في تحف العقول: وَصِيَّتُهُ(عليه السلام)لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ رُوِيَ أَنَّهُ(عليه السلام)قَالَ:- يَا عَبْدَ اللَّهِ لَقَدْ نَصَبَ إِبْلِيسُ حَبَائِلَهُ فِي دَارِ الْغُرُورِ- فَمَا يَقْصِدُ فِيهَا إِلَّا أَوْلِيَاءَنَا- وَ لَقَدْ جَلَّتِ الْآخِرَةُ فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى مَا يُرِيدُونَ بِهَا بَدَلًا- ثُمَّ قَالَ آهِ آهِ عَلَى قُلُوبٍ حُشِيَتْ نُوراً- وَ إِنَّمَا كَانَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّجَاعِ الْأَرْقَمِ- وَ الْعَدُوِّ الْأَعْجَمِ أَنِسُوا بِاللَّهِ- وَ اسْتَوْحَشُوا مِمَّا بِهِ اسْتَأْنَسَ الْمُتْرَفُونَ- أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً وَ بِهِمْ تُكْشَفُ كُلُّ فِتْنَةٍ- وَ تُرْفَعُ كُلُّ بَلِيَّةٍ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ- يَعْرِفُنَا أَنْ يَعْرِضَ عَمَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونَ مُحَاسِبَ نَفْسِهِ- فَإِنْ رَأَى حَسَنَةً اسْتَزَادَ مِنْهَا- وَ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً اسْتَغْفَرَ مِنْهَا لِئَلَّا يَخْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ طُوبَى لِعَبْدٍ لَمْ يَغْبِطِ الْخَاطِئِينَ- عَلَى مَا أُوتُوا مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتِهَا- طُوبَى لِعَبْدٍ طَلَبَ الْآخِرَةَ وَ سَعَى لَهَا- طُوبَى لِمَنْ لَمْ تُلْهِهِ الْأَمَانِيُّ الْكَاذِبَةُ- ثُمَّ قَالَ(عليه السلام)رَحِمَ اللَّهُ قَوْماً كَانُوا سِرَاجاً وَ مَنَاراً- كَانُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِأَعْمَالِهِمْ وَ مَجْهُودِ طَاقَتِهِمْ- لَيْسُوا كَمَنْ يُذِيعُ أَسْرَارَنَا- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ- وَ يُشْفِقُونَ أَنْ يُسْلَبُوا مَا أُعْطُوا مِنَ الْهُدَى- فَإِذَا ذَكَرُوا اللَّهَ وَ نَعْمَاءَهُ وَجِلُوا وَ أَشْفَقُوا- وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً- مِمَّا أَظْهَرَهُ مِنْ نَفَاذِ قُدْرَتِهِ وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ قَدِيماً عَمِرَ الْجَهْلُ- وَ قَوِيَ أَسَاسُهُ وَ ذَلِكَ لِاتِّخَاذِهِمْ دِينَ اللَّهِ لَعِباً- حَتَّى لَقَدْ كَانَ الْمُتَقَرِّبُ مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ بِعَمَلِهِ يُرِيدُ سِوَاهُ- أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ لَوْ أَنَّ شِيعَتَنَا اسْتَقَامُوا لَصَافَحَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ- وَ لَأَظَلَّهُمُ الْغَمَامُ وَ لَأَشْرَقُوا نَهَاراً- وَ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ- وَ لَمَا سَأَلُوا اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُمْ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ لَا تَقُلْ فِي الْمُذْنِبِينَ- مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ إِلَّا خَيْراً- وَ اسْتَكِينُوا إِلَى اللَّهِ فِي تَوْفِيقِهِمْ وَ سَلُوا التَّوْبَةَ لَهُمْ- فَكُلُّ مَنْ قَصَدَنَا وَ تَوَلَّانَا- وَ لَمْ يُوَالِ عَدُوَّنَا وَ قَالَ مَا يَعْلَمُ- وَ سَكَتَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ- وَ لَا يَنْجُو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنُوبِ الْوَاثِقُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ- قُلْتُ فَمَنْ يَنْجُو قَالَ- الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَ الْخَوْفِ- كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ- وَ خَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ اللَّهُ الْحُورَ الْعِينَ- وَ يُتَوِّجَهُ بِالنُّورِ فَلْيُدْخِلْ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ السُّرُورَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ أَقِلَّ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ وَ الْكَلَامَ بِالنَّهَارِ- فَمَا فِي الْجَسَدِ شَيْءٌ أَقَلُّ شُكْراً مِنَ الْعَيْنِ وَ اللِّسَانِ- فَإِنَّ أُمَّ سُلَيْمَانَ قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ(عليه السلام) يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَ النَّوْمَ- فَإِنَّهُ يُفْقِرُكَ يَوْمَ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّ لِلشَّيْطَانِ مَصَائِدَ يَصْطَادُ بِهَا- فَتَحَامَوْا شِبَاكَهُ وَ مَصَائِدَهُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَا هِيَ- قَالَ أَمَّا مَصَائِدُهُ فَصَدٌّ عَنْ بِرِّ الْإِخْوَانِ- وَ أَمَّا شِبَاكُهُ فَنَوْمٌ عَنْ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ- أَمَا إِنَّهُ مَا يُعْبَدُ اللَّهُ بِمِثْلِ نَقْلِ الْأَقْدَامِ- إِلَى بِرِّ الْإِخْوَانِ وَ زِيَارَتِهِمْ وَيْلٌ لِلسَّاهِينَ عَنِ الصَّلَوَاتِ- النَّائِمِينَ فِي الْخَلَوَاتِ الْمُسْتَهْزِءِينَ بِاللَّهِ- وَ آيَاتِهِ فِي الْفَتَرَاتِ- أُولَئِكَ الَّذِينَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ- وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ- وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ مَنْ أَصْبَحَ مَهْمُوماً لِسِوَى- فَكَاكِ رَقَبَتِهِ فَقَدْ هَوَّنَ عَلَيْهِ الْجَلِيلَ- وَ رَغِبَ مِنْ رَبِّهِ فِي الْوَتْحِ الْحَقِيرِ وَ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ- وَ حَقَّرَهُ وَ نَاوَاهُ جَعَلَ اللَّهُ النَّارَ مَأْوَاهُ- وَ مَنْ حَسَدَ مُؤْمِناً انْمَاثَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ- كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ- كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ وَ قَاضِي حَاجَتِهِ- كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ- وَ مَا عَذَّبَ اللَّهُ أُمَّةً- إِلَّا عِنْدَ اسْتَهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ بَلِّغْ مَعَاشِرَ شِيعَتِنَا وَ قُلْ لَهُمْ- لَا تَذْهَبَنَّ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ- فَوَ اللَّهِ لَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ فِي الدُّنْيَا- وَ مُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ- وَ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ يَظْلِمُ النَّاسَ: يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّمَا شِيعَتُنَا يُعْرَفُونَ بِخِصَالٍ شَتَّى- بِالسَّخَاءِ وَ الْبَذْلِ لِلْإِخْوَانِ- وَ بِأَنْ يُصَلُّوا الْخَمْسِينَ لَيْلًا وَ نَهَاراً شِيعَتُنَا لَا يَهِرُّونَ هَرِيرَ الْكَلْبِ وَ لَا يَطْمَعُونَ طَمَعَ الْغُرَابِ- وَ لَا يُجَاوِرُونَ لَنَا عَدُوّاً وَ لَا يَسْأَلُونَ لَنَا مُبْغِضاً- وَ لَوْ مَاتُوا جُوعاً شِيعَتُنَا لَا يَأْكُلُونَ الْجِرِّيَ- وَ لَا يَمْسَحُونَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَ يُحَافِظُونَ عَلَى الزَّوَالِ- وَ لَا يَشْرَبُونَ مُسْكِراً- قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَيْنَ أَطْلُبُهُمْ- قَالَ(عليه السلام)عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَ أَطْرَافِ الْمُدُنِ- وَ إِذَا دَخَلْتَ مَدِينَةً- فَسَلْ عَمَّنْ لَا يُجَاوِرُهُمْ وَ لَا يُجَاوِرُونَهُ- فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ- وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى- وَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ حَبِيبَ النَّجَّارِ وَحْدَهُ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ كُلُّ الذُّنُوبِ مَغْفُورَةٌ- سِوَى عُقُوقِ أَهْلِ دَعْوَتِكَ- وَ كُلُّ الْبِرِّ مَقْبُولٌ إِلَّا مَا كَانَ رِئَاءً- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ أَحْبِبْ فِي اللَّهِ وَ أَبْغِضْ فِي اللَّهِ- وَ اسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى- وَ اعْتَصِمْ بِالْهُدَى يُقْبَلْ عَمَلُكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً- ثُمَّ اهْتَدى- فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا الْإِيمَانُ وَ لَا إِيمَانَ إِلَّا بِعَمَلٍ- وَ لَا عَمَلَ إِلَّا بِيَقِينٍ- وَ لَا يَقِينَ إِلَّا بِالْخُشُوعِ وَ مِلَاكُهَا كُلُّهَا الْهُدَى- فَمَنِ اهْتَدَى يُقْبَلُ عَمَلُهُ وَ صَعِدَ إِلَى الْمَلَكُوتِ مُتَقَبَّلًا- وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُجَاوِرَ الْجَلِيلَ فِي دَارِهِ- وَ تَسْكُنَ الْفِرْدَوْسَ فِي جِوَارِهِ فَلْتَهُنْ عَلَيْكَ الدُّنْيَا- وَ اجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنِكَ وَ لَا تَدَّخِرْ شَيْئاً لِغَدٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّ لَكَ مَا قَدَّمْتَ وَ عَلَيْكَ مَا أَخَّرْتَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ مَنْ حَرَمَ نَفْسَهُ كَسْبَهُ فَإِنَّمَا يَجْمَعُ لِغَيْرِهِ- وَ مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ فَقَدْ أَطَاعَ عَدُوَّهُ- مَنْ يَثِقْ بِاللَّهِ يَكْفِهِ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ- وَ يَحْفَظْ لَهُ مَا غَابَ عَنْهُ- وَ قَدْ عَجَزَ مَنْ لَمْ يُعِدَّ لِكُلِّ بَلَاءٍ صَبْراً- وَ لِكُلِّ نِعْمَةٍ شُكْراً وَ لِكُلِّ عُسْرٍ يُسْراً- صَبِّرْ نَفْسَكَ عِنْدَ كُلِّ بَلِيَّةٍ فِي وَلَدٍ أَوْ مَالٍ- أَوْ رَزِيَّةٍ فَإِنَّمَا يَقْبِضُ عَارِيَتَهُ- وَ يَأْخُذُ هِبَتَهُ لِيَبْلُوَ فِيهِمَا صَبْرَكَ وَ شُكْرَكَ وَ ارْجُ اللَّهَ رَجَاءً لَا يُجَرِّئُكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ- وَ خَفْهُ خَوْفاً لَا يُؤْيِسُكَ مِنْ رَحْمَتِهِ- وَ لَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ الْجَاهِلِ وَ لَا بِمَدْحِهِ- فَتَكَبَّرَ وَ تَجَبَّرَ وَ تُعْجَبَ بِعَمَلِكَ- فَإِنَّ أَفْضَلَ الْعَمَلِ الْعِبَادَةُ وَ التَّوَاضُعُ- فَلَا تُضَيِّعْ مَالَكَ وَ تُصْلِحَ مَالَ غَيْرِكَ مَا خَلَّفْتَهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ- وَ اقْنَعْ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ لَكَ وَ لَا تَنْظُرْ إِلَّا إِلَى مَا عِنْدَكَ- وَ لَا تَتَمَنَّ مَا لَسْتَ تَنَالُهُ فَإِنَّ مَنْ قَنِعَ شَبِعَ- وَ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ لَمْ يَشْبَعْ وَ خُذْ حَظَّكَ مِنْ آخِرَتِكَ- وَ لَا تَكُنْ بَطِراً فِي الْغِنَى وَ لَا جَزِعاً فِي الْفَقْرِ- وَ لَا تَكُنْ فَظّاً غَلِيظاً يَكْرَهُ النَّاسُ قُرْبَكَ- وَ لَا تَكُنْ وَاهِناً يُحَقِّرُكَ مَنْ عَرَفَكَ- وَ لَا تُشَارَّ مَنْ فَوْقَكَ وَ لَا تَسْخَرْ بِمَنْ هُوَ دُونَكَ- وَ لَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَ لَا تُطِعِ السُّفَهَاءَ- وَ لَا تَكُنْ مَهِيناً تَحْتَ كُلِّ أَحَدٍ وَ لَا تَتَّكِلَنَّ عَلَى كِفَايَةِ أَحَدٍ- وَ قِفْ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ حَتَّى تَعْرِفَ مَدْخَلَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ- قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ فَتَنْدَمَ وَ اجْعَلْ قَلْبَكَ قَرِيباً تُشَارِكُهُ- وَ اجْعَلْ عِلْمَكَ وَالِداً تَتَّبِعُهُ- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ عَدُوّاً تُجَاهِدُهُ وَ عَارِيَّةً تَرُدُّهَا- فَإِنَّكَ قَدْ جُعِلْتَ طَبِيبَ نَفْسِكَ- وَ عُرِّفْتَ آيَةَ الصِّحَّةِ وَ بُيِّنَ لَكَ الدَّاءُ- وَ دُلِلْتَ عَلَى الدَّوَاءِ فَانْظُرْ قِيَامَكَ عَلَى نَفْسِكَ- وَ إِنْ كَانَتْ لَكَ يَدٌ عِنْدَ إِنْسَانٍ- فَلَا تُفْسِدْهَا بِكَثْرَةِ الْمِنَنِ وَ الذِّكْرِ لَهَا- وَ لَكِنِ أَتْبِعْهَا بِأَفْضَلَ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَلُ بِكَ فِي أَخْلَاقِكَ- وَ أَوْجَبَ لِلثَّوَابِ فِي آخِرَتِكَ- وَ عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ تُعَدَّ حَلِيماً جَاهِلًا كُنْتَ أَوْ عَالِماً- فَإِنَّ الصَّمْتَ زَيْنٌ لَكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَ سَتْرٌ لَكَ عِنْدَ الْجُهَّالِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(عليها السلام)قَالَ لِأَصْحَابِهِ- أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِأَخِيهِ- فَرَأَى ثَوْبَهُ قَدِ انْكَشَفَ عَنْ بَعْضِ عَوْرَتِهِ- أَ كَانَ كَاشِفاً عَنْهَا كُلِّهَا أَمْ يَرُدُّ عَلَيْهَا مَا انْكَشَفَ مِنْهَا- قَالُوا بَلْ نَرُدُّ عَلَيْهَا قَالَ كَلَّا- بَلْ تَكْشِفُونَ عَنْهَا كُلِّهَا- فَعَرَفُوا أَنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لَهُمْ- فَقِيلَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَ كَيْفَ ذَلِكَ- قَالَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَطَّلِعُ عَلَى الْعَوْرَةِ مِنْ أَخِيهِ فَلَا يَسْتُرُهَا- بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّكُمْ لَا تُصِيبُونَ- مَا تُرِيدُونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ- وَ لَا تَنَالُونَ مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ إِيَّاكُمْ وَ النَّظْرَةَ فَإِنَّهَا تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ- وَ كَفَى بِهَا لِصَاحِبِهَا فِتْنَةً- طُوبَى لِمَنْ جَعَلَ بَصَرَهُ فِي قَلْبِهِ وَ لَمْ يَجْعَلْ بَصَرَهُ فِي عَيْنِهِ- لَا تَنْظُرُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ كَالْأَرْبَابِ- وَ انْظُرُوا فِي عُيُوبِكُمْ كَهَيْئَةِ الْعَبِيدِ- إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُبْتَلًى وَ مُعَافًى- فَارْحَمُوا الْمُبْتَلَى وَ احْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَ أَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ- وَ أَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ وَ سَلِّمْ عَلَى مَنْ سَبَّكَ- وَ أَنْصِفْ مَنْ خَاصَمَكَ وَ اعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ- كَمَا أَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ يُعْفَى عَنْكَ فَاعْتَبِرْ بِعَفْوِ اللَّهِ عَنْكَ- أَ لَا تَرَى أَنَّ شَمْسَهُ أَشْرَقَتْ عَلَى الْأَبْرَارِ وَ الْفُجَّارِ- وَ أَنَّ مَطَرَهُ يَنْزِلُ عَلَى الصَّالِحِينَ وَ الْخَاطِئِينَ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ لَا تَتَصَدَّقْ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لِيُزَكُّوكَ- فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ أَجْرَكَ- وَ لَكِنْ إِذَا أَعْطَيْتَ بِيَمِينِكَ فَلَا تُطْلِعْ عَلَيْهَا شِمَالَكَ- فَإِنَّ الَّذِي تَتَصَدَّقُ لَهُ سِرّاً يُجْزِيكَ عَلَانِيَةً- عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي لَا يَضُرُّكَ- أَنْ لَا يُطْلِعَ النَّاسَ عَلَى صَدَقَتِكَ وَ اخْفِضِ الصَّوْتَ- إِنَّ رَبَّكَ الَّذِي يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ- قَدْ عَلِمَ مَا تُرِيدُونَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ- وَ إِذَا صُمْتَ فَلَا تَغْتَبْ أَحَداً- وَ لَا تَلْبِسُوا صِيَامَكُمْ بِظُلْمٍ- وَ لَا تَكُنْ كَالَّذِي يَصُومُ رِئَاءَ النَّاسِ- مُغْبَرَّةً وُجُوهُهُمْ شَعِثَةً رُءُوسُهُمْ- يَابِسَةً أَفْوَاهُهُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُمْ صِيَامٌ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ الْخَيْرُ كُلُّهُ أَمَامَكَ- وَ إِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ أَمَامَكَ- وَ لَنْ تَرَى الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ إِلَّا بَعْدَ الْآخِرَةِ- لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ جَعَلَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الْجَنَّةِ- وَ الشَّرَّ كُلَّهُ فِي النَّارِ- لِأَنَّهُمَا الْبَاقِيَانِ وَ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ الْهُدَى- وَ أَكْرَمَهُ بِالْإِيمَانِ وَ أَلْهَمَهُ رُشْدَهُ- وَ رَكَّبَ فِيهِ عَقْلًا يَتَعَرَّفُ بِهِ نِعَمَهُ- وَ آتَاهُ عِلْماً وَ حُكْماً يُدَبِّرُ بِهِ أَمْرَ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ- أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ وَ لَا يَكْفُرَهُ- وَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ وَ لَا يَنْسَاهُ وَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ وَ لَا يَعْصِيَهُ- لِلْقَدِيمِ الَّذِي تَفَرَّدَ لَهُ بِحُسْنِ النَّظَرِ وَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِذْ أَنْشَأَهُ مَخْلُوقاً- وَ لِلْجَزِيلِ الَّذِي وَعْدَهُ- وَ الْفَضْلِ الَّذِي لَمْ يُكَلِّفْهُ مِنْ طَاعَتِهِ فَوْقَ طَاعَتِهِ- وَ مَا يَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ- وَ ضَمِنَ- لَهُ الْعَوْنَ عَلَى تَيْسِيرِ مَا حَمَلَهُ مِنْ ذَلِكَ وَ نَدَبَهُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ عَلَى قَلِيلِ مَا كَلَّفَهُ- وَ هُوَ مُعْرِضٌ عَمَّا أَمَرَهُ- وَ عَاجِزٌ عَنْهُ قَدْ لَبِسَ ثَوْبَ الِاسْتِهَانَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ رَبِّهِ- مُتَقَلِّداً لِهَوَاهُ مَاضِياً فِي شَهَوَاتِهِ- مُؤْثِراً لِدُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ- وَ هُوَ فِي ذَلِكَ يَتَمَنَّى جِنَانَ الْفِرْدَوْسِ- وَ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَطْمَعَ- أَنْ يَنْزِلَ بِعَمَلِ الْفُجَّارِ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ- أَمَا إِنَّهُ لَوْ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَ قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَ جَاءَتِ الطَّامَّةُ- وَ نَصَبَ الْجَبَّارُ الْمَوَازِينَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ- وَ بَرَزَ الْخَلَائِقُ لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَيْقَنْتَ عِنْدَ ذَلِكَ- لِمَنْ تَكُونُ الرِّفْعَةُ وَ الْكَرَامَةُ وَ بِمَنْ تَحِلُّ الْحَسْرَةُ وَ النَّدَامَةُ- فَاعْمَلِ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا بِمَا تَرْجُو بِهِ الْفَوْزَ فِي الْآخِرَةِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ فِي بَعْضِ مَا أَوْحَى- إِنَّمَا أَقْبَلُ الصَّلَاةَ مِمَّنْ يَتَوَاضَعُ لِعَظَمَتِي- وَ يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنْ أَجْلِي- وَ يَقْطَعُ نَهَارَهُ بِذِكْرِي وَ لَا يَتَعَظَّمُ عَلَى خَلْقِي- وَ يُطْعِمُ الْجَائِعَ وَ يَكْسُو الْعَارِيَ وَ يَرْحَمُ الْمُصَابَ وَ يُؤْوِي الْغَرِيبَ- فَذَلِكَ يُشْرِقُ نُورُهُ مِثْلَ الشَّمْسِ- أَجْعَلُ لَهُ فِي الظُّلْمَةِ نُوراً وَ فِي الْجَهَالَةِ حِلْماً- أَكْلَأُهُ بِعِزَّتِي وَ أَسْتَحْفِظُهُ مَلَائِكَتِي يَدْعُونِي فَأُلَبِّيهِ- وَ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ فَمَثَلُ ذَلِكَ الْعَبْدِ عِنْدِي- كَمَثَلِ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ لَا يُسْبَقُ أَثْمَارُهَا- وَ لَا تَتَغَيَّرُ عَنْ حَالِهَا- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ الْإِسْلَامُ عُرْيَانٌ فَلِبَاسُهُ الْحَيَاءُ- وَ زِينَتُهُ الْوَقَارُ وَ مُرُوَّتُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ- وَ عِمَادُهُ الْوَرَعُ وَ لِكُلِّ شَيْءٍ أَسَاسٌ- وَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- يَا ابْنَ جُنْدَبٍ إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سُوراً مِنْ نُورٍ- مَحْفُوفاً بِالزَّبَرْجَدِ وَ الْحَرِيرِ- مُنَجَّداً بِالسُّنْدُسِ وَ الدِّيبَاجِ- يُضْرَبُ هَذَا السُّورُ بَيْنَ أَوْلِيَائِنَا وَ بَيْنَ أَعْدَائِنَا- فَإِذَا غَلَى الدِّمَاغُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ- وَ نُضِجَتِ الْأَكْبَادُ مِنْ طُولِ الْمَوْقِفِ- أُدْخِلَ فِي هَذَا السُّورِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ- فَكَانُوا فِي أَمْنِ اللَّهِ وَ حِرْزِهِ- لَهُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ- وَ أَعْدَاءُ اللَّهِ قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَ قَطَعَهُمُ الْفَرَقُ- وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فَيَقُولُونَ- ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ- فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ- فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ- وَ قَوْلُهُ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ- عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ- فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ أَعَانَ مُؤْمِناً مِنْ أَوْلِيَائِنَا بِكَلِمَةٍ- إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
بحار الأنوار — كتاب الروضة · ما روي عن الصادق(ع)من وصاياه لأصحابه