْتَظْهِراً بِهِ- إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ- فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَيْ بُنَيَّ- وَ لُزُومِ أَمْرِهِ وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ- وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ- أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ مَوْتَهُ بِالزُّهْدِ وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ- وَ ذَلِّلْهُ بِالْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا- وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ- وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ- وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَ سِرْ فِي بِلَادِهِمْ وَ آثَارِهِمْ وَ انْظُرْ مَا فَعَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ عَمَّنْ انْتَقَلُوا- فَإِنَّكَ تَجِدُهُمُ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ- وَ حَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ وَ نَادِ فِي دِيَارِهِمْ- أَيَّتُهَا الدِّيَارُ الْخَالِيَةُ أَيْنَ أَهْلُكِ- ثُمَّ قِفْ عَلَى قُبُورِهِمْ فَقُلْ- أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ الْبَالِيَةُ وَ الْأَعْضَاءُ الْمُتَفَرِّقَةُ- كَيْفَ وَجَدْتُمُ الدَّارَ الَّتِي أَنْتُمْ بِهَا- أَيْ بُنَيَّ وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ- وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ- وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِيمَا لَا تُكَلَّفُ- وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَهُ- فَإِنَّ الْكَفَّ عَنْ حَيْرَةِ الضَّلَالَةِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ- وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ- وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِلِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ- وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ- وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ- وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ- وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ- فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ- وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ- فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ- وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً- فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ حَتَّى لَا يُقَالَ بِهِ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ بَلَغْتَ سِنّاً وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً- بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِيَّاكَ خِصَالًا مِنْهُنَّ مَخَافَةَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي- دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي أَوْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي- كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي- أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا- فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ- وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ- مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ- وَ يَشْغَلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ- فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ- وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ- وَ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْهُ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا فِيهِ- أَيْ بُنَيَّ وَ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي- فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ- حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ- بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ- قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ- فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرِّهِ- فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ- وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ- وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ- وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ- وَ أَنْتَ مُقْبِلٌ بَيْنَ ذِي النَّقِيَّةِ وَ النِّيَّةِ- وَ أَنْ أَبْدَأَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ وَ تَأْوِيلِهِ- وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ- لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ- ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْبِسَكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ [مِنْ أَهْوَائِهِمْ- مِثْلَ الَّذِي لَبَسَهُمْ- وَ كَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ لَكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ- أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ- وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ- وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ- وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَيْ بُنَيَّ- أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ- وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا افْتَرَضَ عَلَيْكَ- وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ- وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكَ- فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ- وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا- وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا كَانُوا عَلِمُوا- فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ- وَ عُلُوِّ الْخُصُومَاتِ- وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ عَلَيْهِ- وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ- وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَيْكَ شُبْهَةً وَ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ- وَ إِذَا أَنْتَ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا لَكَ قَلْبُكَ فَخَشَعَ- وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً- فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ- وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ- مِنْ فَرَاغِ فِكْرِكَ وَ نَظَرِكَ- فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ خَبْطَ الْعَشْوَاءِ- وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ وَ لَا خَلَطَ وَ الْإِمْسَاكُ عِنْدَ ذَلِكَ أَمْثَلُ- وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَ آخِرَهُ- أَنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ إِلَهِي وَ إِلَهَكَ وَ إِلَهَ آبَائِكَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- وَ رَبِّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ- وَ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ كَمَا يُحِبُّ- وَ يَنْبَغِي وَ نَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَنَّا عَلَى نَبِيِّنَا صلى الله عليه وآله وسلم وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ- بِصَلَاةِ جَمِيعِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْ يُتِمَّ نِعَمَهُ عَلَيْنَا فِيمَا وَفَّقَنَا لَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ بِالْإِجَابَةِ لَنَا- فَإِنَّ بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ- فَتَفَهَّمْ أَيْ بُنَيَّ وَصِيَّتِي- وَ اعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ- وَ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ- وَ أَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ وَ أَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي- وَ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِيمَ- إِلَّا عَلَى مَا خَلَقَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَيْهِ- مِنَ النَّعْمَاءِ وَ الِابْتِلَاءِ وَ الْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا نَعْلَمُ- فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ- وَ أَنَّكَ أَوَّلَ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلًا- ثُمَّ عُلِّمْتَ وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ- وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ- فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ- فَلْيَكُنْ لَهُ تَعَمُّدُكَ وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وآله وسلم فَارْضَ بِهِ رَائِداً- وَ إِلَى النَّجَاةِ قَائِداً- فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً- وَ إِنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ- وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ- وَ لَعَرَفْتَ صِفَتَهُ وَ فِعَالَهُ وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ- لَا يُضَادُّهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَ لَا يُحَاجُّهُ وَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ- وَ أَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ لِرُبُوبِيَّتِهِ بِالْإِحَاطَةِ قَلْبٌ أَوْ بَصَرٌ- وَ إِذَا أَنْتَ عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ- كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ فِي صِغَرِ خَطَرِكَ وَ قِلَّةِ مَقْدُرَتِكَ- وَ عِظَمِ حَاجَتِكَ إِلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ- فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ وَ الرَّهْبَةِ لَهُ وَ الشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ- فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحَسَنٍ وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ- أَيْ بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا- وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا بِأَهْلِهَا- وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا- وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهَا الْأَمْثَالَ- إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ أَبْصَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدْبٌ- فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً- فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ- وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ فِي الطَّعَامِ وَ الْمَنَامِ- لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً- وَ لَا يَرَوْنَ نَفَقَتَهُ مَغْرَماً- وَ لَا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ- وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خِصْبٍ- فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدْبٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ- وَ لَا أَهْوَلَ لَدَيْهِمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا هُمْ فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ- وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ- وَ قَرَعْتُكَ بِأَنْوَاعِ الْجَهَالاتِ لِئَلَّا تَعُدَّ نَفْسَكَ عَالِماً- فَإِنْ وَرَدَ عَلَيْكَ شَيْءٌ لَا تَعْرِفُهُ أَكْبَرْتَ ذَلِكَ- فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ قَلِيلٌ- فَعَدَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ جَاهِلًا- فَازْدَادَ بِمَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اجْتِهَاداً- فَمَا يَزَالُ لِلْعِلْمِ طَالِباً وَ فِيهِ رَاغِباً وَ لَهُ مُسْتَفِيداً- وَ لِأَهْلِهِ خَاشِعاً وَ لِرَأْيِهِ مُتَّهِماً وَ لِلصَّمْتِ لَازِماً- وَ لِلْخَطَإِ حَاذِراً وَ مِنْهُ مُسْتَحْيِياً وَ إِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ- لِمَا قَرَّرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الْجَهَالَةِ- وَ إِنَّ الْجَاهِلَ مَنْ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَا جَهِلَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ عَالِماً- وَ بِرَأْيِهِ مُكْتَفِياً فَمَا يَزَالُ لِلْعُلَمَاءِ مُبَاعِداً- وَ عَلَيْهِمْ زَارِياً وَ لِمَنْ خَالَفَهُ مُخَطِّئاً- وَ لِمَا لَمْ يَعْرِفْ مِنَ الْأُمُورِ مُضَلِّلًا- فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَنْكَرَهُ وَ كَذَّبَ بِهِ- وَ قَالَ بِجَهَالَتِهِ مَا أَعْرِفُ هَذَا وَ مَا أَرَاهُ كَانَ- وَ مَا أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ وَ أَنَّى كَانَ- وَ ذَلِكَ لِثِقَتِهِ بِرَأْيِهِ وَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِجَهَالَتِهِ- فَمَا يَنْفَكُّ بِمَا يَرَى مِمَّا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ- مِمَّا لَا يَعْرِفُ لِلْجَهْلِ مُسْتَفِيداً- وَ لِلْحَقِّ مُنْكِراً- وَ فِي الْجَهَالَةِ مُتَحَيِّراً وَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَكْبِراً- أَيْ بُنَيَّ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ- فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ- وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ لَكَ مَا تَرْضَى بِهِ لَهُمْ مِنْكَ- وَ لَا تَقُلْ بِمَا لَا تَعْلَمُ بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ- وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ- فَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَشَقَّةٍ بَعِيدَةٍ وَ أَهْوَالٍ شَدِيدَةٍ- وَ أَنَّهُ- لَا غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ ارْتِيَادٍ- وَ قَدْرِ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ وَ خِفَّةِ الظَّهْرِ- فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ بَلَاغِكَ- فَيَكُونَ ثِقْلًا وَ وَبَالًا عَلَيْكَ- وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ- فَيُوَافِيكَ بِهِ حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ- وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ- وَ اجْعَلْ وَقْتَ قَضَائِكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً- لَا مَحَالَةَ مُهْبِطاً بِكَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ- الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُثْقِلِ فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- قَدْ أَذِنَ بِدُعَائِكَ وَ تَكَفَّلَ بِإِجَابَتِكَ- وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ هُوَ رَحِيمٌ- لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ تَرْجُمَاناً- وَ لَمْ يَحْجُبْكَ عَنْهُ- وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ إِلَيْهِ لَكَ- وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إنْ أَسَأْتَ التَّوْبَةَ وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ- وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنَّقِمَةِ- وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ لِلْفَضِيحَةِ- وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ- وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي التَّوْبَةِ فَجَعَلَ النُّزُوعَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً- وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً- وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ وَ الِاسْتِئْنَافِ فَمَتَى شِئْتَ سَمِعَ نِدَاءَكَ وَ نَجْوَاكَ- فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ وَ أَنْبَأْتَهُ عَنْ ذَاتِ نَفْسِكَ- وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ- وَ نَاجَيْتَهُ بِمَا تَسْتَخْفِي بِهِ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ سِرِّكَ- ثُمَّ جَعَلَ بِيَدِكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ- فَأَلْحِحْ فِي الْمَسْأَلَةِ يَفْتَحْ لَكَ بَابَ الرَّحْمَةِ- بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ خَزَائِنِهِ- فَأَلْحِحْ وَ لَا يُقَنِّطْكَ إِنْ أَبْطَأَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ- فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ الْمَسْأَلَةِ- وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ أَطْوَلَ لِلْمَسْأَلَةِ وَ أَجْزَلَ لِلْعَطِيَّةِ- وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَمْ تُؤْتَهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا وَ آجِلًا- أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ- فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ- وَ لْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَعْنِيكَ مِمَّا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ- أَوْ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ وَ الْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ- فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ تَرَى عَاقِبَةَ أَمْرِكَ حَسَناً أَوْ سَيِّئاً- أَوْ يَعْفُوَ الْعَفُوُّ الْكَرِيمُ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا- وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ وَ طَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ- أَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ- وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ يُدْرِكُكَ يَوْماً- فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ- قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ فِيهَا بِالتَّوْبَةِ- فَتَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ- فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ- أَيْ بُنَيَّ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَ ذِكْرَ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ- وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ- وَ اجْعَلْهُ أَمَامَكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ- وَ لَا يَأْخُذْكَ عَلَى غِرَّتِكَ- وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْآخِرَةِ وَ مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ- فَإِنَّ ذَلِكَ يُزَهِّدُكَ فِي الدُّنْيَا وَ يُصَغِّرُهَا عِنْدَكَ- وَ قَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا وَ نَعَتَتْ لَكَ نَفْسَهَا وَ كَشَفَتْ عَنْ مَسَاوِيهَا- فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِهَا إِلَيْهَا- وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا وَ إِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ- يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ- يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا وَ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا قَدْ أَضَلَّتْ أَهْلَهَا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ- وَ سَلَكَتْ بِهِمْ طَرِيقَ الْعَمَى وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ- فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا وَ غَرِقُوا فِي فِتْنَتِهَا- وَ اتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ- وَ لَعِبُوا بِهَا وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا- فَإِيَّاكَ يَا بُنَيَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ شَانَتْهُ كَثْرَةُ عُيُوبِهَا- نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا- وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ- لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا- رُوَيْداً حَتَّى يُسْفِرَ الظَّلَامُ- كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الظَّعِينَةُ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَئُوبَ وَ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ- فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ لَا يَسِيرُ أَبَى اللَّهُ إِلَّا خَرَابَ الدُّنْيَا وَ عِمَارَةَ الْآخِرَةِ أَيْ بُنَيَّ فَإِنْ تَزْهَدْ فِيمَا زَهَّدَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا- وَ تَعْزِفْ نَفْسَكَ عَنْهَا فَهِيَ أَهْلُ ذَلِكَ- وَ إِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ نَصِيحَتِي إِيَّاكَ فِيهَا- فَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ- فَاخْفِضْ فِي الطَّلَبِ وَ أَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ- فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ- وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِنَاجٍ وَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمُحْتَاجٍ- وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ- وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى رَغْبَةٍ- فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً- وَ لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً- وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ وَ يُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ: وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ- فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ- فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- أَكْثَرُ وَ أَعْظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ وَ لَوْ نَظَرْتَ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى- فِيمَا تَطْلُبُ مِنَ الْمُلُوكِ وَ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ السَّفِلَةِ لَعَرَفْتَ أَنَّ لَكَ فِي يَسِيرِ مَا تُصِيبُ مِنَ الْمُلُوكِ افْتِخَاراً- وَ أَنَّ عَلَيْكَ فِي كَثِيرِ مَا تُصِيبُ مِنَ الدُّنَاةِ عَاراً- فَاقْتَصِدْ فِي أَمْرِكَ تُحْمَدْ مَغَبَّةُ عِلْمِكَ- إِنَّكَ لَسْتَ بَائِعاً شَيْئاً مِنْ دِينِكَ وَ عِرْضِكَ بِثَمَنٍ- وَ الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ نَصِيبَهُ مِنَ اللَّهِ- فَخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ وَ اتْرُكْ مَا تَوَلَّى- فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ وَ إِيَّاكَ وَ مُقَارَنَةَ مَنْ رَهِبْتَهُ عَلَى دِينِكَ وَ بَاعِدِ السُّلْطَانَ- وَ لَا تَأْمَنْ خَدْعَ الشَّيْطَانِ وَ تَقُولُ مَتَى أَرَى مَا أُنْكِرُ نَزَعْتُ- فَإِنَّهُ كَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ- وَ قَدْ أَيْقَنُوا بِالْمَعَادِ- فَلَوْ سُمْتَ بَعْضَهُمْ بَيْعَ آخِرَتِهِ بِالدُّنْيَا لَمْ يَطِبْ بِذَلِكَ نَفْساً- ثُمَّ قَدْ يَتَخَيَّلُهُ الشَّيْطَانُ بِخَدْعِهِ وَ مَكْرِهِ- حَتَّى يُوَرِّطَهُ فِي هَلَكَتِهِ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا حَقِيرٍ وَ يَنْقُلُهُ مِنْ شَرٍّ إِلَى شَرٍّ حَتَّى يُؤْيِسَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ- وَ يُدْخِلَهُ فِي الْقُنُوطِ- فَيَجِدَ الْوَجْهَ إِلَى مَا خَالَفَ الْإِسْلَامَ وَ أَحْكَامَهُ- فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ إِلَّا حُبَّ الدُّنْيَا وَ قُرْبَ السُّلْطَانِ فَخَالَفْتَ مَا نَهَيْتُكَ عَنْهُ بِمَا فِيهِ رُشْدُكَ- فَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ فَإِنَّهُ لَا بَقِيَّةَ لِلْمُلُوكِ عِنْدَ الْغَضَبِ- وَ لَا تَسْأَلْ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَ لَا تَنْطِقْ عِنْدَ أَسْرَارِهِمْ- وَ لَا تَدْخُلْ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ وَ فِي الصَّمْتِ السَّلَامَةُ مِنَ النَّدَامَةِ- وَ تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ- وَ حِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ- وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ- وَ لَا تُحَدِّثْ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ فَتَكُونَ كَاذِباً وَ الْكَذِبُ ذُلٌّ- وَ حُسْنُ التَّدْبِيرِ مَعَ الْكَفَافِ أَكْفَى لَكَ مِنَ الْكَثِيرِ مَعَ الْإِسْرَافِ- وَ حُسْنُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ- وَ الْعِفَّةُ مَعَ الْحِرْفَةِ خَيْرٌ مِنْ سُرُورٍ مَعَ فُجُورٍ- وَ الْمَرْءُ أَحْفَظُ سِرِّهِ وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ- وَ مِنْ خَيْرِ حَظِّ امْرِئٍ قَرِينٌ صَالِحٌ- فَقَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ- وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ- وَ لَا يَغْلِبَنَّ عَلَيْكَ سُوءُ الظَّنِّ- فَإِنَّهُ لَا يَدَعُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ خَلِيلٍ صُلْحاً- وَ قَدْ يُقَالُ مِنَ الْحَزْمِ سُوءُ الظَّنِّ بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ- وَ ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ- وَ الْفَاحِشَةُ كَاسْمِهَا وَ التَّصَبُّرُ عَلَى الْمَكْرُوهِ يَعْصِمُ الْقَلْبَ- وَ إِنْ كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً- وَ رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً وَ الدَّاءُ دَوَاءً- وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ وَ غَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ- وَ إِيَّاكَ وَ الِاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى وَ تَثَبُّطٌ عَنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ وَ الدُّنْيَا- زك [ذَكِّ قَلْبَكَ بِالْأَدَبِ كَمَا تُذَكَّى النَّارُ بِالْحَطَبِ- وَ لَا تَكُنْ كَحَاطِبِ اللَّيْلِ وَعْثَاءَ السَّبِيلِ- وَ كُفْرُ النِّعْمَةِ لُؤْمٌ وَ صُحْبَةُ الْجَاهِلِ شُؤْمٌ- وَ الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ- وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ وَ مِنَ الْكَرَمِ لِينُ الشِّيَمِ بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً- مِنَ الْحَزْمِ الْعَزْمُ- وَ مِنْ سَبَبِ الْحِرْمَانِ التَّوَانِي لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ- وَ لَا كُلُّ رَاكِبٍ يَئُوبُ وَ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ- وَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ- رُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ- سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ وَ لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ- لَا تَبِيتَنَّ مِنْ أَمْرٍ عَلَى غَرَرٍ مَنْ حَكَمَ …

بحار الأنوار — كتاب الروضة · وصية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي(ع)و إلى محمد بن الحنفية

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.