أُمَّتُهُ وَ كَانَ بِامْرَأَةٍ لَهُ حَمْلٌ- فَذَكَرَ الْمُنَجِّمُونَ وَ الْكَهَنَةُ أَنَّهُ غُلَامٌ وَ كَانَ يُدَبِّرُ مُلْكَهُمْ مَنْ كَانَ يَلِي ذَلِكَ فِي زَمَانِ مُلْكِهِمْ- فَاتَّفَقَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُنَجِّمُونَ وَ الْكَهَنَةُ- وَ وُلِدَ مِنْ ذَلِكَ الْحَمْلِ غُلَامٌ- فَأَقَامُوا عِنْدَ مِيلَادِهِ سَنَةً بِالْمَعَازِفِ- وَ الْمَلَاهِي وَ الْأَشْرِبَةِ وَ الْأَطْعِمَةِ- ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْهُمْ- وَ الْفِقْهِ وَ الرَّبَّانِيِّينَ قَالُوا لِعَامَّتِهِمْ- إِنَّ هَذَا الْمَوْلُودَ إِنَّمَا هُوَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى- وَ قَدْ جَعَلْتُمُ الشُّكْرَ لِغَيْرِهِ- وَ إِنْ كَانَ هِبَةً مِنْ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَدْ أَدَّيْتُمُ الْحَقَّ إِلَى مَنْ أَعْطَاكُمُوهُ- وَ اجْتَهَدْتُمْ فِي الشُّكْرِ لِمَنْ رَزَقَكُمُوهُ فَقَالَ لَهُمُ الْعَامَّةُ- مَا وَهَبَهُ لَنَا إِلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ لَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْنَا غَيْرُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ- فَإِنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ الَّذِي وَهَبَهُ لَكُمْ- فَقَدْ أَرْضَيْتُمْ غَيْرَ الَّذِي أَعْطَاكُمُ- وَ أَسْخَطْتُمُ اللَّهَ الَّذِي وَهَبَهُ لَكُمْ فَقَالَتْ لَهُمُ الرَّعِيَّةُ- فَأَشِيرُوا لَنَا أَيُّهَا الْحُكَمَاءُ وَ أَخْبِرُونَا أَيُّهَا الْعُلَمَاءُ فَنَتَّبِعَ قَوْلَكُمْ وَ نَتَقَبَّلَ نَصِيحَتَكُمْ- وَ مُرُونَا بِأَمْرِكُمْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ فَإِنَّا نَرَى لَكُمْ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ اتِّبَاعِ مَرْضَاةِ الشَّيْطَانِ- بِالْمَعَازِفِ وَ الْمَلَاهِي وَ الْمُسْكِرِ- إِلَى ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ شُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ أَضْعَافَ شُكْرِكُمُ الشَّيْطَانَ- حَتَّى يُغْفَرَ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْكُمْ- قَالَتِ الرَّعِيَّةُ- لَا تَحْمِلُ أَجْسَادُنَا كُلَّ الَّذِي قُلْتُمْ وَ أَمَرْتُمْ بِهِ- قَالَتِ الْعُلَمَاءُ يَا أُولِي الْجَهْلِ- كَيْفَ أَطَعْتُمْ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْكُمْ- وَ تَعْصُونَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ- وَ كَيْفَ قَوِيتُمْ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي وَ تَضْعُفُونَ عَمَّا يَنْبَغِي- قَالُوا لَهُمْ يَا أَئِمَّةَ الْحُكَمَاءِ عَظُمَتْ فِينَا الشَّهَوَاتُ- وَ كَثُرَتْ فِينَا اللَّذَّاتُ فَقَوِينَا بِمَا عَظُمَ فِينَا- مِنْهَا عَلَى الْعَظِيمِ مِنْ مُشْكِلِهَا وَ ضَعُفَتْ مِنَّا النِّيَّاتُ- فَعَجَزْنَا عَنْ حَمْلِ الْمُثْقِلَاتِ- فَارْضَوْا مِنَّا فِي الرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ يَوْماً فَيَوْماً- وَ لَا تُكَلِّفُونَا كُلَّ هَذَا الثَّقَلِ- قَالُوا لَهُمْ يَا مَعْشَرَ السُّفَهَاءِ أَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْجَهْلِ- وَ إِخْوَانَ الضَّلَالِ حِينَ خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الشِّقْوَةُ- وَ ثَقُلَتْ عَلَيْكُمُ السَّعَادَةُ قَالُوا لَهُمْ- أَيُّهَا السَّادَةُ الْحُكَمَاءُ وَ الْقَادَةُ الْعُلَمَاءُ- إِنَّا نَسْتَجِيرُ مِنْ تَعْنِيفِكُمْ إِيَّانَا بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ نَسْتَتِرُ مِنْ تَعْيِيرِكُمْ لَنَا بِعَفْوِهِ فَلَا تُؤَنِّبُونَا- وَ لَا تُعَيِّرُونَا بِضَعْفِنَا وَ لَا تَعِيبُوا الْجَهَالَةَ عَلَيْنَا- فَإِنَّا إِنْ أَطَعْنَا اللَّهَ مَعَ عَفْوِهِ وَ حِلْمِهِ وَ تَضْعِيفِهِ الْحَسَنَاتِ- أَوِ اجْتَهَدْنَا فِي عِبَادَتِهِ- مِثْلَ الَّذِي بَذَلْنَا لِهَوَانَا مِنَ الْبَاطِلِ بَلَغْنَا حَاجَتَنَا- وَ بَلَّغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِنَا غَايَتَنَا وَ رَحِمَنَا كَمَا خَلَقَنَا- فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أَقَرَّهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَ رَضُوا قَوْلَهُمْ- فَصَلُّوا وَ صَامُوا وَ تَعَبَّدُوا وَ أَعْظَمُوا الصَّدَقَاتِ سَنَةً كَامِلَةً- فَلَمَّا انْقَضَى ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَتِ الْكَهَنَةُ- إِنَّ الَّذِي صَنَعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى هَذَا الْمَوْلُودِ يُخْبِرُ- أَنَّ هَذَا الْمَلِكَ يَكُونُ فَاجِراً وَ يَكُونُ بَارّاً- وَ يَكُونُ مُتَجَبِّراً وَ يَكُونُ مُتَوَاضِعاً- وَ يَكُونُ مُسِيئاً وَ يَكُونُ مُحْسِناً وَ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ مِثْلَ ذَلِكَ- فَقِيلَ لَهُمْ كَيْفَ قُلْتُمْ ذَلِكَ- قَالَ الْكَهَنَةُ قُلْنَا هَذَا مِنْ قِبَلِ اللَّهْوِ- وَ الْمَعَازِفِ وَ الْبَاطِلِ الَّذِي صُنِعَ عَلَيْهِ- وَ مَا صُنِعَ عَلَيْهِ مِنْ ضِدِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ- وَ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ- قُلْنَا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اسْتِقَامَةِ الزُّهَرَةِ وَ الْمُشْتَرِي- فَنَشَأَ الْغُلَامُ بِكِبْرٍ- لَا يُوصَفُ عَظَمَتُهُ وَ مَرَحٍ لَا يُنْعَتُ- وَ عُدْوَانٍ لَا يُطَاقُ فَعَسَفَ وَ جَارَ وَ ظَلَمَ فِي الْحُكْمِ- وَ غَشَمَ وَ كَانَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ- وَ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيْهِ مَنْ خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ- وَ اغْتَرَّ بِالشَّبَابِ وَ الصِّحَّةِ وَ الْقُدْرَةِ- وَ الظَّفَرِ وَ النَّظَرِ فَامْتَلَأَ سُرُوراً- وَ إِعْجَاباً بِمَا هُوَ فِيهِ وَ رَأَى كُلَّمَا يُحِبُّهُ وَ سَمِعَ- كُلَّمَا اشْتَهَى حَتَّى بَلَغَ اثْنَتَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً- ثُمَّ جَمَعَ نِسَاءً مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ وَ صِبْيَاناً- وَ الْجَوَارِيَ وَ الْمُخَدَّرَاتِ وَ خَيْلَهُ الْمُطَهَّمَاتِ الْعَنَاقَ- وَ أَلْوَانَ مَرَاكِبِهِ الْفَاخِرَةِ وَ وَصَائِفَهُ- وَ خُدَّامَهُ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي خِدْمَتِهِ- فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْبَسُوا أَجَدَّ ثِيَابِهِمْ وَ يَتَزَيَّنُوا بِأَحْسَنِ زِينَتِهِمْ- وَ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَجْلِسٍ مُقَابِلَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ- صَفَائِحُ أَرْضِهِ الذَّهَبُ مُفَضَّضاً بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ- طُولُهُ مِائَةٌ وَ عِشْرُونَ ذِرَاعاً- وَ عَرْضُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً مُزَخْرَفاً سَقْفُهُ وَ حِيطَانُهُ- قَدْ زُيِّنَ بِكَرَائِمِ الْحُلِيِّ وَ صُنُوفِ الْجَوْهَرِ- وَ اللُّؤْلُؤِ النَّظِيمِ وَ فَاخِرِهِ- وَ أَمَرَ بِضُرُوبِ الْأَمْوَالِ فَأُخْرِجَتْ مِنَ الْخَزَائِنِ- وَ نُضِّدَتْ سِمَاطَيْنِ أَمَامَ مَجْلِسِهِ- وَ أَمَرَ جُنُودَهُ وَ أَصْحَابَهُ وَ قُوَّادَهُ وَ كُتَّابَهُ وَ حُجَّابَهُ- وَ عُظَمَاءَ أَهْلِ بِلَادِهِ وَ عُلَمَاءَهُمْ فَحَضَرُوا فِي أَحْسَنِ هَيْئَتِهِمْ- وَ أَجْمَلِ جَمَالِهِمْ وَ تَسَلَّحَ فُرْسَانُهُ وَ رَكِبَتْ خُيُولُهُ فِي عُدَّتِهِمْ- ثُمَّ وَقَفُوا عَلَى مَرَاكِزِهِمْ وَ مَرَاتِبِهِمْ صُفُوفاً وَ كَرَادِيسَ- وَ إِنَّمَا أَرَادَ بِزَعْمِهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْظَرٍ رَفِيعٍ- حَسَنٍ تُسَرُّ بِهِ نَفْسُهُ وَ تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ- ثُمَّ خَرَجَ فَصَعِدَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَأَشْرَفَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ- فَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً فَقَالَ لِبَعْضِ غِلْمَانِهِ- قَدْ نَظَرْتُ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِي إِلَى مَنْظَرٍ حَسَنٍ- وَ بَقِيَ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى صُورَةِ وَجْهِي فَدَعَا بِمِرْآةٍ- فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَقْلِبُ طَرْفَهُ فِيهَا- إِذْ لَاحَتْ لَهُ شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ لِحْيَتِهِ- كَغُرَابٍ أَبْيَضَ بَيْنَ غِرْبَانٍ سُودٍ- وَ اشْتَدَّ مِنْهَا ذُعْرُهُ وَ فَزَعُهُ وَ تَغَيَّرَ فِي عَيْنِهِ حَالَةٌ- وَ ظَهَرَتِ الْكَآبَةُ وَ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ وَ تَوَلَّى السُّرُورُ مِنْهُ- ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسِهِ هَذَا حِينٌ نَعَى إِلَيَّ شَبَابِي وَ بَيَّنَ لِي أَنَّ مُلْكِي فِي ذَهَابٍ- وَ أُوذِنْتُ بِالنُّزُولِ عَنْ سَرِيرِ مُلْكِي ثُمَّ قَالَ هَذِهِ مُقَدِّمَةُ الْمَوْتِ- وَ رَسُولُ الْبَلَاءِ لَمْ يَحْجُبْهُ عَنِّي حَاجِبٌ- وَ لَمْ يَمْنَعْهُ- عَنِّي حَارِسٌ- فَنَعَى إِلَى نَفْسِي وَ أَذَّنَ لِي بِزَوَالِ مُلْكِي- فَمَا أَسْرَعَ هَذَا فِي تَبْدِيلِ بَهْجَتِي وَ ذَهَابِ سُرُورِي- وَ هَدْمِ قُوَّتِي لَمْ يَمْنَعْهُ مِنِّي الْحُصُونُ وَ لَمْ تَدْفَعْهُ عَنِّي الْجُنُودُ- هَذَا سَالِبُ الشَّبَابِ وَ الْقُوَّةِ- وَ مَاحِقُ الْعِزِّ وَ الثَّرْوَةِ وَ مُفَرِّقُ الشَّمْلِ- وَ قَاسِمُ التُّرَاثِ بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ وَ الْأَعْدَاءِ مُفْسِدُ الْمَعَاشِ- وَ مُنَغِّصُ اللَّذَّاتِ وَ مُخَرِّبُ الْعِمَارَاتِ وَ مُشَتِّتُ الْجَمْعِ- وَ وَاضِعُ الرَّفِيعِ وَ مُذِلُّ الْمَنِيعِ- قَدْ أَنَاخَتْ بِي أَثْقَالُهُ وَ نَصَبَ لِي حِبَالَهُ- ثُمَّ نَزَلَ عَنْ مَجْلِسِهِ حَافِياً مَاشِياً وَ قَدْ صَعِدَ إِلَيْهِ مَحْمُولًا- ثُمَّ جَمَعَ إِلَيْهِ جُنُودَهُ وَ دَعَا إِلَيْهِ ثِقَاتَهُ- فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا ذَا صَنَعْتُ فِيكُمْ- وَ مَا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ مُنْذُ مَلَكْتُكُمْ وَ وُلِّيتُ أُمُورَكُمْ- قَالُوا لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ عَظُمَ بَلَاؤُكَ عِنْدَنَا- وَ هَذِهِ أَنْفُسُنَا مَبْذُولَةً فِي طَاعَتِكَ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ- قَالَ طَرَقَنِي عَدُوٌّ نَحِيفٌ لَمْ تَمْنَعُونِي مِنْهُ- حَتَّى نَزَلَ بِي وَ كُنْتُمْ عُدَّتِي وَ ثِقَاتِي- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَيْنَ هَذَا الْعَدُوُّ أَ يُرَى أَمْ لَا يُرَى- قَالَ يُرَى بِأَثَرٍ وَ لَا يُرَى عَيْنُهُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ هَذِهِ عُدَّتُنَا كَمَا تَرَى- وَ عِنْدَنَا سَكَنٌ وَ فِينَا ذَوُو الْحِجَى وَ النُّهَى- فَأَرِنَاهُ نَكْفِكَ مَا مِثْلُهُ يُكْفَى قَالَ قَدْ عَظُمَ الِاغْتِرَارُ مِنِّي بِكُمْ- وَ وَضَعْتُ الثِّقَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا حِينَ اتَّخَذْتُكُمْ- وَ جَعَلْتُكُمْ لِنَفْسِي جُنَّةً- وَ إِنَّمَا بَذَلْتُ لَكُمُ الْأَمْوَالَ وَ رَفَعْتُ شَرَفَكُمْ- وَ جَعَلْتُكُمُ الْبِطَانَةَ دُونَ غَيْرِكُمْ- لِتَحْفَظُونِي مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ تَحْرُسُونِي مِنْهُمْ- ثُمَّ أَيَّدْتُكُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَشْيِيدِ الْبُلْدَانِ- وَ تَحْصِينِ الْمَدَائِنِ وَ الثِّقَةِ مِنَ الصَّلَاحِ- وَ نَحَّيْتُ عَنْكُمُ الْهُمُومَ وَ فَرَّغْتُكُمْ لِلنَّجْدَةِ وَ الِاحْتِفَاظِ- وَ لَمْ أَكُنْ أَخْشَى أَنْ أُرَاعَ مَعَكُمْ- وَ لَا أَتَخَوَّفُ الْمَنُونَ عَلَى بُنْيَانِي- وَ أَنْتُمْ عُكُوفٌ مُطِيفُونَ بِهِ فَطُرِقْتُ- وَ أَنْتُمْ حَوْلِي وَ أُتِيتُ وَ أَنْتُمْ مَعِي- فَلَئِنْ كَانَ هَذَا ضعف [ضَعْفاً مِنْكُمْ فَمَا أَخَذْتُ أَمْرِي بِثِقَةٍ- وَ إِنْ كَانَتْ غَفْلَةً مِنْكُمْ فَمَا أَنْتُمْ بِأَهْلِ النَّصِيحَةِ- وَ لَا عَلَيَّ بِأَهْلِ الشَّفَقَةِ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَمَّا شَيْءٌ نُطِيقُ دَفْعَهُ بِالْخَيْلِ وَ الْقُوَّةِ- فَلَيْسَ بِوَاصِلٍ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ نَحْنُ أَحْيَاءٌ- وَ أَمَّا مَا لَا يُرَى فَقَدْ غُيِّبَ عَنَّا عِلْمُهُ وَ عَجَزَتْ قُوَّتُنَا عَنْهُ- قَالَ أَ لَيْسَ اتَّخَذْتُكُمْ لِتَمْنَعُونِي مِنْ عَدُوِّي قَالُوا بَلَى- قَالَ فَمِنْ أَيِّ عَدُوٍّ تَحْفَظُونِي مِنَ الَّذِي يَضُرُّنِي- أَوْ مِنَ الَّذِي لَا يَضُرُّنِي قَالُوا مِنَ الَّذِي يَضُرُّكَ- قَالَ أَ فَمِنْ كُلِّ ضَارٍّ لِي أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ قَالُوا مِنْ كُلِّ ضَارٍّ- قَالَ فَإِنَّ رَسُولَ الْبِلَى قَدْ أَتَانِي يَنْعَى إِلَى نَفْسِي وَ مُلْكِي- وَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُرِيدُ خَرَابَ مَا عُمِّرْتُ- وَ هَدْمَ مَا بَنَيْتُ وَ تَفْرِيقَ مَا جَمَعْتُ- وَ فَسَادَ مَا أَصْلَحْتُ- وَ تَبْذِيرَ مَا أَحْرَزْتُ- وَ تَبْدِيلَ مَا عَمِلْتُ وَ تَوْهِينَ مَا وَثِقْتُ- وَ زَعَمَ أَنَّ مَعَهُ الشَّمَاتَةَ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ قَدْ قَرَّتْ بِي أَعْيُنُهُمْ- فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنِّي شِفَاءَ صُدُورِهِمْ- وَ ذَكَرَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جَيْشِي وَ يُوحِشُ أُنْسِي- وَ يُذْهِبُ عِزِّي وَ يؤتم [يُوتِمُ وُلْدِي وَ يُفَرِّقُ جُمُوعِي- وَ يُفْجِعُ بِي إِخْوَانِي وَ أَهْلِي وَ قَرَابَتِي- وَ يَقْطَعُ أَوْصَالِي وَ يُسْكِنُ مَسَاكِنَ أَعْدَائِي- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّمَا نَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ- وَ السِّبَاعِ وَ الْهَوَامِّ وَ دَوَابِّ الْأَرْضِ- فَأَمَّا الْبَلَاءُ فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ- وَ لَا قُوَّةَ لَنَا عَلَيْهِ وَ لَا امْتِنَاعَ لَنَا مِنْهُ- فَقَالَ فَهَلْ مِنْ حِيلَةٍ فِي دَفْعِ ذَلِكَ مِنِّي قَالُوا لَا- قَالَ فَشَيْءٌ دُونَ ذَلِكَ تُطِيقُونَهُ قَالُوا وَ مَا هُوَ- قَالَ الْأَوْجَاعُ وَ الْأَحْزَانُ وَ الْهُمُومُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّمَا قَدْ قَدَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قَوِيٌّ لَطِيفٌ- وَ ذَلِكَ يَثُورُ مِنَ الْجِسْمِ وَ النَّفْسِ- وَ هُوَ يَصِلُ إِلَيْكَ إِذَا لَمْ يُوصَلْ وَ لَا يُحْجَبُ عَنْكَ- وَ إِنْ حُجِبَ قَالَ فَأَمْرٌ دُونَ ذَلِكَ- قَالُوا وَ مَا هُوَ قَالَ مَا قَدْ سَبَقَ مِنَ الْقَضَاءِ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ مَنْ ذَا غَالَبَ الْقَضَاءَ فَلَمْ يُغْلَبْ- وَ مَنْ ذَا كَابَرَهُ فَلَمْ يُقْهَرْ قَالَ فَمَا ذَا عِنْدَكُمْ- قَالُوا مَا نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْقَضَاءِ- وَ قَدْ أَصَبْتَ التَّوْفِيقَ وَ التَّسْدِيدَ فَمَا ذَا الَّذِي تُرِيدُ- قَالَ أُرِيدُ أَصْحَاباً يَدُومُ عَهْدُهُمْ- وَ يَفُوا لِي وَ تَبْقَى لِي أُخُوَّتُهُمْ- وَ لَا يَحْجُبُهُمْ عَنِّي الْمَوْتُ- وَ لَا يَمْنَعُهُمُ الْبِلَى عَنْ صُحْبَتِي- وَ لَا يَشْتَمِلُ بِهِمُ الِامْتِنَاعُ عَنْ صُحْبَتِي- وَ لَا يُفْرِدُونِي إِنْ مِتُّ وَ لَا يُسَلِّمُونِي إِنْ عِشْتُ- وَ يَدْفَعُونَ عَنِّي مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْمَوْتِ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتَ- قَالَ هُمُ الَّذِينَ أَفْسَدْتُهُمْ بِاسْتِصْلَاحِكُمْ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ فَلَا تَصْطَنِعُ عِنْدَنَا وَ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفاً- فَإِنَّ أَخْلَاقَكَ تَامَّةٌ وَ رَأْفَتَكَ عَظِيمَةٌ- قَالَ إِنَّ فِي صُحْبَتِكُمْ إِيَّايَ السَّمَّ الْقَاتِلَ- وَ الصَّمَمَ وَ الْعَمَى فِي طَاعَتِكُمْ وَ الْبَكَمَ فِي مُوَافَقَتِكُمْ- قَالُوا كَيْفَ ذَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ- قَالَ صَارَتْ صُحْبَتُكُمْ إِيَّايَ فِي الِاسْتِكْثَارِ- وَ مُوَافَقَتُكُمْ عَلَى الْجَمْعِ- وَ طَاعَتُكُمْ إِيَّايَ فِي الِاغْتِفَالِ- فَبَطَّأْتُمُونِي عَنِ الْمَعَادِ وَ زَيَّنْتُمْ لِيَ الدُّنْيَا- وَ لَوْ نَصَحْتُمُونِي ذَكَّرْتُمُونِيَ الْمَوْتَ- وَ لَوْ أَشْفَقْتُمْ عَلَيَّ ذَكَّرْتُمُونِيَ الْبَلَاءَ وَ جَمَعْتُمْ لِي مَا يَبْقَى- وَ لَمْ تَسْتَكْثِرُوا لِي مَا يَفْنَى- فَإِنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي ادَّعَيْتُمُوهَا ضَرَرٌ- وَ تِلْكَ الْمَوَدَّةَ عَدَاوَةٌ- وَ قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَيْكُمْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا مِنْكُمْ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْحَكِيمُ الْمَحْمُودُ- قَدْ فَهِمْنَا مَقَالَتَكَ وَ فِي أَنْفُسِنَا إِجَابَتُكَ- وَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْتَجَّ عَلَيْكَ فَقَدْ رَأَيْنَا مَكَانَ الْحُجَّةِ- فَسُكُوتُنَا عَنْ حُجَّتِنَا فَسَادٌ لِمُلْكِنَا- وَ هَلَاكٌ لِدُنْيَانَا وَ شَمَاتَةٌ لِعَدُوِّنَا- وَ قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ عَظِيمٌ بِالَّذِي تَبَدَّلَ مِنْ رَأْيِكَ- وَ أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَمْرُكَ قَالَ قُولُوا آمِنِينَ- وَ اذْكُرُوا مَا بَدَا لَكُمْ غَيْرَ مَرْعُوبِينَ- فَإِنِّي كُنْتُ إِلَى الْيَوْمِ مَغْلُوباً بِالْحَمِيَّةِ وَ الْأَنَفَةِ- وَ أَنَا الْيَوْمَ غَالِبٌ لَهُمَا- وَ كُنْتُ إِلَى الْيَوْمِ مَقْهُوراً لَهُمَا وَ أَنَا الْيَوْمَ قَاهِرٌ لَهُمَا- وَ كُنْتُ إِلَى الْيَوْمِ مَلِكاً عَلَيْكُمْ- فَقَدْ صِرْتُ عَلَيْكُمْ مَمْلُوكاً- وَ أَنَا الْيَوْمَ عَتِيقٌ وَ أَنْتُمْ مِنْ مَمْلَكَتِي طُلَقَاءُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا الَّذِي كُنْتَ مَمْلُوكاً- إِذْ كُنْتَ عَلَيْنَا مَلِكاً- قَالَ كُنْتُ مَمْلُوكاً لِهَوَايَ مَقْهُوراً بِالْجَهْلِ- مُسْتَعْبِداً لِشَهَوَاتِي- فَقَدْ قَطَعْتُ تِلْكَ الطَّاعَةَ عَنِّي وَ نَبَذْتُهَا خَلْفَ ظَهْرِي- قَالُوا فَقُلْ مَا أَجْمَعْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ- قَالَ الْقُنُوعَ وَ التَّخَلِّيَ لِآخِرَتِي وَ تَرْكَ هَذَا الْغُرُورِ- وَ نَبْذَ هَذَا الثَّقَلِ عَنْ ظَهْرِي وَ الِاسْتِعْدَادَ لِلْمَوْتِ- وَ التَّأَهُّبَ لِلْبَلَاءِ فَإِنَّ رَسُولَهُ عِنْدِي- قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِمُلَازَمَتِي- وَ الْإِقَامَةِ مَعِي حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمَوْتُ- فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ- وَ مَنْ هَذَا الرَّسُولُ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ وَ لَمْ نَرَهُ- وَ هُوَ مُقَدِّمَةُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا نَعْرِفُهُ- قَالَ أَمَّا الرَّسُولُ فَهَذَا الْبَيَاضُ يَلُوحُ بَيْنَ السَّوَادِ- وَ قَدْ صَاحَ فِي جَمِيعِهِ بِالزَّوَالِ فَأَجَابُوا وَ أَذْعَنُوا- وَ أَمَّا مُقَدِّمَةُ الْمَوْتِ فَالْبَلَاءُ الَّذِي هَذَا الْبَيَاضُ طُرُقُهُ- قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ فَتَدَعُ مَمْلَكَتَكَ وَ تُهْمِلُ رَعِيَّتَكَ- وَ كَيْفَ لَا تَخَافُ الْإِثْمَ فِي تَعْطِيلِ أُمَّتِكَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ- أَنَّ أَعْظَمَ الْأَمْرِ فِي اسْتِصْلَاحِ النَّاسِ- وَ أَنَّ رَأْسَ الصَّلَاحِ الطَّاعَةُ لِلْأُمَّةِ وَ الْجَمَاعَةِ- فَكَيْفَ لَا تَخَافُ مِنَ الْإِثْمِ وَ فِي هَلَاكِ الْعَامَّةِ مِنَ الْإِثْمِ- فَوْقَ الَّذِي تَرْجُو مِنَ الْأَجْرِ فِي صَلَاحِ الْخَاصَّةِ- أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ الْعَمَلُ- وَ أَنَّ أَشَدَّ الْعَمَلِ السِّيَاسَةُ- فَإِنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا فِي يَدَيْكَ عَدْلٌ عَلَى رَعِيَّتِكَ- مُسْتَصْلِحٌ لَهَا بِتَدْبِيرِكَ- فَإِنَّ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا اسْتَصْلَحْتَ- أَ لَسْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِذَا خَلَّيْتَ مَا فِي يَدَيْكَ- مِنْ صَلَاحِ أُمَّتِكَ فَقَدْ أَرَدْتَ فَسَادَهُمْ- وَ إِذَا أَرَدْتَ فَسَادَهُمْ فَقَدْ حَمَلْتَ مِنَ الْإِثْمِ- فِيهِمْ أَعْظَمَ مِمَّا أَنْتَ تُصِيبُ مِنَ الْأَجْرِ فِي خَاصَّةِ يَدَيْكَ- أَ لَسْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ- قَالُوا مَنْ أَتْلَفَ نَفْساً فَقَدِ اسْتَوْجَبَ لِنَفْسِهِ الْفَسَادَ- وَ مَنْ أَصْلَحَهَا فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الصَّلَاحَ لِبَدَنِهِ- وَ أَيُّ فَسَادٍ أَعْظَمُ مِنْ رَفْضِ هَذِهِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَنْتَ إِمَامُهَا- وَ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَنْتَ نِظَامُهَا حَاشَا لَكَ- أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ تَخْلَعَ عَنْكَ لِبَاسَ الْمَلِكِ- الَّذِي هُوَ الْوَسِيلَةُ إِلَى شَرَفِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- قَالَ قَدْ فَهِمْتُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ وَ عَقَلْتُ الَّذِي وَصَفْتُمْ- فَإِنْ كُنْتُ إِنَّمَا أَطْلُبُ الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ لِلْعَدْلِ فِيكُمْ- وَ الْأَجْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي اسْتِصْلَاحِكُمْ- بِغَيْرِ أَعْوَانٍ يَرْفِدُونَنِي وَ وُزَرَاءٍ يَكْفُونَنِي- فَمَا عَسَيْتُ أَنْ أَبْلُغَ بِالْوَحْدَةِ فِيكُمْ- أَ لَسْتُمْ جَمِيعاً نُزُعاً إِلَى الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا- وَ لَا آمَنُ أَنْ أُخْلِدَ إِلَى الدُّنْيَا- الَّتِي أَرْجُو أَنْ أَدَعَهَا وَ أَرْفِضَهَا- فَإِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ أَتَانِي الْمَوْتُ عَلَى غِرَّةٍ- فَأَنْزَلَنِي عَنْ سَرِيرِ مُلْكِي إِلَى بَطْنِ الْأَرْضِ- وَ كَسَانِي التُّرَابَ بَعْدَ الدِّيبَاجِ- وَ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَ نَفِيسِ الْجَوْهَرِ- وَ ضَمَّنِي إِلَى الضِّيقِ بَعْدَ السَّعَةِ- وَ أَلْبَسَنِي الْهَوَانَ بَعْدَ الْكَرَامَةِ- فَأَصْبِرُ فَرِيداً بِنَفْسِي لَيْسَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي الْوَحْدَةِ- قَدْ أَخْرَجْتُمُونِي مِنَ الْعُمْرَانِ وَ أَسْلَمْتُمُونِي إِلَى الْخَرَابِ- وَ خَلَّيْتُمْ بَيْنَ لَحْمِي وَ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ- فَأَكَلَتْ مِنِّي النَّمْلَةُ فَمَا فَوْقَهَا مِنَ الْهَوَامِّ- وَ صَارَ جَسَدِي دُوداً وَ جِيفَةً قَذِرَةً الذُّلُّ لِي حَلِيفٌ- وَ الْعِزُّ مِنِّي غَرِيبٌ أَشَدُّكُمْ حُبّاً إِلَيَّ أَسْرَعُكُمْ إِلَى دَفْنِي- وَ التَّخْلِيَةِ بَيْنِي وَ بَيْنَ مَا قَدَّمْتُ مِنْ عَمَلِي- أَسْلَفْتُ مِنْ ذُنُوبِي فَيُورِثُنِي ذَلِكَ الْحَسْرَةَ- وَ يُعْقِبُنِي النَّدَامَةَ- وَ قَدْ كُنْتُمْ وَعَدْتُمُونِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِنْ عَدُوِّي الضَّارِّ- فَإِذَا أَنْتُمْ لَا مَنْعَ عِنْدَكُمْ- وَ لَا قُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ لَكُمْ وَ لَا سَبِيلَ لَكُمْ- أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي مُحْتَالٌ لِنَفْسِي إِذْ جِئْتُمْ بِالْخِدَاعِ- وَ نَصَبْتُمْ لِي شِرَاكَ الْغُرُورِ- فَقَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ- لَسْنَا الَّذِي كُنَّا كَمَا أَنَّكَ لَسْتَ الَّذِي كُنْتَ- وَ قَدْ أَبْدَلَنَا الَّذِي أَبْدَلَكَ وَ غَيَّرَنَا الَّذِي غَيَّرَكَ- فَلَا تَرُدَّ عَلَيْنَا تَوْبَتَنَا وَ بَذْلَ نَصِيحَتِنَا- قَالَ أَنَا مُقِيمٌ فِيكُمْ مَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ وَ مُفَارِقُكُمْ إِذَا خَالَفْتُمُوهُ- فَأَقَامَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فِي مُلْكِهِ وَ أَخَذَ جُنُودُهُ بِسِيرَتِهِ- وَ اجْتَهَدُوا فِي الْعِبَادَةِ فَخَصَبَتْ بِلَادُهُمْ وَ غَلَبُوا عَدُوَّهُمْ- وَ ازْدَادَ مُلْكُهُمْ حَتَّى هَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ- وَ قَدْ صَارَ فِيهِمْ بِهَذِهِ السِّيرَةِ اثْنَتَيْنِ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً- فَكَانَ جَمِيعُ مَا عَاشَ أَرْبَعاً وَ سِتِّينَ سَنَةً- قَالَ يُوذَاسُفُ قَدْ سُرِرْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ جِدّاً- فَزِدْنِي مِنْ نَحْوِهِ أَزْدَدْ سُرُوراً وَ لِرَبِّي شُكْراً- قَالَ الْحَكِيمُ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ الصَّالِحِينَ- وَ كَانَ لَهُ جُنُودٌ يَخْشَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَعْبُدُونَهُ- وَ كَانَ فِي مُلْكِ أَبِيهِ شِدَّةٌ مِنْ زَمَانِهِمْ- وَ التَّفَرُّقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ تَنْقُصُ الْعَدُوُّ مِنْ بِلَادِهِمْ- وَ كَانَ يَحُثُّهُمْ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَشْيَتِهِ- وَ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَ مُرَاقَبَتِهِ وَ الْفَزَعِ إِلَيْهِ- فَلَمَّا مَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ قَهَرَ عَدُوَّهُ- وَ اسْتَجْمَعَتْ رَعِيَّتُهُ وَ صَلَحَتْ بِلَادُهُ وَ انْتَظَمَ لَهُ الْمُلْكُ- فَلَمَّا رَأَى مَا فَضَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ أَتْرَفَهُ ذَلِكَ- وَ أَبْطَرَهُ وَ أَطْغَاهُ حَتَّى تَرَكَ عِبَادَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَفَرَ نِعَمَهُ- وَ أَسْرَعَ فِي قَتْلِ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَ دَامَ مُلْكُهُ- وَ طَالَتْ مُدَّتُهُ حَتَّى ذَهَلَ النَّاسُ- عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ قَبْلَ مُلْكِهِ وَ نَسُوهُ- وَ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَ أَسْرَعُوا إِلَى الضَّلَالَةِ- فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ فَنَشَأَ فِيهِ الْأَوْلَادُ- وَ صَارَ لَا يُعْبَدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ وَ لَا يُذْكَرُ بَيْنَهُمْ اسْمُهُ- وَ لَا يَحْسَبُونَ أَنَّ لَهُمْ إِلَهاً غَيْرَ الْمَلِكِ- وَ كَانَ ابْنُ الْمَلِكِ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ- إنْ هُوَ مَلَكَ يَوْماً أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَمْرٍ- لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْمُلُوكِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ- فَلَمَّا مَلَكَ أَنْسَاهُ الْمُلْكُ رَأْيَهُ الْأَوَّلَ- وَ نِيَّتَهُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا- وَ سَكِرَ سُكْرَ صَاحِبِ الْخَمْرِ- فَلَمْ يَكُنْ يَصْحُو وَ يُفِيقُ وَ كَانَ مِنْ أَهْلِ لُطْفِ الْمَلِكِ- رَجُلٌ صَالِحٌ أَفْضَلُ أَصْحَابِهِ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ- فَتَوَجَّعَ لَهُ مِمَّا رَأَى مِنْ ضَلَالَتِهِ- فِي دِينِهِ وَ نِسْيَانِهِ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ- وَ كَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعِظَهُ ذَكَرَ عُتُوَّهُ وَ جَبَرُوتَهُ- وَ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ غَيْرُهُ- وَ غَيْرُ رَجُلٍ آخَرَ فِي نَاحِيَةِ أَرْضِ الْمَلِكِ- لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ وَ لَا يُدْعَى بِاسْمِهِ- فَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمَلِكِ بِجُمْجُمَةٍ قَدْ لَفَّهَا فِي ثِيَابِهِ- فَلَمَّا جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ انْتَزَعَهَا عَنْ ثِيَابِهِ- ثُمَّ وَطِئَهَا بِرِجْلِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَفْرُكُهَا بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ- وَ عَلَى بِسَاطِهِ حَتَّى دَنِسَ مَجْلِسُ الْمَلِكِ- بِمَا تَحَاتُّ مِنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ- فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ مَا صَنَعَ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَباً شَدِيداً- وَ شَخَصَتْ إِلَيْهِ أَبْصَارُ جُلَسَائِهِ- وَ اسْتَعَدَّتِ الْحَرَسُ بِأَسْيَافِهِمْ انْتِظَاراً لِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ- بِقَتْلِهِ وَ الْمَلِكُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ لِغَضَبِهِ- وَ قَدْ كَانَتِ الْمُلُوكُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَعَ جَبَرُوتِهِمْ- وَ كُفْرِهِمْ ذَوِي أَنَاةٍ وَ تُؤَدَةٍ- اسْتِصْلَاحاً لِلرَّعِيَّةِ عَلَى عِمَارَةِ أَرْضِهِمْ- لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لِلْجَلْبِ وَ أَدَّى لِلْخَرَاجِ- فَلَمْ يَزَلِ الْمَلِكُ سَاكِتاً عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَامَ مِنْ عِنْدِهِ- فَلَفَّ تِلْكَ الْجُمْجُمَةَ فِي ثَوْبِهِ- ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَ الثَّالِثِ- فَلَمَّا رَأَى أَنَّ الْمَلِكَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ- وَ لَا يَسْتَنْطِقُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهَا- أَدْخَلَ مَعَ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ مِيزَاناً وَ قَلِيلًا مِنْ تُرَابٍ- فَلَمَّا صَنَعَ بِالْجُمْجُمَةِ مَا كَانَ يَصْنَعُ أَخَذَ الْمِيزَانَ- وَ جَعَلَ فِي إِحْدَى كَفَّتَيْهِ دِرْهَماً- وَ فِي الْأُخْرَى بِوَزْنِهِ تُرَاباً- ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ التُّرَابَ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ- ثُمَّ أَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ- فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعِ الْفَمِ مِنْ تِلْكَ الْجُمْجُمَةِ: فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ مَا صَنَعَ قَلَّ صَبْرُهُ وَ بَلَغَ مَجْهُودَهُ- فَقَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ- قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ إِنَّمَا اجْتَرَأْتَ عَلَى مَا صَنَعْتَ- لِمَكَانِكَ مِنِّي وَ إِدْلَالِكَ عَلَيَّ وَ فَضْلِ مَنْزِلَتِكَ عِنْدِي- وَ لَعَلَّكَ تُرِيدُ بِمَا صَنَعْتَ أَمْراً- فَخَرَّ …
بحار الأنوار — كتاب الروضة · قصة بلوهر و يوذاسف