وَ مِنْ كَلَامِهِ(عليه السلام)قَالَهُ بَعْدَ تِلَاوَتِهِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ- وَ حُطَاماً مَا أَفْرَغَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ- أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْتَخِرُونَ- أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ- يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وَ حَرَكَاتٍ سَكَنَتْ- وَ لَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَخَراً- وَ لَأَنْ يَهْبِطُوا مِنْهُمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ- أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ- لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ- وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ- وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ- وَ الرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلَّالًا- وَ ذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا- تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ وَ تَسْتَثْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ- وَ تَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا وَ تَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا وَ إِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَكُمْ بَوَاكٍ وَ نَوَائِحُ عَلَيْكُمْ أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ- وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمُ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ- وَ حَلَبَاتُ الْفَخْرِ مُلُوكاً وَ سُوَقاً- وَ سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلًا- سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ- فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ وَ ضِمَاراً لَا يُوجَدُونَ- لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ وَ لَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الْأَحْوَالِ- وَ لَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَ لَا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ- غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ وَ شُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ وَ إِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا وَ أُلَّافاً فَافْتَرَقُوا- وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِيَارُهُمْ- وَ لَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً وَ بِالسَّمْعِ صَمَماً- وَ بِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً- فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ- جِيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ وَ أَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ- بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعَارُفِ وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْإِخَاءِ- فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَ هُمْ جَمِيعٌ- وَ بِجَانِبِ الْهَجْرِ وَ هُمْ أَخِلَّاءُ- لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً وَ لَا لِنَهَارٍ مَسَاءً أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً- شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا- وَ رَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا- فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ- فَأَتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ- فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَايَنُوا وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ- لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ- وَ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ- فَقَالُوا كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ وَ خَوَتِ الْأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ- وَ لَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى وَ تَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ وَ تَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ- وَ تَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ- فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا وَ تَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا- وَ طَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا- وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً وَ لَا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ- وَ قَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ- وَ اخْتَلَجَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ- وَ تَقَطَّعَتِ الْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا- وَ هَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا- وَ عَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلًى سَمَّجَهَا- وَ سَهَّلَ طُرُقَ الْآفَةِ إِلَيْهَا مُسْتَسْلِمَاتٍ- فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ وَ لَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَ أَقْذَاءَ عُيُونٍ- لَهُمْ مِنْ كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ وَ غَمْرَةٌ لَا تَنْجَلِي- فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ أَنِيقِ لَوْنٍ- كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَ رَبِيبَ شَرَفٍ- يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ- وَ يَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ- ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ- فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ الدُّنْيَا إِلَيْهِ- فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ- وَ نَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ- وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ- فَخَالَطَهُ بَثٌّ لَا يَعْرِفُهُ وَ نَجِيُّ هَمٍّ مَا كَانَ يَجِدُهُ وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ- فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ- وَ تَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ- فَلَمْ يُطْفِئْ بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً- وَ لَا حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً- وَ لَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا- كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ- وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ- وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلينَ عَنْهُ- وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ- فَقَائِلٌ يَقُولُ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ- وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ- يُذَكِّرُهُمْ أُسَى الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا- وَ تَرْكِ الْأَحِبَّةِ إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ- فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ- فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ- وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ- مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ- وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا. - 48- وَ مِنْ كَلَامِهِ(عليه السلام)إِنَّكُمْ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً- وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً وَ مُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً- وَ كَائِنُونَ رُفَاتاً وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِينُونَ جَزَاءً وَ مُمَيَّزُونَ حِسَاباً فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْداً اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَ وَجِلَ فَعَمِلَ- وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ- وَ حُذِّرَ فَازْدَجَرَ فَأَجَابَ فَأَنَابَ وَ رَاجَعَ فَتَابَ- وَ اقْتَدَى فَاحْتَذَى فَبَاحَثَ طَلَباً وَ نَجَا هَرَباً- فَأَفَادَ ذَخِيرَةً وَ أَطَالَ سَرِيرَةً- وَ تَأَهَّبَ لِلْمَعَادِ وَ اسْتَظْهَرَ بِالزَّادِ لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَ وَجْهِ مَسِيلِهِ وَ حَالِ حَاجَتِهِ وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ- تقدم [وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ- فَمَهِّدُوا لِأَنْفُسِكُمْ فِي سَلَامَةِ الْأَبْدَانِ- فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ غَضَارَةِ الشَّابِّ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ- وَ أَهْلُ بَضَاضَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ- وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا مُفَاجَاةَ الْفَنَاءِ وَ اقْتِرَابَ الْفَوْتِ وَ دُنُوَّ الْمَوْتِ- وَ أُزُوفَ الِانْتِقَالِ وَ إِشْفَاءَ الزَّوَالَ- وَ حَفِيَّ الْأَنِينِ وَ رَشْحَ الْجَبِينِ- وَ امْتِدَادَ الْعِرْنِينِ وَ عَلَزَ الْقَلَقِ- وَ فَيْضَ الرَّمَقِ وَ أَلَمَ الْمَضَضِ وَ غَصَصَ الْجَرَضِ- التأهب: التهيؤ و الاستعداد. «استظهر بالزاد» أي حمل زادا حمله ظهر راحلته الى الآخرة. أو حفظ زاده و استعان به. وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّكُمْ وَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا- عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً- وَ أَشَدَّ بَطْشاً وَ أَعْمَرَ دِيَاراً وَ أَبْعَدَ آثَاراً- فَأَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً جَامِدَةً مِنْ بَعْدِ طُولِ تَقَلُّبِهَا- وَ أَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً وَ دِيَارُهُمْ خَالِيَةً وَ آثَارُهُمْ عَافِيَةً- وَ اسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ وَ السُّرُرِ وَ النَّمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ الصُّخُورَ وَ الْأَحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ فِي الْقُبُورِ لِلَاطِيَةِ الْمُلْحَدَةِ- الَّتِي قَدْ بَيَّنَ الْخَرَابَ فِنَاؤُهَا وَ شَيَّدَ التُّرَابَ بِنَاؤُهَا- فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ- وَ سَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلِ عُمَارَةٍ مُوحِشِينَ وَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُتَشَاغِلِينَ لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ- وَ لَا يَتَوَاصَلُونَ الْجِيرَانَ وَ الْإِخْوَانَ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ- وَ دُنُوِّ الدَّارِ وَ كَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَاصُلٌ- وَ قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلَةِ الْبِلَى- فَأَكَلَهُمُ الْجَنَادِلُ وَ الثَّرَى فَأَصْبَحُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ أَمْوَاتاً- وَ بَعْدَ غَضَارَةِ الْعَيْشِ رُفَاتاً- فُجِعَ بِهِمُ الْأَحْبَابُ وَ سَكَنُوا التُّرَابَ وَ ظَعَنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ- هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها- وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ- وَ كَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَى- وَ الْوَحْدَةِ فِي دَارِ الْمَوْتِ وَ ارْتَهَنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْمَضْجَعِ- وَ ضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ- فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ قَدْ تَنَاهَتِ الْأُمُورُ- وَ بُعْثِرَتِ الْقُبُورُ ﴿وَ حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾- وَ وَقَعْتُمْ لِلتَّحْصِيلِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ فَطَارَتِ الْقُلُوبُ لِإِشْفَاقِهَا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ- وَ هُتِكَتْ مِنْكُمُ الْحُجُبُ وَ الْأَسْتَارُ- وَ ظَهَرَتْ مِنْكُمُ الْغُيُوبُ وَ الْأَسْرَارُ- هُنَالِكَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ- إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا- وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى- اغْتَنِمُوا أَيَّامَ الصِّحَّةِ قَبْلَ السَّقَمِ وَ الشَّيْبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ- وَ بَادِرُوا التَّوْبَةَ قَبْلَ النَّدَمِ- وَ لَا يَحْمِلَنَّكُمُ الْمُهْلَةُ عَلَى طُولِ الْغَفْلَةِ- فَإِنَّ الْأَجَلَ يَهْدِمُ الْأَمَلَ- وَ الْأَيَّامُ مُوَكَّلَةٌ بِنَقْصِ الْمُدَّةِ وَ تَفْرِيقِ الْأَحِبَّةِ- فَبَادِرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ حُضُورِ النَّوْبَةِ- وَ بَرَزُوا لِلْغِيبَةِ الَّتِي لَا يَنْتَظِرُ مَعَهَا الْأَوْبَةَ- وَ اسْتَعِينُوا عَلَى بُعْدِ الْمَسَافَةِ بِطُولِ الْمَخَافَةِ- فَكَمْ مِنْ غَافِلٍ وَثِقَ لِغَفْلَتِهِ وَ تَعَلَّلَ بِمُهْلَتِهِ- فَأَمَّلَ بَعِيداً وَ بَنَى مَشِيداً- فَنَقَصَ بِقُرْبِ أَجَلِهِ بُعْدُ أَمَلِهِ فَاجَأَتْهُ مَنِيَّتُهُ بِانْقِطَاعِ أُمْنِيَّتِهِ- فَصَارَ بَعْدَ الْعِزِّ وَ الْمَنَعَةِ وَ الشَّرَفِ وَ الرِّفْعَةِ- مُرْتَهَناً بِمُوبِقَاتِ عَمَلِهِ قَدْ غَابَ فَمَا يَرْجِعُ وَ نَدِمَ فَمَا انْتَفَعَ- وَ شَقِيَ بِمَا جَمَعَ فِي يَوْمِهِ وَ سَعِدَ بِهِ غَيْرُهُ فِي غَدِهِ- وَ بَقِيَ مُرْتَهَناً بِكَسْبِ يَدِهِ ذَاهِلًا عَنْ أَهْلِهِ وَ وَلَدِهِ- لَا يُغْنِي عَنْهُ مَا تَرَكَ فَتِيلًا وَ لَا يَجِدُ إِلَى مَنَاصٍ سَبِيلًا- فَعَلَامَ عِبَادَ اللَّهِ التَّعَرُّجُ وَ الدَّلَجُ وَ إِلَى أَيْنَ الْمَفَرُّ وَ الْمَهْرَبُ- وَ هَذَا الْمَوْتُ فِي الطَّلَبِ- يَخْتَرِمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ لَا يَتَحَنَّنُ عَلَى ضَعِيفٍ- وَ لَا يُعْرَجُ عَلَى شَرِيفٍ وَ الْجَدِيدَانِ يَحُثَّانِ الْأَجَلَ تَحْثِيثاً- وَ يَسُوقَانِهِ سَوْقاً حَثِيثاً وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ فَقَرِيبٌ- وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْعَجَبُ الْعَجَبُ- فَأَعِدُّوا الْجَوَابَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ- وَ أَكْثِرُوا الزَّادَ لِيَوْمِ الْمَعَادِ- عَصَمَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ- وَ أَعَانَنَا وَ إِيَّاكُمْ عَلَى مَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ- وَ يُزْلِفُ لَدَيْهِ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَ لَهُ- إِنَّ اللَّهَ وَقَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ- وَ ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ- وَ أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ- وَ أَرْفَعَ لَكُمُ الْمَعَاشَ وَ آثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ- وَ تَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ- وَ أَوْسَعَ لَكُمْ فِي الرِّفْدِ الرَّوَافِغِ- فَتَشَمَّرُوا فَقَدْ أَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءُ- وَ ارْتَهَنَ لَكُمُ الْجَزَاءُ الْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا- لَاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا اتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً- وَ جَدَّ تَشْمِيراً وَ انْكَمَشَ فِي مَهَلٍ- وَ أَشْفَقَ فِي وَجَلٍ وَ نَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ- وَ عَاقِبَةِ الْمَصْدَرِ وَ مَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ- وَ كَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِيراً- وَ كَفَى بِكِتَابِ اللَّهِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً- رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً اسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ- وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ وَ أَضْمَرَ الْيَقِينَ- وَ عُرِيَ عَنِ الشَّكِ فِي تَوَهُّمِ الزَّوَالِ فَهُوَ مِنْهُ عَلَى وَبَالٍ- فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ وَ قَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ- وَ هَوَّنَ الشَّدِيدَ فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى- وَ مُشَارَكَةِ الْمَوْتَى وَ خيار [صَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ الْهُدَى- وَ مَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى- وَ اسْتَفْتَحَ بِمَا فَتَحَ بِهِ الْعَالِمُ أَبْوَابَهُ- وَ خَاضَ بِحَارَهُ وَ قَطَعَ غِمَارَهُ- وَ وَضَحَتْ لَهُ سَبِيلُهُ وَ مَنَارُهُ- وَ اسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا- وَ اسْتَعْصَمَ مِنَ الْجِبَالِ بِأَمْتَنِهَا- خَوَّاضُ غَمَرَاتٍ فَتَّاحُ مُبْهَمَاتٍ- دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ دَلِيلُ فَلَوَاتٍ- يَقُولُ فَيُفْهِمُ وَ يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ- قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ- فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ- قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ- فَكَانَ أَوَّلُ عَدْلِهِ نَفْيَ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ- يَصِفُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ لَا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلَّا أَمَّهَا- وَ لَا مَطِيَّةً إِلَّا قَصَدَهَا. [تمّ القسم الأوّل من كتاب الروضة و يليه القسم الثاني أوّله كتاب الغارات]
بحار الأنوار — كتاب الروضة · مواعظ أمير المؤمنين(ع)و خطبه أيضا و حكمه