وَ مِنْ خُطَبِهِ(عليه السلام) يُوَبِّخُ أَهْلَ الْكُوفَةِ- وَ قَدْ تَثَاقَلُوا فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْخَوَارِجِ مَعَهُ- أَيَّتُهَا الْفِئَةُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمُ الْمُتَفَرِّقَةُ أَدْيَانُهُمْ- إِنَّهُ وَ اللَّهِ مَا غَرَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ- وَ لَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ كَلَامُكُمْ يُوهِنُ الصُّمَّ الصِّلَابَ- وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ عَدُوَّكُمْ الْمُرْتَابَ- إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى أَمْرٍ فِيهِ صَلَاحُكُمْ- وَ الذَّبُّ عَنْ حَرِيمِكُمْ اعْتَرَاكُمُ الْفَشَلُ وَ جِئْتُمْ بِالْعِلَلِ- ثُمَّ قُلْتُمْ كَيْتَ وَ كَيْتَ وَ ذَيْتَ وَ ذَيْتَ- أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ وَ أَقْوَالِ الْأَبَاطِيلِ ثُمَّ سَأَلْتُمُونِي التَّأْخِيرَ دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ إِنَّهُ لَا يَدْفَعُ الضَّيْمَ الذُّلُ- وَ لَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ- فَخَبِّرُونِي يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ- مَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ أَمْ أَيَّةُ دَارٍ تَمْنَعُونَ الذَّلِيلُ وَ اللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَ الْمَغْرُورُ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ وَ أَصْبَحْتُ وَ لَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ وَ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ- فَرَقَّ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ- وَ أَبْدَلَكُمْ بِي غَيْرِي وَ أَبْدَلَنِي بِكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْكُمْ- أَمَا إِنَّهُ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سُيُوفاً قَاطِعَةً- وَ أَثَرَةً قَبِيحَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ عَلَيْكُمْ سُنَّةً فَتَبْكِي عُيُونُكُمْ- وَ يَدْخُلُ الْفَقْرُ بُيُوتَكُمْ وَ قُلُوبَكُمْ- وَ تَتَمَنَّوْنَ فِي بَعْضِ حَالاتِكُمْ أَنَّكُمْ رَأَيْتُمُونِي فَنَصَرْتُمُونِي- وَ أَرَقْتُمْ دِمَاءَكُمْ دُونِي فَلَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ- يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَعِظُكُمْ فَلَا تَتَّعِظُونَ- وَ أُوقِظُكُمْ فَلَا تَسْتَيْقِظُونَ إِنَّ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ بِالْخَيْبَةِ- وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ- أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ تَرَحاً يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَ يَوْماً أُدَاجِيكُمْ- فَلَا أَحْرَارٌ عِنْدَ النِّدَاءِ وَ لَا ثَبَتَةٌ عِنْدَ الْمَصَائِبِ فَيَا لَلَّهِ مَا ذَا مُنِيتُ بِهِ مِنْكُمْ- لَقَدْ مُنِيتُ بِصُمٍّ لَا يَسْمَعُونَ وَ كُمْهٍ لَا يُبْصِرُونَ وَ بُهْمٍ لَا يَعْقِلُونَ- أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِي- حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنِّي فَإِذَا اسْتَقَمْتُمْ هُدِيتُمْ- وَ إِنْ أَبَيْتُمْ بَدَأْتُ بِكُمْ لَكَانَتِ الزُّلْفَى- وَ لَكِنِّي تَوَاخَيْتُ لَكُمْ وَ تَوَانَيْتُ عَنْكُمْ- وَ تَمَادَيْتُ فِي غَفْلَتِكُمْ فَكُنْتُ أَنَا وَ أَنْتُمْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ أَمَرْتُهُمْ بِأَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى -فَلَمْ تَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ اللَّهُمَّ إِنَّ دِجْلَةَ وَ الْفُرَاتَ نَهَرَانِ أَصَمَّانِ أَبْكَمَانِ- فَأَرْسِلْ عَلَيْهِمْ مَاءَ بَحْرِكَ وَ انْزِعْ عَنْهُمْ مَاءَ نَصْرِكَ- حَبَّذَا إِخْوَانِيَ الصَّالِحِينَ- إِنْ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ قَبِلُوهُ- وَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ- وَ نَدَبُوا إِلَى الْجِهَادِ فَطَلَبُوهُ- فَحَقِيقٌ لَهُمُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ- وَا شَوْقَاهْ إِلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ- ثُمَّ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ وَ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ- وَ قَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إِلَى مَا صِرْتُ إِلَيْهِ- صِرْتُ إِلَى قَوْمٍ إِنْ أَمَرْتُهُمْ خَالَفُونِي وَ إِنِ اتَّبَعْتُهُمْ تَفَرَّقُوا عَنِّي جَعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلًا ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ- فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنَّ النَّاسَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى تَثَبُّطِهِمْ وَ قُعُودِهِمْ- وَ عَلِمُوا أَنَّ الْحَظَّ فِي إِجَابَتِكَ لَهُمْ- فَعَاوِدْهُمْ فِي الْخُطْبَةِ فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ- وَ نُودِيَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا- فَلَمَّا غَصَّ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ خَطَبَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ.
بحار الأنوار — كتاب الروضة · خطبه صلوات الله عليه المعروفة