الأقسامبحار الأنواركتاب الروضة
بحار الأنوار

الرَّجُلُ لِلْمَلِكِ سَاجِداً وَ قَبَّلَ قَدَمَيْهِ- وَ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَقْبِلْ عَلَيَّ بِعَقْلِكَ كُلِّهِ- فَإِنَّ مَثَلَ الْكَلِمَةِ كَمَثَلِ السَّهْمِ- إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي أَرْضٍ لَيِّنَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا- وَ إِذَا رُمِيَ فِي الصَّفَا لَمْ يَثْبُتْ وَ مَثَلَ الْكَلِمَةِ كَمَثَلِ الْمَطَرِ- إِذَا أَصَابَ أَرْضاً طَيِّبَةً مَزْرُوعَةً يُنْبِتُهُ فِيهَا- وَ إِذَا أَصَابَ السِّبَاخَ لَمْ يُنْبِتْ وَ إِنَّ أَهْوَاءَ النَّاسِ مُتَفَرِّقَةٌ- وَ الْعَقْلُ وَ الْهَوَى يَصْطَرِعَانِ فِي الْقَلْبِ- فَإِنْ غَلَبَ هَوًى الْعَقْلَ عَمِلَ الرَّجُلُ بِالطَّيْشِ وَ السَّفَهِ- وَ إِنْ كَانَ الْهَوَى هُوَ الْمَغْلُوبَ لَمْ يُوجَدْ فِي أَمْرِ الرَّجُلِ سَقْطَةٌ- فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ مُنْذُ كُنْتُ غُلَاماً أُحِبُّ الْعِلْمَ- وَ أَرْغَبُ فِيهِ وَ أُوثِرُهُ عَلَى الْأُمُورِ كُلِّهَا- فَلَمْ أَدَعْ عِلْماً إِلَّا بَلَغْتُ مِنْهُ أَفْضَلَ مَبْلَغٍ- فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ أَطُوفُ بَيْنَ الْقُبُورِ- إِذْ قَدْ بَصُرْتُ بِهَذِهِ الْجُمْجُمَةِ بَارِزَةً مِنْ قُبُورِ الْمُلُوكِ- فَغَاظَنِي مَوْقِعُهَا وَ فِرَاقُهَا جَسَدَهَا غَضَباً لِلْمُلُوكِ- فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَ حَمَلْتُهَا إِلَى مَنْزِلِي فَأَلْبَسْتُهَا الدِّيبَاجَ- وَ نَضَحْتُهَا بِالْمَاءِ الْوَرْدِ وَ الطِّيبِ وَ وَضَعْتُهَا عَلَى الْفُرُشِ- وَ قُلْتُ إِنْ كَانَ مِنْ جَمَاجِمِ الْمُلُوكِ- فَسَيُؤْثِرُ فِيهَا إِكْرَامِي إِيَّاهَا- وَ تَرْجِعُ إِلَى جَمَالِهَا وَ بَهَائِهَا- وَ إِنْ كَانَتْ مِنْ جَمَاجِمِ الْمَسَاكِينِ- فَإِنَّ الْكَرَامَةَ لَا تَزِيدُهَا شَيْئاً فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِهَا أَيَّاماً- فَلَمْ أَسْتَنْكِرْ مِنْ هَيْئَتِهَا شَيْئاً- فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ دَعَوْتُ عَبْداً هُوَ أَهْوَنُ عَبْدِي عِنْدِي- فَأَهَانَهَا فَإِذَا هِيَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِهَانَةِ وَ الْإِكْرَامِ- فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَتَيْتُ الْحُكَمَاءَ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهَا- فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُمْ عِلْماً بِهَا ثُمَّ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَلِكَ مُنْتَهَى الْعِلْمِ- وَ مَأْوَى الْحِلْمِ فَأَتَيْتُكَ خَائِفاً عَلَى نَفْسِي- فَلَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ- حَتَّى تَبْدَأَنِي بِهِ وَ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي- أَيُّهَا الْمَلِكُ أَ جُمْجُمَةُ مَلِكٍ أَمْ جُمْجُمَةُ مِسْكِينٍ- فَإِنَّهَا لَمَّا أَعْيَانِي أَمْرُهَا تَفَكَّرْتُ فِي أَمْرِهَا- وَ فِي عَيْنِهَا الَّتِي كَانَتْ لَا يَمْلَؤُهَا شَيْءٌ- حَتَّى لَوْ قَدَرَتْ عَلَى مَا دُونَ السَّمَاءِ مِنْ شَيْءٍ تَطَلَّعَتْ- إِلَى أَنْ تَتَنَاوَلَ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ- فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا الَّذِي يَسُدُّهَا وَ يَمْلَأُهَا- فَإِذَا وَزْنُ دِرْهَمٍ مِنْ تُرَابٍ قَدْ سَدَّهَا وَ مَلَأَهَا- وَ نَظَرْتُ إِلَى فِيهَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَمْلَؤُهُ شَيْءٌ- فَمَلَأَتْهُ قَبْضَةٌ مِنْ تُرَابٍ فَإِنْ أَخْبَرْتَنِي- أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّهَا جُمْجُمَةُ مِسْكِينٍ احْتَجَجْتُ عَلَيْكَ- بِأَنِّي قَدْ وَجَدْتُهَا وَسَطَ قُبُورِ الْمُلُوكِ- ثُمَّ أَجْمَعُ جَمَاجِمَ مُلُوكٍ وَ جَمَاجِمَ مَسَاكِينَ- فَإِنْ كَانَ لِجَمَاجِمِكُمْ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَهُوَ كَمَا قُلْتَ- وَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِأَنَّهَا مِنْ جَمَاجِمِ الْمُلُوكِ- أَنْبَأْتُكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ الَّذِي كَانَتْ هَذِهِ جُمْجُمَتَهُ- قَدْ كَانَ مِنْ بَهَاءِ الْمَلِكِ وَ جَمَالِهِ- وَ عِزَّتِهِ فِي مِثْلِ مَا أَنْتَ فِيهِ الْيَوْمَ- فَحَاشَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ تَصِيرَ إِلَى حَالِ هَذِهِ الْجُمْجُمَةِ- فَتُوطَأَ بِالْأَقْدَامِ وَ تُخْلَطَ بِالتُّرَابِ- وَ يَأْكُلَكَ الدُّودُ- وَ تُصْبِحَ بَعْدَ الْكَثْرَةِ قَلِيلًا وَ بَعْدَ الْعِزَّةِ ذَلِيلًا- وَ تَسَعَكَ حُفْرَةٌ طُولُهَا أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ- وَ يُورَثَ مُلْكُكَ وَ يَنْقَطِعَ خَبَرُكَ وَ يَفْسُدَ صَنَائِعُكَ- وَ يُهَانَ مَنْ أَكْرَمْتَ وَ يُكْرَمَ مَنْ أَهَنْتَ- وَ يَسْتَبْشِرَ أَعْدَاؤُكَ وَ يَضِلَّ أَعْوَانُكَ- وَ يَحُولَ التُّرَابُ دُونَكَ- فَإِنْ دَعَوْنَاكَ لَمْ تَسْمَعْ- وَ إِنْ أَكْرَمْنَاكَ لَمْ تَقْبَلْ وَ إِنْ أَهَنَّاكَ لَمْ تَغْضَبْ- فَيَصِيرُ بَنُوكَ يَتَامَى وَ نِسَاؤُكَ أَيَامَى- وَ أَهْلُكَ يُوشِكُ أَنْ يَسْتَبْدِلَنَّ أَزْوَاجاً غَيْرَكَ- فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ فَزِعَ قَلْبُهُ- وَ انْسَكَبَتْ عَيْنَاهُ يَبْكِي وَ يَقُولُ وَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ- فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ قَدِ اسْتَمْكَنَ مِنَ الْمَلِكِ- وَ قَوْلَهُ قَدْ أَنْجَعَ فِيهِ زَادَهُ ذَلِكَ جُرْأَةً عَلَيْهِ وَ تَكْرِيراً- لِمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْراً- وَ جَزَى مَنْ حَوْلِي مِنَ الْعُظَمَاءِ شَرّاً- لَعَمْرِي لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَرَدْتَ بِمَقَالَتِكَ هَذِهِ- وَ قَدْ أَبْصَرْتُ أَمْرِي فَسَمِعَ النَّاسُ خَبَرَهُ- فَتَوَجَّهُوا أَهْلُ الْفَضْلِ إِلَيْهِ وَ خُتِمَ لَهُ بِالْخَيْرِ- وَ بَقِيَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ زِدْنِي مِنْ هَذَا الْمَثَلِ قَالَ الْحَكِيمُ- زَعَمُوا أَنَّ مَلِكاً كَانَ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ- وَ كَانَ حَرِيصاً عَلَى أَنْ يُولَدَ لَهُ- وَ كَانَ لَا يَدَعُ شَيْئاً مِمَّا يُعَالِجُ بِهِ النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ- إِلَّا أَتَاهُ وَ صَنَعَهُ- فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ حَمَلَتْ امْرَأَةٌ لَهُ مِنْ نِسَائِهِ- فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَاماً فَلَمَّا نَشَأَ- وَ تَرَعْرَعَ خَطَا ذَاتَ يَوْمَ خُطْوَةً فَقَالَ مَعَادَكُمْ تَجْفُونَ- ثُمَّ خَطَا أُخْرَى فَقَالَ تَهْرَمُونَ- ثُمَّ خَطَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ ثُمَّ تَمُوتُونَ- ثُمَّ عَادَ كَهَيْئَتِهِ يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الصَّبِيُّ- فَدَعَا الْمَلِكُ الْعُلَمَاءَ وَ الْمُنَجِّمِينَ فَقَالَ- أَخْبِرُونِي خَبَرَ ابْنِي هَذَا فَنَظَرُوا فِي شَأْنِهِ- وَ أَمْرِهِ فَأَعْيَاهُمْ أَمْرُهُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ عِلْمٌ- فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ- فِيهِ عِلْمٌ دَفَعَهُ إِلَى الْمُرْضِعَاتِ- فَأَخَذْنَ فِي إِرْضَاعِهِ إِلَّا أَنَّ مُنَجِّماً مِنْهُمْ- قَالَ إِنَّهُ سَيَكُونُ إِمَاماً- وَ جَعَلَ عَلَيْهِ حُرَّاساً لَا يُفَارِقُونَهُ- حَتَّى إِذَا شَبَّ انْسَلَّ يَوْماً مِنْ عِنْدِهِ مُرْضِعِيهِ وَ الْحَرَسُ- فَأَتَى السُّوقَ فَإِذَا هُوَ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ- مَا هَذَا قَالُوا إِنْسَاناً مَاتَ قَالَ مَا أَمَاتَهُ- قَالُوا كَبُرَ وَ فَنِيَتْ أَيَّامُهُ وَ دَنَا أَجَلُهُ فَمَاتَ- قَالَ وَ كَانَ صَحِيحاً حَيّاً يَمْشِي- وَ يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ قَالُوا نَعَمْ- ثُمَّ مَضَى فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ شَيْخٍ كَبِيرٍ- فَقَامَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَجِّباً مِنْهُ فَقَالَ مَا هَذَا- قَالُوا رَجُلٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ فَنِيَ شَبَابُهُ وَ كَبِرَ- قَالَ وَ كَانَ صَغِيراً ثُمَّ شَابَ قَالُوا نَعَمْ- ثُمَّ مَضَى فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مَرِيضٍ مستلقي [مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ- فَقَامَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ فَسَأَلَهُمْ مَا هَذَا- قَالُوا رَجُلٌ مَرِيضٌ- فَقَالَ أَ وَ كَانَ هَذَا صَحِيحاً ثُمَّ مَرِضَ قَالُوا نَعَمْ- قَالَ وَ اللَّهِ لَئِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنَّ النَّاسَ لَمَجْنُونُونَ- فَافْتَقَدَ الْغُلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ فَطُلِبَ- فَإِذَا هُوَ بِالسُّوقِ فَأَتَوْهُ فَأَخَذُوهُ- وَ ذَهَبُوا بِهِ فَأَدْخَلُوهُ الْبَيْتَ- فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ- يَنْظُرُ إِلَى خَشَبِ سَقْفِ الْبَيْتِ وَ يَقُولُ- كَيْفَ كَانَ هَذَا قَالُوا كَانَتْ شَجَرَةً- ثُمَّ صَارَتْ خَشَباً ثُمَّ قُطِعَ- ثُمَّ بُنِيَ هَذَا الْبَيْتُ ثُمَّ جُعِلَ هَذَا الْخَشَبُ عَلَيْهِ- فَبَيْنَا هُوَ فِي كَلَامِهِ إِذْ أَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى الْمُوَكَّلِينَ بِهِ- انْظُرُوا هَلْ يَتَكَلَّمُ أَوْ يَقُولُ شَيْئاً قَالُوا نَعَمْ- وَ قَدْ وَقَعَ فِي كَلَامٍ مَا نَظُنُّهُ إِلَّا وَسْوَاساً- فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ ذَلِكَ وَ سَمِعَ جَمِيعَ مَا لَفَظَ بِهِ الْغُلَامُ- دَعَا الْعُلَمَاءَ فَسَأَلَهُمْ- فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ عِنْدَهُمْ عِلْماً إِلَّا الرَّجُلَ الْأَوَّلَ- فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ- لَوْ زَوَّجْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي تَرَى- وَ أَقْبَلَ وَ عَقَلَ وَ أَبْصَرَ فَبَعَثَ الْمَلِكُ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ- وَ يَلْتَمِسُ لَهُ امْرَأَةً فَوُجِدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ- وَ أَجْمَلِهِمْ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ- فَلَمَّا أَخَذُوا فِي وَلِيمَةِ عُرْسِهِ- أَخَذَ اللَّاعِبُونَ يَلْعَبُونَ وَ الزَّمَّارُونَ يُزَمِّرُونَ- فَلَمَّا سَمِعَ الْغُلَامُ جَلَبَتَهُمْ وَ أَصْوَاتَهُمْ قَالَ مَا هَذَا- قَالُوا هَؤُلَاءِ لَعَّابُونَ وَ زَمَّارُونَ جُمِعُوا لِعُرْسِكَ- فَسَكَتَ الْغُلَامُ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْعُرْسِ وَ أَمْسَوْا- دَعَا الْمَلِكُ امْرَأَةَ ابْنِهِ فَقَالَ لَهَا- إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِي وَلَدٌ غَيْرُ هَذَا الْغُلَامِ- فَلَمَّا دَخَلْتِ عَلَيْهِ فَالْطُفِي بِهِ وَ اقْرُبِي مِنْهُ وَ تَحَبَّبِي إِلَيْهِ- فَلَمَّا دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ أَخَذَتْ تَدْنُو مِنْهُ وَ تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ- فَقَالَ الْغُلَامُ عَلَى رِسْلِكِ فَإِنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ- بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ وَ اصْبِرِي حَتَّى نَأْكُلَ وَ نَشْرَبَ- فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ- فَلَمَّا فَرَغَ جَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَشْرَبُ- فَلَمَّا أَخَذَ الشَّرَابُ مِنْهَا نَامَتْ- فَقَامَ الْغُلَامُ فَخَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ- وَ انْسَلَّ مِنَ الْحَرَسِ وَ الْبَوَّابِينَ- حَتَّى خَرَجَ وَ تَرَدَّدَ فِي الْمَدِينَةِ- فَلَقِيَهُ غُلَامٌ مِثْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَأَتْبَعَهُ- وَ أَلْقَى ابْنُ الْمَلِكِ عَنْهُ تِلْكَ الثِّيَابَ- الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَ لَبِسَ ثِيَابَ الْغُلَامِ- وَ تَنَكَّرَ جُهْدُهُ وَ خَرَجَا جَمِيعاً مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَارَا لَيْلَتَهُمَا- حَتَّى إِذَا قَرُبَ الصُّبْحُ خَشِيَا الطَّلَبَ فَكَمَنَا- فَأُتِيَتِ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الصُّبْحِ- فَوَجَدُوهَا نَائِمَةً فَسَأَلُوهَا أَيْنَ زَوْجُكِ- قَالَتْ كَانَ عِنْدِي السَّاعَةَ- فَطُلِبَ الْغُلَامُ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ- فَلَمَّا أَمْسَى الْغُلَامُ وَ صَاحِبُهُ سَارَا- ثُمَّ جَعَلَا يَسِيرَانِ اللَّيْلَ وَ يَكْمُنَانِ النَّهَارَ- حَتَّى خَرَجَا مِنْ سُلْطَانِ أَبِيهِ- وَ وَقَعَا فِي مُلْكِ سُلْطَانٍ آخَرَ- وَ قَدْ كَانَ لِذَلِكَ الْمَلِكِ الَّذِي صَارَا إِلَى سُلْطَانِهِ ابْنَةٌ- قَدْ جَعَلَ لَهَا أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا أَحَداً- إِلَّا مَنْ هوته [هَوِيَتْهُ وَ رَضِيَتْهُ- وَ بَنَى لَهَا غُرْفَةً عَالِيَةً مُشْرِفَةً عَلَى الطَّرِيقِ- فَهِيَ فِيهَا جَالِسَةٌ تَنْظُرُ إِلَى كُلِّ مَنْ أَقْبَلَ- وَ أَدْبَرَ فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَظَرَتْ إِلَى الْغُلَامِ يَطُوفُ فِي السُّوقِ- وَ صَاحِبُهُ مَعَهُ فِي خُلْقَانِهِ- فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا أَنِّي قَدْ هَوِيتُ رَجُلًا- فَإِنْ كُنْتَ مُزَوِّجِي أَحَداً مِنَ النَّاسِ فَزَوِّجْنِي مِنْهُ- وَ أُتِيَتْ أُمُّ الْجَارِيَةِ فَقِيلَ لَهَا- إِنَّ ابْنَتَكَ قَدْ هَوِيَتْ رَجُلًا وَ هِيَ تَقُولُ كَذَا وَ كَذَا- فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهَا فَرِحَةً حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى الْغُلَامِ فَأَرَوْهَا إِيَّاهُ- فَنَزَلَتْ أُمُّهَا مُسْرِعَةً حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى الْمَلِكِ- فَقَالَتْ إِنَّ ابْنَتَكَ قَدْ هَوِيَتْ غُلَاماً- فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَرُونِيهِ فَأَرَوْهُ مِنْ بُعْدٍ- فَأَمَرَ أَنْ يُلْبَسَ ثِيَاباً أُخْرَى وَ نَزَلَ فَسَأَلَهُ وَ اسْتَنْطَقَهُ- وَ قَالَ مَنْ أَنْتَ وَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ- قَالَ الْغُلَامُ وَ مَا سُؤَالُكَ عَنِّي أَنَا رَجُلٌ مِنْ مَسَاكِينِ النَّاسِ- فَقَالَ إِنَّكَ لَغَرِيبٌ- وَ مَا يُشْبِهُ لَوْنُكَ أَلْوَانَ أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ- فَقَالَ الْغُلَامُ مَا أَنَا بِغَرِيبٍ- فَعَالَجَهُ الْمَلِكُ أَنْ يَصْدُقَهُ قِصَّتَهُ فَأَبَى- فَأَمَرَ الْمَلِكُ أُنَاساً أَنْ يَحْرُسُوهُ وَ يَنْظُرُوا أَيْنَ يَأْخُذُ- وَ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ الْمَلِكُ إِلَى أَهْلِهِ- فَقَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّهُ ابْنُ مَلِكٍ- وَ مَا لَهُ حَاجَةٌ فِيمَا تُرَاوِدُونَهُ عَلَيْهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ- إِنَّ الْمَلِكَ يَدْعُوكَ فَقَالَ الْغُلَامُ وَ مَا أَنَا وَ الْمَلِكُ يَدْعُونِي- وَ مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ وَ مَا يَدْرِي مَنْ أَنَا- فَانْطَلَقَ بِهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ- فَأَمَرَ بِكُرْسِيٍّ فَوُضِعَ لَهُ- فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَ دَعَا الْمَلِكُ امْرَأَتَهُ وَ ابْنَتَهُ- فَأَجْلَسَهُمَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ خَلْفَهُ- فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ دَعَوْتُكَ لِخَيْرٍ- إِنَّ لِيَ ابْنَةً قَدْ رَغِبَتْ فِيكَ أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَهَا مِنْكَ- فَإِنْ كُنْتَ مِسْكِيناً أَغْنَيْنَاكَ وَ رَفَعْنَاكَ وَ شَرَّفْنَاكَ- قَالَ الْغُلَامُ مَا لِي فِيمَا تَدْعُونِّي إِلَيْهِ حَاجَةٌ- فَإِنْ شِئْتَ ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَ فَافْعَلْ- قَالَ الْغُلَامُ زَعَمُوا أَنَّ مَلِكاً مِنَ الْمُلُوكِ- كَانَ لَهُ ابْنٌ وَ كَانَ لِابْنِهِ أَصْدِقَاءُ صَنَعُوا لَهُ طَعَاماً- وَ دَعَوْهُ إِلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهُمْ فَأَكَلُوا وَ شَرِبُوا- حَتَّى سَكِرُوا فَنَامُوا فَاسْتَيْقَظَ ابْنُ الْمَلِكِ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ- فَذَكَرَ أَهْلَهُ فَخَرَجَ عَائِداً إِلَى مَنْزِلِهِ- وَ لَمْ يُوقَظْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَبَيْنَا هُوَ فِي مَسِيرِهِ إِذْ بَلَغَ مِنْهُ الشَّرَابُ فَبَصُرَ بِقَبْرٍ عَلَى الطَّرِيقِ- فَظَنَّ أَنَّهُ مَدْخَلُ بَيْتِهِ فَدَخَلَهُ فَإِذَا هُوَ بِرِيحِ الْمَوْتَى- فَحَسِبَ ذَلِكَ لِمَا كَانَ بِهِ السُّكْرُ أَنَّهُ رِيَاحٌ طَيِّبَةٌ- فَإِذَا هُوَ بِعِظَامٍ لَا يَحْسَبُهَا إِلَّا فُرُشَهُ الْمُمَهَّدَةَ- فَإِذَا هُوَ بِجَسَدٍ قَدْ مَاتَ حَدِيثاً وَ قَدْ أَرْوَحَ- فَحَسِبَهُ أَهْلَهُ فَقَامَ إِلَى جَانِبِهِ فَاعْتَنَقَهُ وَ قَبَّلَهُ- وَ جَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ عَامَّةَ لَيْلِهِ فَأَفَاقَ حِينَ أَفَاقَ- وَ نَظَرَ حِينَ نَظَرَ فَإِذَا هُوَ عَلَى جَسَدٍ مَيِّتٍ وَ رِيحٍ مُنْتِنَةٍ- قَدْ دَنِسَ ثِيَابُهُ وَ جِلْدُهُ- وَ نَظَرَ إِلَى الْقَبْرِ وَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَوْتَى- فَخَرَجَ وَ بِهِ مِنَ السُّوءِ مَا يَخْتَفِي بِهِ مِنَ النَّاسِ- أَنْ يَنْظُرُوا إِلَيْهِ مُتَوَجِّهاً إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ- فَوَجَدَهُ مَفْتُوحاً فَدَخَلَهُ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ- فَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أُنْعِمَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ- فَأَلْقَى عَنْهُ ثِيَابَهُ تِلْكَ وَ اغْتَسَلَ- وَ لَبِسَ لِبَاساً أُخْرَى وَ تَطَيَّبَ- عَمَّرَكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ تَرَاهُ رَاجِعاً إِلَى مَا كَانَ فِيهِ وَ هُوَ يَسْتَطِيعُ قَالَ لَا- قَالَ فَإِنِّي أَنَا هُوَ فَالْتَفَتَ الْمَلِكُ إِلَى امْرَأَتِهِ وَ ابْنَتِهِ- وَ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيمَا تَدْعُونَهُ رَغْبَةٌ- قَالَتْ أُمُّهَا لَقَدْ قَصَّرْتَ فِي النَّعْتِ لِابْنَتِي- وَ الْوَصْفِ لَهَا أَيُّهَا الْمَلِكُ وَ لَكِنِّي خَارِجَةٌ إِلَيْهِ وَ مُتَكَلِّمَةٌ فَقَالَ الْمَلِكُ لِلْغُلَامِ- إِنَّ امْرَأَتِي تُرِيدُ أَنْ تُكَلِّمَكَ- وَ تَخْرُجُ إِلَيْكَ وَ لَمْ تَخْرُجْ إِلَى أَحَدٍ قَبْلَكَ- فَقَالَ الْغُلَامُ لِتَخْرُجْ إِنْ أَحَبَّتْ- فَخَرَجَتْ وَ جَلَسَتْ فَقَالَتْ لِلْغُلَامِ- تَعَالِ إِلَى مَا قَدْ سَاقَ اللَّهُ إِلَيْكَ مِنَ الْخَيْرِ- وَ الرِّزْقِ فَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي فَإِنَّكَ لَوْ قَدْ رَأَيْتَهَا- وَ مَا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا مِنَ الْجَمَالِ وَ الْهَيْئَةِ لَاغْتَبَطْتَ- فَنَظَرَ الْغُلَامُ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ- أَ فَلَا أَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا قَالَ بَلَى- قَالَ إِنَّ سُرَّاقاً تَوَاعَدُوا- أَنْ يَدْخُلُوا خِزَانَةَ الْمَلِكِ لِيَسْرِقُوا- فَنَقَبُوا حَائِطَ الْخِزَانَةِ- فَدَخَلُوهَا فَنَظَرُوا إِلَى مَتَاعٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ- وَ إِذَا هُمْ بِقُلَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ مَخْتُومَةٍ بِالذَّهَبِ فَقَالُوا لَا نَجِدُ شَيْئاً أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الْقُلَّةِ- هِيَ ذَهَبٌ مَخْتُومَةٌ بِالذَّهَبِ- وَ الَّذِي فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي رَأَيْنَا- فَاحْتَمَلُوهَا وَ مَضَوْا بِهَا حَتَّى دَخَلُوا غَيْضَةً- لَا يَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً عَلَيْهَا فَفَتَحُوهَا فَإِذَا فِي وَسَطِهَا أَفَاعٍ- فَوَثَبْنَ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَتَلْنَهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّرَكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ فَتَرَى أَحَداً عَلِمَ بِمَا أَصَابَهُمْ- وَ مَا لَقُوهُ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي تِلْكَ الْقُلَّةِ- وَ فِيهَا مِنْ الْأَفَاعِي قَالَ لَا قَالَ فَإِنِّي أَنَا هُوَ- فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ لِأَبِيهَا- ائْذَنْ لِي فَأَخْرُجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِي وَ أُكَلِّمَهُ- فَإِنَّهُ لَوْ قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ وَ إِلَى جِمَالِي وَ حُسْنِي وَ هَيْئَتِي وَ مَا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِي مِنَ الْجَمَالِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ يُجِيبَ- فَقَالَ الْمَلِكُ لِلْغُلَامِ إِنَّ ابْنَتِي تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْكَ- وَ لَمْ تَخْرُجْ إِلَى رَجُلٍ قَطُّ- قَالَ لِتَخْرُجْ إِنْ أَحَبَّتْ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ- وَ هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهاً وَ قَدّاً وَ طَرَفاً وَ هَيْكَلًا- فَسَلَّمَتْ عَلَى الْغُلَامِ وَ قَالَتْ لِلْغُلَامِ- هَلْ رَأَيْتَ مِثْلِي قَطُّ أَوْ أَتَمَّ أَوْ أَجْمَلَ أَوْ أَكْمَلَ أَوْ أَحْسَنَ- وَ قَدْ هَوِيتُكَ وَ أَحْبَبْتُكَ فَنَظَرَ الْغُلَامُ إِلَى الْمَلِكِ- فَقَالَ أَ فَلَا أَضْرِبُ لَهَا مَثَلًا قَالَ بَلَى- قَالَ الْغُلَامُ زَعَمُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّ مَلِكاً لَهُ ابْنَانِ- فَأَسَرَ أَحَدَهُمَا مَلِكٌ آخَرُ فَحَبَسَهُ فِي بَيْتٍ- وَ أَمَرَ أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا رَمَاهُ بِحَجَرٍ- فَمَكَثَ بِذَلِكَ حِيناً ثُمَّ إِنَّ أَخَاهُ قَالَ لِأَبِيهِ- ائْذَنْ لِي فَأَنْطَلِقَ إِلَى أَخِي فَأَفْدِيَهُ- وَ أَحْتَالَ لَهُ قَالَ فَانْطَلِقْ- وَ خُذْ مَعَكَ مَا شِئْتَ مِنْ مَالٍ وَ مَتَاعٍ وَ دَوَابَّ- فَاحْتَمَلَ مَعَهُ الزَّادَ وَ الرَّاحِلَةَ- وَ انْطَلَقَ مَعَهُ الْمُغَنِّيَاتُ وَ النَّوَائِحُ- فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَدِينَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ- أُخْبِرَ الْمَلِكُ بِقُدُومِهِ- فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِ- وَ أَمَرَ لَهُ بِمَنْزِلٍ خَارِجٍ مِنَ الْمَدِينَةِ- فَنَزَلَ الْغُلَامُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ- فَلَمَّا جَلَسَ فِيهِ وَ نَشَرَ مَتَاعَهُ- وَ أَمَرَ غِلْمَانَهُ أَنْ يَبِيعُوا النَّاسَ- وَ يُسَاهِلُوهُمْ فِي بَيْعِهِمْ وَ يُسَامِحُوهُمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ- فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ شُغِلُوا بِالْبَيْعِ انْسَلَّ- وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ قَدْ عَلِمَ أَيْنَ سُجِنَ أَخِيهِ- ثُمَّ أَتَى السِّجْنَ فَأَخَذَ حَصَاةً فَرَمَى بِهَا لِيَنْظُرَ مَا بَقِيَ مِنْ نَفَسِ أَخِيهِ- فَصَاحَ حِينَ أَصَابَتْهُ الْحَصَاةُ- وَ قَالَ قَتَلْتَنِي فَفَزِعَ الْحَرَسُ عِنْدَ ذَلِكَ- وَ خَرَجُوا إِلَيْهِ وَ سَأَلُوهُ لِمَ صِحْتَ وَ مَا شَأْنُكَ- وَ مَا بَدَا لَكَ وَ مَا رَأَيْنَاكَ تَكَلَّمْتَ- وَ نَحْنُ نُعَذِّبُكَ مُنْذُ حِينٍ وَ يَضْرِبُكَ- وَ يَرْمِيكَ كُلُّ مَنْ يَمُرُّ بِكَ بِحَجَرٍ- وَ رَمَاكَ هَذَا الرَّجُلُ بِحَصَاةٍ فَصِحْتَ مِنْهَا- فَقَالَ إِنَّ النَّاسَ كَانُوا مِنْ أَمْرِي عَلَى جَهَالَةٍ- وَ رَمَانِي هَذَا عَلَى عِلْمٍ- فَانْصَرَفَ أَخُوهُ رَاجِعاً إِلَى مَنْزِلِهِ وَ مَتَاعِهِ- وَ قَالَ لِلنَّاسِ إِذَا كَانَ غَداً- فَائْتَوْنِي أَنْشُرْ عَلَيْكُمْ بَزّاً- وَ مَتَاعاً لَمْ تَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ فَانْصَرَفُوا يَوْمَئِذٍ- حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ غَدَوْا عَلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ- فَأَمَرَ بِالْبَزِّ فَنُشِرُوا وَ أَمَرَ بِالْمُغَنِّيَاتِ وَ النَّائِحَاتِ- وَ كُلِّ صِنْفٍ مَعَهُ مِمَّا يُلْهَى بِهِ النَّاسُ فَأَخَذُوا فِي شَأْنِهِمْ- فَاشْتَغَلَ النَّاسُ فَأَتَى أَخَاهُ فَقَطَعَ عَنْهُ أَغْلَالَهُ- وَ قَالَ أَنَا أُدَاوِيكَ فَاخْتَلَسَهُ وَ أَخْرَجَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ- فَجَعَلَ عَلَى جِرَاحَاتِهِ دَوَاءً كَانَ مَعَهُ- حَتَّى إِذَا وَجَدَ رَاحَةً أَقَامَهُ عَلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ لَهُ- انْطَلِقْ فَإِنَّكَ سَتَجِدُ سَفِينَةً قَدْ سَيَّرْتُ لَكَ فِي الْبَحْرِ- فَانْطَلَقَ سَائِراً فَوَقَعَ فِي جُبٍّ فِيهِ تِنِّينٌ- وَ عَلَى الْجُبِّ شَجَرَةٌ نَابِتَةٌ فَنَظَرَ إِلَى الشَّجَرَةِ- فَإِذَا عَلَى رَأْسِهَا اثْنَا عَشَرَ غُولًا- وَ فِي أَسْفَلِهَا اثْنَا عَشَرَ سَيْفاً- وَ تِلْكَ السُّيُوفُ مَسْلُولَةٌ مُعَلَّقَةٌ- فَلَمْ يَزَلْ يَتَحَمَّلُ وَ يَحْتَالُ- حَتَّى أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنَ الشَّجَرِ فَتَعَلَّقَ بِهِ وَ تَخَلَّصَ- وَ سَارَ حَتَّى أَتَى الْبَحْرَ- فَوَجَدَ سَفِينَةً قَدْ أُعِدَّتْ لَهُ إِلَى جَانِبِ السَّاحِلِ- فَرَكِبَ فِيهَا حَتَّى أَتَوْا بِهِ أَهْلَهُ- عَمَّرَكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ تَرَاهُ عَائِدٌ إِلَى مَا قَدْ عَايَنَ وَ لَقِيَ قَالَ لَا- قَالَ فَإِنِّي أَنَا هُوَ فَيَئِسُوا مِنْهُ- فَجَاءَ الْغُلَامُ الَّذِي صَحِبَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ- وَ قَالَ اذْكُرْنِي لَهَا وَ أَنْكِحْنِيهَا- فَقَالَ الْغُلَامُ لِلْمَلِكِ- إِنَّ هَذَا يَقُولُ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُنْكِحَنِيهَا الْمَلِكُ- فَقَالَ لَا أَفْعَلُ قَالَ أَ فَلَا أَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا قَالَ بَلَى- قَالَ إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِي قَوْمٍ- فَرَكِبُوا سَفِينَةً فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ لَيَالِيَ وَ أَيَّاماً- ثُمَّ انْكَسَرَتْ سَفِينَتُهُمْ بِقُرْبِ جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ فِيهَا الْغِيلَانُ- فَغَرِقُوا كُلُّهُمْ سِوَاهُ وَ أَلْقَاهُ الْبَحْرُ إِلَى الْجَزِيرَةِ- وَ كَانَتِ الْغِيلَانُ يُشْرِفْنَ مِنَ الْجَزِيرَةِ إِلَى الْبَحْرِ- فَأَتَى غُولًا فَهَوِيَهَا وَ نَكَحَهَا- حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الصُّبْحِ قَتَلَتْهُ- وَ قَسَمَتْ أَعْضَاءَهُ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا- وَ اتَّفَقَ مِثْلُ ذَلِكَ لِرَجُلٍ آخَرَ- فَأَخَذَتْهُ ابْنَةُ مَلِكِ الْغِيلَانِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ- فَبَاتَ مَعَهَا يَنْكِحُهَا وَ قَدْ عَلِمَ الرَّجُلُ مَا لَقِيَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ- فَلَيْسَ يَنَامُ حَذَراً- حَتَّى إِذَا كَانَ مَعَ الصُّبْحِ قَامَتِ الْغُولَةُ- فَانْسَلَّ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى السَّاحِلَ- فَإِذَا هُوَ بِسَفِينَةٍ فَنَادَى أَهْلَهَا وَ اسْتَغَاثَ بِهِمْ- فَحَمَلُوهُ حَتَّى أَتَوْا بِهِ أَهْلَهُ- فَأَصْبَحَتِ الْغِيلَانُ فَأَتَوُا الْغُولَةَ الَّتِي بَاتَتْ مَعَهُ- فَقَالُوا لَهَا أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي بَاتَ مَعَكِ- قَالَتْ إِنَّهُ قَدْ فَرَّ مِنِّي فَكَذَّبُوهَا- وَ قَالُوا أَكَلْتِهِ وَ اسْتَأْثَرْتِ بِهِ عَلَيْنَا فَنَقْتُلَنَّكِ إِنْ لَمْ تَأْتِنَا بِهِ فَمَرَّتْ فِي الْمَاءِ حَتَّى أَتَتْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَ رَحْلِهِ- فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وَ جَلَسَتْ عِنْدَهُ وَ قَالَتْ لَهُ- مَا لَقِيتَ فِي سَفَرِكَ هَذَا- قَالَ لَقِيتُ بَلَاءً خَلَّصَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ- وَ قَصَّ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ وَ قَدْ تَخَلَّصْتَ قَالَ نَعَمْ- فَقَالَتْ أَنَا الْغُولَةُ وَ جِئْتُ لِآخُذَكَ فَقَالَ لَهَا- أَنْشُدُكِ اللَّهُ أَنْ تُهْلِكَنِي- فَإِنِّي أَدُلُّكِ عَلَى مَكَانِ رَجُلٍ- قَالَتْ إِنِّي أَرْحَمُكَ فَانْطَلَقَا حَتَّى دَخَلَا عَلَى الْمَلِكِ- قَالَتْ اسْمَعْ مِنَّا أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ- إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِهَذَا الرَّجُلِ وَ هُوَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ- ثُمَّ إِنَّهُ كَرِهَنِي وَ كَرِهَ صُحْبَتِي فَانْظُرْ فِي أَمْرِنَا- فَلَمَّا رَآهَا الْمَلِكُ أَعْجَبَهُ جَمَالُهَا فَخَلَا بِالرَّجُلِ فَسَارَّهُ- وَ قَالَ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَتْرُكَهَا فَأَتَزَوَّجَهَا- قَالَ نَعَمْ أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ فَتَزَوَّجَ بِهَا الْمَلِكُ- وَ بَاتَ مَعَهَا حَتَّى إِذَا كَانَتْ مَعَ السَّحَرِ ذَبَحَتْهُ- وَ قَطَعَتْ أَعْضَاءَهُ وَ حَمَلَتْهُ إِلَى صَوَاحِبَاتِهَا- أَ فَتَرَى أَيُّهَا الْمَلِكُ أَحَداً يَعْلَمُ بِهَذَا ثُمَّ يَنْطَلِقُ إِلَيْهِ- قَالَ لَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْغُلَامِ فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ وَ لَا حَاجَةَ لِي فِيمَا أَرَدْتُ- فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ يَعْبُدَانِ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ- وَ يَسِيحَانِ فِي الْأَرْضِ فَهَدَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِمَا أُنَاساً كَثِيراً- وَ بَلَغَ شَأْنُ الْغُلَامِ وَ ارْتَفَعَ ذِكْرُهُ فِي الْآفَاقِ فَذَكَرَ وَالِدَهُ- وَ قَالَ لَوْ بَعَثْتُ إِلَيْهِ لَاسْتَنْقَذْتُهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ- فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ- إِنَّ ابْنَكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ قَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَهُ- وَ أَمْرَهُ فَأَتَاهُ وَالِدُهُ وَ أَهْلُهُ فَاسْتَنْقَذَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ- ثُمَّ إِنَّ بِلَوْهَرَ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ- وَ اخْتَلَفَ إِلَى يُوذَاسُفَ أَيَّاماً حَتَّى عَرَفَ- أَنَّهُ فَتَحَ لَهُ الْبَابَ وَ دَلَّهُ عَلَى السَّبِيلِ- ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَى …

بحار الأنوار — كتاب الروضة · قصة بلوهر و يوذاسف

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.