الأقسامبحار الأنواركتاب الروضة
بحار الأنوار

فَضْلُهُ- كَمَا أَنَّ النَّاسَ يَنَالُونَ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ- مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَعَايِشِهِمْ وَ أَبْدَانِهِمْ وَ لَا يَقْدِرُونَ- أَنْ يُنْفِذُوهَا بِأَبْصَارِهِمْ فَهِيَ كَالْعَيْنِ الْغَزِيرَةِ- الظَّاهِرِ مَجْرَاهَا الْمَكْنُونِ عُنْصُرُهَا- فَالنَّاسُ قَدْ يُجِيبُونَ بِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ مَائِهَا- وَ لَا يُدْرِكُونَ غَوْرَهَا وَ هِيَ كَالنُّجُومِ الزَّاهِرَةِ- الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ- وَ لَا يَعْلَمُونَ مَسَاقِطَهَا فَالْحِكْمَةُ أَشْرَفُ- وَ أَرْفَعُ وَ أَعْظَمُ مِمَّا وَصَفْنَاهَا بِهِ كُلِّهِ- هِيَ مِفْتَاحُ بَابِ كُلِّ خَيْرٍ يُرْتَجَى- وَ النَّجَاةُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُتَّقَى- وَ هِيَ شَرَابُ الْحَيَاةِ الَّتِي مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَمُتْ أَبَداً- وَ الشِّفَاءُ لِلسَّقَمِ الَّذِي مَنِ اسْتَشْفَى بِهِ لَمْ يَسْقُمْ أَبَداً- وَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ لَمْ يَضِلَّ أَبَداً- هِيَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ الَّذِي لَا يُخْلِقُهُ طُولُ التَّكْرَارِ- مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ انْجَلَى عَنْهُ الْعَمَى- وَ مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ فَازَ وَ اهْتَدَى وَ أَخَذَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى- قَالَ فَمَا بَالُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ- الَّتِي وَصَفْتَ بِمَا وَصَفْتَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الشَّرَفِ- وَ الِارْتِفَاعِ وَ الْقُوَّةِ وَ الْمَنْفَعَةِ وَ الْكَمَالِ- وَ الْبُرْهَانِ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ جَمِيعاً- قَالَ الْحَكِيمُ- إِنَّمَا مَثَلُ الْحِكْمَةِ كَمَثَلِ الشَّمْسِ الطَّالِعَةِ- عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الْأَبْيَضِ وَ الْأَسْوَدِ مِنْهُمْ- وَ الصَّغِيرِ وَ الْكَبِيرِ فَمَنْ أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَمْ تَمْنَعْهُ وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا مِنْ أَقْرَبِهِمْ وَ أَبْعَدِهِمْ- وَ مَنْ لَمْ يُرِدِ الِانْتِفَاعَ بِهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهَا- وَ لَا تَمْنَعُ الشَّمْسُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً- وَ لَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ وَ بَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا- وَ كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ وَ حَالُهَا بَيْنَ النَّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- وَ الْحِكْمَةُ قَدْ عَمَّتِ النَّاسَ جَمِيعاً- إِلَّا أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي ذَلِكَ- وَ الشَّمْسَ ظَاهِرَةٌ إِذْ طَلَعَتْ عَلَى الْأَبْصَارِ النَّاظِرَةِ- فَرَّقَتْ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَازِلَ- فَمِنْهُمُ الصَّحِيحُ الْبَصَرِ- الَّذِي يَنْفَعُهُ الضَّوْءُ وَ يَقْوَى عَلَى النَّظَرِ- وَ مِنْهُمُ الْأَعْمَى الْقَرِيبُ مِنَ الضَّوْءِ- الَّذِي لَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسٌ أَوْ شُمُوسٌ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئاً- وَ مِنْهُمُ الْمَرِيضُ الْبَصَرِ الَّذِي لَا يُعَدُّ فِي الْعُمْيَانِ- وَ لَا فِي أَصْحَابِ الْبَصَرِ كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ- هِيَ شَمْسُ الْقُلُوبِ إِذَا طَلَعَتْ تَفَرَّقَ عَلَى ثَلَاثِ مَنَازِلَ- مَنْزِلٍ لِأَهْلِ الْبَصَرِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ الْحِكْمَةَ- فَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِهَا وَ يَعْمَلُونَ بِهَا- وَ مَنْزِلٍ لِأَهْلِ الْعَمَى الَّذِينَ تَنْبُو الْحِكْمَةُ عَنْ قُلُوبِهِمْ- لِإِنْكَارِهِمُ الْحِكْمَةَ وَ تَرْكِهِمْ قَبُولَهَا- كَمَا يَنْبُو ضَوْءُ الشَّمْسِ عَنِ الْعُمْيَانِ- وَ مَنْزِلٍ لِأَهْلِ مَرَضِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ يَقْصُرُ عِلْمُهُمْ- وَ يَضْعُفُ عَمَلُهُمْ وَ يَسْتَوِي فِيهِمُ السَّيِّئُ وَ الْحَسَنُ- وَ الْحَقُّ وَ الْبَاطِلُ وَ إِنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ- وَ هِيَ الْحِكْمَةُ مِمَّنْ يَعْمَى عَنْهَا- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ فَهَلْ يَسَعُ الرَّجُلَ الْحِكْمَةُ- فَلَا يُجِيبُ إِلَيْهَا حَتَّى يَلْبَثَ زَمَاناً نَاكِباً عَنْهَا- ثُمَّ يُجِيبُ وَ يُرَاجِعُهَا قَالَ بِلَوْهَرُ نَعَمْ- هَذَا أَكْثَرُ حَالاتِ النَّاسِ فِي الْحِكْمَةِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- تَرَى وَالِدِي سَمِعَ شَيْئاً مِنْ هَذَا الْكَلَامِ قَطُّ- قَالَ بِلَوْهَرُ لَا أَرَاهُ سَمِعَ سَمَاعاً صَحِيحاً رَسَخَ فِي قَلْبِهِ- وَ لَا كَلَّمَهُ فِيهِ نَاصِحٌ شَفِيقٌ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ كَيْفَ تَرَكَ ذَلِكَ الْحُكَمَاءُ مِنْهُ طُولَ دَهْرِهِمْ- قَالَ بِلَوْهَرُ تَرَكُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِمَوَاضِعِ كَلَامِهِمْ- فَرُبَّمَا تَرَكُوا ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ أَحْسَنُ إِنْصَافاً وَ أَلْيَنُ عَرِيكَةً- وَ أَحْسَنُ اسْتِمَاعاً مِنْ أَبِيكَ- حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ ليعاش [لَيُعَايِشُ الرَّجُلَ طُولَ عُمُرِهِ- بَيْنَهُمَا الِاسْتِينَاسُ وَ الْمَوَدَّةُ وَ الْمُفَاوَضَةُ- وَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ إِلَّا الدِّينُ وَ الْحِكْمَةُ- وَ هُوَ مُتَفَجِّعٌ عَلَيْهِ مُتَوَجِّعٌ لَهُ- ثُمَّ لَا يُفْضِي إِلَيْهِ أَسْرَارَ الْحِكْمَةِ إِذْ لَمْ يَرَهُ لَهَا مَوْضِعاً- وَ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ- كَانَ عَاقِلًا قَرِيباً مِنَ النَّاسِ مُصْلِحاً لِأُمُورِهِمْ- حَسَنَ النَّظَرِ وَ الْإِنْصَافِ لَهُمْ- وَ كَانَ لَهُ وَزِيرُ صِدْقٍ صَالِحٌ يُعِينُهُ عَلَى الْإِصْلَاحِ- وَ يَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ وَ يُشَاوِرُهُ فِي أُمُورِهِ- وَ كَانَ الْوَزِيرُ أَدِيباً عَاقِلًا لَهُ دِينٌ وَ وَرَعٌ وَ نَزَاهَةٌ عَلَى الدُّنْيَا- وَ كَانَ قَدْ لَقِيَ أَهْلَ الدِّينِ وَ سَمِعَ كَلَامَهُمْ- وَ عَرَفَ فَضْلَهُمْ فَأَجَابَهُمْ وَ انْقَطَعَ إِلَيْهِمْ بِإِخَائِهِ وَ وُدِّهِ- وَ كَانَتْ لَهُ مِنَ الْمَلِكِ مَنْزِلَةٌ حَسَنَةٌ وَ خَاصَّةٌ- وَ كَانَ الْمَلِكُ لَا يَكْتُمُهُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ- وَ كَانَ الْوَزِيرُ لَهُ أَيْضاً بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ- إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُطْلِعَهُ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ- وَ لَا يُفَاوِضُهُ أَسْرَارَ الْحِكْمَةِ فَعَاشَا بِذَلِكَ زَمَاناً طَوِيلًا- وَ كَانَ الْوَزِيرُ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ سَجَدَ الْأَصْنَامَ- وَ عَظَّمَهَا وَ أَخَذَ شَيْئاً فِي طَرِيقِ الْجَهَالَةِ وَ الضَّلَالَةِ- تَقِيَّةً لَهُ فَأَشْفَقَ الْوَزِيرُ عَلَى الْمَلِكِ مِنْ ذَلِكَ- وَ اهْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَهُ وَ إِخْوَانَهُ- فَقَالُوا لَهُ انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ أَصْحَابِكَ- فَإِنْ رَأَيْتَهُ مَوْضِعاً لِلْكَلَامِ فَكَلِّمْهُ وَ فَاوِضْهُ- وَ إِلَّا فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُعِينُهُ عَلَى نَفْسِكَ وَ تُهَيِّجُهُ عَلَى أَهْلِ دِينِكَ- فَإِنَّ السُّلْطَانَ لَا يَغْتَرُّ بِهِ وَ لَا تُؤْمَنُ سَطْوَتُهُ- فَلَمْ يَزَلِ الْوَزِيرُ عَلَى اهْتِمَامِهِ بِهِ مُصَافِياً لَهُ- رَفِيقاً بِهِ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ فُرْصَةً- فَيَنْصَحَهُ أَوْ يَجِدَ لِلْكَلَامِ مَوْضِعاً فَيُفَاوِضَهُ- وَ كَانَ الْمَلِكُ مَعَ ضَلَالَتِهِ مُتَوَاضِعاً سَهْلًا قَرِيباً- حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ حَرِيصاً عَلَى إِصْلَاحِهِمْ- مُتَفَقِّداً لِأُمُورِهِمْ- فَاصْطَحَبَ الْوَزِيرُ الْمَلِكَ عَلَى هَذَا بُرْهَةً مِنْ زَمَانِهِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ قَالَ لِلْوَزِيرِ- ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي بَعْدَ مَا هَدَأَتِ الْعُيُونُ- هَلْ لَكَ أَنْ تَرْكَبَ فَنَسِيرَ فِي الْمَدِينَةِ فَنَنْظُرَ إِلَى حَالِ النَّاسِ- وَ آثَارِ الْأَمْطَارِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ- فَقَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ فَرَكِبَا جَمِيعاً يَجُولَانِ فِي نَوَاحِي الْمَدِينَةِ- فَمَرَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَلَى مَزْبَلَةٍ تُشْبِهُ الْجَبَلَ- فَنَظَرَ الْمَلِكُ إِلَى ضَوْءِ النَّارِ تَبْدُو فِي نَاحِيَةِ الْمَزْبَلَةِ- فَقَالَ لِلْوَزِيرِ إِنَّ لِهَذِهِ النَّارِ لَقِصَّةً- فَانْزِلْ بِنَا نَمْشِي حَتَّى نَدْنُوَ مِنْهَا- فَنَعْلَمَ خَبَرَهَا فَفَعَلَا ذَلِكَ- فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى مَخْرَجِ الضَّوْءِ وَجَدَا نَقْباً شَبِيهاً بِالْغَارِ- وَ فِيهِ مِسْكِينٌ مِنَ الْمَسَاكِينِ- ثُمَّ نَظَرَا فِي الْغَارِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُمَا الرَّجُلُ- فَإِذَا الرَّجُلُ مُشَوَّهُ الْخَلْقِ- عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُلْقَانٌ مِنْ خُلْقَانِ الْمَزْبَلَةِ- مُتَّكِئٌ عَلَى مُتَّكَإٍ قَدْ هَيَّأَهُ مِنَ الزِّبْلِ- وَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِبْرِيقٌ فَخَّارٌ فِيهِ شَرَابٌ وَ فِي يَدِهِ طُنْبُورٌ- يَضْرِبُ بِيَدِهِ وَ امْرَأَتُهُ فِي مِثْلِ خَلَقِهِ- وَ لِبَاسِهِ قَائِمَةً بَيْنَ يَدَيْهِ تَسْقِيهِ إِذَا اسْتَسْقَى مِنْهَا- وَ تَرْقُصُ لَهُ إِذَا ضَرَبَ وَ تُحَيِّيهِ بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ- كُلَّمَا شَرِبَ وَ هُوَ يُسَمِّيهَا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ- وَ هُمَا يَصِفَانِ أَنْفُسَهُمَا بِالْحُسْنِ وَ الْجَمَالِ- وَ بَيْنَهُمَا مِنَ السُّرُورِ وَ الضَّحِكِ وَ الطَّرَبِ مَا لَا يُوصَفُ- فَقَامَ الْمَلِكُ عَلَى رِجْلَيْهِ مَلِيّاً وَ الْوَزِيرُ يَنْظُرُ كَذَلِكَ- وَ يَتَعَجَّبَانِ مِنْ لَذَّتِهِمَا وَ إِعْجَابِهِمَا بِمَا هُمَا فِيهِ- ثُمَّ انْصَرَفَ الْمَلِكُ وَ الْوَزِيرُ فَقَالَ الْمَلِكُ- مَا أَعْلَمَنِي وَ إِيَّاكَ أَصَابَنَا الدَّهْرُ مِنَ اللَّذَّةِ- وَ السُّرُورِ وَ الْفَرَحِ مِثْلَ مَا أَصَابَ هَذَيْنِ اللَّيْلَةَ- مَعَ أَنِّي أَظُنُّهُمَا يَصْنَعَانِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِثْلَ هَذَا- فَاغْتَنَمَ الْوَزِيرُ ذَلِكَ مِنْهُ وَ وَجَدَ فُرْصَةً فَقَالَ لَهُ- أَخَافُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ يَكُونَ دُنْيَانَا هَذِهِ مِنَ الْغُرُورِ- وَ يَكُونَ مُلْكُكَ وَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْبَهْجَةِ- وَ السُّرُورِ فِي أَعْيُنِ مَنْ يَعْرِفُ الْمَلَكُوتَ- الدَّائِمَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَزْبَلَةِ- وَ مِثْلَ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ اللَّذَيْنِ رَأَيْنَاهُمَا وَ تَكُونَ مَسَاكِنُنَا- وَ مَا شَيَّدْنَا مِنْهَا عِنْدَ مَنْ يَرْجُو مَسَاكِنَ السَّعَادَةِ- وَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ مِثْلَ هَذَا الْغَارِ فِي أَعْيُنِنَا- وَ تَكُونَ أَجْسَادُنَا عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ الطَّهَارَةَ- وَ النَّضَارَةَ وَ الْحُسْنَ وَ الصِّحَّةَ- مِثْلَ جَسَدِ هَذِهِ الْمُشَوَّهِ الْخَلْقِ فِي أَعْيُنِنَا- وَ يَكُونَ تَعَجُّبُهُمْ عَنْ إِعْجَابِنَا بِمَا نَحْنُ فِيهِ- كَتَعَجُّبِنَا مِنْ إِعْجَابِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ بِمَا هُمَا فِيهِ- قَالَ الْمَلِكُ- وَ هَلْ تَعْرِفُ لِهَذِهِ الصِّفَةِ أَهْلًا قَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ- قَالَ الْمَلِكُ مَنْ هُمْ قَالَ الْوَزِيرُ- أَهْلُ الدِّينِ الَّذِينَ عَرَفُوا مُلْكَ الْآخِرَةِ وَ نَعِيمَهَا فَطَلَبُوهُ- قَالَ الْمَلِكُ وَ مَا مُلْكُ الْآخِرَةِ- قَالَ الْوَزِيرُ هُوَ النَّعِيمُ الَّذِي لَا بُؤْسَ بَعْدَهُ- وَ الْغِنَى الَّذِي لَا فَقْرَ بَعْدَهُ- وَ الْفَرَحُ الَّذِي لَا تَرَحَ بَعْدَهُ وَ الصِّحَّةُ الَّتِي لَا سُقْمَ بَعْدَهَا- وَ الرِّضَى الَّذِي لَا سَخَطَ بَعْدَهُ- وَ الْأَمْنُ الَّذِي لَا خَوْفَ بَعْدَهُ وَ الْحَيَاةُ الَّتِي لَا مَوْتَ بَعْدَهَا- وَ الْمُلْكَ الَّذِي لَا زَوَالَ لَهُ- الَّتِي هِيَ دَارُ الْبَقَاءِ وَ دَارُ الْحَيَوَانِ- الَّتِي لَا انْقِطَاعَ لَهَا وَ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا- رَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ سَاكِنِيهَا فِيهَا السُّقْمَ- وَ الْهَرَمَ وَ الشَّقَاءَ وَ النَّصَبَ وَ الْمَرَضَ وَ الْجُوعَ وَ الظَّمَأَ وَ الْمَوْتَ- فَهَذِهِ صِفَةُ مُلْكِ الْآخِرَةِ وَ خَبَرُهَا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَ الْمَلِكُ وَ هَلْ تُدْرِكُونَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ مَطْلَباً- وَ إِلَى دُخُولِهَا سَبِيلًا قَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ- هِيَ مُهَيَّأَةٌ لِمَنْ طَلَبَهَا مِنْ وَجْهِ مَطْلَبِهَا- وَ مَنْ أَتَاهَا مِنْ بَابِهَا ظَفِرَ بِهَا- قَالَ الْمَلِكُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِهَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ- قَالَ الْوَزِيرُ مَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ إِجْلَالُكَ وَ الْهَيْبَةُ لِسُلْطَانِكَ- قَالَ الْمَلِكُ لَئِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي وَصَفْتَ يَقِيناً- فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُضَيِّعَهُ وَ لَا نَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ فِي إِصَابَتِهِ- وَ لَكِنَّا نَجْتَهِدُ حَتَّى يَصِحَّ لَنَا خَبَرُهُ- قَالَ الْوَزِيرُ أَ فَتَأْمُرُنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَنْ أُوَاظِبَ عَلَيْكَ فِي ذِكْرِهِ وَ التَّكْرِيرِ لَهُ- قَالَ الْمَلِكُ بَلْ آمُرُكَ أَنْ لَا تَقْطَعَ عَنِّي لَيْلًا وَ لَا نَهَاراً- وَ لَا تُرِيحَنِي وَ لَا تُمْسِكَ عَنِّي ذِكْرَهُ- فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ لَا يُتَهَاوَنُ بِهِ وَ لَا يُغْفَلُ عَنْ مِثْلِهِ- وَ كَانَ سَبِيلُ ذَلِكَ الْمَلِكِ وَ الْوَزِيرِ إِلَى النَّجَاةِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- مَا أَنَا بِشَاغِلٍ نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ هَذَا السَّبِيلِ- وَ لَقَدْ حَدَّثْتُ نَفْسِي بِالْهَرَبِ مَعَكَ- فِي جَوْفِ اللَّيْلِ حَيْثُ بَدَا لَكَ أَنْ تَذْهَبَ- قَالَ بِلَوْهَرُ وَ كَيْفَ تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ مَعِي- وَ الصَّبْرَ عَلَى صُحْبَتِي وَ لَيْسَ لِي جُحْرٌ يَأْوِينِي- وَ لَا دَابَّةٌ تَحْمِلُنِي وَ لَا أَمْلِكُ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً- وَ لَا أَدَّخِرُ غِذَاءَ الْعِشَاءِ وَ لَا يَكُونُ عِنْدِي فَضْلُ ثَوْبٍ- وَ لَا أَسْتَقِرُّ بِبَلْدَةٍ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَتَحَوَّلَ عَنْهَا- وَ لَا أَتَزَوَّدُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى رَغِيفاً أَبَداً- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ يُقَوِّيَنِي الَّذِي قَوَّاكَ- قَالَ بِلَوْهَرُ أَمَا إِنَّكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا صُحْبَتِي- كُنْتَ خَلِيقاً أَنْ تَكُونَ كَالْفَتَى الَّذِي صَاهَرَ الْفَقِيرَ- قَالَ يُوذَاسُفُ وَ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ قَالَ بِلَوْهَرُ- زَعَمُوا أَنَّ فَتًى كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَغْنِيَاءِ- فَأَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ ذَاتَ جَمَالٍ وَ مَالٍ- فَلَمْ يُوَافِقْ ذَلِكَ الْفَتَى وَ لَمْ يُطْلِعْ أَبَاهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ- حَتَّى خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُتَوَجِّهاً إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى- فَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى جَارِيَةٍ عَلَيْهَا ثِيَابٌ خُلْقَانٌ لَهَا- قَائِمَةٍ عَلَى بَابِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْمَسَاكِينِ فَأَعْجَبَتْهُ الْجَارِيَةُ- فَقَالَ لَهَا مَنْ أَنْتِ أَيَّتُهَا الْجَارِيَةُ- قَالَتِ ابْنَةُ شَيْخٍ كَبِيرٍ فِي هَذَا الْبَيْتِ- فَنَادَى الْفَتَى الشَّيْخَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ- هَلْ تُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ هَذِهِ- قَالَ مَا أَنْتَ بِمُتَزَوِّجٍ لِبَنَاتِ الْفُقَرَاءِ- وَ أَنْتَ فَتًى مِنَ الْأَغْنِيَاءِ قَالَ أَعْجَبَتْنِي هَذِهِ الْجَارِيَةُ- وَ لَقَدْ خَرَجْتُ هَارِباً مِنِ امْرَأَةٍ ذَاتِ حَسَبٍ وَ مَالٍ- أَرَادُوا مِنِّي تَزْوِيجَهَا- فَكَرِهْتُهَا فَزَوِّجْنِي ابْنَتَكَ- فَإِنَّكَ وَاجِدٌ عِنْدِي خَيْراً إِنْ شَاءَ اللَّهُ- قَالَ الشَّيْخُ كَيْفَ أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي- وَ نَحْنُ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُنَا أَنْ تَنْقُلَهَا عَنَّا- وَ لَا أَحْتَسِبُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَكَ يَرْضَوْنَ أَنْ تَنْقُلَهَا إِلَيْهِمْ- قَالَ الْفَتَى فَنَحْنُ مَعَكُمْ فِي مَنْزِلِكُمْ هَذَا- قَالَ الشَّيْخُ إِنْ صَدَقْتَ فِيمَا تَقُولُ- فَاطْرَحْ عَنْكَ زِيَّكَ وَ حِلْيَتَكَ هَذِهِ- قَالَ فَفَعَلَ الْفَتَى ذَلِكَ- وَ أَخَذَ أَطْمَاراً رَثَّةً مِنْ أَطْمَارِهِمْ فَلَبِسَهَا وَ قَعَدَ مَعَهُمْ- فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ شَأْنِهِ وَ عَرَضَ لَهُ بِالْحَدِيثِ- حَتَّى فَتَّشَ عَقْلَهُ فَعَرَفَ أَنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ- وَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى مَا صَنَعَ السَّفَهُ- فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَمَّا إِذَا اخْتَرْتَنَا وَ رَضِيتَ بِنَا- فَقُمْ مَعِي إِلَى هَذَا السَّرْبِ- فَأَدْخَلَهُ فَإِذَا خَلْفَ مَنْزِلِهِ بُيُوتٌ- وَ مَسَاكِنُ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ سَعَةً وَ حُسْناً- وَ لَهُ خَزَائِنُ مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ- ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَهُ- وَ قَالَ إِنَّ كُلَّ مَا هَاهُنَا لَكَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا أَحْبَبْتَ- فَنِعْمَ الْفَتَى أَنْتَ وَ أَصَابَ الْفَتَى مَا كَانَ يُرِيدُهُ- قَالَ يُوذَاسُفُ- إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَ هَذَا الْمَثَلِ- إِنَّ الشَّيْخَ فَتَّشَ عَقْلَ هَذَا الْغُلَامِ حَتَّى وَثِقَ بِهِ- فَلَعَلَّكَ تَطَوَّلُ بِي عَلَى تَفْتِيشِ عَقْلِي فَأَعْلِمْنِي مَا عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ- قَالَ الْحَكِيمُ لَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَيَّ- لَاكْتَفَيْتُ مِنْكَ بِأَدْنَى الْمُشَافَهَةِ وَ لَكِنَّ فَوْقَ رَأْسِي سُنَّةً- قَدْ سَنَّهَا أَئِمَّةُ الْهُدَى فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي التَّوْفِيقِ- وَ عِلْمِ مَا فِي الصُّدُورِ- فَإِنِّي أَخَافُ إِنْ خَالَفْتُ السُّنَّةَ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَحْدَثْتُ بِدْعَةً- وَ أَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْكَ اللَّيْلَةَ وَ حَاضِرٌ بَابَكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ- فَفَكِّرْ فِي نَفْسِكَ بِهَذَا وَ اتَّعِظْ بِهِ وَ لْيَحْضُرْكَ فَهْمُكَ وَ تَثْبُتُ- وَ لَا تُعَجِّلْ بِالتَّصْدِيقِ لِمَا يُورِدُهُ عَلَيْكَ هَمُّكَ- حَتَّى تَعْلَمَهُ بَعْدَ التُّؤَدَةِ وَ الْأَنَاةِ- وَ عَلَيْكَ بِالاحْتِرَاسِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَغْلِبَكَ الْهَوَى- وَ الْمَيْلُ إِلَى الشُّبْهَةِ وَ الْعَمَى- وَ اجْتَهِدْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَظُنُّ أَنَّ فِيهَا شُبْهَةً- ثُمَّ كَلِّمْنِي فِيهَا وَ أَعْلِمْنِي رَأْيَكَ فِي الْخُرُوجِ إِذَا أَرَدْتَ- وَ افْتَرَقَا عَلَى هَذَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ- ثُمَّ عَادَ الْحَكِيمُ إِلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ دَعَا لَهُ- ثُمَّ جَلَسَ فَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ أَنْ قَالَ- أَسْأَلُ اللَّهَ الْأَوَّلَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ- وَ الْآخِرَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ- وَ الْبَاقِيَ الَّذِي لَا فَنَاءَ لَهُ وَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا مُنْتَهَى لَهُ- وَ الْوَاحِدَ الْفَرْدَ الصَّمَدَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَ الْقَاهِرَ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ- الْبَدِيعَ الَّذِي لَا خَالِقَ مَعَهُ- الْقَادِرَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ الصَّمَدَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نِدٌّ- الْمَلِكَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ أَنْ يَجْعَلَكَ مَلِكاً عَدْلًا- إِمَاماً فِي الْهُدَى قَائِداً إِلَى التَّقْوَى- وَ مُبْصِراً مِنَ الْعَمَى وَ زَاهِداً فِي الدُّنْيَا- وَ مُحِبّاً لِذَوِي النُّهَى وَ مُبْغِضاً لِأَهْلِ الرَّدَى- حَتَّى يُفْضِيَ بِنَا وَ بِكَ إِلَى مَا وَعَدَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ- عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ مِنْ جَنَّتِهِ وَ رِضْوَانِهِ- فَإِنَّ رَغْبَتَنَا إِلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ سَاطِعَةٌ- وَ رَهْبَتَنَا مِنْهُ بَاطِنَةٌ وَ أَبْصَارَنَا إِلَيْهِ شَاخِصَةٌ- وَ أَعْنَاقَنَا لَهُ خَاضِعَةٌ وَ أُمُورَنَا إِلَيْهِ صَائِرَةٌ- فَرَقَّ ابْنُ الْمَلِكِ لِذَلِكَ الدُّعَاءِ رِقَّةً شَدِيدَةً- وَ ازْدَادَ فِي الْخَيْرِ رَغْبَةً وَ قَالَ مُتَعَجِّباً مِنْ قَوْلِهِ- أَيُّهَا الْحَكِيمُ أَعْلِمْنِي كَمْ أَتَى لَكَ مِنَ الْعُمُرِ- فَقَالَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً فَارْتَاعَ لِذَلِكَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ قَالَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً طِفْلٌ- وَ أَنْتَ مَعَ مَا أَرَى مِنَ التَّكَهُّلِ كَابْنِ سِتِّينَ سَنَةً- قَالَ الْحَكِيمُ أَمَّا الْمَوْلِدُ فَقَدْ رَاهَقَ السِّتِّينَ سَنَةً- وَ لَكِنَّكَ سَأَلْتَنِي عَنِ الْعُمُرِ وَ إِنَّمَا الْعُمُرُ الْحَيَاةُ- وَ لَا حَيَاةَ إِلَّا فِي الدِّينِ وَ الْعَمَلِ بِهِ- وَ التَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيَا- وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِي إِلَّا مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً- فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنِّي كُنْتُ مَيِّتاً- وَ لَسْتُ أَعْتَدُّ فِي عُمُرِي بِأَيَّامِ الْمَوْتِ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- كَيْفَ تَجْعَلُ الْآكِلَ وَ الشَّارِبَ وَ الْمُتَقَلِّبَ مَيِّتاً- قَالَ الْحَكِيمُ لِأَنَّهُ شَارَكَ الْمَوْتَى فِي الْعَمَى وَ الصَّمِّ وَ الْبَكَمِ- وَ ضَعْفِ الْحَيَاةِ وَ قِلَّةِ الْغِنَى- فَلَمَّا شَارَكَهُمْ فِي الصِّفَةِ وَافَقَهُمْ فِي الِاسْمِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ لَئِنْ كُنْتَ لَا تَعُدُّ حَيَاتَكَ تِلْكَ حَيَاةً- وَ لَا غِبْطَةً مَا يَنْبَغِي لَكَ- أَنْ تَعُدَّ مَا تَتَوَقَّعُ مِنَ الْمَوْتِ مَوْتاً وَ لَا تَرَاهُ مَكْرُوهاً- قَالَ الْحَكِيمُ تَغْرِيرِي فِي الدُّخُولِ عَلَيْكَ بِنَفْسِي- يَا ابْنَ الْمَلِكِ مَعَ عِلْمِي لِسَطْوَةِ أَبِيكَ عَلَى أَهْلِ دِينِي- يَدُلُّكَ عَلَى أَنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ مَوْتاً- وَ لَا أَرَى هَذِهِ الْحَيَاةَ حَيَاةً وَ لَا مَا أَتَوَقَّعُ مِنَ الْمَوْتِ مَكْرُوهاً- فَكَيْفَ يَرْغَبُ فِي الْحَيَاةِ مَنْ قَدْ تَرَكَ حَظَّهُ مِنْهَا- أَوْ يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ أَمَاتَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ- أَ وَ لَا تَرَى يَا ابْنَ الْمَلِكِ أَنَّ صَاحِبَ الدِّينِ- قَدْ رَفَضَ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ وَ مَا لَا يَرْغَبُ فِيهَا إِلَّا لَهُ- وَ احْتَمَلَ مِنْ نَصَبِ الْعِبَادَةِ مَا لَا يُرِيحُهُ مِنْهُ إِلَّا الْمَوْتُ- فَمَا حَاجَةُ مَنْ لَا يَتَمَتَّعُ بِلَذَّةِ الْحَيَاةِ إِلَى الْحَيَاةِ- أَوْ يَهْرُبُ مَنْ لَا رَاحَةَ لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْتِ مِنَ الْمَوْتِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- فَهَلْ يَسُرُّكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ مِنْ غَدٍ- قَالَ الْحَكِيمُ- بَلْ يَسُرُّنِي أَنْ يَنْزِلَ بِيَ اللَّيْلَةَ دُونَ غَدٍ- فَإِنَّهُ مَنْ عَرَفَ السَّيِّئَ وَ الْحَسَنَ- وَ عَرَفَ ثَوَابَهُمَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ تَرَكَ السَّيِّئَ مَخَافَةَ عِقَابِهِ- وَ عَمِلَ الْحَسَنَ رَجَاءَ ثَوَابِهِ- وَ مَنْ كَانَ مُوقِناً بِاللَّهِ وَحْدَهُ مُصَدِّقاً بِوَعْدِهِ- فَإِنَّهُ يُحِبُّ الْمَوْتَ لِمَا يَرْجُو بَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الرَّخَاءِ- وَ يَزْهَدُ فِي الْحَيَاةِ لِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ الدُّنْيَا- وَ الْمَعْصِيَةِ لِلَّهِ فِيهَا فَهُوَ يُحِبُّ الْمَوْتَ مُبَادِرَةً مِنْ ذَلِكَ- فَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنَّ هَذَا لَخَلِيقٌ أَنْ يُبَادِرَ الْهَلَكَةَ- لِمَا يَرْجُو فِي ذَلِكَ مِنَ النَّجَاةِ- فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ أُمَّتِنَا هَذِهِ وَ عُكُوفِهَا عَلَى أَصْنَامِهَا- قَالَ الْحَكِيمُ إِنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَعْمُرُهُ- وَ يُحْسِنُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ- إِذْ رَأَى فِي بُسْتَانِهِ ذَاتَ يَوْمٍ عُصْفُوراً وَاقِعاً- عَلَى شَجَرَةٍ مِنْ شَجَرَةِ الْبُسْتَانِ يُصِيبُ مِنْ ثَمَرِهَا- فَغَاضَهُ ذَلِكَ فَنَصَبَ فَخّاً فَصَادَهُ- فَلَمَّا هَمَّ بِذَبْحِهِ- أَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِقُدْرَتِهِ- فَقَالَ لِصَاحِبِ الْبُسْتَانِ إِنَّكَ تَهْتَمُّ بِذَبْحِي- وَ لَيْسَ فِيَّ مَا يُشْبِعُكَ مِنْ جُوعٍ- وَ لَا يُقَوِّيكَ مِنْ ضَعْفٍ فَهَلْ لَكَ فِيَّ خَيْرٌ عَمَّا هَمَمْتَ بِهِ- قَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ قَالَ الْعُصْفُورُ- تُخَلِّي سَبِيلِي وَ أُعَلِّمُكَ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ- إِنْ أَنْتَ حَفِظْتَهُنَّ كُنَّ خَيْراً لَكَ مِنْ أَهْلٍ وَ مَالٍ هُوَ لَكَ- قَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ- قَالَ الْعُصْفُورُ احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ- لَا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ وَ لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ- وَ لَا تَطْلُبَنَّ مَا لَا تُطِيقُ فَلَمَّا قَضَى الْكَلِمَاتِ خَلَّى سَبِيلَهُ- فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى بَعْضِ الْأَشْجَارِ- ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ لَوْ تَعْلَمُ مَا فَاتَكَ مِنِّي لَعَلِمْتَ- أَنَّكَ قَدْ فَاتَكَ مِنِّي عَظِيمٌ جَسِيمٌ مِنَ الْأَمْرِ- فَقَالَ الرَّجُلُ وَ مَا ذَاكَ قَالَ الْعُصْفُورُ- لَوْ كُنْتَ قَضَيْتَ عَلَى مَا هَمَمْتَ بِهِ مِنْ ذَبْحِي- لَاسْتَخْرَجْتَ مِنْ حَوْصَلَتِي دُرَّةً كَبَيْضَةِ الْإِوَزَّةِ- فَكَانَ لَكَ فِي ذَلِكَ غِنَى الدَّهْرِ- فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ مِنْهُ ذَلِكَ أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ نَدَماً عَلَى مَا فَاتَهُ- وَ قَالَ دَعْ عَنْكَ مَا مَضَى وَ هَلُمَّ أَنْطَلِقْ بِكَ إِلَى مَنْزِلِي- فَأُحَسِّنَ صُحْبَتَكَ وَ أُكْرِمَ مَثْوَاكَ فَقَالَ لَهُ الْعُصْفُورُ- أَيُّهَا الْجَاهِلُ مَا أَرَاكَ حَفِظْتَنِي إِذَا ظَفِرْتَ بِي- وَ لَا انْتَفَعْتَ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي افْتَدَيْتُ بِهَا مِنْكَ نَفْسِي- أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكَ أَلَّا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ- وَ لَا تُصَدِّقَ مَا لَا يَكُونُ وَ لَا تَطْلُبَ مَا لَا يُدْرَكُ- أَمَّا أَنْتَ مُتَفَجِّعٌ عَلَى مَا فَاتَكَ- وَ تَلْتَمِسُ مِنِّي رَجْعَتِي إِلَيْكَ وَ تَطْلُبُ مَا لَا تُدْرِكُ- وَ تُصَدِّقُ- أَنَّ فِي حَوْصَلَتِي دُرَّةً كَبَيْضَةِ الْإِوَزَّةِ- وَ جَمِيعِي أَصْغَرُ مِنْ بَيْضِهَا- وَ قَدْ كُنْتُ عَهِدْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تُصَدِّقَ بِمَا لَا يَكُونُ- وَ إِنَّ أُمَّتَكُمْ صَنَعُوا أَصْنَامَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ- ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي خَلَقَتْهُمْ- وَ حَفِظُوهَا مِنْ أَنْ تُسْرَقَ مَخَافَةً عَلَيْهَا- وَ زَعَمُوا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْفَظُهُمْ- وَ أَنْفَقُوا عَلَيْهَا مِنْ مَكَاسِبِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ- وَ زَعَمُوا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَرْزُقُهُمْ فَطَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُدْرَكُ- وَ صَدَّقُوا بِمَا لَا يَكُونُ فَلَزِمَهُمْ مِنْهُ مَا لَزِمَ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَمَّا الْأَصْنَامُ- فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ عَارِفاً بِأَمْرِهَا زَاهِداً فِيهَا- آيِساً مِنْ خَيْرِهَا فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ- وَ الَّذِي ارْتَضَيْتَهُ لِنَفْسِكَ مَا هُوَ- قَالَ بِلَوْهَرُ جِمَاعُ الدِّينِ أَمْرَانِ- أَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْآخَرُ الْعَمَلُ بِرِضْوَانِهِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ وَ كَيْفَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ الْحَكِيمُ- أَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ- لَمْ يَزَلْ فَرْداً رَبّاً وَ مَا سِوَاهُ مَرْبُوبٌ- وَ أَنَّهُ خَالِقٌ …

بحار الأنوار — كتاب الروضة · قصة بلوهر و يوذاسف

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.