لِشَأْنِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الَّذِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ- وَ أَنَّ طَرِيقِي غَيْرُ طَرِيقِكَ- إِلَّا أَنِّي لَعَلِّي أَخْطُو مَعَكَ خُطُوَاتٍ يَسِيرَةً لَا تَنْتَفِعُ بِهَا- ثُمَّ أَنْصَرِفُ إِلَى مَا هُوَ أَهُمُّ إِلَيَّ مِنْكَ- ثُمَّ فَزِعَ إِلَى قَرِينِهِ الثَّالِثِ الَّذِي كَانَ يُحَقِّرُهُ وَ يَعْصِيهِ- وَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَيَّامَ رَخَائِهِ فَقَالَ لَهُ- إِنِّي مِنْكَ لَمُسْتَحٍ- وَ لَكِنَّ الْحَاجَةَ اضْطَرَّتْنِي إِلَيْكَ فَمَا ذَا لِي عِنْدَكَ- قَالَ لَكَ عِنْدِي الْمُوَاسَاةُ وَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْكَ- وَ قِلَّةُ الْغَفْلَةِ عَنْكَ فَأَبْشِرْ وَ قَرَّ عَيْناً- فَإِنِّي صَاحِبُكَ الَّذِي لَا يَخْذُلُكَ وَ لَا يُسْلِمُكَ- فَلَا يُهِمُّكَ قِلَّةُ مَا أَسْلَفْتَنِي وَ اصْطَنَعْتَ إِلَيَّ- فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَحْفَظُ لَكَ ذَلِكَ وَ أُوَفِّرُهُ عَلَيْكَ كُلَّهُ- ثُمَّ لَمْ أَرْضَ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ- حَتَّى اتَّجَرْتُ لَكَ بِهِ فَرَبِحْتُ أَرْبَاحاً كَثِيرَةً- فَلَكَ الْيَوْمُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ أَضْعَافُ مَا وَضَعْتَ عِنْدِي مِنْهُ فَأَبْشِرْ- وَ إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ- رِضَى الْمَلِكِ عَنْكَ الْيَوْمَ وَ فَرَجاً مِمَّا أَنْتَ فِيهِ- فَقَالَ الرَّجُلُ عِنْدَ ذَلِكَ مَا أَدْرِي عَلَى أَيِّ الْأَمْرَيْنِ- أَنَا أَشَدُّ حَسْرَةً عَلَيْهِ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الْقَرِينِ الصَّالِحِ- أَمْ عَلَى مَا اجْتَهَدْتُ فِيهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِقَرِينِ السَّوْءِ- قَالَ بِلَوْهَرُ فَالْقَرِينُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَالُ- وَ الْقَرِينُ الثَّانِي هُوَ الْأَهْلُ وَ الْوَلَدُ- وَ الْقَرِينُ الثَّالِثُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ- فَزِدْنِي مَثَلًا لِلدُّنْيَا وَ غُرُورِهَا- وَ صَاحِبِهَا الْمَغْرُورِ بِهَا الْمُطْمَئِنِّ إِلَيْهَا- قَالَ بِلَوْهَرُ كَانَ أَهْلُ مَدِينَةٍ يَأْتُونَ الرَّجُلَ- الْغَرِيبَ الْجَاهِلَ بِأَمْرِهِمْ فَيُمَلِّكُونَهُ عَلَيْهِمْ سَنَةً- فَلَا يَشُكُّ أَنَّ مُلْكَهُ دَائِمٌ عَلَيْهِمْ لِجَهَالَتِهِ بِهِمْ- فَإِذَا انْقَضَتِ السَّنَةُ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَدِينَتِهِمْ- عُرْيَاناً مُجَرَّداً سَلِيباً- فَيَقَعُ فِي بَلَاءٍ وَ شَقَاءٍ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ- فَصَارَ مَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ مُلْكِهِ وَبَالًا وَ حُزْناً وَ مُصِيبَةً وَ أَذًى- ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخَذُوا رَجُلًا آخَرَ فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ- فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ غُرْبَتَهُ فِيهِمْ لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِهِمْ- وَ طَلَبَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَرْضِهِ خَبِيراً بِأَمْرِهِمْ حَتَّى وَجَدَهُ- فَأَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّ الْقَوْمِ وَ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَمْوَالِ- الَّتِي فِي يَدَيْهِ فَيُخْرِجَ مِنْهَا مَا اسْتَطَاعَ الْأَوَّلَ- فَالْأَوَّلَ حَتَّى يُحْرِزَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُخْرِجُونَهُ إِلَيْهِ- فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْقَوْمُ صَارَ إِلَى الْكِفَايَةِ- وَ السَّعَةِ بِمَا قَدَّمَ وَ أَحْرَزَ- فَفَعَلَ مَا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ لَمْ يُضَيِّعْ وَصِيَّتَهُ- قَالَ بِلَوْهَرُ وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ- يَا ابْنَ الْمَلِكِ الَّذِي لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِالْغُرَبَاءِ- وَ لَمْ يَغْتَرَّ بِالسُّلْطَانِ وَ أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي طَلَبْتَ- وَ لَكَ عِنْدِي الدَّلَالَةُ وَ الْمَعْرِفَةُ وَ الْمَعُونَةُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ وَ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَ أَنْتَ طَلِبَتِيَ الَّتِي كُنْتُ طَلَبْتُهَا فَصِفْ لِي أَمْرَ الْآخِرَةِ تَامّاً- فَأَمَّا الدُّنْيَا فَلَعَمْرِي لَقَدْ صَدَقْتَ- وَ لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا مَا يَدُلُّنِي عَلَى فَنَائِهَا وَ يُزَهِّدُنِي فِيهَا- وَ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهَا حَقِيراً عِنْدِي- قَالَ بِلَوْهَرُ إِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا- يَا ابْنَ الْمَلِكِ مِفْتَاحُ الرَّغْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ فَأَصَابَ بَابَهَا دَخَلَ مَلَكُوتَهَا- وَ كَيْفَ لَا تَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَ قَدْ آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْعَقْلِ مَا آتَاكَ- وَ قَدْ تَرَى أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا- وَ إِنْ كَثُرَتْ إِنَّمَا يَجْمَعُهَا أَهْلُهَا لِهَذِهِ الْأَجْسَادِ الْفَانِيَةِ- وَ الْجَسَدُ لَا قِوَامَ لَهُ وَ لَا امْتِنَاعَ بِهِ- فَالْحَرُّ يُذِيبُهُ وَ الْبَرْدُ يُجْمِدُهُ- وَ السُّمُومُ يَتَخَلَّلُهُ وَ الْمَاءُ يُغْرِقُهُ وَ الشَّمْسُ تُحْرِقُهُ- وَ الْهَوَاءُ يُسْقِمُهُ وَ السِّبَاعُ يَفْتَرِسُهُ- وَ الطَّيْرُ تَنْقُرُهُ وَ الْحَدِيدُ يَقْطَعُهُ وَ الصَّدْمُ يَحْطِمُهُ- ثُمَّ هُوَ مَعْجُونٌ بِطِيْنَةٍ مِنْ أَلْوَانِ الْأَسْقَامِ وَ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَمْرَاضِ- فَهُوَ مُرْتَهَنٌ بِهَا مُتَرَقِّبٌ لَهَا وَجِلٌ مِنْهَا- غَيْرُ طَامِعٍ فِي السَّلَامَةِ مِنْهَا- ثُمَّ هُوَ مُقَارِنُ الْآفَاتِ السَّبْعِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا ذُو جَسَدٍ- وَ هِيَ الْجُوعُ وَ الظَّمَأُ وَ الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ- وَ الْوَجَعُ وَ الْخَوْفُ وَ الْمَوْتُ- فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْهُ مِنَ الْأَمْرِ الْآخِرَةِ- فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَجِدَ مَا تَحْسَبُهُ بَعِيداً قَرِيباً- وَ مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ عَسِيراً يَسِيراً- وَ مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ قَلِيلًا كَثِيراً- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَ رَأَيْتَ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانَ وَالِدِي حَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ- وَ نَفَاهُمْ أَ هُمْ أَصْحَابُكَ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي- أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى عَدَاوَتِهِمْ وَ سُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ- قَالَ بِلَوْهَرُ نَعَمْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ- قَالَ فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ قَالَ بِلَوْهَرُ- أَمَّا قَوْلُكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ فِي سُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ- فَمَا عَسَى أَنْ يَقُولُوا فِيمَنْ يَصْدُقُ وَ لَا يَكْذِبُ- وَ يَعْلَمُ وَ لَا يَجْهَلُ وَ يَكُفُّ وَ لَا يؤدي [يُؤْذِي- وَ يُصَلِّي وَ لَا يَنَامُ وَ يَصُومُ وَ لَا يُفْطِرُ وَ يَبْتَلِي فَيَصْبِرُ- وَ يَتَفَكَّرُ فَيَعْتَبِرُ وَ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ عَنِ الْأَمْوَالِ وَ الْأَهْلِينَ- وَ لَا يَخَافُهُمُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَ أَهْلِيهِمْ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَكَيْفَ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ- وَ هُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُخْتَلِفُونَ- قَالَ بِلَوْهَرُ مَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلُ كِلَابٍ- اجْتَمَعُوا عَلَى جِيفَةٍ تَنْهَشُهَا وَ يَهَارُّ بَعْضُهَا بَعْضاً- مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ- فَبَيْنَا هِيَ تُقْبِلُ عَلَى الْجِيفَةِ إِذْ دَنَا رَجُلٌ مِنْهُمْ- فَتَرَكَ بَعْضُهُنَّ بَعْضاً- وَ أَقْبَلْنَ عَلَى الرَّجُلِ فَيَهِرُّنَّ عَلَيْهِ جَمِيعاً مُعَاوِيَاتٍ عَلَيْهِ- وَ لَيْسَ لِلرَّجُلِ فِي جِيفَتِهِنَّ حَاجَةٌ- وَ لَا أَرَادَ أَنْ يُنَازِعَهُنَّ فِيهَا- وَ لَكِنَّهُنَّ عَرَفْنَ غُرْبَتَهُ مِنْهُنَّ فَاسْتَوْحَشْنَ مِنْهُ- وَ اسْتَأْنَسَ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ وَ إِنْ كُنَّ مُخْتَلِفَاتٍ مُتَعَادِيَاتٍ- فِيمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرِدَ الرَّجُلُ عَلَيْهِنَّ- قَالَ بِلَوْهَرُ فَمَثَلُ الْجِيفَةِ مَتَاعُ الدُّنْيَا- وَ مَثَلُ صُنُوفِ الْكِلَابِ ضُرُوبُ الرِّجَالِ- الَّذِينَ يَقْتَتِلُونَ عَلَى الدُّنْيَا- وَ يُهْرِقُونَ دِمَاءَهُمْ وَ يُنْفِقُونَ لَهَا أَمْوَالَهُمْ- وَ مَثَلُ الرَّجُلِ الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْكِلَابُ- وَ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي جِيَفِهِنَّ كَمَثَلِ صَاحِبِ الدِّينِ- الَّذِي رَفَضَ الدُّنْيَا وَ خَرَجَ مِنْهَا- فَلَيْسَ يُنَازِعُ فِيهَا أَهْلَهَا- وَ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ النَّاسَ مِنْ أَنْ يعادونه [يُعَادُوهُ لِغُرْبَتِهِ عِنْدَهُمْ- فَإِنْ عَجِبْتَ فأعجبت [فَاعْجَبْ مِنَ النَّاسِ- أَنَّهُمْ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَّا الدُّنْيَا وَ جَمْعُهَا- وَ التَّكَاثُرُ وَ التَّفَاخُرُ وَ التَّغَالُبُ عَلَيْهَا- حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَنْ قَدْ تَرَكَهَا فِي أَيْدِيهِمْ- وَ تَخَلَّى عَنْهَا كَانُوا لَهُ أَشَدَّ قِتَالًا عَلَيْهِ- وَ أَشَدَّ حَنَقاً مِنْهُمْ لِلَّذِي يُشَاحُّهُمْ عَلَيْهَا- فَأَيُّ حُجَّةٍ لِلَّهِ يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَدْحَضَ مِنْ تَعَاوُنِ الْمُخْتَلِفِينَ- عَلَى مَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَعْمِدْ لِحَاجَتِي- قَالَ بِلَوْهَرُ إِنَّ الطَّبِيبَ الرَّفِيقَ إِذْ رَأَى الْجَسَدَ- قَدْ أَهْلَكَتْهُ الْأَخْلَاطُ الْفَاسِدَةُ- فَأَرَادَ أَنْ يُقَوِّيَهُ وَ يُسْمِنَهُ لَمْ يُغَذِّهِ بِالطَّعَامِ- الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ اللَّحْمُ وَ الدَّمُ وَ الْقُوَّةُ- لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى أَدْخَلَ الطَّعَامَ- عَلَى الْأَخْلَاطِ الْفَاسِدَةِ أَضَرَّ بِالْجَسَدِ وَ لَمْ يَنْفَعْهُ وَ لَمْ يُقَوِّهِ- وَ لَكِنْ يَبْدَأُ بِالْأَدْوِيَةِ وَ الْحِمْيَةِ مِنَ الطَّعَامِ- فَإِذَا أَذْهَبَ مِنْ جَسَدِهِ الْأَخْلَاطَ الْفَاسِدَةَ- أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنَ الطَّعَامِ- فَحِينَئِذٍ يَجِدُ طَعْمَ الطَّعَامِ وَ يَسْمَنُ- وَ يَقْوَى وَ يَحْمِلُ الثِّقْلَ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَخْبِرْنِي مَا ذَا تُصِيبُ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ- قَالَ الْحَكِيمُ زَعَمُوا أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ- كَانَ عَظِيمَ الْمُلْكِ كَثِيرَ الْجُنْدِ وَ الْأَمْوَالِ- وَ أَنَّهُ بَدَا لَهُ أَنْ يَغْزُوَ مَلِكاً آخَرَ لِيَزْدَادَ مُلْكاً إِلَى مُلْكِهِ وَ مَالًا إِلَى مَالِهِ- فَسَارَ إِلَيْهِ بِالْجُنُودِ وَ الْعِدَدِ وَ الْعُدَّةِ- وَ النِّسَاءِ وَ الْأَوْلَادِ وَ الْأَثْقَالِ- فَأَقْبَلُوا نَحْوَهُ فَظَهَرُوا عَلَيْهِ وَ اسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُ فَهَرَبَ- وَ سَاقَ امْرَأَتَهُ وَ أَوْلَادَهُ صِغَاراً- فَأَلْجَأَهُ الطَّلَبُ عِنْدَ الْمَسَاءِ إِلَى أَجَمَةٍ عَلَى شَاطِئِ النَّهَرِ- فَدَخَلَهَا مَعَ أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ- وَ سَيَّبَ دَوَابَّهُ مَخَافَةَ أَنْ تَدُلُّ عَلَيْهِ بِصَهِيلِهَا- فَبَاتُوا فِي الْأَجَمَةِ- وَ هُمْ يَسْمَعُونَ وَقْعَ حَوَافِرِ الْخَيْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ- فَأَصْبَحَ الرَّجُلُ لَا يُطِيقُ بَرَاحاً- وَ أَمَّا النَّهَرُ فَلَا يَسْتَطِيعُ عُبُورَهُ- وَ أَمَّا الْفَضَاءُ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ لِمَكَانِ الْعَدُوِّ- فَهُمْ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ قَدْ أَذَاهُمُ الْبَرْدُ- وَ أَهْجَرَهُمُ الْخَوْفُ وَ طَوَاهُمُ الْجُوعُ- وَ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ وَ لَا مَعَهُمْ زَادٌ وَ لَا إِدَامٌ- وَ أَوْلَادُهُ صِغَارٌ جِيَاعٌ يَبْكُونَ مِنَ الضُّرِّ- الَّذِي قَدْ أَصَابَهُمْ فَمَكَثَ بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ- ثُمَّ إِنَّ أَحَدَ بَنِيهِ مَاتَ فَأَلْقَوْهُ فِي النَّهَرِ- فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْماً آخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ إِنَّا مُشْرِفُونَ عَلَى الْهَلَاكِ جَمِيعاً- وَ إِنْ بَقِيَ بَعْضُنَا وَ هَلَكَ بَعْضُنَا- كَانَ خَيْراً مِنْ أَنْ نَهْلِكَ جَمِيعاً- وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُعَجِّلَ ذِبْحَ صَبِيٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَانِ- فَنَجْعَلَهُ قُوتاً لَنَا وَ لِأَوْلَادِنَا- إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالْفَرَجِ- فَإِنْ أَخَّرْنَا ذَلِكَ هَزَلَ الصِّبْيَانُ حَتَّى لَا يُشْبِعَ لُحُومُهُمْ- وَ تَضْعُفُ حَتَّى لَا نَسْتَطِيعَ الْحَرَكَةَ إِنْ وَجَدْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا- وَ طَاوَعَتْهُ امْرَأَتُهُ فَذَبَحَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ- وَ وَضَعُوهُ بَيْنَهُمْ يَنْهَشُونَهُ- فَمَا ظَنُّكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ بِذَلِكَ الْمُضْطَرِّ أَ أَكْلَ الْكَلِبِ الْمُسْتَكْثِرِ يَأْكُلُ- أَمْ أَكْلَ الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَقِلِّ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- بَلْ أَكْلَ الْمُسْتَقِلِّ قَالَ الْحَكِيمُ- كَذَلِكَ أَكْلِي وَ شُرْبِي يَا ابْنَ الْمَلِكِ فِي الدُّنْيَا- فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمَلِكِ- أَ رَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَ هُوَ شَيْءٌ نَظَرَ النَّاسُ فِيهِ بِعُقُولِهِمْ- وَ أَلْبَابِهِمْ حَتَّى اخْتَارُوهُ عَلَى مَا سِوَاهُ لِأَنْفُسِهِمْ- أَمْ دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ فَأَجَابُوا- قَالَ الْحَكِيمُ عَلَا هَذَا الْأَمْرُ- وَ لَطُفَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَوْ بِرَأْيِهِمْ دَبَّرُوهُ- وَ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لَدَعَوْا إِلَى عَمَلِهَا- وَ زِينَتِهَا وَ حِفْظِهَا وَ دَعَتِهَا وَ نَعِيمِهَا- وَ لَذَّتِهَا وَ لَهْوِهَا وَ لَعِبِهَا وَ شَهَوَاتِهَا- وَ لَكِنَّهُ أَمْرٌ غَرِيبٌ وَ دَعْوَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سَاطِعَةٌ- وَ هُدًى مُسْتَقِيمٌ نَاقِضٌ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا أَعْمَالَهُمْ- مُخَالِفٌ لَهُمْ عَائِبٌ عَلَيْهِمْ- وَ طَاعِنٌ نَاقِلٌ لَهُمْ عَنْ أَهْوَائِهِمْ- دَاعٍ لَهُمْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَ إِنَّ ذَلِكَ لَبَيِّنٌ لِمَنْ تَنَبَّهَ- مَكْتُومٌ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهِ حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ الْحَقَّ بَعْدَ خَفَائِهِ- وَ يَجْعَلَ كَلِمَتَهُ الْعُلْيَا وَ كَلِمَةَ الَّذِينَ جَهِلُوا السُّفْلَى- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ ثُمَّ قَالَ الْحَكِيمُ- إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَفَكَّرَ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ(عليه السلام)فَأَصَابَ- وَ مِنْهُمْ مَنْ دَعَتْهُ الرُّسُلُ بَعْدَ مَجِيئِهَا فَأَجَابَ- وَ أَنْتَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ مِمَّنْ تَفَكَّرَ بِعَقْلِهِ فَأَصَابَ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَهَلْ تَعْلَمُ أَحَداً مِنَ النَّاسِ- يَدْعُو إِلَى التَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَكُمْ- قَالَ الْحَكِيمُ أَمَّا فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ فَلَا- وَ أَمَّا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ فَفِيهِمْ قَوْمٌ يَنْتَحِلُونَ- الدِّينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأَعْمَالِهِمْ- فَاخْتَلَفَ سَبِيلُنَا وَ سَبِيلُهُمْ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- كَيْفَ صِرْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُمْ- وَ إِنَّمَا أَتَاكُمْ هَذَا الْأَمْرُ الْغَرِيبُ مِنْ حَيْثُ أَتَاهُمْ- قَالَ الْحَكِيمُ الْحَقُّ كُلُّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى دَعَا الْعِبَادَ إِلَيْهِ- فَقَبِلَهُ قَوْمٌ بِحَقِّهِ وَ شُرُوطِهِ- حَتَّى أَدَّوْهُ إِلَى أَهْلِهِ كَمَا أُمِرُوا- لَمْ يَظْلِمُوا وَ لَمْ يُخْطِئُوا وَ لَمْ يُضَيِّعُوا- وَ قَبِلَهُ آخَرُونَ فَلَمْ يَقُومُوا بِحَقِّهِ وَ شُرُوطِهِ- وَ لَمْ يُؤَدُّوهُ إِلَى أَهْلِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ عَزِيمَةٌ- وَ لَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ نِيَّةُ ضَمِيرٍ فَضَيَّعُوهُ وَ اسْتَثْقَلُوهُ- فَالْمُضَيِّعُ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْحَافِظِ- وَ الْمُفْسِدُ لَا يَكُونُ كَالْمُصْلِحِ- وَ الصَّابِرُ لَا يَكُونُ كَالْجَازِعِ- فَمِنْ هَاهُنَا كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ وَ أَوْلَى- ثُمَّ قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْهُمْ- مِنَ الدِّينِ وَ التَّزْهِيدِ وَ الدُّعَاءِ إِلَى الْآخِرَةِ- إِلَّا وَ قَدْ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ أَصْلِ الْحَقِ الَّذِي عَنْهُ أَخَذْنَا- وَ لَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ أَحْدَاثُهُمُ- الَّتِي أَحْدَثُوا وَ ابْتِغَاؤُهُمُ الدُّنْيَا وَ إِخْلَادُهُمْ إِلَيْهَا- وَ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ لَمْ تَزَلْ تَأْتِي- وَ تَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ مَعَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ (صلوات اللّه عليهم)- فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ عَلَى أَلْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ- وَ كَانَ أَهْلُ دَعْوَةِ الْحَقِّ أَمْرُهُمْ مُسْتَقِيمٌ- وَ طَرِيقُهُمْ وَاضِحٌ وَ دَعْوَتُهُمْ بَيِّنَةٌ- لَا فُرْقَةَ فِيهِمْ وَ لَا اخْتِلَافَ- فَكَانَتِ الرُّسُلُ(عليه السلام)إِذَا بَلَّغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ- وَ احْتَجُّوا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِحُجَّةٍ- وَ إِقَامَةِ مَعَالِمِ الدِّينِ وَ أَحْكَامِهِ- قَبَضَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ- وَ مُنْتَهَى مُدَّتِهِمْ- وَ مَكَثَتِ الْأُمَّةُ مِنَ الْأُمَمِ بَعْدَ نَبِيِّهَا- بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهَا لَا تَغَيَّرَ وَ لَا تَبَدَّلَ- ثُمَّ صَارَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْدِثُونَ الْأَحْدَاثَ- وَ يَبْتَغُونَ الشَّهَوَاتِ وَ يُضَيِّعُونَ الْعِلْمَ- فَكَانَ الْعَالِمُ الْبَالِغُ الْمُسْتَبْصِرُ مِنْهُمْ يُخْفِي شَخْصَهُ- وَ لَا يُظْهِرُ عِلْمَهُ فَيَعْرِفُونَهُ بِاسْمِهِ- وَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَكَانِهِ وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ- إِلَّا الْخَسِيسُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ- يَسْتَخِفُّ بِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ وَ الْبَاطِلِ- فَيَخْمُلُ الْعِلْمُ وَ يَظْهَرُ الْجَهْلُ- وَ تَتَنَاسَلُ الْقُرُونُ فَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْجَهْلَ وَ يَزْدَادُ الْجُهَّالُ اسْتِعْلَاءً وَ كَثْرَةً وَ الْعُلَمَاءُ خُمُولًا وَ قِلَّةً- فَحَوَّلُوا مَعَالِمَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَنْ وُجُوهِهَا- وَ تَرَكُوا قَصْدَ سَبِيلِهَا وَ هُمْ مَعَ ذَلِكَ مُقِرُّونَ بِتَنْزِيلِهِ- مُتَّبِعُونَ شِبْهَهُ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ مُتَعَلِّقُونَ بِصِفَتِهِ- تَارِكُونَ لِحَقِيقَتِهِ نَابِذُونَ لِأَحْكَامِهِ- فَكُلُّ صِفَةٍ جَاءَتِ الرُّسُلُ تدعوا [تَدْعُو إِلَيْهَا- فَنَحْنُ لَهُمْ مُوَافِقُونَ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ- مُخَالِفُونَ لَهُمْ فِي أَحْكَامِهِمْ وَ سِيرَتِهِمْ- وَ لَسْنَا نُخَالِفُهُمْ فِي شَيْءٍ إِلَّا وَ لَنَا عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ- وَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ مِنْ نَعْتِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ- مِنَ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحِكْمَةِ فَهِيَ لَنَا وَ هِيَ بَيْنَنَا- وَ بَيْنَهُمْ تَشْهَدُ لَنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا تُوَافِقُ صِفَتَنَا- وَ سِيرَتَنَا وَ حُكْمَنَا- وَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّتِهِمْ وَ أَعْمَالِهِمْ- فَلَيْسُوا يَعْرِفُونَ مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا وَصْفَهُ- وَ لَا مِنَ الذِّكْرِ إِلَّا اسْمَهُ- فَلَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ حَقِيقَةً حَتَّى يُقِيمُوهُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- فَمَا بَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ(عليه السلام)يَأْتُونَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ- قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ- كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مَوَاتٌ لَا عُمْرَانَ فِيهَا- فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا بِعِمَارَتِهِ- أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَجُلًا جَلْداً أَمِيناً نَاصِحاً- ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمُرَ تِلْكَ الْأَرْضَ- وَ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا صُنُوفَ الشَّجَرِ وَ أَنْوَاعَ الزَّرْعِ- ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْمَلِكُ أَلْوَاناً مِنَ الْغَرْسِ مَعْلُومَةً- وَ أَنْوَاعاً مِنَ الزَّرْعِ مَعْرُوفَةً- ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْدُوَ مَا سَمَّى لَهُ- وَ أَنْ لَا يُحْدِثَ فِيهَا مِنْ قِبَلِهِ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ- وَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ لَهَا نَهَراً وَ يَسُدَّ عَلَيْهَا حَائِطاً- وَ يَمْنَعَهَا مِنْ أَنْ يُفْسِدَهَا مُفْسِدٌ- فَجَاءَ الرَّسُولُ الَّذِي أَرْسَلَهُ الْمَلِكُ إِلَى تِلْكَ الْأَرْضِ- فَأَحْيَاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَ عَمَرَهَا بَعْدَ خَرَابِهَا- وَ غَرَسَ فِيهَا وَ زَرَعَ مِنَ الصُّنُوفِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا- ثُمَّ سَاقَ نَهَرَ الْمَاءِ إِلَيْهَا حَتَّى نَبَتَ الْغَرْسُ وَ اتَّصَلَ الزَّرْعُ- ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ قَيِّمُهَا- وَ أَقَامَ بَعْدَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ- وَ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ خَلَفٌ خَالَفُوا مِنْ إِقَامَةِ الْقَيِّمِ بَعْدَهُ- وَ غَلَبُوهُ عَلَى أَمْرِهِ فَأَخْرَبُوا الْعُمْرَانَ- وَ طَمُّوا الْأَنْهَارَ فَيَبِسَ الْغَرْسُ وَ هَلَكَ الزَّرْعُ- فَلَمَّا بَلَغَ الْمَلِكَ خِلَافُهُمْ عَلَى الْقَيِّمِ بَعْدَ رَسُولِهِ- وَ خَرَابُ أَرْضِهِ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا آخَرَ يُحْيِيهَا- وَ يُعِيدُهَا وَ يُصْلِحُهَا كَمَا كَانَتْ فِي مَنْزِلَتِهَا الْأُولَى- وَ كَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الرُّسُلُ(عليه السلام) يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ- فَيُصْلِحُ أَمْرَ النَّاسِ بَعْدَ فَسَادِهِ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَ يَخُصُّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمْ- إِذَا جَاءَتْ بِمَا يَبْعَثُ بِهِ أَمْ تُعَمُّ- قَالَ بِلَوْهَرُ- إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الرُّسُلَ إِذَا جَاءَتْ تَدْعُو عَامَّةَ النَّاسِ- فَمَنْ أَطَاعَهُمْ كَانَ مِنْهُمْ وَ مَنْ عَصَاهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ- وَ مَا تَخْلُو الْأَرْضُ قَطُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فِيهَا مُطَاعٌ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ رُسُلِهِ وَ مِنْ أَوْصِيَائِهِ- وَ إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ طَائِرٍ كَانَ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ- يُقَالُ لَهُ قدمٌ يَبِيضُ بَيْضاً كَثِيراً- وَ كَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِلْفِرَاخِ وَ كَثْرَتِهَا- وَ كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِ زَمَانٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِيهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ ذَلِكَ- فَلَا يَجِدُ بُدّاً مِنِ اتِّخَاذِ أَرْضٍ أُخْرَى- حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ الزَّمَانُ- فَيَأْخُذُ بَيْضَهُ مَخَافَةً عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَهْلِكَ مِنْ شَفَقَتِهِ- فَيُفَرِّقُهُ فِي أَعْشَاشِ الطَّيْرِ- فَتَحْضُنُ الطَّيْرُ بَيْضَتَهُ مَعَ بَيْضَتِهَا- وَ تَخْرُجُ فِرَاخُهُ مَعَ فِرَاخِهَا- فَإِذَا طَالَ مَكْثُ فِرَاخِ قدمٍ مَعَ فِرَاخِ الطَّيْرِ- أَلِفَهَا بَعْضُ فِرَاخِ الطَّيْرِ وَ اسْتَأْنَسَ بِهَا- فَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ الَّذِي يَنْصَرِفُ فِيهِ قدمٌ إِلَى مَكَانِهِ- مَرَّ بِأَعْشَاشِ الطَّيْرِ- وَ أَوْكَارِهَا بِاللَّيْلِ فَأَسْمَعَ فِرَاخَهُ وَ غَيْرَهَا صَوْتَهُ- فَإِذَا سَمِعَتْ فِرَاخُهُ صَوْتَهُ تَبِعَتْهُ- وَ تَبِعَ فِرَاخَهُ مَا كَانَ أَلِفَهَا مِنْ فِرَاخِ سَائِرِ الطَّيْرِ- وَ لَمْ يُجِبْهُ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ فِرَاخِهِ- وَ لَا مَا لَمْ يَكُنْ أَلِفَ فِرَاخَهُ- وَ كَانَ قَدْ يَضُمُّ إِلَيْهِ مَنْ أَجَابَهُ مِنْ فِرَاخِهِ حُبّاً لِلْفِرَاخِ- وَ كَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا يَسْتَعْرِضُونَ النَّاسَ جَمِيعاً بِدُعَائِهِمْ- فَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ الْحِكْمَةِ وَ الْعَقْلِ- لِمَعْرِفَتِهِمْ لِفَضْلِ الْحِكْمَةِ- فَمَثَلُ الطَّيْرِ الَّذِي دَعَا بِصَوْتِهِ مَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ- الَّتِي تَعُمُّ النَّاسَ بِدُعَائِهِمْ- وَ مَثَلُ الْبَيْضِ الْمُتَفَرِّقِ فِي أَعْشَاشِ الطَّيْرِ مَثَلُ الْحِكْمَةِ- وَ مَثَلُ سَائِرِ فِرَاخِ الطَّيْرِ الَّتِي أَلِفَتْ فِرَاخَ قدمٍ- مَثَلُ مَنْ أَجَابَ الْحُكَمَاءَ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ- لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ لِأَنْبِيَائِهِ وَ رُسُلِهِ مِنَ الْفَضْلِ- وَ الرَّأْيِ مَا لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ- وَ أَعْطَاهُمْ مِنَ الْحُجَجِ وَ النُّورِ وَ الضِّيَاءِ مَا لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُمْ- وَ ذَلِكَ لِمَا يُرِيدُ مِنْ بُلُوغِ رِسَالَتِهِ وَ مَوَاقِعِ حُجَجِهِ- وَ كَانَتِ الرُّسُلُ إِذَا جَاءَتْ وَ أَظْهَرَتْ دَعْوَتَهَا أَجَابَهُمْ مِنَ النَّاسِ- أَيْضاً مَنْ لَمْ يَكُنْ أَجَابَ الْحُكَمَاءَ- وَ ذَلِكَ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى دَعْوَتِهِمْ- مِنَ الضِّيَاءِ وَ الْبُرْهَانِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- أَ فَرَأَيْتَ مَا يَأْتِي بِهِ الرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ- إِذْ زَعَمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامِ النَّاسِ وَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ هُوَ كَلَامٌ وَ كَلَامُ مَلَائِكَتِهِ كَلَامٌ قَالَ الْحَكِيمُ- أَ مَا رَأَيْتَ النَّاسَ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُفْهِمُوا بَعْضَ الدَّوَابِّ- وَ الطَّيْرِ مَا يُرِيدُونَ مِنْ تَقَدُّمِهَا وَ تَأَخُّرِهَا وَ إِقْبَالِهَا- وَ إِدْبَارِهَا لَمْ يَجِدُوا الدَّوَابَّ وَ الطَّيْرَ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُمُ- الَّذِي هُوَ كَلَامُهُمْ- فَوَضَعُوا مِنَ النَّقْرِ وَ الصَّفِيرِ وَ الرجز [الزَّجْرِ مَا يَبْلُغُوا بِهِ حَاجَتَهُمْ- وَ مَا عَرَفُوا أَنَّهَا تُطِيقُ حَمْلَهُ- وَ كَذَلِكَ الْعِبَادُ يعجزوا [يَعْجِزُونَ أَنْ يَعْلَمُوا كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ كَلَامَ مَلَائِكَتِهِ عَلَى كُنْهِهِ وَ كَمَالِهِ وَ لُطْفِهِ وَ صِفَتِهِ- فَصَارَ مَا تَرَاجَعَ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْأَصْوَاتِ- الَّتِي سَمِعُوا بِهَا الْحِكْمَةَ شَبِيهاً بِمَا وَضَعَ النَّاسُ لِلدَّوَابِّ- وَ الطَّيْرِ وَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الصَّوْتُ مَكَانَ الْحِكْمَةِ- المُخْبِرَةِ فِي تِلْكَ الْأَصْوَاتِ- مِنْ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ وَاضِحَةً بَيْنَهُمْ- قَوِيَّةً مُنِيرَةً شَرِيفَةً عَظِيمَةً- وَ لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ وُقُوعِ مَعَانِيهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا- وَ بُلُوغِ مَا احْتَجَّ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ فِيهَا- فَكَانَ الصَّوْتُ لِلْحِكْمَةِ جَسَداً وَ مَسْكَناً- وَ كَانَتِ الْحِكْمَةُ لِلصَّوْتِ نَفْساً وَ رُوحاً- وَ لَا طَاقَةَ لِلنَّاسِ أَنْ يُنْفِذُوا غَوْرَ كَلَامِ الْحِكْمَةِ- وَ لَا يُحِيطُوا بِهِ بِعُقُولِهِمْ- فَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ تَفَاضَلَتِ الْعُلَمَاءُ فِي عِلْمِهِمْ- فَلَا يَزَالُ عَالِمٌ يَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ عَالِمٍ- حَتَّى يَرْجِعَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ- وَ كَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ قَدْ يُصِيبُونَ مِنَ الْحِكْمَةِ- وَ الْعِلْمِ مَا يُنْجِيهِمْ مِنَ الْجَهْلِ- وَ لَكِنْ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ …
بحار الأنوار — كتاب الروضة · قصة بلوهر و يوذاسف